Source: atheer.om/archives/447120/%d8%…%8a%d9%91-%d9%84%d9%84-4/Atheer News كتب:
بدر العبري- باحث عماني
أشرنا في بداية سورة البقرة أنّ النّاس ثلاثة أقسام: قسم المؤمنين، وقسم الكافرين، وقسم المنافقين المصالحيين، وهذه الأقسام الثّلاثة طبيعيّة جدا أمام أيّ دعوة أو فكر أو تجديد، فالنّاس في البداية يكفرون بها، ويقاومونها بكافّة الطّرق، باللّسان والاستخفاف والاستهزاء والتّصنيف التّشويهيّ بداية، ثمّ التّهديد والمقاطعة، وأخيرا قد يصل إلى النّفي والسّجن والإيذاء الجسديّ والقتل.
ولكن هذا يزيد أيّ دعوة ولو كانت في ذاتها ليست سليمة قوّة وصلابة وانتشارا بعد حين، ولهذا هناك صنف يدور مع المصلحة أيّما كانت هو يكون، فهو ينظر إلى القوة الغالبة، فإن كانت الغلبة للمؤمنين تظاهر بالإيمان، وإن كانت الغلبة للكافرين تظاهر بالكفر، وهؤلاء موجودون بكثرة الّذين لا يؤمنون بمبدأ، ولا يضحون لأجله، بقدر ما يؤمنون بالمصلحة الدّنيويّة، ويلهثون خلفها.
وهنا يبدأ البيان بالصّنف الأول، وهم المتقون، وأشرنا إلى التّقوى في الحلقة الماضية، إلا أنّه هنا يذكر صفاتهم ومآلهم، فهم: يؤمنون بالغيب، ويقيمون الصّلاة، وينفقون ممّا رزقهم الله، ثمّ يلتفت مرة أخرى إلى الإيمان ويستأنف هنا ما أنزله الله تعالى على الأنبياء جميعا، وبالآخرة أيضا.
والإيمان في الأصل التّصديق، {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف/17] أي بمصدّق لنا، ويرى الزّمخشريّ [ت 538هـ] أنّ الإيمان أصله من الأمن أو التّصديق، ويعلل الطّوسيّ [ت 460هـ] أنّ الإيمان من الأمن لأنّ المؤمن من يؤمن نفسه من عذاب الله تعالى، وذكر الماورديّ [ت 974هـ] قولا ثالثا، وهو أنّ أصل الإيمان الطّمأنينة، فقيل للمصدق بالخبر مؤمن؛ لأنّه مطمئن.
وأمّا في الأثر فأشهرها تأويلان: الأول التّصديق، وهو قول ابن عباس [ت 68هـ]، والخشية وهو قول أنس ابن مالك [ت 93هـ].
وعموما هذه الأقوال تكمل بعضها بعضا فالتّصديق أصل الأمن والاطمئنان، ويؤدي إلى خشية الله تعالى.ولا قيمة علميّة في الخلاف الّذي جرى بين المدارس الإسلاميّة، في حدّ الإيمان، وهل هو بالقلب فقط، أمّ باللّسان، أم بالاثنين معا، وما محلّ العمل فيه، وهل ينزع الإيمان لمّا يعمل معصية، وهل يزيد وينقص، أم لا يزيد وينقص، أم يزيد ولا ينقص؟!!
هذه المباحث لا قيمة لها معرفيّا إلا سفسطة معرفيّة، لا ينبغي أن تأخذ حيزا كبيرا؛ لأنّ الجميع في الجملة متفق على الأصل والأثر، فالأصل الإيمان، والأثر أن يظهر الإيمان في الذّات والواقع، ولهذا الله تعالى عطف إقامة الصّلاة والإنفاق على الإيمان بالغيب، فالعمل يصدّق الإيمان وينقله إلى واقع معاش، وهذا كافٍ في هذه المسألة كخيط اتفق عليه المؤمنون جميعا.وأول صفات المؤمنين هو الإيمان بالغيب، وأصل الغيب ما غاب عنّا، فغدا غيب لا نعرفه، ولا نعرف مصيرنا فيه، وكذا ما مضى الأصل غيب لا نعرفه إلا ما أخبرنا به، وأصل دليل الغيب قوله تعالى: {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة/285].
ولهذا الأصل من حيث الإيمان وما يترتب عليه أنّ دائرة الغيب محدودة ومغلقة، فمن حيث الله تعالى وصفاته وأحداث يوم القيامة لا يكون إلا بدليل قطعي واضح لا يحتمل التّأويل، وهذا لا يكون إلا في كتاب الله تعالى وحده المتفق بين الجميع، والّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
ومن حيث الماضي يكون بالبحث والسّير في الأرض والكشف، وهذا لا يترتب عليه إيمان ولا كفر، فهو بحث واستقراء يدخل تحت دائرة الخبر القابل للصّدق والكذب لذاته!!!
وأما عالم الكون يكون بالسّير والتّأمل في كشف سنن الكون في الإنسان والطّبيعة والفضاء، وتسخيرها في خدمة البشريّة!!
وعليه الخلاف الكبير بين المدارس الإسلاميّة اليوم أنّهم وسعوا دائرة الغيب فيما يتعلّق بالله وصفاته واليوم الآخر، ففسقوا بعضهم بعضا، ومنهم من كفّر بعضهم بعضا، وهم متفقون جميعا على الإيمان بالله وملائكته وكتبه واليوم الآخر، وهذا حدّ كافٍ للالتفات إليه، وما زاد لا يدخل قطعا في الغيب الواجب الإيمان به، ومن قال به استئناسا لا يخرج من الدّين!!!وهذا الإيمان كما أسلفنا يسقط إلى واقع معاش، يظهر من خلال ثمرتين: الأولى إقامة الصّلاة، والإقامة كما يقول الزّمخشريّ من أقام العود إذا قوّمه، وقيل الإقامة من الدّوام، وفي نظري إنّ استخدام الإقامة بمعنى إقامة أثرها في المجتمع، فللصّلاة أسرار فردية ومجتمعيّة كبيرة لا يمكن بحال ذكرها هنا، وللخمينيّ [ت 1989م] كتاب نفيس في هذا اسمه أسرار الصّلاة.
فالصّلاة من البداية تخلّص هذا الإنسان من استعلاء البشر واستعبادهم، فالصّلاة تكبير وتعظيم لله وحده، ليسقط تعظيم البشر، وتحقق القيم الّتي أرادها الله تعالى وهي المساوة بين النّاس جميعا، ولذا يصطف الجميع صفا واحد، لا فضل لأحد على أحد، ويخضعون لله سبحانه وتعالى وحده, وما نراه اليوم من طقوسيات لا أثر لها، فبسبب غياب الخطاب المقاصدي من هذه الشّعيرة؛ لأنّ الصّلاة لا تنقطع بتسليمه، بل تبدأ بالتّسليم كإقامة مقاصديّة في واقع الحياة، وأمّا تلك الحركات فوقفة تذكريّة ليسقط أثرها لاحقا، ولهذا قال الله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت/ 45]، والمصلي لا يأتي بالفحشاء والمنكر في صلاته، إلا أنّ حقيقة إقامتها تنهاه عن ذلك، ولا يكون ذلك إلا بعد الفراغ منها.
ولهذا أتى الله تعالى بالفعل المضارع {وَيُقِيمُونَ} المفيد للاستمراريّة، والمتصل بواو الجمع الدّال على عموم الجنس، ليكون هذا سلوكا مجتمعيّا، ومراجعة جماعيّة.
والثّمرة الثّانية الإنفاق في قوله سبحانه: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}، واستخدم هنا الرّزق فقيل هو الزّكاة خصوصا وهو الأشهر، وقيل عموم التّطوع بما فيه الزّكاة المفروضة، وقيل نفقة الرّجل على أهله، والأخير لا دليل عليه، والأول لا دليل يقيّده، والرّأي الثّاني هو الأرجح، وللشّعراويّ [ت 1998م] كلام لطيف في هذا حيث يرى أنّ الرّزق هو ما ينتفع به، فالقوة رزق، والعلم رزق، والحكمة رزق، والتّواضع رزق، وكلّ ما فيه حركة للحياة رزق، فإن لم يكن عندك مال لتنفق منه فعندك عافية تعمل بها لتحصل على المال، وتتصدق بها على العاجز المريض، وإن كان عندك حلم، فإنّك تنفقه بأن تقي الأحمق من تصرفات قد تؤذي المجتمع وتؤذيك، وإن كان عندك علم فأنفقه لتعلِّم الجاهل.
ويرى الزّمخشريّ أنّ إسناد الرّزق إلى نفسه للإعلام بأنّهم ينفقون الحلال الطّلق الّذي يستأهل أن يضاف إلى الله، ويسمى رزقاً منه، وأدخل من التبعيضية صيانة لهم وكفا عن الإسراف والتّبذير المُنهى عنه.
وخالف الأشاعرة المعتزلة فقالوا إنّ الحلال والحرام رزق في الأصلّ مسند إلى الله، والإثم على الكاسب، وهذا الخلاف لا قيمة له كالخلاف في خلق الأفعال، فهو يدخل في باب الأصلحيّة والتّأدب لا في أصل الإيجاد، فهو أقرب إلى الخلاف اللّفظيّ منه العمليّ، ثمّ إضافته إلى الله من باب البحث والحث عن الطّيب الحلال.
وعلى العموم الإشارة إلى الإنفاق لا يقتصر على المال، فهو يعمّ كما قال الشّعراويّ كلّ خير وفضيلة، وقد أشرت إلى الجانب الإنسانيّ في الإنفاق في كتابي القيم الخلقيّة والإنسان، يمكن الرّجوع إليه لمزيد الفائدة، وللاختصار هنا، وتجنّبا للتّكرار.
وكذا أتى أيضا هنا بالفعل المضارع {يُنْفِقُونَ} المفيد للاستمراريّة، والمتصل بواو الجمع الدّال على عموم الجنس، ليعمّ كلّ خير، ويشارك فيه الجميع.وبعد بيان الثّمرتين، يرجع مرة أخرى الله تعالى إلى ذكر الإيمان في قوله سبحانه: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}، فالواو في الّذي هل هي استئنافيّة أو معطوفة على الآية السّابقة، أو من باب ذكر الخاص بعد العام؟!!
والخلاف سببه إسقاط الآية في التّفسير التّأريخيّ، ولكي يتضح المراد فهنا ثلاثة أقوال: الأول أنّ الإيمان المراد في هذه الآية من آمن من أهل الكتاب، فهم كانوا يؤمنون بالتّوراة أو الإنجيل والآن بالقرآن، والثّاني مؤمني العرب خصوصا في عهده – عليه الصّلاة والسّلام -، والثّالث جميع المخاطبين إلى يوم الدّين.فمن رأى الواو أنّها عاطفة رأى أنّها تعمّ جميع المخاطبين، ومن رأى أنّها استئنافية أو عاطفة من باب الخاص بعد العام رأى أنها تعمّ أهل الكتاب أو من آمن من العرب.
وفي نظري هي استئنافية المراد منها البيان التّخصيصيّ والعموم، أمّا البيان التّخصيصيّ فمن ضمن الإيمان بالغيب الإيمان بما أنزل الله تعالى من كتب؛ لأن الحديث كان بعد الإشارة إلى الكتاب في قوله تعالى: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}.
وأمّا العموم فيعمّ جميع المؤمنين بكتب الله حسب ما وصلهم إلى يوم القيام، وهذا سنلحظه أكثر في الحديث عند قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة/ 62] وإنّها باقية غير منسوخة، ولهذا استخدم الفعل المضارع {يُؤْمِنُونَ} المتصل بواو الجمع، وهذا جانب إنسانيّ مهم في البناء المجتمعيّ سيتضح مليا قابلا بإذن الله تعالى.وبعد ما خصّ الله تعالى الإيمان بالكتب خصّ أيضا الإيمان بالآخرة؛ لأنّه الجامع بين المؤمنين جميعا.
ويذكر الطّبريّ [ت 310هـ] أنّ الآخرة سميت بهذا إمّا لتأخرها عن الأولى وقوعا، أو لتأخر خلقها، وهنا ربطها الله تعالى باليقين، واليقين هو العلم المانع من الشّك، ولهذا يقول سبحانه في آية أخرى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [العنكبوت/ 20]، حيث الله تعالى يربط بين الخلق الأول والخلق الآخر.
لهذا نجد الله تعالى كثيرا يأتي بالأدلة والآيات الكونيّة في إثبات الإيمان به واليوم الآخر، وعليه ندرك أنّ اليقين نسبي، لا يكون عن طريق الولادة أو البيئة، وإنّما يكون عن طريق النّظر والتّفكر والبحث والسّير في الأرض، واستخدام الفعل المضارع وواو الجماعة كذلك في {يُوقِنُونَ} دلالة واضحة على رابط الإيمان الواسع بين النّاس المؤمنين جميعا بالله وكتبه واليوم الآخر.
لهذا يختم الله تعالى هذا القسم بقوله: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، واستخدام اسم الإشارة {أُولَئِكَ} يفيد العمق التّأريخيّ للمؤمنين، ويفيد الشّمولية أيضا بين الجميع.
ويعلل الزّمخشريّ الاستعلاء في قوله {عَلَى هُدًى} مثل لتمكنهم من الهدى، واستقرارهم عليه، وتمسكهم به، ومعنى {هُدًى مّن رَّبّهِمْ} أي منحوه من عنده، وأوتوه من قبله، وهو اللّطف والتّوفيق الّذي اعتضدوا به على أعمال الخير، والتّرقي إلى الأفضل فالأفضل، ونكر {هُدًى} ليفيد ضرباً مبهماً لا يبلغ كنهه، ولا يقادر قدره.
وعموما تقدّم بيان الهدى والهداية وأبعادها الإنسانيّة في سورة الفاتحة في الحديث حول قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}.
وكما أنّ هذا الفريق على هدي يبين تعالى أنّ الفلاح لهم: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، والمفلحون كما يقول أهل التّأويل هم الـمُنْـجِحُون الـمدركون ما طلبوا عند الله تعالـى بأعمالهم وإيـمانهم بـالله وكتبه ورسله، من الفوز بـالثّواب، والـخـلود فـي الـجنان، والنّـجاة من العقاب.والفلاح في الحقيقة يشمل الحياة أيضا بما سينعم به البشر في الدّنيا من خير يحفظ بهم أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وتطمئن به نفوسهم، وتستقر به أوطانهم ومجتمعاتهم، وهذا فضله عائد إلى المجتمع الإنسانيّ ككل.
شارك هذا الموضوع:
بدر العبري يكتب: التّفسير الإنسانيّ للآيات: (3) إلى (5) من سورة البقرة
- خبر
