ملحمة «عناقيد الضياء» .. تفتتح فعاليات الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية 2014 - omandaily

    • ملحمة «عناقيد الضياء» .. تفتتح فعاليات الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية 2014 - omandaily

      دشنت إمارة الشارقة مساء الأحد 30 مارس الماضي، أولى فعالياتها التي تحتفي فيها عاصمة الثقافة الإسلامية لهذا العام 2014م، وهو العام الذي استعدت له بتقديم برنامج زاخر بالأنشطة، وكان في صدارتها عرض الملحمة التاريخية “عناقيد الضياء”، حيث جهز لها مسرحا خصيصا، في موقع المجاز المطل على بحيرة خالد، تروي الملحمة سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومسيرة الإسلام وقيمه السامية، عربية الهوية وإسلامية الروح وعالمية الأداء.
      واجتذبت عروض “عناقيد الضياء” مئات الشخصيات الرسمية والفنية والثقافية والإعلامية، حضر بعضها من خارج دولة الإمارات العربية المتحدة، ليكونوا في طليعة من تسنى لهم رؤية العمل على مسرح المجاز، إضافة إلى جمهور كبير تكبد بعضه مشقة الحضور من مناطق بعيدة، ليشهد عملاً فنياً ضخماً، تمت الاستعانة في مراحل تصويره وإنتاجه بخبراء في التاريخ الإسلامي، ومتخصصين بإعادة تمثيل المشاهد التاريخية، وفق تقنيات غير مسبوقة في العالم العربي.
      الملحمة الشعرية “عناقيد الضياء” التي تضافرت فيها الكلمات الوضاءة للشاعر السعودي الدكتور عبد الرحمن العشماوي، وموهبة الموسيقار والملحن البحريني خالد الشيخ، مع أداء أربعة نجوم من العالم العربي، وهم: حسين الجسمي، ولطفي بوشناق، وعلي الحجار، ومحمد عساف، يقودون طاقماً مؤلفاً من 200 ممثل كومبارس، لتقديم مقاربة إبداعية، تحاكي فجر الإسلام المجيد، وتروي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلّم منذ ولادته وحتى وفاته.
      النهل من قبس الإسلام
      وفي هذا الإطار تحدث الشيخ سلطان بن أحمد القاسمي، رئيس اللجنة التنفيذية لاحتفالات الشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية لعام 2014 إلى الصحفيين والإعلاميين الذين غطوا العرض، حيث قال: فخورون بالنجاح الذي حققته الملحمة التاريخية “عناقيد الضياء” في إبراز القيم الإنسانية العظيمة، التي ميزت سيرة الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، في عمل فني مهيب، نال إعجاب الجمهور بكل أطيافه واهتماماته، وسعداء بالأصداء الطيبة التي لقيها من خلال تغطية وسائل الإعلام والجمهور الكبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
      وأضاف: مثلما كانت الشارقة على الدوام منارة مميزة في العمل الثقافي، كانت “عناقيد الضياء” أيضا مميزة في كل شيء، فالعمل الذي يمثّل الشارقة هو ذلك الذي ينهل من قبس الإسلام، ويعبّر عن طبيعته السامية وآفاقه الكونية الرحبة، ونتمنى أن نكون قد أسهمنا في إثراء المنظومة الفكرية العالمية بعمل فني يخدم الثقافة الإسلامية ويبرزها، لترتوي بفكرها وروحها أجيال الحاضر والمستقبل.
      وأكد عدد من الزوار والضيوف الذين شاهدوا العمل، أن “عناقيد الضياء” ليس عملاً تسجيلياً يستقصي سيرة الرسول عليه السلام ونشأة الإسلام فحسب، رغم أنه قدم صورة راقية وجلية في هذا الشأن، بل هو عمل ملحمي استقصى الاستفادة من جميع الفنون المتاحة، وتجييرها لمصلحة عمل فني شامل، يحشد بين ثناياه الإلقاء الشعري، والموسيقى، والغناء، والمشاهد التمثيلية الحية، والمقاطع السينمائية الاحترافية المعروضة في عمق المسرح، إضافة إلى الديكور المنفذ باحترافية كبيرة من خلال المجسمات، وتقاطعات الضوء التي شكلت لوحات مبتكرة على أرضية المسرح وخلفيته، وكذلك في فضاء المسرح الحر بسماء الشارقة.
      تضمن العرض عددا من اللوحات الفنية، حيث بدأت الأولى بعرض يخص الشارقة، وتضمنت الثانية مشاهد من مكة ومولد الهدى، ولخصت اللوحة الثالثة نزول الوحي، وخصصت الرابعة للإسراء والمعراج، وحكت الخامسة مشهد الهجرة إلى المدينة، وجاءت السادسة بمشاهد استقبال أهل المدينة المنورة للرسول الكريم، وصورت السابعة مشاهد من معركة بدر الكبرى، بكل ما فيها من بطولة وفروسية وقيم نبيلة، وجاءت اللوحة الثامنة بمشاهد مؤثرة من فتح مكة العظيم، وجسدت التاسعة الحزن الذي طغى على الجميع، حيث وفاة الرسول الكريم والتحاقه بالرفيق الأعلى، وتختتم اللوحة العاشرة بتسليط الضوء على رحاب الشارقة، إذ روح الإسلام تسري في فضاءاتها، حيث لم تحِد يوماً عن روح الإسلام وتعاليمه السامية، ولم تفترق عن لحظة الضياء الغامرة.
      تفاصيل عرض الملحمة
      في تجوال مهيب أخذنا العرض المسرحي الفني الملحمي من اللحظة الراهنة، حيث الشارقة تحتفي بجوهر الإسلام في احتفاليتها عاصمة للثقافة الإسلامية لهذا العام، إلى الأراضي المقدسة، حيث تفتحت شجرة الإسلام المباركة، مروراً بزمن الانتصارات والبطولات التي صنعت فجر الإسلام المجيد، تنطلق الملحمة من إمارة الشارقة، التي بزغت عناقيد الضياء في سمائها، ثم تستحضر روح التاريخ، وهي ترصد أهم الأحداث التي تضمنتها سيرة خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، من ولادة الهادي إلى نزول الوحي، ومن غار حراء، إلى رحاب الأرض كلها.
      وبروح شعرية دافقة وعبر مجموعة من اللوحات، تناجي الملحمة في مستهلّها فضاء الشارقة الذي تتكشف عناقيد الضياء في ثناياه، وهي تمسح العتمة بإشعاع الإسلام الذي ملأ آفاقها الرحبة، هكذا حين تتفتح بوابات الخير لينهل الإنسان من وحي السماء ورسالة الحق، التي بشّر بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. تبدأ الملحمة نشيدها، محتفية بتسمية الشارقة عاصمة للثقافة الإسلامية، وحصناً مضيئاً لها.. ذلك أن الفجر يشعّ بنور الإسلام، والفضاءات الحميمية لا تكف عن الابتسام، وقد تألقت بالأنوار: “أشرق الفجر، تجلى ضاحكاً.. فالصباحات هنا مبتسمة، وفضاءات المدى لملمها.. أفق النور ووحي الكلمة/ لملمت شارقة الخير المدى.. كخيوط من حرير مبرمة”.
      من أنوار الميلاد إلى نزول القرآن
      تأخذنا الملحمة إلى أم القرى، لمشاهدة نور الوحي وخاتم النبيين، وتحوز بذلك المجد العظيم، وتصبح قبلة للمسلمين في كل مكان وزمان، بعد أن أشرقت شمس الإسلام في سمائها، وفي غضون ذلك يأخذنا النشيد إلى زمن الجاهلية حيث تمتزج الموسيقى بصوت الراوي، وهو يقص علينا كيف نقضت أسس التوحيد في الكعبة الشريفة، التي بناها سيدنا ابراهيم عليه السلام وولده اسماعيل في ظل الأوثان التي ألهها القوم آنذاك، وصولاً إلى عام الفيل الذي شهد محاولة هدم الكعبة الشريفة وولادة الهادي عليه الصلاة والسلام.
      ولد الهادي.. بهذه العبارة المشرقة تصدح الجوقة في هذا المشهد.. ولد الهادي، إنه ميلاد لتاريخ جديد، ميلاد الإسلام التي بددت شمسه عصور الظلام. هنا نرى كيف تحتفي الأرض كلها بسيد المرسلين، حيث يشدو الكون، ويفوح أريج الورود، وتروي الينابيع التي جرت كل ظمآن، وحيث يفتح القادم أبواب النور ماداً يده بالخير للناس أجمعين.. آنذاك كانت الأرض كلّها والمدى كلّه، وكانت مكة المكرمة تنتظر ميلاد نبينا، الذي كان ميلاداً للرضا، وميلاداً للهدى الذي صعدت أم القرى معارجه وتدثرت بأثوابه المباركة فقد: “ولد الصباح ونوره .. في الكون أحسن مولد”.
      وانطلاقا من اليتم الذي نسج بداية المشوار، تحاكي الملحمة قلب حراء، الذي ينبض في جبل النور، والذي انتشى بذلك الضياء، حيث كان سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام يمكث في غار حراء منزل الوحي الأول، حيث اتصل وحي السماء بالأرض، فجاءت أولى آيات الفرقان معلنة ولادة الإسلام وبداية رسالته الجامعة.. هناك حيث شهدت الأرض لحظة من أجلّ وأعظم لحظات التاريخ.. لحظة نزول الوحي بكلمة “اقرأ” على أسماع نبينا محمد صلى الله عليه وسلّم.
      وتسري الملحمة سريان الماء في العبارة، وهي ترسم رحلة الإسراء والمعراج، حين سرى نبينا في جنح الدجى على متن البراق، من مكة المكرمة، يرى الآيات فيما بين الأرض والسماء، حتى انتهى إلى بيت المقدس، ثم يأخذنا إلى رحلة المعراج حين خرج عليه الصلاة والسلام مع جبريل إلى الملأ الأعلى عند سدرة المنتهى، ففي هذا التطواف تتندى الملحمة بندى السماء: “أنت بالمعراج قرّبت المدى .. وإلى السدرة جاوزت الفلك .. وبه فارقت أهل الأرض .. في رحلة الكون ورافقت المَلَك”.
      حدث الهجرة إلى مجتمع مكة
      تنتقل بنا الملحمة لتصور الهجرة الأولى حيث جموع المسلمين تخرج من أبواب مكة.. هكذا يتبدى المشهد.. ريحٌ تعول، فيما يحمل المسلمون مصابيح الإيمان.. إنها الهجرة الكبرى التي تصورها الملحمة آن يبزغ النور من العتمة الدامسة.. رحلة المنجاة التي أذن بها الرسول للمسلمين حين اشتد عليهم ظلم وبطش قومهم.. ترقبهم العناية الإلهية، وهم يقطعون الصحراء من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. إنها الرحلة المباركة وآفاقها الكبرى التي “تتألق بسناها الروح”. ثم تسرد الكلمات هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرافقه ثاني اثنين أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين مكثا ثلاثة أيام في غار ثور.. فينصرهم عز وجل بقدرته.. فيما تخبّ خيول قريش في العراء دون جدوى، غير مبصرين سوى “ظلمة الأشباح”.
      إنها الرحلة التي حفظت المهاجرين من البطش، الذي كان يتعقبهم على أسنة الرماح ونصال السيوف.. وصدح المسرح بأصوات المؤدين: شمس الهدى شارقة/ والفجر فينا شارق/ والسحب يشدو رعدها/ والبرق فيها بارق/ هذا الحبيب محمد/ هذا النبي الصادق.
      وفي فصل آخر من فصول الشدو الجميل، تصور الملحمة ارتقاب أهل طيبة لهذا الموكب الجليل بعيون ترنو كالقلوب الرانية.. وترتسم صورة الأنصار والمهاجرين الذين تحلقوا حول خير الأنبياء في إهاب من المودة والتآخي الذي نسج الإسلام خيوطه، وربط أواصره سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، برسالة المحبة التي جاء بها للناس أجمعين. ثم يتهادى الإنشاد رويداً رويداً حتى تختتم الملحمة هذا المشهد بأول أذان تلاه الصحابي الجليل بلال بن رباح الحبشي بعد بناء أول مسجد.
      وعند بدر وعلى صوت بلال وهو ينقل وصايا الرسول الكريم إلى المجاهدين بأن: “لاتغدروا، ولاتغلوا، ولاتقتلوا وليدا ولا امرأة، ولا كبيراً فانياً، ولا منفرداً بصومعته، ولا تمثلوا في الجثث، ولا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بيتاً”، على خطاب الرحمة هذا ومكارم الأخلاق في ساحات السلم والحرب، على إيقاع الرجولة والبطولة، تصور الملحمة بالأصوات العذبة نشيد الانتصار في معركة بدر، ذلك الانتصار الذي مهّد لانتشار الإسلام، وجعل للمسلمين هيبة وكلمة نافذة، وكسر شوكة المشركين معلناً هزيمتهم رغم تفوق العدد والعتاد، بعد أن: “رفعوا لواء الكفر وانطلقوا”. في حين يرتفع الكورس مصوراً العريش الذي كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقود منه المجاهدين، فيما يبتهل بخشوع إلى الله عز وجل: “ويرتفع العريش إلى مكان/ تود السحب لو بلغت مداه/ هنا احتفل الجهاد بخير دين/ سرى في كل ناحية هداه/ هنا ابتهل الرسول إلى إله/ عظيم لا يخيب دعاه”.
      من يوم الفتح إلى الوفاة
      بالابتهاج وتباشير النصر والعفو، يستهل الكلام العذب هذا المشهد، مستعيداً في أبهى صورة فنية وإبداعية لحظات الفتح الأعظم، حين دخل الرسول الكريم مع جيشه الكبير إلى مكة المكرمة دون قتال.. هكذا أشرعت أبواب مكة كلها، واعتلى بلال الكعبة، وارتفع صوت الأذان ليملأ الآفاق بصوت الحق. آنذاك بدأ الناس يدخلون أفواجاً في دين الله، وأران الرسول الكريم الطمأنينة والسلام بين الناس. إنه يوم الفتح الأعظم الذي أرسى تعاليم الإسلام في الأرض، وشهد انتصار المسلمين دون إراقة الدماء التي حفظها الرسول عليه الصلاة والسلام. إنه اليوم الذي شهد تأدية الأمانة التي حملها بروحه ودمه، وحمّلها للأرض كلها: “أنت أديت الأمانة/ أنت أحسنت الإبانة/ وجعلت الخير يسري/ حين أسرجت حصانه”.
      عقب ذلك الفتح الكبير جاءت خطبة الوداع لتحمل وصايا الرسول الكريم، وهو يتهيّأ لملاقاة وجه ربه، بعد أن أدى أمانته ونشر رسالة الإسلام، رسالة العدل والتسامح التي أوجدت حضارتنا المشيدة على أسس التسامي والمساواة وإشاعة روح الإخاء والمحبة. هنا يأتي النشيد في مقاربة سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم في اللحظات المفعمة بالإيمان والصبر، والحافلة بالبطولات والنصر.. وفي لحظات الرحيل المشبعة بالحزن، والتي جعلت الحروف تندى بدموع الالتياع، غير أن الموت حق ودين الإسلام لا يموت.. وهكذا تتهدج الأصوات بالعبارات الراعشة، والموسيقى الراعشة وهي تبكي رحيل سيد المرسلين.
      غير أن “عناقيد” الضياء لم تزل تضيء الأرض، تلك التي حملت نور الإسلام وفاضت على الملكوت كله: “قد رضينا بالقضاء/ واحتسبنا موت خير الأنبياء/ مات خير الخلف لكن لم تزل .. فينا عناقيد الضياء”.
      نورها الصافي يريح المقلتين
      بهذا تصل الملحمة إلى خواتيمها، بعد أن جابت الأرض والسماء، وهي تلقي على الأفئدة، بأشج الأصوات وأعذب الموسيقى التي تواشجت مع أعظم قصة عرفها التاريخ، مع سيرة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام. غير أن هذا النشيد الملحمي وقبل أن يسدل الستار على فصله الأخير، يعود بنا إلى رحاب الشارقة حيث روح الإسلام مازالت تسري في فضاءاتها، فها هي عناقيد الضياء تبزع في سماء الشارقة، أو كما ورد في نص الملحمة الشعرية: “هاهنا فجر بهيٌ كاللجين/ وهنا شمس تضيء المشرقين/ وعناقيد ضياء لم يزل/ نورها الصافي يريح المقلتين/ وهنا صوت نداء لم يزل/ كلما نادى يهزّ الخافقين/ وهنا شارقة الخير هفا/ قلبها للنور بين الأخشبين”.
      ومع انتهاء عروض “عناقيد الضياء”، تكون الشارقة قد أنهت الفعالية الأولى من برنامج احتفالاتها الغني بالفعاليات والذي سيتواصل على مدار العام الجاري، وستقدم من خلاله الإمارة إلى عشاق الثقافة الإسلامية بألوانها كافة، معارض ونشاطات تحتفي بإنجازات الحضارة الإسلامية، وتبرز القيم العظيمة التي تضمنها الدين الإسلامي، بما يرسخ حضور هذه القيم والمفردات في ذاكرة الأجيال.