تمثل الإعدامات الميدانية نموذجًا للعقلية الإرهابية لكيان الاحتلال الإسرائيلي الغاصب، فهي إجرام يتكرر ليطول الإنسان الفلسطيني الأعزل، الذي لم يرتكب جريمة غير النضال عبر مشروعه للخلاص من الاحتلال وحواجزه وجنوده من أراضيه، فسياسة كيان الاحتلال الإسرائيلي الحالية تقوم على القتل العمد، عبر إعطاء رخصة مفتوحة لقواته لتمعن في استخدامها بحق أبناء الشعب الفلسطيني، دون وجود خطر حقيقي يهدد الحياة، لتقوم تلك القوات المجرمة بقتل الفلسطينيين بدم بارد على مرأى ومسمع العالم المتواطئ، والفضاء العربي الصامت، رغم محاولة حكومة الاحتلال الإرهابية بشرعنة جرائمها وانتهاكاتها المستمرة بحق الإنسان الفلسطيني ومقدساته، لدفعه للقبول بسياسة الأمر الواقع، بالاستيلاء على الأراضي والتوسع الاستيطاني واستغلال الموارد الطبيعية والتحكم بالحدود .
وتأتي جرائم كيان الاحتلال الإسرائيلي في إطار ممنهج يهدف إلى الانقضاض على الحقوق المشروعة الفلسطينية، والقضاء على فكرة حل الدولتين وتهويد القدس بالكامل وتحويلها لمدينة صهيونية، لا سلطة للفلسطينيين عليها، وهي إجراءات تتناقض مع اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية لاهاي، وتخالف كافة القوانين الدولية خاصة نص المادة الخامسة لنظام روما عام 1998، إلا أن هذا السكوت الدولي عن الجرائم الإسرائيلية، جعل المحتل الإسرائيلي لا يقيم وزنًا لقرارات الشرعية الدولية، ولا لقواعد القانون الدولي الإنساني، واعتبر كيان الاحتلال الإسرائيلي نفسه دولة فوق القانون وخارجة عن القانون الإنساني، رغم أن هذه الاتفاقيات والقوانين وضعت لضبط تصرفات الاحتلال وتنظم تواجد قواته في الأراضي الفلسطينية المحتلة .
إن شرعنة كيان الاحتلال الإسرائيلي قتل الفلسطينيين، لا ينفصل عن شرعنة العديد من القوانين العنصرية التي تستهدف الفلسطينيين، والوضع الجامع لمدينة القدس المحتلة واحتضانها لكل الأديان، فالمصادقة على منع رفع الأذان في القدس والأحياء العربية المحيطة بها، ما هو إلا حلقة جديدة من مسلسل الإرهاب الإسرائيلي، إلا أن هذه الخطوة العنصرية التي تجاوزت الأبعاد السياسية لتصل إلى أبعاد دينية تنذر المنطقة كلها بحرب دينية، ففلسطين ومنذ قدم التاريخ كانت واحة للديانات السماوية وحرية العبادات، وكيان الاحتلال يسعى إلى نسف كل هذه الحضارة من أجل الإبقاء على الطابع اليهودي العنصري، ما يشكل خطرًا كبيرًا وتهويدًا واضحًا لكل المعالم والتراث الإسلامي. والغريب عدم تحرك منظمة التعاون الإسلامي التي من أولوياتها حماية حقوق المسلمين في أماكنهم المقدسة، وظل التعبير الإسلامي قاصرًا على التنديد والشجب دون اتخاذ خطوات واقعية لحماية الأماكن المقدسة والمقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، ولم نجد تحركًا عربيًّا ضد حكومة الاحتلال الإسرائيلية للتراجع عن هذه القرارات المتطرفة وغير المسؤولة، وكف يدها عن المساس بالمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس المحتلة.
إن ممارسات كيان الاحتلال الإرهابية قائمة منذ نشأته، لكن الخطير الآن هو أنها تتخذ خطوات عملية لتمرير قوانين تشرعن هذه الممارسات الإرهابية، وتضعها في إطار قانوني، فقبل محاولة شرعنة القتل الميداني، وتهويد القدس عبر إخفاء السمت الإسلامي للمدينة المتمثل في الأذان، وما يتبعه من سياسات إبعاد للفلسطينيين من المدينة المقدسة، اتجه كيان الاحتلال لشرعنة البؤر الاستيطانية، التي كانت ترفض شرعنتها كورقة توت تخفي تغولها الاستيطاني، وأصبح مد السرطان الاستيطاني لسرقة الأراضي الفلسطينية بدون رقيب، وهي خطوات تتكامل جميعها لبلورة سياسة تلقي عرض الحائط بالحقوق الفلسطينية، وتضرب حل الدولتين في مقتل، وتقضي على البقية الباقية من أمل إقامة الدولة الفلسطينية.
الغريب في الأمر أن تلك الخطوات الإسرائيلية التصعيدية تأتي مع عدم الاكتفاء بالصمت العربي والإسلامي المريب، وإنما مع خطوات ولقاءات تعقد في العلن والخفاء لشرعنة وجود كيان الاحتلال، فبرغم جرائم الاحتلال الأخيرة، نجد أن بعض الدول العربية والإسلامية تسارع لمساعدته في إطفاء الحرائق التي ضربته مؤخرًا، بشكل مستفز للمشاعر العربية والإسلامية الشعبية الرافضة لهذا الكيان الغاصب، مستغلين انشغال شعوب المنطقة بمشاكلها الحالية، التي كان لكيان الاحتلال اليد الطولى في خلقها. إن إعلان بعض الدول مساعدة الاحتلال يعطي إشارة سلبية عن مكافأته عن ما قام به من جرائم إرهابية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل وبحق المنطقة وشعوبها، ويؤكد انشغال دول المنطقة بصراعات، ستكون ضحيتها الأولى القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
Source: alwatan.com/details/155197Alwatan كتب:
في آراء 27 نوفمبر,2016
نسخة للطباعة
