شق طريقه في التعليم الذاتي رغم ظروفه القاسية -
متابعة: سالم بن حمدان الحسيني -
أكدت ندوة «الشيخ خلفان بن جميّل السيابي».. أن مؤلفات الشيخ أثرت مكتبة الفقه العمانية بالكثير من الكتب كـ «سلك الدرر» و«فصل الخطاب» و«فصول الأصول» و«القطرة الغيثية».
وأشارت الندوة إلى اهتمام الشيخ بالقواعد الفقهية والأصولية والعقدية في تراثه الفقهي، وأن القضايا الدينية غلبت على الطابع العام لمؤلفاته المطبوعة والمخطوطة. كما أن ترجيحاته في المسائل الأصولية دليل على أنه من كبار الأصوليين متضلع في العلوم,
حيث يذكر الترجيح والسبب معا. مشيرة إلى أن شخصية الشيخ مجيدة وجريئة ومستقلة في التفكير, قادرة على صنع الحدث وهو مرجعية فقهية في المجتمع وانه رجل عصامي استطاع أن يشق طريقه بالعلم والتثقيف الذاتي رغم الظروف التي عاشها».
وخلصت الندوة إلى ان الشيخ خلفان بن جميل آخر السلوكيين العمانيين، كما أن «القطرة الغيثية».. هي رائعة السيابي وصوته الأخير.
.. جاء ذلك من خلال الندوة التي نظمتها مكتبة جامع نفعاء بولاية بدبد تحت عنوان «الشيخ خلفان ابن جميّل السيابي.. العالم العامل».. والتي أدارها الشاعر الأديب سعيد بن سالم النعماني.. فإلى ما جاء في هذه الندوة:
ووصف سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام لمكتب الإفتاء مؤلفات الشيخ خلفان بأنها تحريرية وتحقيقية في آن واحد، مشيرا الى ان اهمها: «سلك الدرر» وهو نظم لكتاب النيل للشيخ الثميني, ونظمه الشيخ خلفان مع شيء من التحقيق, وهو من شعر الرجز ويقع في حوالي 28000 بيت, وله نظم اسمه «ميمية الدماء» شرحها بعد ذلك، وهو أول ما نظمه الشيخ بطلب من الشيخ ناصر بن راشد الخروصي كما أوضح الشيخ في ميميته.
وتحدث سعادته خلال الورقة التي قدمها في الندوة عن كتاب «فصول الأصول» وعن قصيدة «القطرة الغيثية» وعن أجوبة الشيخ خلفان النظمية، وأوضح أن هنالك الكثير من الأجوبة التي لم تدون وهي متوزعة وكثيرة، وذكر أن الشيخ خلفان مقل في التأليف فكان بإمكانه أن يؤلف أكثر نظرا لعلمه الواسع.
وأشار الى انه «منذ عهد الإمام السالمي إلى يومنا هذا لم يكن يوجد في عمان من هو أحسن تأليفا من الشيخ خلفان, مشيرا الى ان تلك هي رواية شفهية سمعها من الشيخ سالم بن حمود السيابي وهي حري بأن تدون».
وأوضح أيضا أن مؤلفاته تحوي على تحقيق؛ لأن الشيخ لا تمر عليه مسألة إلا ويختمها بتحقيقه, وذكر أن هنالك تقاربا فكريا بين الإمام الخليلي والشيخ خلفان نلمسه في كثير من توجهات الشخصين, وأن الإمام الخليلي كان يرتاح إلى تحقيقات العلامة السيابي فكثير من الأسئلة يوجهها الإمام إليه كمسألة التغريق.
سيرته
كما قدم الدكتور خلفان بن عبدالله السيابي حفيد الشيخ خلفان بن جميّل السيابي ترجمة عن نسب الشيخ وولادته، معرفا إياه بأنه الشيخ أبو يحيى خلفان بن جميّل بن حرمل ابن مهيّل السيابي, ولد في سيماء من أعمال إزكي عام 1308هـ، وقد نشأة الشيخ يتيم الأم فقد ماتت والدته وهو رضيع, فأرضعته والدة الشيخ سيف بن حمد الأغبري» مصححا بذلك خطأ أغلب الباحثين الذين قالوا أن الشيخ عاش يتيم الأب.
وأوضح في ورقته التي قدمها في الندوة أن الشيخ كان شغوفا بالعلم, فتعلم العلوم الأولية في سيماء ثم ظل يتردد على سمائل، وكان الشيخ عصاميا في التعلم فلم يلزم شيخا واحدا ملازمة تامة, وكان يجلس في حلقات الشيخ حمد بن عبيد السليمي والشيخ أحمد بن سعيد الخليلي.
وأما عن علاقته بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي فقال: «كان الشيخ صديقا للإمام الخليلي ولم يكن أستاذه كما أخطأ في ذلك بعض الباحثين ومما يدل على ذلك أن الشيخ سالم بن حمود السيابي كان يصفه بخليل الشيخ».
كما تطرق السيابي إلى أعمال الشيخ, فذكر أن الإمام سالم بن راشد الخروصي بعد أن سمع عن الشيخ خلفان وعن علمه وورعه ولاه أوقاف سيماء، فأقام فيها الحق والعدل حتى تعرض لمضايقات من بعض المتنطعين فانتقل انتقالا كليا إلى سمائل وذلك عام 1334هـ, ثم اشتغل بالتدريس في نخل عام 1335هـ لمدة سنتين، ثم عينه الإمام سالم قاضيا عليها عام 1337هـ, ولما تولى الإمامة الإمام الخليلي عام 1338هـ عينه قاضيا على الرستاق حتى سنة 1345هـ، ثم اعتزل القضاء مدة من الزمن، واشتغل بالتدريس، ثم تولى القضاء في مسقط بطلب من السلطان آنذاك، فحدثت بعض الخلافات فخرج إلى سمائل ولم يرجع بعدها إلى مسقط, وفي عام 1356هـ وحتى 1362هـ تولى القضاء في صور بأمر من السلطان سعيد ابن تيمور, ثم عمل قاضيا للإمام الخليلي عام 1365هـ لمدة سنتين ثم اعتزل القضاء ولم يرجع إلى القضاء بعدها, وكان الإمام الخليلي يستفتيه في كثير من المسائل ويلومه على تركه القضاء لأنه أهل لمثل هذه الأعمال.
وذكر أن الشيخ كانت له رحلة إلى زنجبار وبعدها سافر إلى الحج, وهكذا عاش الشيخ حياته عالما عاملا حتى توفي عام 1392هـ رحمة الله عليه.
عالم أصولي
كما تناول* الدكتور سليم بن سالم آل ثاني في ورقته التعريف عن الشيخ في مبحثين اثنين, المبحث الأول: الجانب النظري من خلال كتاب «فصول الأصول» الذي يعطي صورة واضحة عن تبحر الشيخ في هذا الفن كما أشار الباحث بقوله: «لم يترك شاردة ولا واردة إلا أتى بها في هذا الكتاب، ويعرض في كل فصل منه مسائل دقيقة وكثيرة»، وأوضح آل ثاني أن ترجيحات الشيخ في المسائل الأصولية خير دليل على أنه من كبار الأصوليين, وذكر بأن الشيخ لا يكتفي بذكر الترجيح فحسب وإنما يذكر سبب الترجيح، وأعقب ذلك بذكر بعض من تلك المسائل كمسألة الأمر في أي معانيه يكون حقيقة وكالفرق بين المطلق والنكرة وكمسألة حجية مفهوم المخالفة الذي يرجح فيه قولا مخالفا لعلماء مذهبه، ثم ذكر بعضا من المناقشات العلمية للشيخ كمثل ما استقر عليه رأي أكثر علماء الأصول في أن القضاء يجب بأمر ثان غير أمر الأداء إلا أن الشيخ خلفان اعترض على ذلك وناقشهم نقاشا رائعا وسهلا.
أما المبحث الثاني فيتناول الجانب التطبيقي من خلال كتاب «فصل الخطاب» أورد من خلاله مجموعة من المسائل الفقهية التي تعكس صورة جلية أن العلامة السيابي كان عالما أصوليا متمكنا كمسألة من يعطس في صلاته هل يحمد الله سرا أم جهرا؟ وكمسألة صحة الاعتماد على خبر الهاتف والبرقية في إثبات رؤية الهلال.
ضوابط فقهية
فيما تحدث الأستاذ إدريس باحامد القراري عن «القواعد والضوابط الفقهية عند الشيخ خلفان بن جميل السيابي من خلال فصل الخطاب»، تحدث أولا عن القواعد الفقهية ومعناها وعلاقتها بأصول الفقه، وأعقب ذلك الحديث عن كتاب فصل الخطاب كونه أحد الكتب المهتمة بالقواعد الفقهية، فقال: «كتاب فصل الخطاب هو من نتاج الشيخ ويعد غرة من غرر كتب الفقه المتعلقة بالمسائل الفقهية، واهتمام الشيخ خلفان بالقواعد الفقهية والأصولية والعقدية واضح جدا في تراثه الفقهي خاصة في كتابه فصل الخطاب»، ويرى الباحث من خلال الكتاب أن الشيخ خلفان لم يشذ عن منهج الإباضية في تحرير القواعد وتطبيقها والمقارنة بينهما، بعد ذلك شرع في ذكر بعض القواعد الفقهية الكبرى التي أجاب الشيخ على ضوئها أسئلة كثيرة مثل: القاعدة الفقهية «الأمور بمقاصدها» فذكر عدة مسائل تندرج تحت هذه القاعدة مثل: النية في غسل الجنابة ووجوب النية في الأمور التعبدية كالوضوء، ثم ذكر مسألة فقهية طبق فيها الشيخ قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، حيث قال: «ومنها هذه المسألة التي سأل فيها صاحبها عن النازل من الرأس والخارج من الصدر منعقدا، هل ينقض الصوم والصلاة؟»، فأوضح أن جواب الشيخ جاء بناء على القاعدة الفقهية في أن ذلك لا ينقض الصوم؛ لما فيه من المشقة والمشقة تجلب التيسير كما هو معلوم.
وانتقل الباحث للحديث عن الضوابط الفقهية في الكتاب في أبواب مختلفة كالعبادات والمعاملات المالية والأحوال الشخصية مع ذكر أمثلة على ذلك.
شخصية مجيدة
كما تناول الدكتور محمود بن سليمان الريامي الأستاذ المحاضر بجامعة السلطان قابوس في الندوة «خطاب المثقف العماني قبل عصر النهضة الحديثة، الشيخ خلفان بن جميل السيابي أنموذجا»، حيث بدأ حديثه بتعريف مصطلح الخطاب والثقافة والنهضة الحديثة, وبين مدى أهمية الدراسة وإشكالية البحث وتحدث عن أهمية الشخصية المدروسة حيث يقول: «تعتبر شخصية الشيخ خلفان ابن جميل مجيدة من عدة جوانب فهو رجل عصامي استطاع أن يشق طريقه بالعلم والتثقيف الذاتي رغم الظروف التي عاشها»، ويقول أيضا: «ونقف أمام شخصية رجل متضلع في العلوم، فهو شخصية جريئة مستقلة في التفكير، وشخصية تصنع الحدث وهو مرجعية فقهية محترمة في المجتمع من قبل القيادات»، بعد ذلك تحدث عن العصر الذي عاش فيه العلامة السيابي وخصوصياته وأوضاعه وذكر بأن عمان كانت تعاني آنذاك من اضطرابات وانقسامات في الأنظمة السياسية، فقال: «لقد وجد الشيخ في عصر قلت فيه موارد الرزق وأصيب المجتمع بأدوائه الأربعة القاتلة من فقر وجهل ومرض وقلة أمن».
وتناول بعد ذلك الحديث عن مشكّلات الخطاب الثقافي عند الشيخ خلفان وقسمها إلى أربع مشكّلات, أولها: الديني ويعتبره أهم مشكّل للخطاب الثقافي عند الشيخ, وعلل ذلك بكون الشيخ السيابي اعتمد في تكوينه العلمي على الدراسة الدينية وعمل في مناصب دينية عدة كوكيل للأوقاف وقاض في كثير من الولايات، واشتغل بالتعليم والتأليف والإفتاء والإرشاد، ثانيها: المشكّل العلمي وذلك من خلال اطلاعه الواسع ورجوع الناس إليه في تفسير المستجدات الحديثة، ثالثها: المشكّل السياسي، وأخيرا: المشكّل الاجتماعي.
بعد ذلك قام بتسليط الضوء على مؤلفات الشيخ وتحليل الخطاب فيها، وأوضح أن القضايا الدينية غلبت على الطابع العام لمؤلفاته.
وعن التصوف وتأثر الشيخ خلفان به يقول: يمكن أن نعتبر الشيخ خلفان آخر السلوكيين العمانيين، وإنه يمثل الصوت الأخير الذي رسمه في رائعته المسماة بـ(القطرة الغيثية والوسيلة الإلهية) إذ لم يأت بعده من سار على نهجه», وتحدث الباحث عن الوحدة والتسامح في خطاب الشيخ خلفان وذكر أمثلة على ذلك مثل: معالجته لأسباب الخلاف بين المسلمين والتماس أعذار المخالفين له في الرأي، وحديثه عن جواز الصلاة والتزاوج بين المسلمين، وانتقل الحديث بعد ذلك إلى ما يسمى بصدمة العصر وكيف تعامل الشيخ السيابي مع القضايا المستجدة مثل: قضية تعلم اللغات الأجنبية والدخول في مدارس النصارى وقضية الأخذ بخبر الهاتف في العبادات. واختتم الندوة بمرثية شعرية ألقاها* المنشد أحمد بن محمد الندابي كتبها الشيخ هلال ابن سالم بن حمود السيابي يرثي بها الشيخ خلفان بن جميل السيابي.
وفي ختام الندوة قام الشيخ سعيد بن ناصر السيابي راعي الندوة بتوزيع الهدايا التذكارية على المحاضرين والمشاركين في الندوة.
متابعة: سالم بن حمدان الحسيني -
أكدت ندوة «الشيخ خلفان بن جميّل السيابي».. أن مؤلفات الشيخ أثرت مكتبة الفقه العمانية بالكثير من الكتب كـ «سلك الدرر» و«فصل الخطاب» و«فصول الأصول» و«القطرة الغيثية».
وأشارت الندوة إلى اهتمام الشيخ بالقواعد الفقهية والأصولية والعقدية في تراثه الفقهي، وأن القضايا الدينية غلبت على الطابع العام لمؤلفاته المطبوعة والمخطوطة. كما أن ترجيحاته في المسائل الأصولية دليل على أنه من كبار الأصوليين متضلع في العلوم,
حيث يذكر الترجيح والسبب معا. مشيرة إلى أن شخصية الشيخ مجيدة وجريئة ومستقلة في التفكير, قادرة على صنع الحدث وهو مرجعية فقهية في المجتمع وانه رجل عصامي استطاع أن يشق طريقه بالعلم والتثقيف الذاتي رغم الظروف التي عاشها».
وخلصت الندوة إلى ان الشيخ خلفان بن جميل آخر السلوكيين العمانيين، كما أن «القطرة الغيثية».. هي رائعة السيابي وصوته الأخير.
.. جاء ذلك من خلال الندوة التي نظمتها مكتبة جامع نفعاء بولاية بدبد تحت عنوان «الشيخ خلفان ابن جميّل السيابي.. العالم العامل».. والتي أدارها الشاعر الأديب سعيد بن سالم النعماني.. فإلى ما جاء في هذه الندوة:
ووصف سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي الأمين العام لمكتب الإفتاء مؤلفات الشيخ خلفان بأنها تحريرية وتحقيقية في آن واحد، مشيرا الى ان اهمها: «سلك الدرر» وهو نظم لكتاب النيل للشيخ الثميني, ونظمه الشيخ خلفان مع شيء من التحقيق, وهو من شعر الرجز ويقع في حوالي 28000 بيت, وله نظم اسمه «ميمية الدماء» شرحها بعد ذلك، وهو أول ما نظمه الشيخ بطلب من الشيخ ناصر بن راشد الخروصي كما أوضح الشيخ في ميميته.
وتحدث سعادته خلال الورقة التي قدمها في الندوة عن كتاب «فصول الأصول» وعن قصيدة «القطرة الغيثية» وعن أجوبة الشيخ خلفان النظمية، وأوضح أن هنالك الكثير من الأجوبة التي لم تدون وهي متوزعة وكثيرة، وذكر أن الشيخ خلفان مقل في التأليف فكان بإمكانه أن يؤلف أكثر نظرا لعلمه الواسع.
وأشار الى انه «منذ عهد الإمام السالمي إلى يومنا هذا لم يكن يوجد في عمان من هو أحسن تأليفا من الشيخ خلفان, مشيرا الى ان تلك هي رواية شفهية سمعها من الشيخ سالم بن حمود السيابي وهي حري بأن تدون».
وأوضح أيضا أن مؤلفاته تحوي على تحقيق؛ لأن الشيخ لا تمر عليه مسألة إلا ويختمها بتحقيقه, وذكر أن هنالك تقاربا فكريا بين الإمام الخليلي والشيخ خلفان نلمسه في كثير من توجهات الشخصين, وأن الإمام الخليلي كان يرتاح إلى تحقيقات العلامة السيابي فكثير من الأسئلة يوجهها الإمام إليه كمسألة التغريق.
سيرته
كما قدم الدكتور خلفان بن عبدالله السيابي حفيد الشيخ خلفان بن جميّل السيابي ترجمة عن نسب الشيخ وولادته، معرفا إياه بأنه الشيخ أبو يحيى خلفان بن جميّل بن حرمل ابن مهيّل السيابي, ولد في سيماء من أعمال إزكي عام 1308هـ، وقد نشأة الشيخ يتيم الأم فقد ماتت والدته وهو رضيع, فأرضعته والدة الشيخ سيف بن حمد الأغبري» مصححا بذلك خطأ أغلب الباحثين الذين قالوا أن الشيخ عاش يتيم الأب.
وأوضح في ورقته التي قدمها في الندوة أن الشيخ كان شغوفا بالعلم, فتعلم العلوم الأولية في سيماء ثم ظل يتردد على سمائل، وكان الشيخ عصاميا في التعلم فلم يلزم شيخا واحدا ملازمة تامة, وكان يجلس في حلقات الشيخ حمد بن عبيد السليمي والشيخ أحمد بن سعيد الخليلي.
وأما عن علاقته بالإمام محمد بن عبدالله الخليلي فقال: «كان الشيخ صديقا للإمام الخليلي ولم يكن أستاذه كما أخطأ في ذلك بعض الباحثين ومما يدل على ذلك أن الشيخ سالم بن حمود السيابي كان يصفه بخليل الشيخ».
كما تطرق السيابي إلى أعمال الشيخ, فذكر أن الإمام سالم بن راشد الخروصي بعد أن سمع عن الشيخ خلفان وعن علمه وورعه ولاه أوقاف سيماء، فأقام فيها الحق والعدل حتى تعرض لمضايقات من بعض المتنطعين فانتقل انتقالا كليا إلى سمائل وذلك عام 1334هـ, ثم اشتغل بالتدريس في نخل عام 1335هـ لمدة سنتين، ثم عينه الإمام سالم قاضيا عليها عام 1337هـ, ولما تولى الإمامة الإمام الخليلي عام 1338هـ عينه قاضيا على الرستاق حتى سنة 1345هـ، ثم اعتزل القضاء مدة من الزمن، واشتغل بالتدريس، ثم تولى القضاء في مسقط بطلب من السلطان آنذاك، فحدثت بعض الخلافات فخرج إلى سمائل ولم يرجع بعدها إلى مسقط, وفي عام 1356هـ وحتى 1362هـ تولى القضاء في صور بأمر من السلطان سعيد ابن تيمور, ثم عمل قاضيا للإمام الخليلي عام 1365هـ لمدة سنتين ثم اعتزل القضاء ولم يرجع إلى القضاء بعدها, وكان الإمام الخليلي يستفتيه في كثير من المسائل ويلومه على تركه القضاء لأنه أهل لمثل هذه الأعمال.
وذكر أن الشيخ كانت له رحلة إلى زنجبار وبعدها سافر إلى الحج, وهكذا عاش الشيخ حياته عالما عاملا حتى توفي عام 1392هـ رحمة الله عليه.
عالم أصولي
كما تناول* الدكتور سليم بن سالم آل ثاني في ورقته التعريف عن الشيخ في مبحثين اثنين, المبحث الأول: الجانب النظري من خلال كتاب «فصول الأصول» الذي يعطي صورة واضحة عن تبحر الشيخ في هذا الفن كما أشار الباحث بقوله: «لم يترك شاردة ولا واردة إلا أتى بها في هذا الكتاب، ويعرض في كل فصل منه مسائل دقيقة وكثيرة»، وأوضح آل ثاني أن ترجيحات الشيخ في المسائل الأصولية خير دليل على أنه من كبار الأصوليين, وذكر بأن الشيخ لا يكتفي بذكر الترجيح فحسب وإنما يذكر سبب الترجيح، وأعقب ذلك بذكر بعض من تلك المسائل كمسألة الأمر في أي معانيه يكون حقيقة وكالفرق بين المطلق والنكرة وكمسألة حجية مفهوم المخالفة الذي يرجح فيه قولا مخالفا لعلماء مذهبه، ثم ذكر بعضا من المناقشات العلمية للشيخ كمثل ما استقر عليه رأي أكثر علماء الأصول في أن القضاء يجب بأمر ثان غير أمر الأداء إلا أن الشيخ خلفان اعترض على ذلك وناقشهم نقاشا رائعا وسهلا.
أما المبحث الثاني فيتناول الجانب التطبيقي من خلال كتاب «فصل الخطاب» أورد من خلاله مجموعة من المسائل الفقهية التي تعكس صورة جلية أن العلامة السيابي كان عالما أصوليا متمكنا كمسألة من يعطس في صلاته هل يحمد الله سرا أم جهرا؟ وكمسألة صحة الاعتماد على خبر الهاتف والبرقية في إثبات رؤية الهلال.
ضوابط فقهية
فيما تحدث الأستاذ إدريس باحامد القراري عن «القواعد والضوابط الفقهية عند الشيخ خلفان بن جميل السيابي من خلال فصل الخطاب»، تحدث أولا عن القواعد الفقهية ومعناها وعلاقتها بأصول الفقه، وأعقب ذلك الحديث عن كتاب فصل الخطاب كونه أحد الكتب المهتمة بالقواعد الفقهية، فقال: «كتاب فصل الخطاب هو من نتاج الشيخ ويعد غرة من غرر كتب الفقه المتعلقة بالمسائل الفقهية، واهتمام الشيخ خلفان بالقواعد الفقهية والأصولية والعقدية واضح جدا في تراثه الفقهي خاصة في كتابه فصل الخطاب»، ويرى الباحث من خلال الكتاب أن الشيخ خلفان لم يشذ عن منهج الإباضية في تحرير القواعد وتطبيقها والمقارنة بينهما، بعد ذلك شرع في ذكر بعض القواعد الفقهية الكبرى التي أجاب الشيخ على ضوئها أسئلة كثيرة مثل: القاعدة الفقهية «الأمور بمقاصدها» فذكر عدة مسائل تندرج تحت هذه القاعدة مثل: النية في غسل الجنابة ووجوب النية في الأمور التعبدية كالوضوء، ثم ذكر مسألة فقهية طبق فيها الشيخ قاعدة «المشقة تجلب التيسير»، حيث قال: «ومنها هذه المسألة التي سأل فيها صاحبها عن النازل من الرأس والخارج من الصدر منعقدا، هل ينقض الصوم والصلاة؟»، فأوضح أن جواب الشيخ جاء بناء على القاعدة الفقهية في أن ذلك لا ينقض الصوم؛ لما فيه من المشقة والمشقة تجلب التيسير كما هو معلوم.
وانتقل الباحث للحديث عن الضوابط الفقهية في الكتاب في أبواب مختلفة كالعبادات والمعاملات المالية والأحوال الشخصية مع ذكر أمثلة على ذلك.
شخصية مجيدة
كما تناول الدكتور محمود بن سليمان الريامي الأستاذ المحاضر بجامعة السلطان قابوس في الندوة «خطاب المثقف العماني قبل عصر النهضة الحديثة، الشيخ خلفان بن جميل السيابي أنموذجا»، حيث بدأ حديثه بتعريف مصطلح الخطاب والثقافة والنهضة الحديثة, وبين مدى أهمية الدراسة وإشكالية البحث وتحدث عن أهمية الشخصية المدروسة حيث يقول: «تعتبر شخصية الشيخ خلفان ابن جميل مجيدة من عدة جوانب فهو رجل عصامي استطاع أن يشق طريقه بالعلم والتثقيف الذاتي رغم الظروف التي عاشها»، ويقول أيضا: «ونقف أمام شخصية رجل متضلع في العلوم، فهو شخصية جريئة مستقلة في التفكير، وشخصية تصنع الحدث وهو مرجعية فقهية محترمة في المجتمع من قبل القيادات»، بعد ذلك تحدث عن العصر الذي عاش فيه العلامة السيابي وخصوصياته وأوضاعه وذكر بأن عمان كانت تعاني آنذاك من اضطرابات وانقسامات في الأنظمة السياسية، فقال: «لقد وجد الشيخ في عصر قلت فيه موارد الرزق وأصيب المجتمع بأدوائه الأربعة القاتلة من فقر وجهل ومرض وقلة أمن».
وتناول بعد ذلك الحديث عن مشكّلات الخطاب الثقافي عند الشيخ خلفان وقسمها إلى أربع مشكّلات, أولها: الديني ويعتبره أهم مشكّل للخطاب الثقافي عند الشيخ, وعلل ذلك بكون الشيخ السيابي اعتمد في تكوينه العلمي على الدراسة الدينية وعمل في مناصب دينية عدة كوكيل للأوقاف وقاض في كثير من الولايات، واشتغل بالتعليم والتأليف والإفتاء والإرشاد، ثانيها: المشكّل العلمي وذلك من خلال اطلاعه الواسع ورجوع الناس إليه في تفسير المستجدات الحديثة، ثالثها: المشكّل السياسي، وأخيرا: المشكّل الاجتماعي.
بعد ذلك قام بتسليط الضوء على مؤلفات الشيخ وتحليل الخطاب فيها، وأوضح أن القضايا الدينية غلبت على الطابع العام لمؤلفاته.
وعن التصوف وتأثر الشيخ خلفان به يقول: يمكن أن نعتبر الشيخ خلفان آخر السلوكيين العمانيين، وإنه يمثل الصوت الأخير الذي رسمه في رائعته المسماة بـ(القطرة الغيثية والوسيلة الإلهية) إذ لم يأت بعده من سار على نهجه», وتحدث الباحث عن الوحدة والتسامح في خطاب الشيخ خلفان وذكر أمثلة على ذلك مثل: معالجته لأسباب الخلاف بين المسلمين والتماس أعذار المخالفين له في الرأي، وحديثه عن جواز الصلاة والتزاوج بين المسلمين، وانتقل الحديث بعد ذلك إلى ما يسمى بصدمة العصر وكيف تعامل الشيخ السيابي مع القضايا المستجدة مثل: قضية تعلم اللغات الأجنبية والدخول في مدارس النصارى وقضية الأخذ بخبر الهاتف في العبادات. واختتم الندوة بمرثية شعرية ألقاها* المنشد أحمد بن محمد الندابي كتبها الشيخ هلال ابن سالم بن حمود السيابي يرثي بها الشيخ خلفان بن جميل السيابي.
وفي ختام الندوة قام الشيخ سعيد بن ناصر السيابي راعي الندوة بتوزيع الهدايا التذكارية على المحاضرين والمشاركين في الندوة.