عادل محمود -
بمناسبة قيام دولة إسرائيل ! -
15 ايار/ مايو 1948 -
قال لها : اليوم أكملت السقف في الشقة التي سنسكنها. إنها مطلة على الغابة، أنت تحبين الغابات. إنها مرتفعة. أنت تحبين المرتفعات. وشبابيكها زرقاء. وأنت تحبين الزرقة.*
ماذا أقول أيضاً ؟
جاءت الفتاة بصينية تحمل العشاء الذي لا أحد يعتبره عشاء فاخراً. فالخبز وصحن الجبنة وقطعةٌ ما من عشاء الأمس، يعتبر، بكل المقاييس، احتفالاً بالحياة… ولكن ليس احتفالاً بالأخبار السارة والوعد بالشقة ذات الإطلالة على الغابة، والمرتفعة، والزرقاء الشبابيك… فلهذا وعد باحتفال آخر!
في اليوم التالي، وكان يوم نهاية العام (أي عام تريدون؟) كان العشاء أفضل قليلاً. أضيف إليه معلبات وزّعها المتعهد اليهودي على العمال الفلسطينيين.
هذا الثنائي: الرجل وزوجته، متخصصان بالغفران ، بالتبريرات لكل ما يحدث، بإيجاد الأعذار للأقدار. بالصبر على ابتلاع المكروه. بالسخرية من التعب. وهما كأنما يديران مشروعاً لصناعة الطوب، الذي لولاه، لا يمكن بناء أي نوع من أنواع … المستقبل.
أمس قال لها : الجدار العازل في الضفة الغربية… سيهدم ذات يوم، كما انهدم جدار برلين.
والمستوطنات ستعود لنا، بعد إفراغها، والعرب سيدفعون كلفة البناء، وتعويض «السياحة الوطنية» لليهودي الذي سيخسر الاصطياف في الضفة الغربية.
ما زلت أعتقد أن المستوطنات كان استثمارا يهوديا في …المعلوم. ولكنهم حين يعرفون النهايات لايروق لهم ان يفكروا بها!
لم يكن بوسعها الذهاب معه في هذا الشطط السياسي. ولكن، وحسب العادة ، هي تمارس الشطط أيضاً أكثر منه ،ولكن لجهة البسمة الصباحيه التي لاتليق بمواطني ومواليد الاحتلال. فهناك اتفاق نهائي على التفاؤل. هم لا يقولون كما في الأناشيد:
“غداة غدٍ لنا النصرُ” . بل يؤمنون بسيرة الخبز الحميدة:
“مادام ثمة رغيف…ثمة معجزة في مكان ما على الطريق!”
لم يكن بوسعه أيضاً التفاخر بما يفعله يومياً، وسط الاحتجاج
العنيف على الفكرة السوداء، على الممر الإجباري الحقير الذي على الفلسطيني أن يمر فيه كلما أراد الانتقال إلى أي مكان . الممر الذي تعوّد فيه الإسرائيلي على جرعة التنكيل اللذيذة بذوي الحاجات السريعة.
لكن كان واثقاً من أنها تفهم “خيانة الرغيف”. في أول يوم في العام الجديد (أي عام تريدون؟)
سقط عامل فلسطيني، في مستوطنة إسرائيلية في الخليل، من الطابق الخامس، وهويرتب اللون الأزرق ويكمل دهان الشبابيك الزرقاء.
زوجته واثقة أنه لم ينتحر، كما يزعمون.
هي اكتفت بالقول: على الأغلب كان يبالغ في الاعتناء بشقتنا. وعلى الأرجح أن هذه المبالغة، كما المبالغة بالبقاء في فلسطين، هي المخالفة التي تجعله قابلاً للموت المشبوه.
سقط العامل عن النافذة…ويداه ملطختان بالأزرق !
آخر جملة قالتها إمرأته:
“أصعب شيء العمل عند…عدو”.
بمناسبة قيام دولة إسرائيل ! -
15 ايار/ مايو 1948 -
قال لها : اليوم أكملت السقف في الشقة التي سنسكنها. إنها مطلة على الغابة، أنت تحبين الغابات. إنها مرتفعة. أنت تحبين المرتفعات. وشبابيكها زرقاء. وأنت تحبين الزرقة.*
ماذا أقول أيضاً ؟
جاءت الفتاة بصينية تحمل العشاء الذي لا أحد يعتبره عشاء فاخراً. فالخبز وصحن الجبنة وقطعةٌ ما من عشاء الأمس، يعتبر، بكل المقاييس، احتفالاً بالحياة… ولكن ليس احتفالاً بالأخبار السارة والوعد بالشقة ذات الإطلالة على الغابة، والمرتفعة، والزرقاء الشبابيك… فلهذا وعد باحتفال آخر!
في اليوم التالي، وكان يوم نهاية العام (أي عام تريدون؟) كان العشاء أفضل قليلاً. أضيف إليه معلبات وزّعها المتعهد اليهودي على العمال الفلسطينيين.
هذا الثنائي: الرجل وزوجته، متخصصان بالغفران ، بالتبريرات لكل ما يحدث، بإيجاد الأعذار للأقدار. بالصبر على ابتلاع المكروه. بالسخرية من التعب. وهما كأنما يديران مشروعاً لصناعة الطوب، الذي لولاه، لا يمكن بناء أي نوع من أنواع … المستقبل.
أمس قال لها : الجدار العازل في الضفة الغربية… سيهدم ذات يوم، كما انهدم جدار برلين.
والمستوطنات ستعود لنا، بعد إفراغها، والعرب سيدفعون كلفة البناء، وتعويض «السياحة الوطنية» لليهودي الذي سيخسر الاصطياف في الضفة الغربية.
ما زلت أعتقد أن المستوطنات كان استثمارا يهوديا في …المعلوم. ولكنهم حين يعرفون النهايات لايروق لهم ان يفكروا بها!
لم يكن بوسعها الذهاب معه في هذا الشطط السياسي. ولكن، وحسب العادة ، هي تمارس الشطط أيضاً أكثر منه ،ولكن لجهة البسمة الصباحيه التي لاتليق بمواطني ومواليد الاحتلال. فهناك اتفاق نهائي على التفاؤل. هم لا يقولون كما في الأناشيد:
“غداة غدٍ لنا النصرُ” . بل يؤمنون بسيرة الخبز الحميدة:
“مادام ثمة رغيف…ثمة معجزة في مكان ما على الطريق!”
لم يكن بوسعه أيضاً التفاخر بما يفعله يومياً، وسط الاحتجاج
العنيف على الفكرة السوداء، على الممر الإجباري الحقير الذي على الفلسطيني أن يمر فيه كلما أراد الانتقال إلى أي مكان . الممر الذي تعوّد فيه الإسرائيلي على جرعة التنكيل اللذيذة بذوي الحاجات السريعة.
لكن كان واثقاً من أنها تفهم “خيانة الرغيف”. في أول يوم في العام الجديد (أي عام تريدون؟)
سقط عامل فلسطيني، في مستوطنة إسرائيلية في الخليل، من الطابق الخامس، وهويرتب اللون الأزرق ويكمل دهان الشبابيك الزرقاء.
زوجته واثقة أنه لم ينتحر، كما يزعمون.
هي اكتفت بالقول: على الأغلب كان يبالغ في الاعتناء بشقتنا. وعلى الأرجح أن هذه المبالغة، كما المبالغة بالبقاء في فلسطين، هي المخالفة التي تجعله قابلاً للموت المشبوه.
سقط العامل عن النافذة…ويداه ملطختان بالأزرق !
آخر جملة قالتها إمرأته:
“أصعب شيء العمل عند…عدو”.