رحلة استيراد البهارات و الفلفل الأسود من إفريقيا

    • خبر
    • رحلة استيراد البهارات و الفلفل الأسود من إفريقيا

      Shababek كتب:

      أنا محدثكم ضياء الدين أعود لكم بعد تجربتي مع منتج الماموسا (رابط المقال) وهو منتج نباتي من شرق أفريقيا يستخدم في دباغة الجلود إلا أنه مطلوب من عملاء قليلين “الدباغين” والطلب عليه موسمي، يشتد في موسم الدباغة المحدد والذي يعتمد بدوره علي مدى توافر الجلود، الأمر الذي أدي الي بطىء دوران رأس المال.

      تحدي شراء الفلفل الأسود

      وأما البهارات فلها سوق أكبر ومطلوبة علي مدار العام, وكانت رحلة الملابس الاولي (رابط المقال) قد عرفتني بالصدفة علي أماكن زراعة الفلفل في ربوع أفريقيا، وأما التحدي فيكمن في الحصول علي البهارات من مزارع تتواجد في جبال شاهقة حيث لا توجد شركات كبيرة تقوم بتجميع البهارات لأشتري منها بشكل مباشر، بينما كان من يقوم بالتجميع هم تجار صغار ليس لديهم رأسمال يمكنهم من توفير مخزون كبير لتلبية طلبات الشراء الكبيرة، وكان هذا تحدي الشراء الذي واجهته.

      ابحث عن السوق قبل الشراء

      قبلها بفترة توفر معي عينات من البهارات فعرضتها علي تجار بمصر ونالت إعجابهم و أخبروني ان سعر البهارات مثل البورصة تتغير يوميا، ولكن بشكل عام الاسعار في ارتفاع مستمر، وهناك مواسم يكون السعر فيها مرتفعا جدا مثل رمضان وعيد الأضحى.

      شكل ثمار الفلفل الأسود

      شكل ثمار الفلفل الأسود

      رأس المال

      كان هناك تحديات كبيرة لتنفيذ صفقة استيراد الفلفل الأسود – أهمها رأس المال، إذ كانت تكلفة استيراد حاوية فلفل واحدة تساوي تكلفة خمس حاويات من منتج الماموسا، ناهيك عن كون تجار الفلفل الحار لا يدفعون مقدما، خصوصا وأنها كانت أول مرة لهم يسمعوا فيها عن فلفل أسود مستورد من شرق أفريقيا وما أكدوه أن الجودة التي شاهدوها في العينات التي أحضرتها تستحق الشراء فورا. تشاورت مع بعض أصدقائي للمشاركة في هذه الصفقة مع نسبة ربح وإذ بصديق يخبرني أنه يعرف مستثمرًا مهتمًا ولكن لديه شرط واحد ان يكون هناك عميل يقوم بفتح إعتماد مستندي بقيمة الصفقة.

      الاعتماد المستندي

      الاعتماد المستندي ببساطة هو أن يقوم العميل والمورد (نحن) بوضع مواصفات واضحة ومحددة وسعر للمنتج، ويدخل البنك كوسيط لضمان توفر تلك المواصفات للعميل في البضاعة المستوردة، ولضمان سداد قيمة الصفقة للمورد، حيث يأخذ القيمة من العميل ويعطيها للمورد بعد شحن الحاوية واستلام أوراقها والتأكد من مطابقة كل شيء للشروط الموضوعة مسبقا.

      أصبحت المهمة الآن هي إيجاد عميل علي استعداد لفتح اعتماد مستندي لاستيراد الفلفل، وكنت قد تعرفت علي صديق عزيز من اليمن عن طريق مدونة شبايك وقابلني في القاهرة وأخبرني أن له علاقات جيدة مع تجار بهارات في اليمن، فطلبت منه البحث عن تاجر يكون العميل الذي أبحث عنه، ولم يأخذ وقتا طويلا حتى أخبرني بوجود مستورد يريد الحاوية وعلي استعداد لفتح الاعتماد غدا لكنه يريد الحاوية خلال شهر واحد، وكان ذلك في أول شهر نوفمبر 2014 فوافقنا وفتح الاعتماد ووضع به شرط الشهر وسافرت بعدها بيومين فقط.

      السفر إلى تنزانيـا

      كان أول يوم لي في تنزانيا 4 نوفمبر 2014 فسافرت إلي مدينة طنجة حيث يزرع الفلفل بهذا التوقيت ولاحظت اني عندما أسال صاحب أي مزرعة عن الفلفل وأني أريد الشراء يصاب بإرتباك كأني أسأله عن ممنوعات, فعرفت بعدها أن الحكومة التنزانية ولأول مره تمنع بيع / تصدير الفلفل (من طنجة تحديدا) حتى تاريخ 15 ديسمبر، ومن يخالف ويبيع يعرض نفسه للعقوبة فسافرت إلى زنزبار حيث يُزرع الفلفل أيضا هناك لكن السعر كان مرتفعا جدا لأن الطلب المحلي كبير علي البهارات هناك، ونصحني صاحب مزرعة بالذهاب إلى وسط تنزانيا بمنطقة جبال كينولي حيث يُزرع الفلفل الأسود هناك أيضا.

      deyaa-spices-trip-2

      إلى كينولي

      سافرت بعدها لكينولي لأجد جبالا شاهقة، فمثلا للوصول لمزرعة نستغرق ساعتين ونصف بالسيارة، أضف إلى ذلك وعورة الطريق، وهناك مزارع لا نستطيع الذهاب لها بالسيارة فكنا نتركها وناخذ موتوسيكل والمزارع لاتنتج كميات كبيرة فمساحات أغلب المزارع هكتار أو أقل وشراء 15 او 20 كيلو من كل مزرعة يوميا لم تكن فكرة مجدية فنحن نريد شراء 15 ألف كيلو خلال أسبوعين، وهناك أسواق تقام يومي الاحد والجمعة يذهب لها الفلاحون لبيع منتجاتهم مثل (الموز – المانجو – الفاصوليا – التبغ – القرنفل – الفلفل وغيرها الكثير) وهذه الاسواق بها تجار يشترون من الفلاحين فوجدت كميات جيدة من الفلفل فحاولت الشراء من التجار لكني عرفت أنها مباعة مسبقا، فهم يشترون بمال تاجر أكبر مقابل عمولة وهذا التاجر الكبير يقوم بالبيع في العاصمة أو التصدير في الغالب إلى كينيا. ناهيك عن أن الأفارقة – بشكل عام، لا يثقون بسهولة في شخص جديد وأخبرني أحد التجار أننا نجمع منذ سنين لصالح تجار كينيين يصدرون للهند فلماذا نتعامل معك ونخسرهم؟

      لكل مشكلة حل

      كان الوقت يمر ولم أشتر أي كمية حتى الآن والشراء من الفلاحين عملية بطيئة والتجار يرفضون، فما الحل؟ كنت قد تعرفت علي صديق تنزاني من أصل عربي لديه مطعم صغير يقوم بتصفيته وتأجيره ولديه عمالة سيسرحها فطلبت منه أن أقوم بدفع رواتبهم مقابل تواجدهم وسط المزارع طوال الأسبوع وإعطاء كل منهم ميزان وأشولة ومبلغ مالي للشراء من الفلاحين.

      ضياء الدين مع شريكه والمترجم والموظفين العاملين معه.

      ضياء الدين مع شريكه والمترجم وموظفين ومورد.

      كان هناك كذلك نزل رخيصة للإقامة يقيمون فيها وبالفعل بدأت العجلة بالدوران وكنا نذهب لهم كل يومين لأخذ البضاعة منهم وإعطائهم مبالغ مالية جديدة للشراء وكان معدل الشراء 200 كيلو في اليوم، فزدنا من عددهم وأعطينا كل واحد منهم هاتف محمول / موبايل يمكن تحويل مبالغ إليه ومن خلال تواجدهم في الحقول تعرفوا على أماكن جديدة يتوفر بها فلفل أكثر فأعدنا توزيعهم وخلال أسبوعين جمعنا 2 طن وكان هذا في آخر شهر نوفمبر أي موعد نهاية خطاب الضمان.

      شهر سماح إضافي

      كان التاجر اليمني مهتما بإتمام الصفقة، وطلب أن يأتي بنفسه ليقابلني في تنزانيا وبالفعل تقابلنا في دار السلام وشرحت له الموقف وتفهم وقال لي أكمل وأنا معك لكن ليس لأكثر من شهر إضافي، وأعتقد ان هناك سببان لتفهمه: الأول إعجابه بجوده الفلفل عندما أحضرت له عينات، والثاني ان شهر ديسمبر يكون سعر الفلفل مرتفعا لان السوق الفيتنامي (أكبر مصدر للفلفل) لم يبدأ في الانتاج بعد.

      deyaa-spices-trip-3

      المزيد من الفلفل الأسود

      رجعت لاستمر في التجميع وكان يجب أن يصل مجموع الفلفل إلى 5 طن أسبوعيا فبدأت في توظيف عمال جدد مثل صاحب محل قريب من المزارع – والحق يُقال – كانت هذه مخاطرة مني، لكني اعتمدت على الثقة المتبادلة وبفضل الله لم يخب ظني. من الطريف أن ضمن الذي عملوا معي كان إمام مسجد فبعد صلاة الجمعة أعطي خطبة قصيرة للمصلين لم أفهمها – بلغة السواحيلي لغتهم المحلية – لأجد بعدها كل من في المسجد ينظر إلي لأعرف بعدها أنه يقول لهم أني أريد شراء محصول الفلفل منهم.

      ضياء الدين مع وليد التنزاني صاحب المطعم المغلق

      ضياء الدين مع وليد التنزاني صاحب المطعم المغلق

      يوما بعد يوم، كان الناس تعرفنا أكثر وتبني الثقة أكثر وخلال أسبوعين وصل عدد الأطنان المجموعة إلى ثمانية أطنان فاستأجرت مخزنا كبيرا وبدأت بتوظيف فتاتين للتنظيف والتغليف ولم يكن التجار الكينيون يشترطون التنظيف للفلفل لكني أردت أن أكافىء التاجر اليمني بمنتج نظيف ومجفف بعناية حتى وصل عدد من يعمل بالمخزن إلى 15 فتاة و 3 عمال.

      deyaa-spices-trip-1

      بعدها بدأ الانتاج في طنجة فاستأجرت بيت فلاحي كبير يصلح لإقامة العمال وللتخزين في ذات الوقت، ثم سمع عنا تاجر يجمع الفلفل من الفلاحين فقابلنا وأخبرنا ان مشكلته في نقل الفلفل من المزارع أن يدفع مقابل النقل كل مكسبه فاشتريت له موتوسيكل وخصمت ثمنه من ثمن البضاعة بالتدريج فعمل معنا بشكل حصري وجمع لنا وحده أكثر من 4 طن حتى انتهينا بفضل الله من تجميع الحاوية وبدأت الشحن لليمن واستلمت أوراق الحاوية لإنهاء باقي الاجراءات البنكية والاستعداد للصفقه التالية.

      deyaa-spices-trip-5

      الفوائد حتى الآن

      لعل السؤال الآن، هل للقصة نهاية سعيدة، حسنا، كن أنت الحكم. الآن ضياء لديه مقر يعمل منه، يوظف موظفين بدوام كامل، لديه سيارة شحن. حين باع ضياء الفلفل الأسود فإنه حرص على بيعه بسعر أقل من السوق لبناء جسور الثقة مع العملاء وعاد هذا الأمر عليه بعوائد إيجابية حتى الآن. ذات التاجر الذي اشترى من ضياء أراد كذلك شراء بذور القرع العسلي وهي منتج متوفر بدوره، الأمر الذي ساعد ضياء على التعرف على منتجات جديدة يمكن المتاجرة فيها.

      إذا أردت التواصل مباشرة مع ضياء فيمكنك ذلك عبر صفحته على فيسبوك من هذا الرابط.

      Source: shabayek.com/blog/2015/03/30/ر…البهارات-و-الفلفل-الأسود/