مدينة تتسع لعشاق الأرض أجمعين - omandaily

    • مدينة تتسع لعشاق الأرض أجمعين - omandaily

      عبدالله حبيب -
      المقاطع من ( 4 ) الى ( 15 ) من كتاب عبدالله حبيب الجديد “صخرة عند المصب : مقاطع من رسائل حب”* الصادر عن دار مسعى البحرينية
      (4)
      “وتَبْغْى زياده في حُبَّك؟!/ أجيب لك قلب تاني مْنْيْنْ”؟!.
      ها أنا أقول لك للمرة الثانية خلال أقل من ثلاثة أيام إن صوت طلال مدَّاح (الذي أستمع إليه من جديد وأنا أكتب لك هذه السطور) يبدو أنه مُصَمَّمٌ لأشجاني، واشرئباباتي، وحروف قلبي الثالث، وحُرُوقِه!.* كم أشعر أن في صوته مزجاً خلاقاً لـ”شبه الجزيرة” و”الخليج” ومزاوجة غير عاديَّة أبداَ للجبل، والصحراء، والبحر!.
      يا لتلك الطبوغرافيا النغميَّة الثريَّة في حنجرته الهائلة!.* كم أحس أنني من هذا المكان حين أستمع لأغنياته!.* كم أحس أنني أستطيع التعرَّف إليك أكثر، وأن أفهمك أكثر!.
      هذا ناهيك – من ناحية موضوعيَّة صرف – عن أنه لا ينبغي أبداً أن ننسى أن طلال مدَّاح كان من أوائل من “تجرأوا” في كسرٍ مجيدٍ للتَّابو وغنَّوا الأغنية الأيروسيَّة/ البورنوغرافيَّة (آه!، وحده بول أوستر يعرف الفرق بين ما هو “أيروسي” وما هو “بورنوغرافي”!) في منطقتنا هذي من العالم (“أنا أتمنى أعانق شَلْحَتِك/ والباب مقفول جُوَّه غرفتك”) وذلك ضمن ظروف واعتبارات أقل من مثاليَّة بكثير.
      ثم يا لتلك اللوعة في صوته – لوعة لا يمكن إخفاؤها مهما كانت ثيمة الأغنية وكلماتها سواء أكانت “يا طفلة تحت المطر” أو “سويعات الأصيل”، وهذا يمس شغافي في عمق الأعماق.* وهل يمكن أن يَخرَّ إنسان ما وهو يغني على المسرح للناس وأمامهم ما لم يكن روحاً ملتاعاً؟!.* إنني أحبه وأحترمه لدرجة أنني أحسده على كيفية موته.
      “أيها المستحيل الرابع/ ارفق بي/ وتَحَقَّق” (قاسم حدَّاد).* أعرف أني أقول هذا للمرة الخامسة خلال….
      أحبك للمرة الـ…سادسة.
      هل أتوقف عن حبك للمرة الـ…؟.
      لا، للمرة الـ….
      “وتَبْغْى زياده في حُبَّك؟!/ أجيب لك قلب ثاني مْنْيْنْ”؟!.
      (5)
      المشابك السوداء الصغيرة التي تشبكين بها شعر رأسك (أحتفظ ببعض مما تنساه خصلاتك على أصابعي، أو على السرير، أو على الكَنَبة، أو بين دفَّتي كتاب، وتفتح ذاكرتي آهاتها الملتاعة بأسنانك وهي تفكها وتغلقها على عجل في زياراتك السَّريعة سرعة إقلاع وهبوط طائرة لم تعرف العشق يوماً) توزِّع الفوضى العنيفة والرائعة على الوجود والكائنات، تماماً كاللحظة التي يغطي فيها شعر رأسك وجهينا كي لا يرى أحد ما تفعله شفاهنا بالظمأ للنار.
      (6)
      مُتْرَفٌ في جَماله؛ جميل في جلاله؛ جليل في كبريائه؛ مكابِرٌ في تَمَنُّعِهِ؛ نارٌ في اختلاجه؛ مختلِج في أشواقه؛ فاتن في عليائه؛ عالٍ، غالٍ، مُغَالٍ في استلقائه؛ مُستَلْقٍ بين أعشابه؛ مُعْشِبٌ في آهاته؛ أَوَّاهٌ في لمساته؛ لَمَّاحٌ شَقِيٌّ في اقتراحاته؛ أملس في لَثْمِهِ؛ ثملٌ في احتدامه؛ حلوٌ في اندلاقه – أحبه.
      (7)
      ما زلتُ أشْتَمُّ أنفاسك البحريَّة منذ لقائنا الأخير.* يصعب على أي علم اكتشاف ما يصدر عن الإبط* من حليب، وما يأتي من الخصر من هواء.* كيف حدستِ – يا من تكرهين الحساب والرياضيات مثلي -* أن قارورة رائحة القواقع الخاصة جداً التي أهديتني قبل أسبوعين من لقائنا الأخير قد أوشكت على النَّفاذ؟.
      كيف عرفت (يا الساحرة يا الشيطانة يا بنت الذين!) أن نجمة على قمَّة آخر جبل في آخر الأرض كادت تجف؟.
      كيف؟!.
      (8)
      أيُّ عَصَبِيَّةٍ تلك في أن أقولَ ما قلتُ لأن ما قلتُ لا يفتقر إلى الصواب بالكامل- من وجهة نظري على الأقل- أثناء حديثنا عن [...]؟.* وأي عصبيَّة في أن يكون لِصَوتِ المرء نبرةٌ توكيديَّة جاءت بالخِلقة أو بالجينات، ويُفترَض أن يكون مستمعي ذلك المرء – خاصة من يحبونه وأنت تاج رأسهم يا سيدتي الوحيدة – قد ألِفوها لأنه – كي لا يلتبس عليهم الأمر فيسيئوا فهمه ـ قد أخبرهم عنها بما يشبه الاعتذار عن خطايا الجينات والكروموزومات؟.
      “نْزْيْنْ بَسْ بَسْ”، أو ” نْزْيْنْ لا تْعَصِّبْ”، أو ” نْزْيْنْ خَلاص خَلاص” هي تُهَمُكِ الجائرة في تكرارها، والتي تجعلني أرتكب بسببها حماقات وخطايا لفرط ما أنا بريء منها.
      قلت لك ذلك من قبل مراراً، وقد أصبحتُ لا أدري فعلاً ما الذي يروق لك في أن تحاولي إقناعي دوماً بأني أَبْكَمٌ، أو بأن ما أقوله لا يعدو كونه همهمات مبهمة لأخرس ما “يقوله” لا يعني سواه، لأنه لا يغادره إلى غيره.
      إنني أجثو أمامك وأضم إلى صدري ركبتيك الأكثر شعاعاً من رُمَّانتين عند الغروب في السماء الثانية فوق الجبل الأخضر متوسلاً ألا تبكي كعادتك حين تقرئين عتاباتي.
      ما مِنْ حُبٍّ من غير عتاب يا حبيبتي.
      أتوسل إليك.
      (9)
      لأننا روحان صغيرتان مثل أنفاس فَراشتين في العشق، أرأيت كم كان سريري المُفَرَدُ ذو المخدة الواحدة كافياً لنا ليلتين؟.
      لقد كان السرير الصغير صغيراً لدرجة إني حين عدت إلى الشقة مباشرة بعد أن أخذتك إلى المطار لم أجده في زاوية الحجرة الصغيرة!.* ببساطة شديدة:* اختفى السرير الصغير!.
      لكني وجدت في مكانه مدينة تتسع لعشاق الأرض أجمعين.
      ومن تلك المدينة أكتب لك الآن يا حبيبتي.
      (10)
      الماء الذي تدفق علينا ولَهَونا به انهمر من عيني الأبديَّة.* قطرات الشفافيَّة وهي تسيل في تلك الظهيرة على نهديك وردفيك، والقطرة العنيدة التي تشبَّثت بسُّرَّتك.
      ألهذا أنت غيمة من حلم، ولحم، ودم، وقطن، ودموع؟.
      (11)
      ما يفرِّقنا ليس ما يُفرِّق بيننا؛ بل هو الفرق بيننا- الفرق الذي لولاه لما التقينا.
      (12)
      اشتقت إليك منذ طلوع شمس هذا اليوم حتى ظهيرته بما يكفي لشروق عشر سماوات وإذابة عشر لغات.
      (13)
      في كل ليلة، وفي كل صباح، أُحَمِّلُ حُمَّاي الزَّاجلة أصابعي وشفتيَّ إلى حمامتيك.
      (14)
      صداقتنا، صداقتنا، صداقتنا، لا تهجريها يا حبيبتي.
      (15)
      لا أكتب لك من بيتي؛ فبيتي يكون حيث تكونين.* لا بيت لي كما تعلمين.* أكتب لك الآن من حنين جدران شريدة في بلاد قريبة.
      ليس لي بيت إلا أنت.