استخلاصات الانفتاح الفكري على الآخر - omandaily

    • استخلاصات الانفتاح الفكري على الآخر - omandaily

      استخلاصات الانفتاح الفكري على الآخر | جريدة عمانالاثنين, 22 جمادى الأول 1435هـ. 24 مارس 2014م
      الرئيس التنفيذي
      د. إبراهيم بن أحمد الكندي
      رئيس التحرير
      سيف بن سعود المحروقي


      جدل الانفتاح الفكري في تاريخ المسلمين* «10-10» -
      مشتاق بن موسى اللواتي -
      استطاعات المطارحات الفكرية حول العلوم الوافدة* بين مختلف التيارات والاتجاهات – في بعض مراحلها – أن تخترق الحدود المصطنعة فيما بينها، مما قاد إلى فتح منافذ الانفتاح المعرفي بحيث انتهى الأمر إلى إنهاء حالة القطيعة التامة مع تلك* العلوم.
      ظل الفلاسفة على مواقعهم الفكرية وأكدوا أن* هدفهم من الانفتاح على «علوم الأوائل» هو* البحث المعرفي المجرد عن حقائق الوجود. ورفضوا ربط العلم والمعرفة بالجغرافيا أو التاريخ أو الدين أو اللون أو العرق، لبداهة أن الحقيقة العلمية تتعالى على هذه الاعتبارات. ومن ثم لم يجدوا حرجا من اقتباس المعرفة من أي مصدر كان بصرف النظر عن هويته وانتماءاته.
      يقول الفيلسوف الكندي: ينبغي ألا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق، وليس ينبغي بخس الحق ولا تصغير قائله ولا بالآتي به. ويصرح ابن رشد: يجب علينا إن ألفينا لمن تقدمنا من الأمم السالفة نظرا في الموجودات واعتبارا لها بحسب ما اقتضته شرائط البرهان، أن ننظر في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فما كان موافقا للحق قبلناه منهم وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم.
      والناظر في بعض كلماتهم يلاحظ أنها تنبض بالإصرار على قناعاتهم، وفي الوقت نفسه تكشف عن منطلقات ونظرات إنسانية متقدمة لديهم حيال قضايا العلم والفكر والمعرفة. فقد رفضوا تصنيف المعرفة إلى عربية أو يونانية أو مسلمة أو كافرة.
      وإذا تأملنا في كلماتهم الآنفة نجد أنها تنسجم مع القيم التي حثت عليها بعض المأثورات الدينية، من قبيل ما ورد عن النبي – صلى الله عليه وسلم- «اطلبوا العلم ولو في الصين». وهذا الحديث وأن رده جملة من العلماء، لكن نقل عن البيهقي، بأن* متنه مشهور وأسانيده ضعيفه، وعن الحافظ المزي بأن له طرقا ربما تصل بمجموعها الحسن. وجاء في حديث آخر وإن كان بسند ضعيف عند الترمذي وابن ماجه والكليني في الكافي غير أن مضمونه مقبول «الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها فهو أحق بها».
      والواقع أن تقابس العلوم والمعارف وتبادل الفنون والآداب بين الأمم يعتبر من سماة الحضارات الإنسانية على مر التاريخ. فما من حضارة إنسانية إلا وقد اقتبست واستفادت من منجزات الحضارات التي تعاقبت قبلها.
      والدارس في معطيات الجدل الفكري في تاريخ المسلمين حول الفلسفة الوافدة والمنطق الوافد والعلوم الوافدة، يلاحظ بوضوح أن ما قدمه فلاسفة المسلمين من منجزات فكرية مركبة أسهمت في تقدم الحضارة العالمية، هي محصلة جهود علماء ومفكرين من أديان ومذاهب متنوعة وقوميات وأقاليم مختلفة وخلفيات ثقافية وحضارية متعددة. فقد أسهم فيها العراقي والشامي والمصري والطوسي والرازي والسهروردي والأندلسي والمغربي. كما اشترك الكتابي مع المسلم حيث كان أشهر المترجمين منهم مثل يوحنا بن ماسويه الذي ترأس بيت الحكمة زمن المأمون، وحنين بن إسحاق وابن ناعمة الحمصي مترجم كتاب أثولوجيا الذي نسب خطأ إلى أرسطو ومنهم ثابت بن قرة الحراني الذي اختلف في انه كان صابئيا أو وثنيا وهكذا.
      من جهة أخرى، تعرض الفلاسفة إلى حملات شعواء من خصومهم بلغ بعضها مستويات التشكيك والطعن في إيمانهم حتى رموا بالكفر والزندقة.
      وظل وصف التبعية العمياء لفلاسفة اليونان يلاحقهم حتى هذه الأيام.
      واللافت للنظر، إن الباحث في ثنايا كلمات بعض أشد المهاجمين للنهج الفلسفي يجد فيها من اعترف – في بعض السياقات الجدلية -بأن فلاسفة المسلمين مع افتتانهم بفلاسفة اليونان لم يكونوا مجرد إمعات وتابعين لهم في كل نظرياتهم وآرائهم. فمثلا نجد ابن تيمية في معرض رده على من زعم أن العقلاء تلقوا المنطق بالقبول، ذكر أن كثيرا من نظار المسلمين ردوا عليه من مختلف الطوائف، ثم قال: وابن سينا وأتباعه خالفوا القدماء في طائفة من أقاويلهم وبينوا خطأهم، ورد الفلاسفة على بعض، أكثر من رد كل طائفة على بعض، وأبو البركات وأمثاله ردوا على أرسطوا ما شاء الله، لأنهم يقولون إنما قصدنا الحق ليس قصدنا التعصب لقائل معين ولقول معين.
      كما أن ابن خلدون – وهو ممن رفض نهج الفلاسفة واعتبره مضرا بالدين -* يصف ابن سينا بقوله: انه أوعب من ألّف في ذلك ابن سينا في كتاب (الشفاء)، جمع فيه العلوم السبعة للفلاسفة، ثم لخّصه في كتاب (النجاة)، وفي كتاب (الإشارات)، وكان يخالف أرسطو في الكثير من مسائلها، ويقول برأيه فيها.
      والواقع أن بعض من درس أعمال الفلاسفة المسلمين بعيدا عن المواقف الأيديولوجية المسبقة، ونظر إلى مجهودهم الفلسفي في إثبات حقائق الإيمان بالعقل والمنطق، أمكنه أن يميز بين الأصيل والدخيل من فكرهم – حسب نظره – وبالتالي لم يحكم عليه بالرفض كليا بجرة قلم.
      ومن هؤلاء العلامة الجسر الذي وصف أولئك الفلاسفة المسلمين بأنهم من أعظم المؤمنين بالله ومن اصدقهم برهانا على وجود الله وقد جمعوا إلى إيمان الوحي الصادق إيمان العقل السليم نورا على نور. ولكنه – في الوقت نفسه – انتقدهم بقوة، فيما نقلوه من آراء الأفلاطونية المحدثة وأدمجوه في فكرهم.
      يقول الجسر: ولكن هؤلاء أخذوا بترهات الأفلاطونية الحديثة وخيالاتها في مراتب الخلق ووسائطه واختلط عليهم الأمر فحسبوها من كلام أرسطو وحال إجلالهم للمعلم الأول دون تمحيصها.
      ودعا من يكتب عن هؤلاء: أن يمحص أقوالهم ويميز بين ما فيها من الحق النير والباطل المظلم. وبطبيعة الحال هناك من يخالفه ويرى أن مراتب الخلق ووسائط الفيض ليست مجرد تخيلات بل حقائق أقيم عليها الدليل الفلسفي.
      وأيا كان الأمر، فإن دراسة مسيرة الجدل الفكري الطويلة في تاريخ المسلمين حول قضية العلوم الوافدة تنتهي بنا إلى مجموعة من الاستخلاصات نجملها فيما يلي:
      1- إن انفتاح أصحاب الاتجاهات الفكرية المختلفة على نتاجات بعضهم البعض من شأنه أن يزيل كثيرا من الالتباسات الفكرية ويزيد من فرص التفاهم فيما بينهم ويقرب بين وجهات نظرهم ويجسر الهوة فيما بينهم. وفي المقابل فإن اتخاذ مواقف أيديولوجية مسبقة من الاتجاهات المخالفة والإعراض عن الاطلاع على مصادرها والانفتاح على فكرها يقود إلى تعميق الفرقة وتوسيع الفجوة بينها. وأن كثيرا من التصورات السلبية عن بعض الاتجاهات المختلفة ترجع إلى قلة الاطلاع على مصادر الطرف الآخر وتجاهل قراءاته واجتهاداته.
      2- إن السجال الفكري الذي دار لعدة قرون بين التيارات الفكرية المتعددة حول علوم الأوائل انتهى إلى* إنهاء حالة القطيعة التامة معها، باستثناء* مجموعات محدودة متشددة ظلت محتفظة بقراءة سلفها. وأن الهجمة المضادة التي تعرضت لها العلوم الوافدة وأصحابها لم تنجح في توقيف مسار تأثيرها وامتداداتها في العلوم المنهجية المهمة التي وضعها علماء المسلمين مثل علم الكلام الذي يعنى بأصول الدين وعلم أصول الفقه الذي هو بمثابة منطق الفقه والذي يختص بالفروع العملية. نعم قد يقال إنها نجحت في تنحية عنوان الفلسفة واسمها ورموزها عن الصدارة في بعض المراحل.
      3- إن من أخطر القضايا التي رافقت الجدل الفكري في تاريخ المسلمين هو تدخل السلطات السياسية الحاكمة في شؤون الفكر والفلسفة والكلام، وقدها تحالفات مشبوهة بين بعض الاتجاهات والرموز الفكرية وفرض رؤيتها العقدية على المجتمع بشكل قسري مباشر. وكذلك افتعالها للتوترات والقلاقل بين التيارات الفكرية وتوظيفها للأغراض والمصالح السياسية. والأشد خطورة في كل ذلك، هو انسياق بعض أهل علم الكلام والفقه وانخراطهم في العمل معها لتنفيذ برامج سياسية تحت لافتات فكرية دينية.
      4- اتخذ الجدل الفكري حول العلوم الوافدة في بعض مراحله – ولا يزال – أسلوب الإقصاء عبر إصدار فتاوى التكفير والتبديع والتضليل من بعض الاتجاهات الفقهية والحديثية والكلامية بالإضافة إلى اتباع أساليب التحريض والقمع ضدها.
      وقد حان الوقت لمراجعة مثل هذه الأساليب واستبدال المطارحات المعرفية والحوارات الفكرية والجدال بالتي هي أحسن محلها، ومقابلة الفكر بالفكر وفق المنهجيات العلمية.
      5- إن الفكر الفلسفي وأن كان يعتمد المبادئ العقلية البديهية التي لا تحتاج إلى دليل وينطلق من الواضحات التي قياساتها معها ويتبع الأقيسة المنطقية – كما يؤكد أصحابه -، فإن نتاجاته – على إطلاقها – ليست في مستوى الوضوح والحسم والتوافق كما هو الحال بالنسبة للمسائل الرياضية. ولهذا تعددت المناهج وتكثرت الآراء فيها.* والتحدي الكبير الذي يواجه الفكر الفلسفي – بالمفهوم الواسع – لدى العرب والمسلمين – لا سيما في المجامع المهتمة به – يتمثل في مواكبة التطور في مناهج التفكير ومقاربة المعطيات المعرفية والمنهجية المستجدة، من قبيل ما يعرف «بعلم الكلام الجديد» و«فلسفة المعرفة» و«فلسفة الدين» وغيرها، والاستجابة الإيجابية للإشكاليات والتساؤلات المستجدة. إن الوقوف على المربع الفلسفي السالف والاكتفاء بإعادة إنتاج واستظهار المنجز التقليدي نفسه – رغم أهميته – بالشرح والتفسير والتعليق والترجيح، والتهيب من طرح أية قراءة نقدية لمرتكزاته، سواء من جهة الخطاب العنيف أو «المنهج التوليفي» الذي اتبعه بعضهم وما إلى ذلك، يمثل ذروة الانبهار الذي قد يوقع في شرك الجمود.
      وأخيرا، أن دراسة التحولات الفكرية والسياسية في تاريخ العرب والمسلمين تشير إلى أن التجاذبات* السياسية والمعارك الفكرية، كانت تؤدي – في بعض الأحيان – إلى تشكل اتجاهات تتسم بدرجة من الوسطية والاعتدال.
      ونظرا للمرونة التي تستبطنها اتجاهات الاعتدال، فإنها تتيح لها إمكانيات البقاء والاستمرار والتكيف مع الواقع والتواكب مع المستجدات مع التمسك* بمصادرها وأصولها الأصلية. وهذا، على عكس الاتجاهات المتشددة المغلقة فإنها تبقى جامدة في مواقعها نتيجة للعزلة التي تفرضها على نفسها.
      أهم المصادر والمراجع:
      1- محمد بن أبي يعقوب الوراق ابن النديم، الفهرست، تحقيق، رضا تجدد.
      2- محمد بن الحسن الطوسي، الفهرست، مؤسسة الوفاء، سنة 1083، بيروت.
      3- أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تعليق وتصحيح محمد محمد جابر، مكتبة الجندي.
      4- ابن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، مركز دراسات الوحدة، 1997، بيروت.
      5- ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، بيروت.
      6- ابن تيمية، نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، دار الكتب العلمية، بيروت.
      7- ابن تيمية، بيان موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول، هامش الميزان، دار الكتب العلمية، بيروت.
      8 – ابن خلدون، المقدمة، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.
      10- جلال الدين السيوطي، صون المنطق والكلام، دار الكتب العلمية، بيروت.
      11- الحسن ابن المطهر الحلي، كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ، مؤسسة الأعلمي، 1979 بيروت.
      12 – محمد حسني الزين، منطق ابن تيمية، المكتب الإسلامي، سنة 1979، بيروت.
      13 – علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، دار المعارف، 1978، القاهرة.
      14- عمر فروخ، تاريخ الفكر العربي، دار العلم للملايين، 1983م، بيروت.
      13- ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، الدار المتحدة للنشر، 1974، بيروت.
      15- محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، مؤسسة أهل البيت، 1986، بيروت.
      16- هاني نعمان فرحات، مسائل الخلاف بين الرازي و الطوسي، الغدير، سنة 1997، بيروت.
      17- نديم الجسر، قصة الإيمان، طرابلس – لبنان.
      18- مرتضى المطهري، محاضرات في الفلسفة الإسلامية، دار الكتاب الإسلامي، 1415 للهجرة.
      19- عبدالله نعمة، فلاسفة الشيعة، دار الفكر، 1987، بيروت.
      20- محمد عابد الجابري، ابن رشد، سيرة وفكر، مركز دراسات الوحدة العربية، سنة 2001، بيروت.

      مارس 24, 2014