أحلام على قارعة الطريق تحققت

    • خبر
    • أحلام على قارعة الطريق تحققت

      Alwatan كتب:

      فيصل بن سعيد العلوي:
      كانت المرة الأولى التي نقف فيها على قارعة الطريق الرئيسي المتجه إلى شمال الباطنة ونحن في الصفوف الإبتدائية .. نقف مصطفين بانتظار الموكب الميمون الذي نتوق لرؤيته متشوقين لأن نشاهد باني نهضة عمان الحديثة.. كنا صغارا لا نعرف سوى أن هناك مشاعر عميقة جياشة في قلوبنا نتحسسها أكثر وأكثر كلما اقترب الموكب من الوصول.. تدق قلوبنا استبشارا لرؤية والدنا المغفور له بإذن الله تعالى صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور ـ طيّب الله ثراه ـ ، تتطاير الورود وتعلو الأصوات فداء للقائد الملهم الذي علّمنا ما هو الوطن، علّمنا كل التفاصيل الصغيرة في أصالة الإنسان العماني وارتباطه بأرضه وسلطانه. كلما اقترب الموكب الميمون لسلطاننا الراحل ـ رحمه الله ـ ننتشي فرحا ونقف صامدين ملتفتين إلى نصفّق بكل حب والموكب يمر أمامنا وتعلو أصواتنا بالروح بالدم نفديك يا قابوس … يرفع يديه الكريمتين يرد التحية على شعب يصافحه بقلبه، ونحن نركض على جوانب الطريق نحاذي الموكب الميمون لا نريد لهذا المرور أن ينتهي، نرجع بكل فرح بعد يوم طويل إلى منازلنا والسعادة تملأ الأرجاء والقلوب.
      نكبر وتكبر أحلامنا معنا، ونستذكر الموقف وننظر بعمق إلى الأهداف السامية التي انتهجها سلطاننا الراحل ـ رحمه الله ـ من هذه الجولات السامية الكريمة، كنت أسأل نفسي كيف أستطيع الوصول ومصافحة جلالته والحديث معه، كنت اعتقد ان هذا الأمر مستحيل .. في كل مرحلة عمرية يتضح لي انه لا حواجز بين الشعب والقائد لذا يتجدد الأمل في هذا اللقاء الذي أطمح له، فأبواب البيوت العامرة لم تكن موصدة شرعت لتستقبل كل فئات المجتمع العماني لتحقيق هذه الأمنيات.
      وفي الخامسة فجرا من أحد أيام عام 1997م تحقق الحلم .. كنت أتأهب للخروج من بيت بهجة الأنظار في صحار، شاء القدر ان اتجه مسارا على غير المعتاد، قررت انا وابن عمي واثنان من الأصدقاء ان نخرج من الباب الشمالي الصغير … شق الفجر وأصوات زقزقات العصافير تضج في المكان ،،، كانوا على يمين الشارع المؤدي للخروج وانا كنت وحدي يسارا … سيارة تأتي من الاتجاه الآخر لا مكان لها ان تمر بجانبي… تطوفني قليلا ثم تعود، أشاهد المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور رحمه الله مشيرا بيده لي ان أتشرف بالركوب في سيارته وبقربه لأرافقه في مساره … أي حظ هذا الذي دفعني أن أسلك هذا الطريق في هذا الصباح وأي حظ وضعني على المسار الأيسر من الطريق … كيف سأسلم عليه وكيف وماذا أقول له ؟ وانا الذي للمرة الأولى أقترب بهذه المسافة بين القلب والعين مع شخصية دخلت قلوبنا وعشقناها منذ الصغر.
      افتح الباب مرتجفا وأكرر السؤال بالإشارة مجددا هل هو أنا المقصود للتفضل بمرافقة مقامه السامي.. لأجد نفسي امام حلم تحقق، أمد يدي وأصافحه مرتبكا بين فرحة ورهبة اللقاء، بدأت صدقا أشعر بأنني استمع لأب يحدث ابنه، كنت اشاهد لمعة عينيه وبياض لحيته واستمع لحديثه وهو يقود سيارته ويتوقف تارة حينما يشاهد مواطنا يناقشه في هم ما، ويتحدث معي تارة في مواضيع عامة تطوف بحالة المكان الذي أسكنه وعن أحوال الناس هناك لم استوعب الهدف في تلك اللحظة لكني وعيته بعد زمن .. من هنا انفتح باب اللقاء الذي جمعني وجلالته رحمه الله في لحظة تاريخية سعدت بأن وثقتها أعين اصدقائي وأعين زملاء لي في الدراسة كانوا قد شاهدوني برفقته … شعرت بالعظمة والفخر وأنا ارافق الرجل الأول في البلد لنصف ساعة تقريبا أتبادل الحديث معه ويستمع لي بكل هدوء وحب الى ان ودعته، على امل لقاء آخر تحقق كثيرا عقبها في مواقع متعددة.
      ها أنا أدرك تماما بعد هذه المرحلة الزمنية الكبيرة ان الإطلاع على أحوال الناس والاقتراب من البسطاء منهم والتعرّف على همومهم اكبرهم وأصغرهم كان هو الشغل الشاغل للمغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس رحمه الله ومن خلال تلك اللقاءات وضعت الحلول لإشكاليات كثيرة ما كانت ستحل لولا هذه اللقاءات المباشرة بين القائد والشعب عبر هذه المساحات المتاحة وعبر الجولات السامية الكريمة لسلطاننا الرلحل رحمه الله، كانت هذه المساحات غير مُدركة الفهم في اتاحتها لكنها تجلّت بالمفهوم العميق الذي تبناه رحمه الله في فكره المستنير حتى استطاع ان يحقق بكل ذلك الشراكة الحقيقية بين الحكومة والشعب من أجل بناء عمان الحديثة وصولا إلى رحيله الذي برغم الكسر والحزن الذي يتسببه الفقد دائما الا انه زرع فينا بذرة عظيمة لمستقبل زاهر بإذن الله تعالى.. علّمنا ان نصبر وأن نحافظ على المنجزات وأن نساهم في البناء وان نقف يدا بيد مع القيادة الحكيمة لمستقبل أكثر رقيا لوطننا العزيز ، فرحمة الله تعالى تغشاك والدنا المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السلطان قابوس ين سعيد بن تيمور، وأنزلك الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء وجزاك الله عنا خير الجزاء.

      Source: alwatan.com/details/368658