الشويرة - omandaily

    • الشويرة - omandaily

      الشويرة | جريدة عمانالاثنين, 1 جمادى الأول 1435هـ. 03 مارس 2014م
      الرئيس التنفيذي
      د. إبراهيم بن أحمد الكندي
      رئيس التحرير
      سيف بن سعود المحروقي


      محمد سيف الرحبي -
      إذ تلقفك مسارك المعتاد قريبا من ضاحية (الهناقرة) تصاعدت أبخرة من مرارتك، تكسر شيئا في عمق روحك، لا تعرفه بالضبط، زجاجه يمزقك،* زجاجك يجرح بواطنك، وأنت ماض في سيرك، طعم التمر عالق في أسنانك ونكهة القهوة مرّة أكثر مما ينبغي تكاد تشقّ حلقك، والدائرة المعتادة في سبلة سعيد بن سالم في كل ضحى سقتك المرارة دون وعي منك، وربما بوعي منها.
      الخطوات محض فراغ، والمسافات تثقلك، تضع تاريخك على كتفك، تاريخ الأسلاف المتناسلين من حيث لا تدري، وحدها سرور قابضة على جرحك، تضغط عليه وقتما تشاء، كيفما تشاء، وتدميه متى ما تشاء، جراحك سواقي فلج تمتد من أول نخلة في سرور إلى آخر نخلة فيها، تخرج أسلافك من مقبرتها الشرقية، تنثرهم فوق جراحك كالملح، الجراح التي لا تلتئم ضفافها، ولا تكف عن سكب صديدها على مسارات دربك.
      قدماك تتحركان بثقلهما، واحدة تدفع الأخرى للسير على دروب ألقتها.. ولم تألفها رغم تكرار المسير والمسير أيها الموجوع أبدا، لا نخل سرور قادر أن يظلك ولا دروبها تنساب تحت قدميك لتحملك إلى مأمنك الذي تنشده روحك..
      بمحاذاة جدار ضاحية الهناقرة سرت.. وتلفت كمن يبحث عن ضائع، تدرك أنه ضياعك، السكينة التي ما وجدتها يوما، لو أن عروق نخيل سرور تدسّها لتتبعتها جذرا بعد آخر، لكنك غارق، أو أنهم أغروقك، في سنوات مضت، وتكاثرت، وارتفعت أكثر من علو جبال سرور، الشرقية والغربية، ونأت بعجزها عن مداراة أمسك. هذه السعفات تلوّح بشجن غريب، عرفته قبل يومك، لكنه موجع جدا هذا الصباح، وشديد الوطء عليك.
      عزّت عليك ضاحية الهناقرة، تحدوك، وكنت تريدها بأي ثمن، من يطلب عزا لا يبخل بالمال، وقد أردته بقوتك التي شمخت بتكدس ما تملك.. سوى روحك، بقيت على انكساراتها، خائفة ومترددة، حلّقت كثيرا فوق ضاحية الهناقرة، لكنها لم تبارح عروق النخيل التي سمقت وتجمّلت، ازدانت بالليمون والأمبا، أردتها “عزوتك” وعزاءك، منعوك دونها، قالوا لن يشتريها غريب عن قبيلتهم، الشيك المربوط بعناية في طرف مصرّك لن يكفيهم، لا تعرف سرور كم تملك إلا ما فوق ترابها، “الضاحية” الفلانية اشتريتها، وأخرى فسلتها، وثالثة وعاشرة، وهكذا يمضون في الحساب، لا يعرفون عن بنايات اشتريتها في الوادي الكبير، عن ريالاتك التي تكاثرت في غفلة عنهم، لا يقتنعون أنك من سلالة البيت العود، البيت العود لم يعد هناك، كما لم تعد سلامة بنت يحيى تملأ الشويرة بحضور مبهر.. غيّبت حكاياتها عن سلامة بنت يحيى ورصاصتها في قلب الذئب تحت الغافة، نسيت شجرتها تلك الحارة، تناسلت كثيرا، وضيّعت ذاكرتها أكثر، فتناست.
      في السبلة متسع لك، تجلس إلى صدره، كأي قبيلي ثري، تردم الهوّة السحيقة بين حياتين، ذاتين، بين عرقين للأسلاف ورثتهما معا، وأورثوك وحدا، الذي ترغب بالتبرؤ منه، تعيد الحديث عن اليوم، والغد المنذور لحياة مختلفة تمدّ بساطها ذريتك.. بما بلغته من ثراء.
      لكنها حارتك، لا تحتفظ إلا بالصور القديمة، بـ”البيت العود” وساكنيه، الموتى والأحياء، تعرف مسار الموتى، ولا تدرك أين تفرق الأحياء، وحدك تعيد سيرتهم الأولى، أما الأموات فتعرفهم الشويرة واحدا واحدا، قد تتخيل أنها تعرفهم، علاقتها مقدسة مع مقبرتها، تدور في حياتها لتبلغ أقصى حدود الأشياء، وأقصاها السير نحو المقبرة المجاورة، كأنها امتداد، لا تبعد عنها، تحاذي بيوتها حدّ الالتصاق.
      أثقلك العمر، وأشياء لا تحصى انثالت عليك، راهنت على العمر لتتجاوزها، لتصعد عليها وتكبر، تسمق أكثر كما تشتهي، لتكون من سلالة سلامة ابنة يحيى، لا ابنة خادوم، إنما العشق المجنون أيها المكابر.
      لم تجرب العشق لتدرك جمرك إذ تلظى به جدك، فارق البيت العود وسار لـ”عريش” بنت خادوم، هناك ابنته الصاهدة بأنوثة أحرقت كبد جدك، تنازل عن عرش البيت العود، عن مجد سلامة بنت يحيى، المرأة التي تشير لفلج الحيلي فيغير مساره إليها متخذا من سراديب الأرض منافذ ليصل إلى حيث تريد، لكن مسار العشق أقوى من جبروتها، جداول قلب جدك عصية على قدرة بنت يحيى، صمتت، كان كبرياؤها يمنعها من التدخل في توافه لا تليق بامرأة من كبرياء، كأنه لم تخلق من ذات الطين الذي خرج من رحمه أهل سرور وأهل الأرض، مرّت عشرات السنين تتبع بعضها البعض في متاهة لا تحصى من الأعوام، وناره لا تزال تتقد، أدخنته تتكاثف في روحك، كجذع نخلة إذا خبت النار فيه بقيت تأكل عمقه فلا يظهر منها إلا الدخان.
      تأخذ طريقك يسارا، التفاتا إلى السوق القديم، عرفته قبل ما لا يحصى من الأعوام، منذ أن كنت طفلا لم يبلغ العاشرة بعد، رسمت خرائط دكاكينه واحدا واحدا، وعندما عدت وجدت ذات الخرائط، لا تتذكر أسماء من كانوا فيه، رسمته من جديد، كنت شاهدا بمرورك اليومي في خارطته، خرائط الناس قبل الأرض، ليس إلا بضعة دكاكين تتناثر على الساقية تحت أشجار الأمبا، تكسرت الأعوام عليه، غادروا جميعا، تساقطت الجدران، بين رحيلك وأوبتك خيوط كأنها من ليف النخيل وقد عرفتها أصابعك كثيرا تحبك ضعفها فتكبر حبالا، فتكسب مالا في كل دقيقة تمر عليك، عرفك الفجر مستيقظا تذرع النخلات بحثا عن (رقاط) تبيعه لاحقا طعاما للمواشي، وعن فرصة كسب تلقي بها سرور في أزقتها، عن سعف النخيل اليابس تصلحه فتتبتل أصابعك من خلاله تصنع السرود والوصلان والسفيف، في كل سانحة تملأ يديك بالتراب لتحوّله تبرا.
      تجلس على الساقية انتظارا لموعد السقي بالفلج فتتحرك أصابعك كسبا للوقت على الخوص تلفّه كي ينبت على يديك ما يمكنك بيعه، في مواسم القيظ تتبع الطناء لتجني الرطب والتمر، وحينما يتكدس التمر جرابا فوق آخر ستجد من يشتري منك قواطي الدبس، على كل أصبع في يدك أثر، على معصمك أثر حبل تعلقت به لتنجو من سقطة كادت تقتلك، تمنيت أكثر من مرة لو أنه انقطع وتركت حياتك، لكنك عصي على الموت، ترى الأعوام تتكدس على جبينك، مات من مات، وبقيت صامدا في وجه الفناء، ما تريده يفنى لا يفنى.
      تسعون عاما تجرها ببساطة متناهية، كأنه لا أحد من سلالتك سواك، كأنه حضور سلامة بنت يحيى يخفيهم ليظهروا جميعا دفعة واحدة، معهم جدك الأول الذي لا تعرف سلالة قبله، الرجل الذي حسدته سرور قبل أكثر من مائة وخمسين سنة لأنه يضاجع سلامة بنت يحيى، الملكة القادمة من غيوب يجهلونها، لكنهم يخشون التساؤل عن هذا الذي يضاجع بنت يحيى، لا تتذكر سرور التي تعرفها الآن سويد الذي وقعت لسانه في فمه فغص بها، بقي حيا لكن لا لسان له، همس في أذن الشايب حمدان أن سلامة بنت يحيى هي التي تضاجع زوجها وليس هو من يضاجعها، ضحك الشايب حمدان بقوة وأخبر بقية الجالسين على جدول الفلج أمام دكان سعود بن سليمان بما أضحكه بقوة، كان على سويد أن يبكي ابنا أو حبيبا سيفارقه لأنه أضحك مجالسي السوق عن شيء يخص بنت يحيى.
      تترك الحكاية وراءك تتبع مسيرك، تخطط لشراء ضاحية أولاد سليم، لديك آلاف تكدست وعليك واجب البحث لها عن صفقة، لترفعك أكثر في هذه القرية التي لا تريد تذكر أنك من سلالة البيت العود.
      لكنك أمام انكسار روحك.. فقير، أفقر مما كنت حين أبت من البحرين، بقيت سرور سكنك نحو أربعين عاما عرفت فيها البحرين ولم تعرفها، تغذي أخيلتك أغنيات سالم الصوري ومحمد سلطان المقيمي، تزيد من حدة الشجن وأوجاع غربة أردتها عاما أو عامين فإذا بها تمتد أربعة قرون، حلمت بسكنى البيت العود، والبيت لم يعد بيتا، كأنك نسيت روحك هناك، فتساقطت الجدران عليها، أينما يمت لم تجد تلك الروح الشقية، سافرت بدون روح، عبرت البحر في فجر يوم قائظ، لم تنتبه، وأنت الطفل الراكب البحر أن روحك أبقيتها في الشويرة، وأودعت مكانها حنينا للمكان يستنزفك، نخيل البحرين يحفز ذاكرتك على الاندفاع أكثر صوب وادي سمائل حيث الضفاف نخيل يتمايل، تشبهها نخيل الغربة في الشموخ، لكنها لا تعطيك الحب الذي عرفته من نخيل سرور، تتسلقها طفلا، وتعود حينما تشاء إلى البيت العود، تحتضنك رائحة جدتك (العودة) سلامة بنت يحيى، حتى إذ تقف كتمثال جامد نظراته أبعد مما تتخيله حينما كنت طفلا لا تفقه أمر تباين لون بشرتك عنها، أنت المأخوذ بالبحر، بميناء مطرح يحملك على خشبة تتبع والدك إذ يحاول التأكد من أنكم في أمان من الماء الممتد حدّ الشوف.
      لم تأخذك البحرين إليها وبقيت غريبا، رغم أنها أخذت منك نحو نصف عمرك.. وعدت، ووجدت الغربة بانتظارك.
      لا قيمة للسنوات حين تحسبها الغربة، العمر فيها مجرد أيام تتوالى، وتتكدس على بوابات الأمل بالعودة، رأيت من سحبهم الأمل عشرات السنين، وكلما حلّ فصل قالوا في الفصل القادم سنعود إلى عمان، في العام المقبل سنركب السفينة ونعود، وتحل فصول، وتنفلت سنوات، وتمر مراكب وسفن، تأتي بقادمين آخرين، وتذهب بمتعبين.
      اشتقت لترى السيح الذي حدثوك عنه كثيرا، وفتشت عنه أكثر بين تلال الذاكرة المتداعية برمل الطفولة المتدثر بجمال مكتوب بعين طفل يشاغب التربة فتقربه إلى الأرض أكثر، اليوم لم يبق السيح فراغا يسوّر بيوت الشويرة كما وضعت الطفولة صوره في خزائنها، البيوت الأسمنتية وقفت على أعتاب الجبل الشرقي، أما الغربي فحماه الوادي عنهم، وقفوا في البناء عند حافة الوادي متخذين من الجسر ملاذا من المياه المتدفقة في مواسم السيول.

      مارس 3, 2014