التقاعد.. هل نهاية العطاء؟!

    • خبر
    • التقاعد.. هل نهاية العطاء؟!

      Alwatan كتب:

      كن أنت من تحكم نفسك وتخطط برنامج حياتك اليومية.. أعد صياغة حياتك من جديد، انطلق منذ الصباح الباكر في حصة رياضة تعيد لك صحتك، استنشق هواء الحرية خارج إطار الوظيفة والجدران المحيطة بك ..

      منذ صدور الأوامر السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ بإحالة كل من أكمل ثلاثين سنة وأكثر إلى التقاعد ونحن نقرأ ونستمع وتدور نقاشات واسعة ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي بشتى أنواعها حول هذا الموضوع .. وطبيعي أن تتفاوت ردود الفعل حول الموضوع، وددت في هذه الزاوية تسليط الضوء على بعض الجوانب متجردا من العاطفة التي طغت على أغلب ما مر بي من كتابات حول هذا الموضوع، ومن واقع تجربتي للتقاعد الاختياري بعد أن أكملت واحدا وثلاثين عاما إلا شهرين..
      وإذا ما طرحنا السؤال العام وقلنا: من هو المتقاعد الذي أكمل في وظيفته ثلاثة عقود أو أكثر؟ لقلنا إنه بشر أنيط به واجب وظيفي لخدمة وطنه ومواطنيه فأفنى فيه صفوة عمره وشبابه أخلص في الأداء أو لم يخلص، إلا أنه قطع المسافة الأطول من مضمار حياته، وآن له أن يترجل ويرتاح..
      ونعرج إلى السؤال التالي الذي يطرحه البعض وهو: لماذا يحال إلى التقاعد من لديه القدرة على العطاء؟
      وردا على هذا السؤال أقول: من كان لا يزال قادرا على العطاء فمن الأولى أن يخرج باكرا دون تردد، ليبدأ مسيرة جديدة في العطاء خارج إطار برنامج العمل المعد له ممن هو أعلى منه درجة.. ليكن هو نفسه من يضع برنامج عمل لنفسه وربما لمن سيكون تحت إمرته، متسلحا بخبرته التي اكتسبها خلال مسيرته العملية، مفعما بالحيوية والنشاط، ينطلق واثقا بربه نحو مستقبل أفضل، يمثل مدرسة يستفيد ويفيد الآخرين.
      أما ما يدور حول مفاجأة موضوع التقاعد للشريحة الأكبر من المتقاعدين ممن لديهم مديونيات وارتباطات مالية، وظهور فريق مؤيد لهذه الفكرة وكل ما قدمه لهم هو التباكي والإحباط النفسي وإيجاد صورة قاتمة عن المستقبل.. فأقول للطرفين: دعونا من اختلاق المتاعب، ولنتجرد من العاطفة تمام التجرد.. فجميعنا يدرك دون شك أنه ميت لا محالة، لكن هل أعددنا أنفسنا لتلك اللحظة؟ .. فالكيِّس الفطن من أعدَّ نفسه لما بعد الموت، وهذا تماما ما حدث لمن تفاجأ بأمر التقاعد، إن الشخص الذي أكمل ثلاثين عاما في وظيفة لم يتمكن من التخطيط لحياته أجزم بأنه لن يتمكن من تعديل الكفة خلال ثلاث أو أربع أو حتى سبع سنوات من عمره الوظيفي، ذلك لأنه اعتاد التسويف، وفي هذه الحالة خروجه أفضل من بقائه ليتدارك ما بقي من عمره لإعادة صياغة حياته..
      وبعيدا عن كل ما ذكر، فلماذا التباكي والتشاؤم من التقاعد..؟ ألم تكن موظفا محكوما طيلة فترة عملك؟ ألم تشتكِ يوما من روتين العمل الذي لا يتغير؟ ألم تتألم لعدم تمكنك من حضور مناسبة عزيزة وغالية على قلبك لعدم قدرتك على الحصول على إجازة لظروف العمل؟ إذًا تحرر، وكن أنت من تحكم نفسك وتخطط برنامج حياتك اليومية.. أعد صياغة حياتك من جديد، انطلق منذ الصباح الباكر في حصة رياضة تعيد لك صحتك، استنشق هواء الحرية خارج إطار الوظيفة والجدران المحيطة بك، أنعش علاقاتك المجتمعية مع أسرتك وذويك والمحيط من حولك.
      وقبل الختام، أقول لنحتسب الأجر فيمن سيحل في مكاني الوظيفي ممن لم يبدأ حياته بعد وقد يكون تجاوز من العمر ردحا من الزمن ،والمتبقي له قد لا يسعفه في بناء حياته كما ينبغي.

      محمد بن سالم الكلباني
      كاتب عماني

      Source: alwatan.com/details/388422