د.إسماعيل الأغبري يكتب: للقبيلة الاحترام، لكن الدولة أعلى وفوقها وبعدها

    • خبر
    • د.إسماعيل الأغبري يكتب: للقبيلة الاحترام، لكن الدولة أعلى وفوقها وبعدها

      Atheer News كتب:

      أثير- المكرم د.إسماعيل الأغبري

      القبيلة جزء يسير ومكون من مكونات الأمة أو الناس أو الشعب أو المواطنين لأي دولة من الدول وقد تموج دول ببحر من القبائل وقد ترجع تلك القبائل المتشاكسة إلى أصلين كبيرين.

      كانت القبيلة في أزمنة غابرة بمثابة العروة الوثقى والرابطة القومية تجمع بين من ينتمي إليها، وتعتمد في الموالاة على العصبية وليس على الحق.

      قد تتغلب الروح القبلية فلا يبصر من ابتلي بذلك شيئا أمامه غيرها، ومن هنا تنبعث نعرات التصادم كريح هوجاء عقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم.

      القبيلة ليست فقط في عالم الجزيرة العربية أو عالم العرب فالفرس والكرد والأمازيغ وغيرهم فيهم فخر ولهم أجناس من القبائل.

      عالم قارة أفريقيا يموج أيضا بطوفان من القبائل ولعل قبيلتي ( الهوتو والتوتسي ) فاقتا غيرهما شهرة بسبب ما جرى بينهما من وقائع سود وملاحم يشيب من هولها الطفل قبل المشيب.

      بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب وتحديدا في مكة ووجد حقيقة مفادها أن ذلك المجتمع هو مجتمع قبلي ولذلك نادى يوم الصدع بالدعوة والتبشير بالدين الجديد قبيلة قبيلة والتفت إلى أفخاذها وبطونها.

      تحدث القرآن عن الجوانب الاجتماعية السائدة آنذاك فما كان من حسن قواه بالثناء عليه من التسابق إلى بذل المعروف وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف وإجارة المستجير وعدم خفر الذمة وتحدث عن النجدة والشجاعة.

      أما ما كان قائما من تناحر قبلي وصدام ومن مفاخرة وامتهان وعلو واحتقار ومن مبارزة بالباطل باللسان عن طريق الهجاء والحط من الآخر فقد نهى عنه وكذلك نهى وحذر من المبارزة بالباطل بالسنان لما في ذلك من بغي وعدوان وإزهاق للروح ومنازعة لله فيما قرره من إحياء النفس حياة مادية بعدم جواز العدوان أو إتلاف الروح .

      بل منع من العدوان المعنوي أيضا بما في ذلك الهجاء أو حتى مجرد الترويع والتخويف.

      ليس في الإسلام من بأس في الانتماء لقبيلة من القبائل فقد كانت في زمن تتحمل ديات القتلى وهو المعروف بالعاقلة وقد حل محله اليوم نظام شركات التأمين لكن البأس كل البأس هو جعل القبيلة هي القبلة والكعبة والبوصلة والوجهة والمسار.

      شرح الإسلام أن التنوع القبلي إنما هو في الأصل تكاملي من أجل (لتعارفوا) لا لتفاخروا وشتان بين هدف التعارف الذي يعني البناء والتشارك في صنع الحضارة وسعة الأرض للجميع وقيام تنسيق وتداخل بين سكان دولة أو أمة من الأمم.

      شتان بين هدف (لتعارفوا) والغاية الخاطئة للبعض لتفاخروا إذ الأخيرة تقود أي دولة وأمة إلى تناحر مرير وتنافس غير شريف وتدمير للمنجزات وإطاحة بعنفوان الدولة وذهاب بريحها وخلخلة لنسيجها الاجتماعي.

      كان شأن الانتماء القبلي معظما وكانت القبيلة المأرز والمرجع وذلك في أيام لم تكن الدولة معروفة بهذا النظام الدقيق ولم يكن لها نظام أساسي أو دستور تنتظم من خلاله أمورها وإليه تتحاكم.

      في العصر الحديث صارت الدولة بحيزها الجغرافي جامعة لذلك الشتات وموئلا لكل أفراد الشعب أو الأمة أو ما يعرف اليوم بالمواطنين وهي المرجع من خلال مختلف مؤسساتها القضائية والخدمية لكافة أفراد الشعب وصار للدولة رأس قائد مدبر لشؤونها راع لمصالحها قائم على أمرها يسن من النظم والقوانين ما يكفل المساواة في الحقوق بين رعايا دولته ومن العدل ما يضمن عدم الحيف بين أفراد رعيته.

      إن الدولة أي دولة تحتاج إلى شعب يموت في سبيلها لتحيا هي ويفنى هو من أجل بقائها.

      الدولة وليس غيرها هي الأم الحنون والجامع لكل من عاش فيها.

      نعم يجب احترام القبيلة ولكن القدسية للدولة والمفاخرة بالوطن لأنها الحضن الحنون والبساط الأخضر الواسع لجميع مكونات الدولة.

      للقبيلة الاحترام لكن الدولة تعلو ولا يعلى عليها والسيادة لها إنها فوق وبعد وقبل وعلى لأن الانتماء لغيرها يعني تعدد الولاء وإذا تعدد تناحر الناس وذهبوا بمقدرات دولتهم وصيروها في مهب الريح.

      دول كانت إمبراطورية بوحدتها ملكت وعدلت لكن لما أصاب بنيها داء تقديس الانتماء القبلي وتنازع بنوها بينهم وطلبوا تدخل الخارج في شأن دولتهم أدى ذلك إلى ذهاب مجد الدولة وتقلص رقعتها وتدخل الأجانب من عرب وغرب فيها.

      إن الصراع القبلي حصاده مر علقم فرقة وتشظي واحتراب داخلي ونسيان فضل الدولة ووحوب الذود عنها.

      إن الإسلام مانع من مظاهر التحيز القبلي ورافض للتعصب الفئوي والقوانين مجرمة لكل عمل من شأنه رجوع الدولة القهقرى.

      لعله مما يؤثر سلبا على وحدة المجتمع هو الفخر بمكونات المجتمع وتغليب ذلك على الفخر بالدولة والولاء للقبيلة دون الدولة ومما قد يؤثر سلبا مستقبلا هو تسمية مجالس العزاء باسم قبيلة بني فلان أو بعث رسائل تعزية تحت عنوان نحن قبيلة كذا نعزي كذا أو تأسيس جمعيات تحمل مسميات قبلية أو تأسيس شركات ولها مضامين قبلية أو تأسيس مجموعات التواصل الاجتماعي ذات طابع قبلي.

      إن بعض الشعوب ذاقت مر الانقسام وتجرعت غصص التنازع وحل بها داء الضعف حتى صارت دولتهم بعد الامبراطورية لا تزيد عن الثلاثمئمة ألف كيلو متر إلا قليلا فحري بها أن. تفاخر بالدولة لا غيرها.

      الدولة بجيشها تحمي البر والبحر والجو وتدفع الأذى عن كل الشعب هي الجديرة بالولاء لا غيرها.

      الدولة بشرطتها وأجهزتها الأمنية تبيت عينا يقظة ساهرة وأفراد الدولة في راحة وأمن فهي الجديرة بالولاء.

      الدولة من خلال مؤسساتها الخدمية ترعى وتقدم خدماتها هي الأجدر والأحق بالولاء.

      الدولة هي التي يتحاكم إليها الرعية فهي التي تستحق الولاء.

      أما عن الولاء للدولة فهو ليس كلاما أو قصيدة شعرية ولكن الولاء يعني الترفع عن إثارة كل نعرة قبلية والبعد عن كل ما يقلق الوطن.

      الولاء للدولة يعني تجنب المناكفات والتجاذبات وموالاة الدولة في جميع الأحوال اليسر العسر الشدة والرخاء.

      فلتحذر أمة وشعب أن يصير كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا.

      Source: atheer.om/archives/444163/%d8%…%d8%a7%d8%ad%d8%aa%d8%b1/