بدر العبري- كاتب عماني
بعدما تطرقت السّورة إلى قضية العبادة والاستعانة، وأثر ذلك في المجتمع الإنسانيّ، هنا تلتفت السّورة إلى الجملة الفعليّة المصدرة بفعل الأمر (اهدنا). والهداية كما يقول المفسرون هي الإرشاد والتّوفيق، ومنه قولهم إنّها تتضمن معنى ألهمنا ووفقنا وارزقنا وأعطنا. وعلى العموم للهداية معاني عديدة في القرآن الكريم، وهي مرتبطة بسياق وقرائن الخطاب، وهذا سنراه في محلّه في مواضع لفظة الهداية في الكتاب العزيز، والمراد هنا طلب التّوفيق في اقتضاء الصّراط المستقيم. وعند التّأمل في تفاسير المتقدمين في الصّراط المستقيم نجدها بين سعة فهم وتأمل وتدبر المتقدمين، وبين الضّيق المذهبيّ لاحقا، فتحول المصطلح أحيانا من فضاء إنسانيّ وقرآنيّ مفتوح، إلى فضاء مذهبيّ ضيق. وحاول بعض المعاصرين كالإمام محمد عبده ت 1905م في المنار إلى إنزال المصطلح وفق سعة الثّقافة الإسلاميّة في العقائد والعبادات والأخلاق والمجتمع. وعلى العموم قبل الحديث عن المصطلح وعلاقته بالإنسان، نتطرق بداية إلى الجانب اللّغويّ للصّراط، فالمتفق بين المتقدمين أنّ أشهر الألفاظ عند العرب في بداية التّنزيل ثلاثة: الصّراط وهو الأشهر، وهو لغة قريش، وحكاه النّقاش [أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد] ت 351هـ بأنّه لغة أهل الرّوم، وأنكر عليه العديد من المتقدمين، ومن هؤلاء ابن عطية الغرناطيّ الأندلسيّ ت 541هـ، حيث قال: وهذا ضعيف جدّاً، وما قاله ابن عطية هو الصّواب؛ لأنّ القرآن نزل بلسان عربي مبين، وما قيل عن الكلمات الأعجميّة في القرآن يحتاج إلى إعادة نظر، ولا يعني هذا عدم التّداخل اللّغويّ بين الأمم، ولكن ليس على إطلاقه، خاصة في المفردات المشتقة والمتحولة من ألفاظ مشابهة. واللّفظة الثّانية هي السّرات، وقيل هي الأصل، ويعلل الزّمخشريّ ت 538هـ هذا إلى أنّ الصّراط من قلب السّين صاداً لأجل الطّاء، كقوله: مصيطر في مسيطر، وقد تشم الصّاد صوت الزّاي، وقرئ بهنّ جميعاً، وقال أيضا: إنّ السّراط هو الجادّة، من سرط الشّيء إذا ابتلعه؛ لأنّه يسترط السّابلة إذا سلكوه، كما سمي: لقماً؛ لأنّه يلتقمهم. واللّفظة الثّالثة هي الزّراط، وهي لغة بني عذرة وبني كلب، وهي أقلّ تداولا، ويعلل السّمرقنديّ ت 373ه على الأشهر؛ علل ذلك في تفسيره بحر العلوم لأنّ مخرج السّين والصّاد واحد، وكذلك الزّاي مخرجه منهما قريب. والّذي يهمنا هنا سعة القراءة في القرن الأول، وعدم التّشديد في ذلك، كما نراه اليوم من المبالغة في التّشديد عن النّاس الّذي يخرج عن حدّ الاعتدال، وجعل التّجويد وحروفه في جملته توقيفيّا. وهذا الانفتاح في اللّفظ تبعه انفتاح أيضا في بيان معنى الصّراط المستقيم، وأشهرها ثلاثة أقوال: الأول أنّها القرآن الكريم، وروي عن علي بن أبي طالب ت 40هـ مرفوعا بلفظ: الصّراط المستقيم كتاب الله، كما روي عن غيره أيضا بذات اللّفظ أو المعنى، وروي عنه موقوفا بلفظ: وهو حبل الله المتين، وهو الذّكر الحكيم، وهو الصّراط المستقيم. وهذا القول تدلّ عليه بعض الآيات منها قوله سبحانه وتعالى: { فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} الزّخرف/ 43، ومنه قوله تعالى: {لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} النّور/ 46. والقول الثّاني هو الإسلام وهو مرويّ عن ابن عباس ت 68هـ، وجابر بن عبد الله ت 78هـ، ومثلهما قال مقاتل ابن سليمان ت 150هـ. وهذا القول أخذا لعموم بعض الآيات الدّالة في ظاهرها على ذلك، كقوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} المائدة/ 16. والقول الثّالث: هو طريق الجنّة، وهو قول سعيد بن جبير ت 95هـ، وهو أيضا أخذا بظاهر بعض الآيات الدّالة على أنّ الغاية هي الجنّة، والإسلام والقرآن طريق ووسيلة لها. الحاصل أنّ الصّراط المستقيم مفهوم عام، ولهذا قال أبو جعفر الطّبريّ ت 310ه: أجمعت الأمّة من أهل التّأويـل جميعاً علـى أنّ الصّراط الـمستقـيـم هو الطّريق الواضح الّذي لا اعوجاج فـيه. بيد أن هناك للأسف من ضيّق هذا التّفسير لغرض مذهبيّ، ومنه قولهم الصّراط المستقيم السّنة والجماعة، ومنه قول علي بن إبراهيم القميّ ت 329هـ في تفسيره: الطّريق ومعرفة الإِمام، أي الإمام المعصوم، وذكر رواية أنّ الصّراط المستقيم هو أمير المؤمنين عليه السّلام – أي علي بن أبي طالب – ومعرفته. وبعضهم من فسرها عقديا، فجعل الصّراط المستقيم بمعنى الجسر على جهنم، وساقوا فيه رواية: الصّراط أدقّ من الشّعر، وأحدّ من السّيف، فمنهم من يمرّ عليه مثل البرق، ومنهم من يمرّ عليه مثل عدو الفرس، ومنهم من يمرّ عليه ماشياً، ومنهم من يمرّ عليه حبواً، ومنهم من يمرّ عليه متعلقاً، فتأخذ النّار منه شيئاً، وتترك شيئاً. ولهذا ندرك كيف يضيق المفهوم التّدبريّ الواسع، إلى معنى مذهبيّ ضيّق، وهذا ما سيتكرر علينا لاحقا. ولهذا ندرك أنّ الصّراط المستقيم هو تحقيق العبادة والاستعانة لله سبحانه وتعالى، وأدركنا في الحلقة الماضية المفهوم الإنسانيّ الواسع للاستعانة والعبادة، وربط ذلك بالله سبحانه وتعالى، وجاء هذا في العديد من الآيات منه: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} يس/ 60-61، وقوله: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} الزّخرف/ 64. مع مجيئه أيضا بمعنى القرآن كما أسلفنا، ولا مشاحة في ذلك لأنّ القرآن كتاب هداية ورحمة للإنسان العابد المخلص لله سبحانه وتعالى. ولهذا الصّراط كلّ خير يقود لاستقامة الحياة، ويخدم هذا الإنسان، ويرفع عن الإنسان والأرض الفساد، ولهذا يرجو المؤمن يوميا من ربه أن يحقق له ذلك، وأن يقوده داعيا كأنبياء الله إلى الصّراط المستقيم، الّذي يخدم الإنسان في الأرض.

