لعشاق نزار القباني فقط

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • لعشاق نزار القباني فقط



      أحلى قصائدي !

      هل هذا ممكن ؟ وهل يستطيع شاعر على وجه الأرض أن يقرر بمثل هذه السهولة والرعونة ، ما هي أحلى قصائده .

      وإذا كانت القصائد التي اخترتها هي أحلى القصائد من وجهة نظري ، فهل هي كذلك بالنسبة للآخرين ؟

      إن ذوق الشاعر ، على أهميته ، يبقى ذوقه الخاص ، و ارتباطه الشخصي ببعض قصائده ، والظروف التاريخية والنفسية والإنسانية التي كتب تحت تأثيرها هذه القصائد ، تلعب دورا رئيسيا في لعبة الاختيار .

      إن ورائي ثلاثين عاما من التجارب الشعرية ، وأمامي عشرون كتابا هي تذكرة ميلادي ، وجواز سفري ، وعمري كله .

      فكيف أستطيع أن ألتقط من هذا البحر ، ثلاثين صدفة أقول عنها إنها البحر ..

      وكيف أسمح لنفسي أن ألتقط من الشمس ثلاثين شعاعا وأدعي أنني سرقت النار؟..

      إن كل عملية اختيار بحد ذاتها مرعبة. وعملية اختيار الشعر ممن كتبه هي ذروة الرعب ..

      وإذا كان لا يستحيل على الإنسان أن يختار أثوابه ، وعطوره ، وأثاث بيته ، ولون ستائره ، فمن المستحيل عليه أن يختار انفعالاته ..

      الشعر هو أرض الانفعال .

      هو وطن الأشياء المنقلبة دائما على نفسها ، والأشكال الهاربة من شكلها .

      وعلى هذه الأرض الحبلى بالدهشة والمفاجآت ، لا ثبات لشيء .ولا يقين لشيء ..

      فكيف يختار الشاعر حصانه بين ألوف الخيول المتسابقة على حدقتي عينيه ؟

      الاختيار كان دائما يعذبني . والتمييز بين هذه القصيدة وتلك كان دائما وجعي الأكبر .

      وبالرغم من طول صحبتي للشعر ، وسكناي معه وفيه فإنني كلما دعيت إلى أمسية شعرية أقف أمام أوراقي خائفا ومترددا كالطفل عشية الامتحان .

      إن فكرة إصدار مختارات شعرية لي فكرة قديمة ولكنني كنت دائما أؤجلها وأخشاها كما يخشى المتهم قرار المحكمة .

      إلا أن مواجهتي اليومية للجمهور ووقوفي أمامه فاعلا ومنفعلا وردود الفعل المختلفة التي كانت تواجَه بها قصائدي أكسبتني بعض الخبرة في معرفة القصائد ـ المفاتيح في شعري. وأعني بالقصائد ـ المفاتيح ، تلك القصائد التي تركت وراءها أسئلة .. وحرائق .. ونار .. ودخانا .

      واليوم وقد قررت أن أدخل قاعة المحاكمة أود أن أهمس في آذان المحلفين أن اختيار بضعة أشجار من غابة لا يمثل حقيقة الغابة ، وأن قطف ثلاثين زهرة ، ووضعها في آنية .. فيه ظلم كبير للبستان ..

      نزار قباني 1971



      إخــتـــاري

      إني خيرتك .. فاختاري مابين الموت على صدري ..

      أو فوق دفاتر أشعاري ..

      اختاري الحب .. أو اللاحب فجبنٌ أن لا تختاري ..

      لا توجد منطقة وسطى مابين الجنة والنار ..

      ارمي أوراقك كاملة ..وسأرضى عن أي قرار ..

      قولي .انفعلي .انفجري لا تقفي مثل المسمار..

      لا يمكن أن أبقى أبدا كالقشة تحت الأمطار

      اختاري قدرا بين أثنين وما أعنفها أقداري..

      *

      مرهقة أنت .. وخائفة وطويل جدا.. مشواري

      غوصي في البحر .. أو ابتعدي لا بحر من غير دوار ..

      الحب ..مواجهة كبرى إبحار ضد التيار

      صلب .. وعذاب ..ودموع ورحيل بين الأقمار ..

      يقتلني جبنك ..يا امرأة تتسلى من خلف ستار ..

      إني لا أؤمن في حب لا يحمل نزق الثوار ..

      لا يضرب مثل الإعصار ..

      آه .. لو حبك يبلعني يقلعني .. مثل الإعصار ..

      *

      إني خيرتك .. فاختاري مابين الموت على صدري

      أو فوق دفاتر أشعاري

      لا توجد منطقة وسطى ما بين الجنة و النار ..



      رسـالـة مــن تحـت الـمــاء

      إن كـنت صديقي .. ساعدني كي أرحل عنك ..

      أو كـنت حبيبي .. ساعدني كي أشفى منك

      لو أني أعرف أن الحبَّ خطير جدا ما أحببت

      لو أني أعرف أن البحر عميق جدا ما أبحرت ..

      لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت ...

      اشتقت إليك .. فعلمني أن لا أشتاق

      علمني .. كيف أقص جذور هواك من الأعماق

      علمني .. كيف تموت الدمعة في الأحداق

      علمني كيف يموت القلب ، وتـنـتحر الأشواق

      *

      إن كنت نبـيا ..ـخلصـني من هذا السحر ..

      من هذا الكـفـر

      حبك كالكـفـر .. فـطهرني من هذا الـكـفـر ..

      إن كنت قويا .. أخرجني من هذا الـيـمّ ..

      فأنا لا أعرف فـن العـوم

      الموج الأزرق في عـيـنـيـك .. يجـرجـرني نحـو الأعمق

      وأنـا ما عـنـدي تجـربة

      في الحـب .. ولا عـنـدي زورق ..

      إن كنت أعـزّ علـيـك ..فـخـذ بـيـدي

      فـأنا عاشقـة من رأسي ..حـتى قـدميّ

      إني أتـنـفـس تحت الماء ..

      إني أغرق ..

      أغرق ..

      أغرق ..



      نـهــر الأحـــزان

      عيناك .. كـنهري أحزاني

      نهري موسيقى حملاني

      لوراء ِ.. وراء الأزمان

      نهري موسيقى قـد ضاعا

      سيدتي ، ثـمّ أضاعاني

      الدمع الأسود .. فوقهما

      يتساقـط أنـغام بـيان

      عينــاكِ ، وتبغي , وكحولي

      والقـدح العاشر أعماني

      وأنا في المـقـعد محتـرقٌ

      نيـرا ني تأكـل نيـراني

      أأقـول أحبـكِ .. ياقـمري

      آهٍ .. لـو كـان بـإمكـاني

      فـأنـا لا أمـلك في الـدنيا

      إلا عـيـنـيـك .. وأحـزاني

      ***

      سفني في المـرفأ باكـيـةٌ

      تـتمزق فـوق الخـلجـان

      ومصـيري الأصفـر حطمني

      حطـم في صدري إيـماني

      أأسافر دونـك لَيـلكـتي

      يا ظِل الـله بأجـفـاني

      يا صـيفي الأخـضر،يا شمسي

      يا أجـمل .. أجمل ألـوا ني

      هـل أرحل عنـك .. وقـصتـنا

      أحلى من عودة نـيسان

      أحلى من زهرة غارديـنـيـا

      في عـُتـمة شعـرٍ إسباني

      يا حبي الأوحـد .. لا تـبكي

      فدموعك تحـفـر وجدانـي

      إني لا أملـك في الـدنيا

      إلا عـيـنـيـك .. وأحزاني

      ***

      أأقول أحبك .. يا قمري

      آهٍ .. لو كان بإمكاني

      فأنا إنسان مـفـقـود

      لا أعـرف في الأرض مكـاني

      ضيعـني دربي .. ضيعـني

      إسمي .. ضيـعني عنواني ..

      تـاريخي ! ما لي تــاريخ

      إني نـسـيــا نُ النـسـيا نِ

      إني مرسـاةٌ لا تـرسو

      جـرحٌ بمـلامح إنسان

      ماذا أعطيـكِ ؟ أجـيـبـيـنـي

      قـلـقي ؟ إلـحـادي ؟ غـثـيـاني ؟

      ماذا أعطـيـكِ سوى قـدرٍ

      يـرقـص في كـفّ الشيـطان

      ***

      أنـا ألـف أحبـك .. فابـتـعـدي

      عـني .. عـن نـاري ودخـاني

      فأنـا لا أمـلـك في الـدنـيا

      إلا عـيـنـيـك .. وأحزاني



      شــؤونٌ صـغـيـــرة

      1

      شـؤونٌ صغيـره ..

      تمر بهـا أنـتَ .. دون التفات ِ

      تساوي لديّ حيـاتي

      جميـع حيـاتي ..

      حوادثُ .. قـد لا تـثيـر اهتـمامك

      أعَمّرُ منها قـصور

      وأحيا عليـها شهور ..

      وأغزل منها حكايا كثـيرة

      وألف سماءٍ ..

      وألف جزيرة..

      شـؤونٌ .. شُوؤُنُـكِ تـلك الصغيره

      2

      فحين تدخنُ .. أجثو أمامكْ

      كقطـتِكَ الطـيـبة

      وكلي أمان

      ألاحـقُ مَزهُـوّةً معجـبه

      خيـوط الـدخان

      تُوزِّعها في زوايا المكان

      دوائر ...

      دوائر ...

      وترحل في آخر الليل عني

      كنجمٍ ، كطيـبٍ مهاجر

      وتـتركني يا صديق حياتي

      لرائحةِ التـبغِ والـذكريات ِ

      وأبقى أنا .. في صقيع انفرادي ..

      وزادي أنا .. كلُّ زادي

      حطام السجائر

      وصحـنٌ يضم رمادا ..

      يضم رمادي ..

      3

      وحين أكـونُ مريضه

      وتحمل أزهـاركَ الغاليه

      صديقي ..

      إلي وتجعل بـيـن يديك يـديّ

      يعود لي اللـونُ والعافـيه

      وتـلـتـصق الشمس في وجـنـتيّ

      وأبكي ...

      وأبكي ...

      بغير رادع

      وأنـتَ تـَرُدّ غـطـائي عـليّ

      وتجعـلُ رأسي فـوق الوساده

      تمنـيت كـلّ التـمني

      صديقي .. لو أني

      أظل .. أظل عليـله

      لتسأل عني ..

      لتحمل لي كـلّ يومٍ ..

      ورودا جـميـله ..

      4

      وإن رنّ في بـيتـنا الهاتف

      إليه أطير

      أنا يا صـديقي الأثير

      بفرحة طفـلٍ صغير

      بشوق سنـونـةٍ شارده

      وأحتضن الآلةَ الجامده

      وأعصر أسلاكها البارده

      وأنـتـظر الصوت ..

      صوتك يَـهـمِي عليّ

      دفيـئاً ، مليـئاً ، قـويّ

      كصوت ارتطام الـنجوم

      كصوت سقـوط الحُـليّ

      وأبكي .. وأبكي ..

      لأنـكَ فـكرتَ فيّ

      لأنـكَ من شرفـات الغُــيُـوب

      هتـفـت إلي ..

      ويـوم أجيءُ إليك ..

      لكي أستعيـر كتاب

      تمدّ أصابعك المتعـبه

      إلى المكتبـه..

      وأبقى أنا .. في ضباب الضـباب

      كأني سؤالٌ .. بغير جواب

      أحدق فـيـكَ .. وفي المكتـبه

      كما تـفعل القـطة الطيـبه ..

      تـُـراكَ اكتـشـفـتَ ؟

      تراك عرفـت ؟

      بأني جئـتُ لغير الكـتاب

      وأني لست سوى كاذبه ..

      .. وأمضي سريعا إلى مخدعي

      كأني حملـت الوجود معي ..

      وأشعـلُ ضوئي ..

      وأسدل حولي السُـتــُـور

      وأنبـش بـين السطور ، وخلف

      السطور

      وأعدو وراء الفواصل ، أعدو

      وراء نـقـاط تـدور ..

      ورأسي يـدور

      كأني عصفـورة ٌ جائـعه

      تـفـتـش عن فـضلات البـذور

      لعلك .. يا .. صديقي الأثير

      تركت بإحدى الزوايا

      عبارة حبٍّ صغيره ..

      جُـنَـيـنَـةَ شـوق صغيره ..

      لعلك بـين الصحائف خبـأتَ شـيَّا

      سلاما صغيرا.. يعيد السلام إلـيا ..

      6

      .. وحين نكون معا في الطريق

      وتأخذ ـ من غير قصـدٍ ـ ذراعي

      أحـس أنا يا صديق

      بشيءٍ عميق ..

      بشيءٍ يشابه طعم الحريق

      على مرفـقي

      وأرفع كـفي نحو السماء

      لتجعل دربي بغير انـتهاء

      وأبكي .. وأبكي ..

      بغير انـقطاعِ ..

      لكي يستمر ضياعي ..

      وحين أعود مساءً ..إلى غرفـتي

      وأنزع عن كـتـفيّ الرداء

      أحس ـ وما أنـت في غرفـتي ـ

      بأن يديـك

      تلـفـان في رحمةٍ مرفـقي

      وأبقى لأعـبُــد يا مُــرهِـقي

      مكان أصابعـك الدافـئات

      على كُـمّ فستانيَ الأزرق

      وأبكي .. وأبكي..

      بغير انـقطاع ..

      كأن ذراعيَ .. ليست ذراعي ..



      طــوق الـيـاسـمــيـــن

      شكرا ..

      لطوق الياسمـيـن

      وضحكت لي ..

      وظـنـنـتُ أنـك تعرفـيـن

      معنى سوار الياسـميـن

      يأتي به رجـل إليـك ..

      ظنـنـت أنـك تـدركـيـن ..

      ..وجلسـتِ في ركـن ركـين

      تـتمشـطيـن

      وُتـنـقـّطـين العطر من قـارورةٍ

      وتــُدمدمين

      لحنا فرنسيّ الرنين

      لحنا كأيامي حزين

      قدماك في الخـُـفِّ المقصـب ..

      جدولان من الحنيـن

      وقصـدتِ دولاب الملابس ..

      تـقـلعـيـن .. وتـرتـديـن

      وطلبـتِ أن أخـتار ماذا تـلبسـين

      أفـَلي إذن ؟

      أفـلي أنا تـتجمليـن ؟

      ووقـفـتُ .. في دوامة الألـوان

      ملتهب الجـبـيـن

      الأسودُ المكـشـوف من كـتـفـيه ..

      هل تـتــردديـن

      لكـنه لـون حزين !

      لون كـأيامي حزين

      ولبستـهِ .. وربطت طوق الياسمين

      وظنـنتُ أنـك تعرفـين ..

      معنى سوار الياسمين

      يــأتي به رجـل إلـيـك ..

      ظـنـنـتُ أنـكِ تـدركيـن ..

      ***

      هذا المساء ..

      بحانةٍ صغرى رأيتـكِ ترقـصيـن

      تـتكسرين عـلى زنود المعجبـين

      تـتكسـريـن ..

      وتـدمـدمين ..

      في أذن فارسـك الأمين

      لـحنـا فـرنسي الرنيـن ..

      لحنا كأيـامي حزين ..

      وبدأتُ أكتـشف اليقـيـن

      وعرفـت أنك للسِوى تـتجمليـن

      ولهـم ترشـين العطور ..

      وتـقـلعيـن .. وتـرتديـن ..

      ولمحت طوق الياسميـن ..

      في الأرض مكـتوم الأنـيـن

      كالجـثـة البـيـضاء ..

      تدفـعـه جموع الراقـصيـن

      ويـهـمُّ فارسـكِ الوسيم بـأخـذِهِ ..

      فـتـُـمانعـيـن ..

      وتـقـهـقـهـين

      " لاشيءَ يستـدعي انحناءَكَ ..

      ذاكَ طـوقُ الياسميـن .."



      قـصـيـدة الـحــزن

      علمني حبك أن أحزن

      وأنا محتاج منذ عصور

      لامرأةٍ تجعلني أحزن

      لا امرأةٍ تجمع أجزائي

      علمني حبك .. سيدتي

      أسوأ عادات

      علمني أفـتـح فــنجـاني

      في اللـيـلـة آلاف المرات

      و أجرب طب العـطاريـن ..

      وأطرق باب العرافـات

      علمني .. أخرج من بـيـتي

      لأمشط أرصفة الطرقات

      وأطارد وجهك ..

      في الأمطار ،

      وفي أضواء السيارات

      وأطارد طيـفـك ..

      حتى .. حتى ..

      في أوراق الإعلانات ..

      علمني حبك ..

      كيف أهيـم على وجهي ساعات

      بحـثا عن شعر غجري

      تحسده كل الغـجـريات

      بحثا عن وجـهٍ .. عن صوتٍ ..

      هو كل الأوجـه ، والأصـوات ..

      *

      أدخلني حبك سـيـدتي

      مدن الأحزان

      وأنا من قبلـك لـم أدخـل

      مدن الأحزان ..

      لم أعرف أبـدا ..

      أن الـدمع هو الإنسان

      أن الإنسان بلا حـزنٍ

      ذكرى إنسان ..

      علمني حبـك ..

      أن أتصرف كالصـبـيـان

      أن أرسم وجهك ..

      بالطبشور على الحيـطان

      وعلى أشرعة الصيـادين ..

      على الأجراس ..

      على الصـلبان ..

      علمني حبـك ..

      كيف الحب يغـير خارطة الأزمان

      علمني .. أني حين أحب

      تـكـفّ الأرض عن الـدوران ..

      علمني حبك أشياءً ..

      ما كانـت أبدا في الحسبان

      فقرأت أقاصيص الأطـفال ..

      دخلت قـصور ملوك الجان

      وحلمت بأن تـتزوجني

      بـنـت السلطان

      تـلك العـيـنـاها .. أصفى من ماء الخلجان

      تلك الشـفـتـاها .. أشـهى من زهـر الرمان

      وحلمت بأني أخطفـها ..

      مثـل الـفـرسان ..

      علمني حبك ، يا سيدتي ،

      ما الهذيان

      علمـني .. كيف يـمر العـمر ..

      ولا تـأتي بنـت السلطـان ..

      علمني حبك ..

      كيف أحبك في كل الأشياء

      في الشجر العاري ..

      في الأوراق اليابسة الصفراء

      في الجو الماطر في الأنواء

      في أصغر مقهى ..

      نـشرب فـيه مساءً قهـوتـنا السـوداء

      علمني حـبـك أن آوي ..

      لـفـنـادق ليس لها أسماء ..

      وكنـائس ليـس لها أسماء ..

      ومقاهٍ ليس لها أسماء ..

      علمني حبك ..

      كيف الليــل يضخم أحزان الغرباء

      علمني .. كيف أرى بـيـروت

      إمرأةً .. طاغية الإغـراء

      امرأةً ..تـلـبس كل مساء

      أجمل ماتملك من أزياء

      وترش العطر .. على نـهديها ..

      للبحارة والأمراء ..

      علمنـي حبك ..

      أن أبكي من غيـر بكاء

      علمني .. كيف يـنام الحزن

      كغلامٍ مقطوع القـدميـن

      في طرق "الروشـة" و"الحمراء" .

      علمني حبـك أن أحـزن ..

      وأنا محتاج منذ عصـور

      لامرأةٍ .. تجعلـني أحزن

      لامرأةٍ .. تجمع أجزائي

      كشظايا البـللور المكسور ..



      قــارئــة الـفـنـجـــان

      جلست .. والخوف بعـيـنـيها

      تتأمـل فـنجاني المقـلوب

      قالت :

      يا ولدي ..لا تحزن

      فالحب عليك هو المكـتوب

      يا ولدي

      قد مات شهيـدا ..

      من مات على دين المـحـبوب

      فنجانـكَ .. دنـيا مرعـبة

      وحياتك أسفار وحروب ..

      ستحـب كثـيـرا يا ولدي ..

      وتموت كثـيرا يا ولدي ..

      وستعشق كل نساء الأرض ..

      وترجع كالملـك المغـلوب..

      *

      بحـياتـك يا ولدي امرأة ..

      عيـنـاها ، سبحان المعبـود

      فمها .. مرسوم كالعنـقود

      ضحكـتها ، موسيـقـى وورود

      لكن سماءك ممطرة ..

      وطريـقـك.. مسـدود .. مسدود..

      فحبـيـبة قـلبك .. يا ولـدي

      نائمة في قصـرٍ مرصـود

      والـقصر كبـير يا ولـدي

      وكلاب تحرسه .. وجنود

      وأميرة قـلبك نـائمـة ..

      من يدخل حجـرتها مفـقود ..

      من يطلب يـدها .. من يـدنـو ..

      من سور حديقـتها مفـقود

      من حـاول فك ضـفائـرها

      يا ولـدي ..

      مفـقود .. مفـقود .. مفـقود ..

      بصّرت .. ونجـمت كثيـرا

      لكني .. لـم أقـرأ أبـدا

      فنجانا يشبه فـنجانك

      لم أعـرف أبـدا يا ولـدي

      أحزانا تـشبه أحزانـك

      مقدورك ..أن تـمشي أبـدا

      في الحب ..على حد الخنجر

      وتـظل وحـيدا كالأصداف

      وتـظل حزينـا كالصفصاف

      مقدورك أن تمضى أبدا

      في بحر الحب بغير قـُلوع

      وتحب .. ملايـين المرات ٍ..

      وتـرجع كالملك المخلوع ..



      صــديقـتي و سـجـائــري

      واصـــل تـدخــيــنـك.. يغـريــــني

      رجـــــلٌ .. في لـحـظـة تـدخـيـن ِ

      مــا أشـهــى تــبـغـكَ .. والدنـيا

      تسـتـقبل أول تشـــريـن

      والــقهوة ُ.. والـصحـف الكسـلى

      ورؤىً .. وحـــطــام فنــاجيـن

      دَخِّـــن .. لا أروع من رجــــل ٍ

      يـفـنى في الـركن .. ويـفـنـيـني..

      رجــلٌ .. تــنـضـمُّ أصــابـعـهُ

      وتـفـكر .. مــن غيــر جـبـين ِ..

      أشـعـــل واحـدةً .. مـن أخــرى

      أشـعـلـهـا مـن جـمر عـيـوني ..

      ورمـادَكَ ضـعـه عـلى كـفــي ..

      نـيـــرانـك لـيـسـت تـؤذيـنـي ..

      فــأنـــا كامـــرأةٍ .. يـرضـيــني

      أن ألــقــي نـفـسي في مـقـعـد ..

      ســاعـات في هـــذا المعبـــد

      أتـــأمـل في الـوجــه الـمُـجـهَـد

      فـعـروق يــــديك .. تـسـلـيـنـي

      وخـيـوط الشـيب .. هنا .. وهنا

      تــنهي أعصابي .. تــنهـيـني ..

      دخّــن .. لا أروع مـن رجــلٍ

      يـَفـنَى في الركن ..ويُـفـنـيـني ..

      إحــرقـني ..إحـرق بي بـيـتـي

      وتــصـرف فـيـه كمجنـــون

      فــأنــا كامـرأةٍ .. يكفـيــنـي

      أن أشـعـر .. أنـك تحمــيـنـي

      أن أشـعـر أن هــنــاك يـــدا ..

      تـتسـلّـل مـن خلف الـمـقـعـد ..

      كي تـمسح رأسي وجـبـيـني ..

      تتسـلـل مـن خـلـف الـمـقـعــد

      لـتـــداعـب أذني بـسـكـــون

      ولتــتـرك في شَـعــري الأسـود

      عــقـدا مـــن زهـر الـلـيـمـون ِ

      *

      دخّــن لا أروع مـــن رجــــل ٍ

      يـفـنى في الركـن .. ويـفـنـيـنـي



      إلـى تِـلـمــيـــذة

      قل لي ـ ولو كذبا ـ كلاما ناعما

      قد كاد يـقـتـلـني بك التـمـثال

      ما زلتِ في فـن المحبة طـفـلـة

      بـيني وبـينـكِ .. أبحرٌ وجبـا لُ

      لم تستطيـعي ، بعدُ ، أن تـتـفهمي

      أن الرجال جميـعـهم أطـفال

      إني لأرفض أن أكون مهرجا

      قـزما ، على كلماتـه يحتـال

      فإذا وقـفـتُ أمام حسنك صامتـا

      فالصمت في حرم الجمـالِ جمـا لُ

      كلماتـنا في الحب .. تـقـتـل حبـنا

      إن الحروف تـمـوت حين تـقالُ ..

      قصص الهوى قـد أفسدتـكِ .. فكلها

      غيـبـوبة .. وخرافـة .. وخيـال

      الحب ليس رواية شرقـية

      بختامها يتـزوج الأبطال

      لكنه الإبحار دون سفـيـنةٍ

      وشعورنا أن الوصول محــا لُ

      هو أن تظل على الأصابع رِعشة

      وعلى الشفـاه المـُـطبـقات سـؤال

      هو جدول في أعماقـنا

      تـنـمو كرومٌ حولـه و غلالُ ..

      هـو هـذه الأزمات تسحقـنا معا ..

      فنمـوت نحـن .. وتـزهر الآمـال

      هو أن نـثـور لأيِّ شيءٍ تـافـهٍ

      هو يأسنا ..هو شـكنـا القـتـال

      هـو هـذه الكـف التي تـغـتـالنـا

      ونُـقـبّـل الكـف الـتي تـغـتـال

      *

      لا تجرحي التـمـثال في إحسـاسه

      فـَلَكـم بـكى في صمته تمثـال

      قد يُطـلِـعُ الحجر الصغير براعما

      وتسيل منه جداول وظلال

      إني أحبكِ من خلال كآبتي

      وجها كوجه الله .. ليس يُطال

      حسبي .. وحسبكِ .. أن تظلي دائما

      سرا يمزقـني .. وليس يقــالُ..



      لــــولـيـتَــــــــــــــا

      صار عمري ..

      خمسَ عشره ..

      صرتُ أحلى ألـف مره

      صار حبي لك أكبر

      ألف مره ..

      ربما .. من سنين

      لم تكن تهتـم في وجهي الـمـدور

      كان حسني بـيـنَ بـيـن

      وفساتـيـني تـغـطي الركبـتـين

      كنت آتـيـكَ بـثـوبي المـدرسي

      وشريطي القرمزي

      كان يكـفـيـني بـأن تـهـدي إليّ

      دمية .. قطعة سكر ..

      لم أكن أطلب أكثر ..

      *

      .. وتطور

      بعـد هـذا كـل شيّ

      لم أعد أقـنع في قطعة سكر

      ودمى تطرحها بـين يديّ

      صارت اللعـبة أخطر ..

      ألف مره ..

      صِرتَ أنـتَ اللعبـة الكبرى لـديّ

      صرت أحلى لعبةٍ بـين يـديّ

      صار عمري خمس عشره ..

      صار عمري خمس عشره ..

      كل ما في داخلي غـنّى وأزهـر

      كل شيءٍ صار أخضر

      شَـفـَتي خوخٌ .. وياقـوتٌ مُكسّـر

      بصدري .. ضحكـت قـبة مرمر

      ينابـيعُ .. وشمـسٌ .. وصنوبر

      صارت المرآة لو تـلمس نـهدي

      تـتخدر

      والذي كان سويا ..

      قبل عامين .. تـدور .. فـتصور ..

      طـفلة الأمس .. الـتي

      كانـت على بابـك تـلعب

      والتي كانت على حُضـنِك تـغـفو ..

      حيـن تـتعب ..

      أصبحـتْ قـطعة جوهر

      لا تــُـقـدّر ..

      *

      صار عمري

      خمس عشره.. صرت أجمل ..

      وستـدعـوني إلى الرقـص .. وأقـبل

      يوف ألتــفّ بشــا لٍ قـصبـيّ

      وسأبدو كالأميـرات بـبهـوٍ عربي

      أنت بعد اليوم .. لن تـخـجـل فيّ

      فـلـقـد أصبـحت أطول ..

      آهٍ .. كم صلـيـتُ كي أصبح أطول

      إصبـعا .. إصبعـيـن

      آهٍ .. كم حاولت أن أظهر أكبر

      سنـة أو سنـتـيـن ..

      آهٍ .. كم ثـُـرتُ على وجهي المـدور وذؤاباتي ، وثوبي المدرسي

      وعلى الحب بشكلٍ أبـويّ

      فـلـقـد أصبـح عمري ..

      خمـسَ عشـره..



      الـرســم بـالكـلمـــات

      لا تـطـلبي مني حساب حيـاتي

      إن الحديث يا مـولاتي ..

      كل العصور أنا بها .. فكأنما

      عمري ملايـيـنٌ من السنوات

      تـَعـِبَت من السفر الطويل حقـائـبي

      وتعبـتُ من خيـلي ومـن غزاتي

      لم يـبق نـهـدٌ أبـيـضٌ .. أو أسـودٌ

      إلا زرعتُ بأرضه راياتي ..

      لم تـبق زاوية بجسم جميـلةٍ

      إلا ومَرّتْ فـوقها عرباتي

      فَـصّـلـتُ من جلد النساء عباءةً

      وبـنـيـت أهرما من الحلمات ..

      وكتـبت شعرا لا يشابهُ سحرهُ

      إلا كلام الله في التوراةِ

      *

      ..واليوم أجلس فوق سطح سفينـتي

      كاللص ، أبحث عن طريق نجاةِ

      وأدير مفتاح الحريم .. فلا أرى

      في الظلّ ، غير جماجم الأموات

      أين السبايا ؟ أين ما ملكت يدي

      أين الـبخور يـضُوع من حجراتي

      اليوك .. تـنـتـقم النـهود لنفسها

      وترد لي الطعنات بالطعنات ِ

      *

      مأساة هارون الرشيد مريرة ٌ

      لو تـُـدركين مرارة المأساةِ

      إني كمصباح الطريق .. صديـقـتي

      أبكي ، ولا أحدٌ يرى دمعاتي

      الجنسُ .. كان مسكّـنا جرّبـتـُه

      لم يُـنـهِ أحزاني ، ولا أزماتي

      والحب .. أصبح كله مـتـشابها

      كتـشابه الأوراق في الغابات

      أنا عاجـزٌ عن عشق أيّـة نمـلـةٍ

      أو غيمةٍ ، عن عشق أيّ حصاة

      مارستُ ألـف عبادةٍ وعبادة

      فـوجدت أفـضلها عبادة ذاتي !

      *

      فمك المـطّيب ..لا يحل قـضيتي

      فـقـضـيـتي في دفـتري ودَواتي

      كل الدروب أمامنا مسدودة ٌ

      وخلاصُـنا في الرسم بالكلمات..



      رســــالـة إلى رجــلٍ مــا

      -1-

      يا سيدي العزيز ..

      هذا خطاب امرأةٍ حمقاء ..

      هل كتـبـت إليك قـبـلي امرأة حمـقاء

      اسمي أنا ؟

      دعـنا من الأسماء

      رانية ٌ، أم زينبٌ ، أم هندٌ ، أم هيـفاء

      أسخف ما نحمله ـ يا سيدي ـ الأسماء ..

      -2-

      يا سيدي !

      أخاف أن أقـول ما لـدي من أشـياء

      أخاف ـ لو فعـلت ـ أن تحتـرق السماء

      فشرقـكم يا سيدي العزيز

      يصادر الرسائل الزرقاء

      يصادر الأحلام من خزائن النساء

      يستعمل السكين .. والساطور ..

      كي يخاطب النساء ..

      ويذبح الربيع ، والأشواق ،

      والضفائر السوداء

      وشرقـكم يا سيدي العزيز

      يصنع تاج الشرف الرفيع .. من جماجم النساء ..

      -3-

      لا تـَنتَقِـدني سيدي ..

      إن كان خطي سيئا ..

      فإنني أكتـب .. و السياف خلف بابي

      وخارج الحجرة صوت الريح

      والكلاب

      يا سيدي !

      عنـترةُ العبسيُّ خلـف بـابي

      يذبـحـني .. إذا رأى خطابي

      يقطع رأسي ..

      لو رأى الشفـاف من ثـيابي ..

      يقطع رأسي .. لو أنا

      عـبّرت عن عذابي ..

      فشرقـكم يا سيدي العزيز

      يحاصر المرأة بالحراب ..

      وشرقـكم ، يا سيدي العزيز

      يبايع الرجال أنـبـياءً

      ويطمر النساء في التراب ..

      -4-

      لا تـنـزعج !

      يا سيدي العزيز .. من سطوري

      لا تـنـزعج !

      إذا كسرت القــُـمـقـم المسدودَ من

      عصور

      إذا نزعت خاتـَم الرصاص عن ضميري

      إذا هربت من أقـبـية الحريم في الـقـصور

      إذا تمردت على موتي ، على

      قـبـري ، على جذوري و المسلخ

      الكبـيـر ..

      لاتـنـزعج يا سيـدي

      إذا أنا كشـفـت عن شعوري

      فالرجل الشرقيّ .. لا يهـتمّ بالشِّعر ولا الشعور

      الرجل الشرقي ـ واغـفِر جرأتي ـ

      لا يفهم المرأة إلا داخل السرير ..

      -5-

      معذرة ً يا سيدي

      إذا تطاولت على مـملكة الرجال

      فالأدب الكبير ـ طبعا ـ أدب الرجال

      والجنس كان دائما

      مخـدرا يـباع للـرجال

      خرافـة حرية النساء في بلادنا

      فليس من حريةٍ أخرى سوى حرية

      الرجال ..

      يا سيدي !

      قل ما تريده عني .. فـلن أبــالي

      سطحيـة ..غبـيـة . مجـنونة .

      بلهاء ..

      فلم أعد أبالي

      لأن من تـكتـب عن همومها

      في منطق الرجال ، تدعى امرأة

      حمـقاء

      ألم أقل في أول الخطاب ..

      إني امرأة حمقاء ..



      رسالـة مـن سيـد ةٍ حـــاقـدة

      " لا تدخلي "..

      وسددتَ في وجهي الطريق

      بمرفـقيك وزعمت لي ..

      أن الرفـاق أتـوا إليـك

      أهم الرفاق أتـوا إليـك ؟

      أم أن سيـدة لـديـك

      تحتـل بعدي ساعديك ؟

      وصرخـتَ محـتـدما :

      " قـفي " !!

      والريح تمضـغ معـطفي

      والذل يكسو موقـفي

      لا تعتـذر ، يا نذل ، لا تـتـأسف .

      أنا لست آسفة ً علـيك ..

      لكن على قـلـبي الــوفي

      قـلبي الـذي لم تعـرف ِ ..

      *

      ماذا ؟ لو أنك يا دَنِـي

      أخبرتـني ..

      أني انتهى أمري لـديك

      فجميع ما وشوشـتـني ..

      أيام كنـتَ تحبـني ..

      من أنـني ..

      بيت الفراشة مسكـني

      وغـدي انفراط السوسن ..

      أنكرتـه أصلا .. كما أنكرتـني ..

      *

      لا تعتـذر ..

      فالأثم يحصـدُ حاجـبـيـك

      وخطوط ُ أحمرها .. تصيح

      بوجنـتـيـك ورباطـُكَ المشدوه ..

      يفضح ما لـديـكَ .. ومن لـديـك

      يا من وقـَـفـتُ دمي عـليك

      وذلـلـتـني ..

      ونـفـضـتـني

      كذبابةٍ عن عارضَيـكْ

      ودعوت سيـدة إليـك وأهـنـتـني ..

      من بعـد ما كـنـتُ الضـياء

      بـنـاظريـك ..

      *

      إني أراهـا في جـوار الموقـد

      أخـذت هنــالك مقـعدي ..

      في الـركن .. ذات المقعـد ..

      وأراك تـمـنحها يـدا ..

      مَـثـلـوجَـة ً..

      ذات اليد ..

      ستـــرددُ الـقصص التي أسمعـتـني

      ولسوف تخبـرها بما أخبـرتـني ..

      وسترفع الكأس التي جرّعـتـني

      كأسا بها سممتـني ..

      حتى إذا عادت إليـك

      نشوى بموعدها الهـني ..

      أخـبَـرتـَها " أن الرفاق أتوا إليك .."

      وأضعـتَ رونقها كما ضيعتـني ..



      حُــبْــــلـى

      لا تمتقع !

      هي كلمة عجلى

      إني لا أشعر أنـني حُبلى ..

      وصرخت كالملسوع بي .. "كلا"..

      سنُـمَـزِّقُ الطفلا ..

      وأخذت تشتـمـني ..

      وأردت تطردني ..

      لا شيء يـدهـشـني ..

      فـلـقـد عـرفـتـك دائـما نـذلا ..

      وبعثـت بالخدام يدفـعـني ..

      في وحشة الـدربِ

      يا من زرعت العار في صُـلبي

      وكسرت لي قـلبي ..

      ليقـول لي :

      " مولاي ليس هـنـا .."

      مولاه ألــف هــنـا ..

      لكنه جبـنا ..

      لمّــا تأكـدَ أنـني حبـلى ..

      *

      ماذا .. أتـبـصُـقـُـني ؟

      والقيءُ في حلـقي يـدمـرني

      وأصابع الغــثــَيان تخــنـقــني ..

      ووريـثـك المشؤوم في بـدني

      والعار يسحقـني ..

      وحـقـيـقـة سوداء .. تملـؤني

      هي أنـني حبـلى ..

      *

      ليراتك الخمسـون ..

      تضحكني ..

      لمن الـنقـود .. لمن ؟

      لِـتـُجـهِـضَـني ؟

      لِـتـَـخيط لي كـفـني ؟

      هذا إذن ثمنـي ؟

      ثمن الوفـا يا بـؤرة العـفـن ..

      أنا لم أجِـئك لمالـك الـنـتـنِ ..

      "شكــرا .."

      سأسقـط ذلـك الحَـمْـلا

      أنا لا أريد لـه أبــا نـذلا ..



      أوعـيــــة الصَّــديـــد

      " لا..لا أريد .."

      " المرة الخمسون .. إني لا أريد .."

      ودفـنـتَ رأسك في الـمخدة يا بـليـد

      وأدرت وجهك لـلجدار ..أيا جدارا

      من جلـيد

      وأنا وراءك ـ يا صغير النفس ـ

      نابحة الـوريد

      شعري على كـتـفي بديـد ..

      والريح تـفـتـل مقبـض الباب

      الوصيد ونباح كلـبٍ من بعيد

      والحارس الـليلي ، والمزرابُ

      متصل النـشـيد ..

      حتى الغـطاء .. سرقــته

      وطعنت لي الأمل الـوحيد

      أملي الـذي مزقـتــَـه ..

      ماذا أريد ؟

      وقبـيـل ثـانـيـتـيـن ..

      كـنـت تجول كالـثـور الــطريد

      والآن ..

      أنـت بجانـبـي ..

      قـفـص من الـلـحم الـقـديـد ..

      ما أشنع الـلحم الـقـديـد ..

      مـاذا أريـد ؟

      يا ا عبد الحميـد ..

      والـمُـتــّـكى التـركي ، والنرجـيـلة

      الكسلى تـئـن وتستعــيد

      والشركسيات السبـايـا حـول

      مضجـعـه الـرغـيـد

      يسقـطن فــوق بساطـه ..

      جـيـدا فـجـيد ..

      وخليـفة الإسلام ، والملـك السعيـد

      يرمي .. ويأخـذ ما يـريـد ..

      لا ..لــم يـمت عبد الحميـد

      فـلـقـد تـقـمـص فـيـكم عـبد الـحميـد

      حتى هنا . حتى على السُـرُر

      المـقوسةِ الحـديد

      نحن النسـاء لـكـم عـبـيـد

      وأحـَط ّ أنـواع الـعـبـيـد ..

      كم مات تحت سـياطكم نـهـد شـهـيد

      وبـكى من اسـتــئـثــاركم خــصر عـمـيد

      *

      ماذا أريـد ؟

      لاشيء . يا سفـاح . يا قـرصان .

      يا قـبـو الجـلـيد فـأنــا وعـاء

      لـلـصـديـد ..

      يا ويـل أوعـيــة الـصـديـد ..

      هيَ ليس تـملـكُ ..أن تــُـريد ولا

      تريد ..



      إلى قِــــدِّ يـســــــة

      ماذا إذن تـتـوقـعـيـن ؟

      يا بـضعَـة َ امرأةٍ .. أجـيـبـي ..

      ما الـذي تـتـوقـعـيـن ؟

      أأظـل أصـطـاد الـذباب هـنا ؟

      وأنتِ تـدخـنـيـن

      أجتر الحشّاش أحلامي ..

      وأنت تدخنين ..

      وأنا أمام سريرك الزاهي كـقـطٍ

      مستكـين ..

      ماتـت مخالـبه ، وعزته ، وهـدتـه

      السنيـن

      أنا لن أكون ـ تأكدي ـ القط الذي

      تـتصوريـن

      قـطا من الـخـشب المجـوف ..لا

      يحركه الحنـين

      يغـفو على الكرسي إذ تــتجـرديـن

      ويردّ عيـنيه ..إذا انحسرت قـباب

      الياسميـن ..

      *

      تـلـك النهـايـة ليس تـدهشني ..

      فمـالـك تـدهـشيـن ؟

      هذا أنا ..هـذا الـذي عـنـدي ..

      فماذا تـأمـريـن ؟

      أعصابي احتـرقــت .. وأنـت عـلى

      سريرك تـقـرأيـن ..

      أأصـوم عـن شـفـتـيـكِ ؟

      فـوق رجـولـتي ما تطـلبـيـن ..

      ما حـكـمـتي ؟

      ما طـيـبـتي ؟

      هذا طعـام ا لـمـيـتـيـن ..

      مُـتصـوّفٌ ! من قـال ؟ إني آخر المتـصوفـيـن

      أنا لـست يا قـديسـتي الرب الذي

      تـتـصـوريـن

      رجــلٌ أنا كالأخرين

      بطهارتي ..

      بـنـذالـتي ..

      رجـل أنا كالأخـريـن

      فـيه مزايا الأنـبـيـاء ، وفـيه كـفـرُ

      الكـافـرين

      ووداعـة الأطفـال فــيـه ..

      وقـسوة المتـوحشيـن ..

      رجل أنا كالأخريـن ..

      رجل يحب ـ إذا أحب ـ بـكـل

      عـنـف الأربعـين

      يا بضـعة امـرأةٍ .. لو أنـك

      تـفـهـميـن .



      إلى أجـيرة

      بدراهمي !

      لا بالحديـث النـاعـم

      حطمت عـزتـك المنـيـعة كلـها ..

      بـدراهمي

      وبـما حملــتُ مـن النـفـائــس ،

      والحريـر الحالــم فـأطعـتِـني ..

      وتـبـعـتـنـي ..

      كالـقـطـة العـمـيـاء مـؤمـنـة بكـل

      مزاعمي ..

      فـإذا بـصـدرك ـ ذلـك المـغرور ـ

      ضمن غنـائمي

      أيـن اعــتـدادكِ ؟

      أنــتِ أطـوع في يـدي من خاتمي

      قـد كان ثـغـرك مـرة ..

      ربي .. فأصبح خادمي

      آمنت بالـحُـسن الأجير .. وطـأتـُهُ

      بدراهمي ..

      وركـلـته .. وذلـلـته ..

      بدمىً ، بأطـوا قٍ كَـوَهم الواهم ..

      ذهـبٌ ..وديـبـا جٌ ..وأحجار تشعّ

      فــقـاومي !!

      أي المواضـع منـكِ .. لم تهـطل

      عـليـهِ غـنائـمي

      خيـرات صـدرك كـلها ..

      من بعض .. بعـض مواسمي ..

      بدراهمي !

      بـإنـاءٍ طـيبٍ فـاغِـمِِ

      ومشيـتِ كالفـأر الجـبان إلى

      المصير الحاسم ولـهوتُ فـيكِ ..

      فما انـتخت شفـتــاكِ تحت جرائمي

      والأرنـبــان الأبـيـضــان ..عــلى

      الـرخام الهـــاجِمِِ

      جَـبُـنـا .. فـمـا شَـعَــرا بـظـلـم

      الـظـالـم ..

      وأنـا أ صـُـبُّ عـليـهـمـا ..

      ناري .. ونار شـتـائـمـي ..

      رُدّي .. فـلستُ أطيـقُ حُـســنأ ..

      لا يَــرُدُّ شـتـائـمي ..

      *

      مسكيـنـة ..

      لم يبــق شـيءٌ مـنكِ ...مـنـذ

      استعـبـدَتك دراهـمي !!



      لـن تـُـطـفِـئـي مَـجــدي

      ثـرثـرتِ جـدا .. فـاتــركيــني

      شـيءٌ يمـزق لـي جـبـيـني

      أنا في الجـحـيـم ، وأنت لا

      تـدريـن ماذا يعتريـني

      لـن تـفهمي معـنى العـذاب

      عمـياءُ أنت ..ألم تـري

      قـلـبي تجـمّع في عـنـوني ؟

      مات الحـنـين .. أتسمـعـيـنَ ؟

      ومتِّ أنـت مع الحنـين

      لاتـسـألـيني ..كيـف قـصـتـنا

      انتهت ، لا تسألـيـني

      هي قصة الأعصاب والأفـيـون

      والـدم .. والـجـنون

      مرت ..فـلا تـتـذكـري

      وجهي ولا تـتـذكـريـني

      إن تـنـكـريها .. فاقرأي

      تاريخ سـخـفـكِ .. في غُـضـوني

      *

      أمريضة الأفـكـار .. يـأبى

      الـلـيل أن تستـضـعـفـيــنـي

      لـن تـطـفـئـي مجـدي عـلى

      قـدحٍ .. وضـمة يـاسميـن

      إن كان حبـكِ ..أن أعيـش

      على هُـرَاتـكِ .. فـاكـرهـيـني ..

      *

      حاولتِ حرقي .. فـاحـتـرقـتِ

      بنـار نفسـك .. فـاعـذريـنـي

      لا تطـلبي دمعي ، أنا

      رجـل يعـيـش بـلا جـفـون

      مـزقـتِ أجملَ ما كتـبتُ

      وغـِـرتِ حتى من ظـنوني

      وكسرتِ لوحاتي ، وأضـرمـتِ

      الحـرائـق في سكـوني

      وكرِهـتِـني .. وكـرِهـتِ فــنا

      كـنتُ أطعمه عيـوني

      ورأيـتـني أهـبُ الـنجوم

      محـبتي فـوقـفـتِ دوني

      حاولت أن أعـطـيك من

      نفسي ، ومن نور اليـقـيـن

      فسخرت من جـهـدي ، ومن

      ضربات مطرقـتي الحنون

      وبـقـيـتِ ـ رغم أنـاملي ـ

      طـينا تراكـم فــوق طيـنِ

      لا كـنـتِ شيئا .. في حســابِ

      الـذكـريات ، ولـن تـكـوني

      *

      شـَـفـَـتي سأقــطـعها .. ولـن

      أمشي إلـيـكِ على جـبـيـني ..



      إلى نهـدَيـن مـغـروريـن

      عنـدي المزيد من الغـرورِ .. فلا

      تـبـيـعيـني غـرورا

      إن كـنـتُ أرضى أن أحبك ..

      فاشكري المولى كـثـيرا ..

      من حسن حـظك ..

      أن غـدوتِ حـبـيـبـتي .. زمنا

      قـصــيرا

      فـأنـا نـفخـت النـار فــيـك ..

      وكـنت قـبلـي زمـهـريـرا ..

      وأنا الـذي أنـقـذت نهـدك من

      تسكعه لأجعله أميرا ..

      وأدرته .. لـولا يـداي .. أكان

      نهـدك مسـتـديرا ؟

      وأنـا الـذي حرضـت حلـمـتك

      الجــبـانـة كي تـثـورا

      وأنا الذي ..

      في أرضك الـعـذراء .. ألـقـيـت

      البـذورا فـتـفـجـرت .. ذهـبا ،

      وأطـفـالا ، ويـاقـوتـا مـثيـرا

      *

      من حسن حظك ..أن تحبـيـني

      ولو كـذبـا وزورا ..

      فـأنا بأشعاري فـتحت أمامك الباب

      الكبـيرا

      وأنا دَلَــلـت على أنـوثـتـك ..

      المراكب والطـيورا

      وجعلت منك ملـيكة

      ومنحـتـك الـتاج الـمرصع ،

      والسريرا

      حسبي غرورا أنـني علمت نهديـك

      الغرورا فـلـتـشـكري المولى

      كـثيرا..

      أني عشـقـتـك ذات يوم ٍ ..

      أشكري المولى كثيرا ..



      الخُــرافـــــــة

      حيـن كـنا ..

      في الكتـاتـيـب صغارا

      حَـقَـنُــونا بسخيف الـقـول ليـلا ونهارا

      دَرّسونا : " ركـبة الـمرأة عـوره .."

      ضـحكة الـمرأة عوره .. "

      صـوتها ـ من خلف ثـقـب الـباب ـ عـوره .. "

      صوروا الـجـنـس لـنا ..

      غـولا بأنــياب كبــيـره

      يـخـنـق الأطـفـال ، يـقـتـات العـذارى

      خـَوّفونـا ..

      من عــذاب الـله ، إن نحن عـشـقــنا

      هددونا ..

      بالسكاكـيـن ..إذا نحـن حَـــُلـمـنا

      فـنـشـأنا .. كـنـبـاتـات الصـحـارى

      نلعـق الملح ، ونـستـاف الغـبـارا

      يـوم كان الـعلم في أيـامـنا ..

      فـَـلـقة ً تـمسك رِجلـينا .. وشيخا

      .. وحصيرا

      شـوهـونا .. شـوهـوا الإحساس فـيـنا والشعورا

      فصلوا أجسادنا عـنا .. عـصورا وعصورا

      صوروا الحب لـنا .. بابـا خطيرا

      لو فـتحناه .. سقـطنا ميـتـيـن ..

      فــنـشـأنا سـاذجـيـن

      وبـقـيـنا سـاذجـيـن

      نحـسب المرأة شـاة أو بعيـرا

      ونـرى العلم جـنـسا وسريـرا ..



      الـقصـيـدة المـتـوحـشـة

      أحِـبِّـيـنـي بلا عُــقـَـدِ ..

      وضيعي في خـطوط يـدي

      أحـبـيـني لأسـبوع ، لأيام ، لساعاتٍ

      فـلست أنـا الـذي يـهـتم بالأبـدِ ..

      أنا تـشريـنُ ..

      شهـر الريح ، والأمـطار ، والبرد

      أنا تـشرين .. فـأنسـحـقي

      كصاعـقةٍ على جسدي ..

      أحبـيني . بكل تـوحـش التـتر

      بـكل حرارة الأدغـال ، كل شراسة

      المطر

      ولا تـبـقي .. ولا تـَـذَري

      ولا تـتـحضـري أبـدا ..

      فـقد سَـقـَـطت على شـفـتـيـك كل

      حضارة الحضر ..

      أحـبـيـنـي كزلـزال ..

      كموتٍ غـير مُـنـتـظَـر ..

      وخـلي نهـدك المعـجونَ بالكـبـريـتِ

      والشررِ يهاجمني .. كـذئـبٍ ، جـائـعٍ

      خَـطِـر ِ..

      وينهـشـني .. ويضربـني

      كما الأمطار تضـرب ساحل الجُزر

      أنا رجـل بلا قــدر ..

      فكوني أنـت لي قــدري ..

      وأبقـيـني على نـهـديـك مـثـل النـقش

      في الحجر ِ..

      أحبيني .. ولا تـتساءلي كيفا

      ولا تــتلـعـثـمـي خـجلا .. ولا

      تــتسـاقـطي خـوفـا .

      فحـين الحب يـضـربـنـا ..

      فلا ( ماذا ) ولا ( كـيـفَـا ) ..

      أحبـيـني .. بلا شكوى

      أيشكو الغِــمـدُ إذ يـسـتـقـبل الســيـفا

      وكوني البـحـر والمـيناء ، كوني

      الأرض والمنـفى

      وكوني الصحـو والإعصار ..

      كوني الـلـين والـعـنـفا

      أحـبـيـني .. بألـف وألـف أسلوب

      ولا تـتكـرري كالصـيف .. إني

      أكره الصـيـفا ..

      أحـبـيـني .. وقــولـيها

      لأرفـُـضُ أن تحـبـيـنـي بلا صـوتِ

      وأرفـض أن أواري الحب في قـبـر

      من الصمت

      أحبـيـني ..

      بـعـيـدا عن بلاد الـقهـر والكـبـتِ..

      بعـيـدا عـن مـديـنـتـنـا التي شبـعـت

      من الموت ..

      بعيدا عن تـخـشـّـبها

      أحبـيـني بعـيـدا عـن مديـنـتـنا

      الـتي من يـوم أن كانـت

      إليـها الحب لا يـأتي ..

      إليـها الـله لا يـأتي ..

      أحـبـيـني ..

      ولا تـخـشي على قـدمـيـك ، سيدتي

      مـن الماء فـلـن تـتـعـمدي امرأة ً..

      وجسمـك خـارج الـماء ..

      وشعـرك خـارج الـماء ..

      فـنـهـدك بطة بـيـضـاءُ .. لا تحـيـا بلا

      مــاء

      أحبـيـني بطهـري أو بأخـطـائي ..

      بصحـوي أو بـأنـوائي ..

      وغطـيـني ، أيا سـقـفا من الأزهار ،

      يا غـابـات حـناء تعري .. واسقـطي

      مـطرا على عـطـشي وصحرائي

      وذوبـي كالشـمع .. و انعجـني بأجـزائي ..

      تعـري .. واشـطري شــفــتي

      إلى نـصـفـيـن .. يا موسى بسـيناءِ ..



      الـقصـيدة الشـريرة

      مطرٌ .. مطرٌ .. وصديقـتها

      معها .. ولتـشرين نواحُ

      والباب تـئـنُّ مـفاصله

      ويعربد فـيه الـمـفـتاح

      شيءٌ بـيـنهما .. يـعـرفـه

      إثـنان .. أنـا والمصـباح

      وحكايـة حـب لا تــُـحكى

      في الحـب يـموت الإيــضـاح ..

      الحجرة فـوضى .. فـحُـلي

      تــُـرمَى ، وحـرير يـنـزاح

      وغــادر زَرٌّ عـروتـه

      بـفـُـتــُور ، فـالـليـل صـبـاح

      الـذئـبة تــُـرضع ذئـبـتـها

      ويـد تـجـتاح .. وتجـتاح

      ودثـارٌ فـَـرَّ .. فــواحــدة

      تــُـدنـيهِ ، وأخـرى تــرتـاح

      وحـوار نـهـودٍ أربـعة

      تـتهامـس .. والهـمـس مـبـاح

      كطـيـور بـيـض .. في روض

      تـتـنافـر .. والريـش سـلاح

      حبات العِـقـديـن .. انـفـرطت

      مـن لـهـوٍ ، وانهـدّ وشـاح

      فـالـلـحـم الطـفـل ، يُـمزقـه

      في العـتـمة ، ظـفرٌ سفـاح

      وجُزازة شعرٍ .. وانقطعت

      فالصـوت المهـمـوسُ نِـبـاح

      ويُكَـسِّـر نـهـدٌ واقـعـه

      ويـثور .. فـلـلجرح جـراح

      ويـموت المـوت .. ويســتـلـقي

      مـما عـانـاه الـمصـباح

      *

      يا أخـتي .. لا.. تـضـطـربي

      إني لـك صـدر وجـناح

      أتراني كـونـت امـرأة

      كي تمـضـغ نـهـدي الأشـباح ؟

      أشـُــذوذ ٌ، أخـتـاه ،إذا ما

      لـثـم الـتــفاحَ الـتــفاحُ ؟

      نحـن امـرأتـان .. لـنا قـمـمٌ

      ولـنا أنـواء وريـاح ..

      *

      مـطـر .. مـطـر .. وصديـقـتها

      معها .. ولـتـشريـن نـواح

      والـبـاب تـئـن مفاصـلـه

      ويـعـربـد فـيـه الـمـفـتـــاح ..



      البغـي

      1

      عَـلـّـقـَـت في بـابها قــنـديـلهـا

      نازف الشـريان ، محمـرَّ الـفـتـيـله

      في زقـاقٍ ضـَـوَّأت اوكـارهُ

      كـل بـيـت فـيـه ، مـأساة طـويـلـه

      غـرفٌ .. ضـيـقـة .. مـوبـوءة

      وعنـاويـن لـِ ( مـاري ) و ( جـمـيـلـه )

      وبمـقـهـى الحي .. .حَـاكٍ هَــرِمٌ

      راح يـجـتـر أغانـيـه الـذلـيـلـه

      وعـجـوز خـلـف نـرجـيـلـتـها

      عـمـرها أقــدم من عمـر الرذيـلـه

      إنها آمِــرَة ُ البيت هنا ..

      تـشـتـم الكَـسْلى ، وتـسـترضي العَـجُـولـه

      وأمـام الـبـاب صـعـلـوك هـــوىً

      تـافـه الهيـئة ، مسلـوب الـفـضـيـله

      يـعـرض الـلـحـم علـى قـاضِــمِـه..

      مثـلـما يـعـرض سـمـسـار خـيولـه

      " هـذه .. جـاءت حـديـثا .. سـيـدي

      نــاهـدٌ مـازال في طـور الطـفـوله

      أو إذا شـئـتَ ..فـرافــق هــذه

      إنهـا أشـهى من الـخـمـر

      الأصـيلـه.."

      أيُّ رقٍّ .. مثـل أنــثى تــرتـمي

      تحـت شاريها ، بأوراقٍ ضـئيله

      قيـمة الإنسان ، ما أحـقـرَها

      زعموه غـايـة .. وهـو وسـيله..

      2

      لـو تــرى الـردهـة فـيـها اضــطجـعـت

      كلُّ بـنـتٍ كانـفـتـاح الـزهـره

      نـهــدهـا مـنـتـظرٌ جـزّارهُ

      صـابـرٌ حتى يـلاقي قـدره

      هذه الـمُـذهَـبَـة الـسنِّ ..هـنـا

      تـرقـب الـباب بعيـن حــذره

      حسـرت عـن ركـبةٍ شاحـبـةٍ

      لونـها لـون الحـيـة المُــنـكـره

      من سيـأتي ؟ مـن سـيـأتي مـعها ؟

      أيُّ صعـلوكٍ ، حقـير ، نَـكِـرَه ؟

      وهـناك انـفردت واحـدة ٌ

      عـطرها أرخـص مـن أن أذكـره ..

      حـاجـبٌ بُـولـغَ في تـخـطـيـطـهِ

      وطلاء كجـدار الـمـقـبـره ..

      وفـمٌ .. متسعٌ .. متسعٌ

      كغلاف التـيـنة المعـتـصره

      الـفـضـوليـون من خـلـف الكـُـوَى

      أعـينٌ جائـعة ٌ مُـسـتـَـعِـره

      وشجــا رٌ دائـر في منـزلٍ

      وسكـارى .. ونـكـاتٌ قـذره ..

      من رآهـنّ .. قـواريـر الـهـوى

      كنعاج ٍ بانـتـظار الـمـجـزره

      كم صبايا ، مثـل ألـوان الـضحى

      أفسدتـهن عـجـوزٌ خطره

      3

      هذه الـمجدورة ُ الوجه انزوت

      كوباءٍ .. كبعيرٍ نتـنِ

      أخرجت ساقا لها مـعـروقـة ً

      مـثـل مـيـتٍ خارجٍ مـن كـفـن ..

      حـفـرٌ في وجـهـهـا مـرعـبة

      تـركـتـها عـجلات الـزمن ..

      نهـدها حـبـة تـيـنٍ .. نـشِـفـت

      رحـم الـلـه زمـان الـلـبـن ..

      فالعصـافـيـر التـي كانـت هـنا

      تــتـغـذى بالـشـذا والسـوسن

      كلهـا طارت بعـيدا .. عـندما

      لم يعـد في الأرض غير الـدِمَـنِ

      إنـها الخمسونَ .. ماذا بعدها ؟

      غير أمـطار الشتاء المحزن

      إنها الخـمسون .. ماذا ظـل لي ؟

      غير هذا الوحل ، هذا الـعـفـن

      غير هذه الكأس أستـهـلكـها

      غير هذا الـتـبـغ يـسـتـهـلـكـنـي

      غيـرُ تـاريـخٍ مُـدَمّـىً .. حـيـثما

      سِـرتُ ـ ألقى ظلـهُ يـتـبـعني

      غير أقـدام الخطايا .. رجعت

      تــُــحرِق الغـرفة بي .. تحرقـني

      غير ربٍّ ..كنت لا أعرفه

      وأراه الآن .. لا يعرفني ..

      4

      يا لصوص اللحم ..يا تجارهُ

      هكذا لحم السبايا يؤكل

      منذ أن كان على الأرض الهوى

      أنـتم الـذئـب .. ونحن الحمل

      نحن آلاتُ هوىً مجـهَـدة ٌ

      تـفـعـل الحب ، ولا تنفعل ..

      أنبـشوا في جـثــثٍ فاسدةٍ

      سارق الأكـفان لا يـخـتـجــلُ

      وارقـصـوا فـوق نـهـودٍ صُـلـبـت

      مات فـيها النور .. مات الـمـخـمـلُ

      مـن أنـا ؟ إحـدى خطـايـاكم أنـا

      نـعـجة في دمـكم تـغـتـسل

      أشــتهي الأسرة والطـفل .. وأن

      يحـتوينـي ، مثـل غـيري ، منزلُ

      أرجموني .. سـددوا أحجاركم

      كـلـكـم يـوم سقوطي بـطـلُ

      يا قـضاتي ، يا رماتي ، إنكم

      إنكم أجـبن من أن تـعدلوا ..

      لن تــُـخيـفوني فـفي شُـرعَـتِـكم

      يُنصر الباغي ، ويرمى الأعزل

      تــُسأل الأنثى إذا تـزني .. وكم

      مجرمٍ دامي الزنا .. لا يُـسأل

      وسريرٌ واحدٌ.. ضَـمّـهُـمَـا

      تسـقط البنت ، ويحمى الرجـلُ ..



      الـحـب والـبترول

      متى تـفـهـم ؟

      متى يا سيدي تفهم ؟

      بأني لست واحدة ً..

      كغيري ، من صديقاتك

      ولا فتحا نسائيا ..

      يضاف إلى فـتوحاتك

      ولا رقما من الأرقام يعبر في

      سجلاتك ..

      متى تـفـهم ؟

      متى تـفـهـم ؟

      أيا جملا من الصحراء لم يُـلجم ..

      ويا من يأكل الجدري منك الوجه

      والمعصم بأني لن أكون هنا ..

      رمادا في سجاراتك

      ورأسا بين ألاف الرؤوس على

      مخداتك وتمثالا تزيدُ عليه ، في

      حُـمّـى مزاداتك

      ونهدا فوق مَـرْمَـرِهِ ..

      تسجل شكل بصماتك ..

      متى تـفـهـم ؟

      متى تـفـهـم ؟

      بأنك لن تخدرني بجاهك أو إماراتك

      إماراتك ولن تملك الدنيا ..بنفطك

      و امتيازاتك

      وبالبترول يعبق من عباءاتك ؟

      وأين الوشم فـوق يديك ،أين ثـقوب

      خيماتك ؟

      أيا مـتـشقـق القدمين .. يا عبد

      انفعالاتك ويا من صارت الزوجات

      بعضا من هواياتك

      تكدسهن بالعشرات .. فوق فراش

      لذاتك تحنطهن كالحشرات ..

      في جدران صالاتك

      متى تـفـهـم ؟

      متى أيها المُـتـخَـم ؟

      متى تـفـهـم ؟

      بأني لست من تهتم ..

      بنارك أو بجناتك ..

      وأن كرامتي أكرم ..

      من الذهب المكدس بين راحاتك

      وأن مناخ أفكاري بعيد عن مناخاتك

      أيا من فـَـرّخَ الإقطاع في ذرات ذراتك

      ويا من تخجل الصحراء حتى من

      مناداتك ..

      متى تـفـهـم ؟

      تمرغ .. يا أمير النفط ، فوق

      وحول لذاتك

      كـمـمـسحةٍ .. تمرغ في ضلالاتك

      لك البترول .. فاعصره

      على قـَـدَمي خليلاتك

      كهوف الليل في باريس ..قـد

      قـتـلـت مُـرُؤا تِـك

      على أقـدام مومسة هناك ..

      دفـنـت ثاراتك ..

      فـبـعت الـقـدس .. بعت الله .. بعت رماد أمواتك

      كأن حِراب اسرائيل لم تجهض شـقـيـقـاتـك

      ولم تهدم منازلنا

      ولم تحرق مصاحفنا

      ولا راياتها ارتـفعت على أشلاء راياتك..

      كأن جميع من صُـلبوا ..

      على الأشجار في يافا ..

      وفي حيفا ..

      وبئرالسبع .. ليسوا من سلالاتك

      تغوص القدس في دمها

      وأنت صريع شهواتك

      تـنام .. كأنما المأساة ليست بعض ماساتك متى تفهم ؟

      متى يستيقظ الإنسان في ذاتك ؟



      خـمـس رسـائـل إلـى أمـي

      -1-

      صباح الخير .. يا حلوه..

      صباح الخير .. يا قديستي الحلوه

      مضى عامان يا أمي

      على الولد الذي أبـحَر

      برحلته الخرافيه

      وخبّـأ في حقائبه ..

      صباح بلاده الأخضر

      وأنجمها ، وأنهرها ، وكل شَـقِيـقِـها

      الأحمر

      وخبأ في ملابسه

      طرابينا من النعناع والزعتر

      وليلكـة ً دمشقيه ..

      -2-

      انا وحدي ..

      دخان سجائري يضجر

      ومني مقعدي يضجر

      وأحماني عـصافـيــرٌ ..

      تـفـتـش ـ بعد ـ عن بـيدر

      عرفـتُ نساء أوروبا ..

      عرفـتُ عواطف الأسمنت والخشب

      عرفـت حضارة التعب ..

      وطـُـفـتُ الهند ، طـُفتُ السند ،

      طـُـفـتُ العالم الأصفر ولم أعثر

      على امرأةٍ تمشط شعري الأشقر

      وتحمل في حقيبتها ..

      إلي عرائس السكر

      وتكسوني إذا أعرى

      وتـَـنـشُـلـني إذا أعثـَر

      أيا أمي ..

      أيا أمي ..

      أنا الولد الذي أبحر

      ولا زالت بخاطره ..

      تعيش عروسة السكر

      فكيف .. فكيف يا امي

      غدوت أبا ..

      ولم أكبر ..

      -3-

      صباح الخير ، من مدريد

      ما أخبارها الـفـُـله ؟

      بها أوصيك يا أماه ..

      تلك الطفلةِ الطفله

      فـقد كانت أ حَـبَّ حبـيـبـةٍ لأبي ..

      يـدلـلها كطفـلـتـهِ

      ويدعها إلى فنجان قهوتـه

      ويسقيها ..

      ويطعمها ..

      ويغمرها برحمته ِ..

      .. ومات أبي

      ولا زالت تعيش بحلم عودتـه

      وتبحث عيه في أرجاء غرفـتـه

      وتسأل عن عباءتهِ

      وتسأل ـ حين يأتي الصيف ـ

      عــن فـــيــــروز عـيـنـيـه ..

      لتـنـشـر فوق كـفيه ..

      دنانيرا من الذهب ..



      -4-

      سلاماتٌ.

      سلاماتٌ.

      إلى بيتٍ سـقانا الحب والرحمه

      إلى أزهـارك البيضاء .. فـَـرحَـةِ

      ( ساحةِ النجمه )

      إلى تخـتي ..

      إلى كتـبي ..

      إلى أطفـال حارتـنا ..

      وحـيـطان ملأنـاهـا ..

      بفوضى من كـتـابـتـنـا ..

      إلى قـطـطٍ كـسولاتٍ

      تنام على مشارقنا

      ولـيـلـكـةٍ مـعَـرِّشَةٍ

      على شباك جارتنا

      مضى عامان .. يا أمي

      ووجهُ دمـشـقَ ،

      عصفورٌ يخربش في جوانحنا

      يعض على ستائرنا ..

      وينقرنا ..

      برفــقٍ من أصابعنا ..

      مضى عامان .. يا أمي

      وليل دمشق

      فـلّ دمشق

      دور دمشق

      تسكن في خواطرنا

      مآذنها .. تضيءُ على مراكبنا

      كأن مآذن الأمويّ ..

      قــد زُرعت بــداخلنا ..

      كأن مشاتل التـفاح ..

      كأن الضوء ، والأحجار

      جاءت كلها معنا ..

      أتى أيلول أماه ..

      وجاء الحزن يحمل لي هداياه

      ويترك عند نافذتي

      مـدامعه وشكواه

      أتى أيلول .. أين دمشقُ ؟

      أين أبي وعيناه

      وأين حرير نظرتهِ ؟

      وأين عبير قهوته ؟

      سقى الرحمن مثواهُ .

      وأين رحاب منزلنا الكبير ..

      وأين نعماه ؟

      وأين مَـدَارجُ الشَـمـشِـيـرِ ..

      تضحك في زواياه

      وأين طفولتي فيه ؟

      أ جَـرجِـرُ ذيل قطـتـهِ

      وأكل من عريشته

      وأقطف من ( بَـنَـفـشَـاهُ ) .

      دمشق . دمشق .

      يا شعرا

      على حدقات أعيننا كتبناه

      ويا طفلا جميلا ..

      من ضفائره صلبناهُ

      جـثــَـونا على ركبتيهِ ..

      وذبنا في محـبـتـهِ

      إلى أن في محبتنـا قتلناه



      أبــي

      أمات أبوك ؟

      ضلالٌ ! أنا لا يموت أبي .

      فـفي البيت منه

      روائحُ ربٍّ .. وذكرى نـبـي

      هنا رُكنهُ .. تلك أشياؤه

      تـَـفـَـتــَّــقُ عن ألف غصنٍ صبي

      جريـدته ، تبغه ، مُـتــّـكاهُ

      كأن أبي ـ بعد ـ لم يذهبِ ..

      وصحن الرماد .. وفنجانهُ

      على حاله .. بعدُ لم يشربِ

      ونَـظارتاه .. أيَـسْـلـُو الزجاجُ

      عيونا أ شَـفَّ من المغرب ؟

      بقاياه ، في الحجرات الفِساحِ

      بقايا النسور على الملعب

      أجول الزوايا عليه ، فحيث

      أمُـرّ ..أمُـرّ على معشِـب

      أشـد يـديه .. أميل عليه

      أصلي على صدره المتعب

      أبي لم يزل بـيـنـنا ، والحديث

      حديث الكؤوس على المشرَب

      يسامرنا .. فالدوالي الحُـبَـالى

      تــَـوَالـَــدُ من ثغره الطيب ..

      أبي خبرا كان من جنةٍ

      ومعنى من الأرحبِ الأرحبِ ..

      وعيـنا أبي .. ملجأ لـنجوم

      فهل يذكر الشرق عيني أبي؟

      بذاكرة الصيف من والدي

      كرومٌ وذاكرة الكوكب ..

      *

      أبي يا أبي إن تاريخ طيبٍ

      وراءك يمشي ، فلا تـَـعـتبِ ..

      على اسمك نمضي ، فمن طيبٍ

      شهيّ المجاني ، إلى أطيبِ

      حَـمَـلتــُـكَ في صحو عـيـنيّ ..حتى

      تـهيأ للناس أني أبي ..

      أشيلـك حتى بنبرة صوتي

      فكيف ذهبتَ ولا زلت بي ؟

      *

      إذا فـلة الدار أعطت لـدينا

      فـفي البيت ألف فـمٍ مُـذهَـبِ

      فتحنا لتموزَ أبوابنا

      فـفي الصيف لابـد يأتي أبي ..



      لــو كـنـتِ في مــدريـد

      لو كنتِ في مدريد في رأس السنه

      كنا سهرنا وحدنا

      في حانةٍ صغيره

      ليس بها سوانا

      تبحث في ظلامها عن بعضها يدانا

      كنا شربنا الخمر في أوعية من

      الخشب

      كنا اخترعنا ـ ربما ـ جزيره

      أحجارها من الذهب

      أشجارها من الذهب

      تــُـتـوّجينَ فوقها أميره ..

      لو كنتِ في مدريد في رأس السنه

      كنا رأينا كيف في إسبانيا ..

      أيتها الصديقة الأثيره

      تشتعل الحدائق الكبيره

      كيف تنام الوردة الحمراء في

      الضفيره

      كنا عرفنا لـذة الضياع في الشوارع

      وجوهنا تحت المطر

      كنا رأينا في مغارات الغجر

      كيف يكون الهمس بالأصابعِ

      والبوح ، والعتاب ، بالأصابع

      وكيف للحب هنا ..

      طعم الـبَـهَـارِ اللاذعِ..

      لو كنتِ في مدريد في رأس السنه

      كنا ذهبنا آخر الليل إلى الكنيسه

      كنا حملنا شمعنا .. وزيتنا

      لسيد السلام والمحبه

      كنا شكونا حزننا إليه

      كنا أرحنا رأسنا لـديه

      لعله في السنه الجيديده

      أيتها الحبيبة البعيده

      يجمعني إليك بعد غربه

      في منزل ،جدرانه محبه

      وخبزه محبه ..

      لو كنتِ في مدريدَ رأس السنه

      كنت ملأنا المدخنه

      عرائسا ملونه ..

      لطفلةٍ دافئة العيون

      نعيش يا حبيبتي بـوهمها ..

      من قبل أن تكون ..

      كنا صنعنا تختها الصغير من ظنون

      تختا من الأحلام .. والقطيفة الملونه

      تنام فـيه ـ ربما ـ بعد سنه ..

      لو كنتِ في مدريد رأس السنه



      غــرنــاطـــه

      في مدخل (الحمراء ) .. كان لقاؤنا

      ما أطيب اللـقيا بلا ميعاد

      عينان سوداوين في حَجَرَيـهِـما

      تـتوالد الأبعاد من أبعاد ..

      هل أنت إسبانيه ؟ سألتها

      قالت : وفي غرناطةٍ ميلادي

      غرناطة ٌ! وصَحَت قرونٌ سبعة ٌ

      تــَـيْـنِــكَ العينين ِ.. بعد رقــا دِ

      وأميّة ٌ راياتها مرفـوعة ٌ

      وجيادها موصولة بجياد

      ما أغرب التاريخَ ..كيف أعادني

      لحفيدةٍ سمراءَ .. من أحفادي

      وجهٌ دمشقيٌّ ، رأيت خلاله

      أجفان بلقيسٍ ، وجيدَ سعادِ

      ورأيت منزلنا القديم ، وحجرة ً

      كانت بها أمي تـمد وسادي

      والياسمينة َ رُصِّـعت بنجومها

      والبركة َ الذهبية الإنشاد ..

      ودمشقُ . أين تكونُ ؟ قلت ترينها

      في شعرك المنسابِ .. نهرَ سوادِ

      في وجهكِ العربي ،في الثغر الذي ما زال مختزنا شموس بلادي

      في طيب (جنات العريفِ) ، ومائها

      في الفــلّ ، في الريحان ، في الكبّادِ

      *

      سارت معي .. والشعر يلهث خلفها

      كسنابلٍ تركت بغير حصاد ..

      يتألق القرط الطويل بجـيدها

      مثل الشموع بليلة الميلاد ..

      ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي

      وورائي التاريخ كومُ رمادِ

      الزخرفات .. أكاد أسمع نبضها

      والزركشات .. على السقوف تنادي

      قالت: هنا (الحمراءُ) ..زهوُ جدودنا

      فـأقرأ على جدرانها أمجادي

      أمجادها !! ومسحت جرحا ثانيا بفؤادي

      يا ليت ـتـي الجميلة َ..أدركت

      أن الذين عَـنَـتهُـمُ أجدادي ..

      *

      عانقـتُ فيها عندما ودعتها

      رجلا .. يسمى ( طـارقَ بـنَ زيـادِ) ..



      خـبز وحـشيش وقمـر

      -1-

      عندما يولد في الشرق القمر

      فالسطوح البيض تغفو ..

      تحت أكداس الزهر

      يترك الناس الحوانيت .. ويمضون

      زُمَـر لملاقاة القمر ..

      يحملون الخبز ، والحاكي ، إلى

      رأس الجبال

      ومعدات الخَـدَر ..

      ويـبـيـعون ، ويشترون .. خيال

      -2-

      ما الذي يفعله قرص ضياء ؟

      ببلادي ..

      ببلاد الأنـبـياء ..

      وبلاد البسطاء ..

      ماضغي التبغ ، وتجار الخدر

      ما الذي يفعله فينا القمر ؟

      فـنُـضيعُ الكبرياء

      ونعيش لـنَـستــَـجدي السماء

      ما الذي عند السماء ؟

      لكـُسالى ضعفاء

      يستحيلون إلى موتي ..

      إذا عاش القمر ..

      ويهزون قبور الأولياء

      علها ..

      ترزقهم رزا وأطفالا ..

      قبور الأولياء ..

      ويمدون السجاجيد الأنيقات الـُطرر يتسلون بأفيونٍ ..

      نـُسـمـيه قــَـدر..

      وقضاء ..

      في بلادي ..

      في بلاد البسطاء ..

      -3-

      أيّ ضعفٍ وانحلال

      يتولانا إذا الضوء تـدفق

      فـالسجاجيد , وآلاف السلال

      وقِـداح الشاي .. والأطفال .. تحتل التلال

      في بلادي ..

      حيث يبكي الساذجون

      ويعيشون في الضوء الذي

      لا يبصرون

      في بلادي ..

      حيث يحيا الناس من دون عيون

      حيث يبكي الساذجون

      ويصلون ، ويزنون ، ويحيونَ اتــِّـكـَال

      وينادون الهلال :

      "يا هلال ..

      أيها النبع الذي يمطر ماس

      وحشيشا .. ونُـعاس

      أيها الرب الرخامي المعلق

      أيها الشيء الذي ليس يُـصدّق

      دُمـت لـلشرق ..لنا ..

      عُـنـقــُـود ماس

      لـلملايـينِ التي قـد عُـطـّـلت فيها

      الحواس ".

      -4-

      في ليالي الشرق .. لما

      يـبلغ البدر تمامه ..

      يتعرى الشرق من كل كرامه

      ونضال ..

      فـالـملايـين التي تركض من غير

      نعال ..

      والتي تــُـؤمن في أربع زوجاتٍ ..

      وفي يوم القيامه ..

      الملايـين التي لا تلتقي بالخبز

      .. إلا في الخيال ِ

      والتي تسكن في الـليل بـيوتا من

      سعال ِ..

      أبـدا ما عرفت شكل الـدواء ..

      تـتردى ..

      جثـثـا تحت الضياء ..

      في بلادي ..

      حيث يبكي الساذجون

      ويموتون بكاء

      كلما طالعهم وجه الهلالِ

      ويزيـدون بكاء

      كلما حركهم عودٌ ذليلٌ .. و"ليالي"..

      ذلـك الموت الذي ندعوه في الشرقِ..

      " ليالي ".. وغناء

      في بلادي ..

      في بلاد البسطاء ..

      حيث نـَـجـتـرُّ التواشيح الطويله ..

      ذلك الـسلُّ الذي يفتك بالشرقِ..

      التواشيحُ الطويله

      شرقنا المـجـتـرُّ .. تاريخا .. وأحلاما كسوله

      وخرافات خـَـوالي ..

      شرقـنا ، الباحث عن كل بطوله

      في ( ابي زيـدِ الهلالي )..

      نزار قـباني

      رياض / ـ1996
    • أخي /
      شكراً .... شكراً .... شكراً وألف شكر على هذا المجهود الرائع والرائع جداً وأحسد هذه الساحة بتواجد إسمك بينها وكم هي محظوظة مثلما نحن محظوظون بك لأنك تملك الذوق الرفيع وحس الإختيار الصحيح .

      يقول الدكتور قسطنطين رزيق :

      ( إن وراء كل حضارة قلة مبدعة من الناس .. قلة تتميز عن الكثرة لا بالمال ، أو الجاه ، أو القوة المادية بل بالإستحقاق الذاتي طبيعة وكسبا ، قلة تحقق القيم وتعممها في المجتمع .. قلة تعمل لا لذاتها بل لغيرها ، قلة لا تتعالى ولا تتجبر ، بل تحب وتخلص وتعطي ، قلة متألقة .. متعارفة . منها تنطلق نوى التقدم ومجاري الإنبعاث ومصادر الخلق والإبداع )

      فإن كان نزار قد أبدع في إيجاد الكلمة فأنت قد أبدعت في إختيارك أيضا . أشكرك ولا تحرمنا من مشاركاتك في الساحة .
    • مبروك الديوان....
      مشكور يا خوي على المجهود الطيب ....
      ومثل ما قال اخوي وجدانيات.....للحضاره رجالها...(ونسائها عشان ما تزعل النساء منا)
      أحسنت أخي...وترى على فكره لنزار أشعار وطنيه رائعه حاول تطرح بعضها في القريب العاجل...
      وفقك الله...