خارج أسوار العزلة

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • خارج أسوار العزلة

      منتصف النهار مضى. هبت الريح من هناك. أتت من الشمال باردة. أسقطت بعض الأوراق في حفيف إلى الأرض. المكان كله ممدد على البحر. يتلقى برجفة هبوب الهواء المبلل. اختلط رأسه بالفراغ الذي يكاد يعمي البصر. وجه ثقيل لرجل أبيض اللحية أبيض الشعر. رمال تفضي إلى بحر وسكون. الشص يهتز في يده. يطلقه نحو جميع الاتجاهات. يعيد تشكيل ذرات حديثهما سوياً. الموج يبدد الصدى. يضرب الأسوار والعزلة. ثم يخفف ويبدأ بالتنامي. تعاوده أطياف ملونة تتناثر على صفحة البحر. رفع الصنارة من الماء ثم أعادها بضربة قوية. دائماً يشهد نور الفجر ومولده. تلك الهواية والمتنفس. الجدران من حوله رفعتها يد مخلصة، قوية. تركت له أزهاراً ثلاثاً. وبدون مقدمات رحلت. تداعت أحلامه وراحت الأشياء تضمحل حوله كندف الثلج. منذ فترة لم يأت ساعي البريد برسائل. البحار الرحال. منذ بعيد سنين عديدة لم يطأ اليابسة، يطارد البحر، يطوف منذئذ على مياه باردة. لم يكن يزمع العودة من البحر. سآتي قريباً. مجرد كلمات فقط. يسأله حفيده الصغير:

      - متى يأتي أبي؟

      يربت على شعره:

      -ألا تنوي البقاء معي حتى يأتي؟ حتماً سيعود قريباً.

      هبطت عليه سكينة وهو يراقب البحر. الأشياء تثب وحشية متشابكة. بدأ من الصعب التركيز على أي منها. شعر بوحدته في المكان. أحلامه كالبرق تومض وتنطفئ.

      * * *

      على صفحة اللمعان الفضي اهتز الشص في يده. بقوة رفعها لتسكن الرمال سمكة كبيرة. وضعها بجانبه. وأعاد الشص مرة أخرى إلى الماء.

      حملق في صفحة الماء. رأى وجهاً متموجاً تهزه هبات الريح:

      -” يا عزيزي. لنخرج إلى دروب الحدائق. هناك العديد من المتنزهين في ثياب العيد. الربيع دافئ تحت الشمس، لنسمع صيحات الفرح من أفواه الصغار."

      ظلال الأغصان تمتد على المكان. وموج البحر يتشكل في هامات عملاقة وينحط متحطماً ثائراً على رؤوس الصخور. صيده انتفض. كأن تياراً كهربائياً مسه. هاله ضخامتها وهي في السلة. ظلت تنتفض، ومن ثم قذفت بنفسها خارج السلة واقتربت منه. حدثته السمكة قائلة:

      - نحن نحيا في سكينة. ننصت إلى همهمات الريح. إلى ارتجافات البحر. إلى أصوات العصافير. هناك من يستحث عودتي. مات زوجي. خرجت أبحث عن طعام لأولادي الصغار. يجب أن تتخذ فوراً قراراً بإعادتي إلى البحر ثانية. رفقاً بأولادي. وراحت تتمتم بضع كلمات لم يتبينها.

      تعلقت أنظاره بها. وقف متحيراً. ماذا يفعل؟ أخذ لحيته بين أصابع يده واستغرق في تفكير صامت.

      -”هيا جميعكم إلي في صدر أمكم، فأنتم لا تحتملون البرد. إننا نعيش من أجل ثلاثتكم. تعال أيها الصغير إنك ترتعش."

      تذكر الوجه الصغير ذا العينين اللتين تشبهان ثمرة البندق. وجه الابن الصغير، لم يره منذ عام. رسائله صارت قليلة. ولمع وجه الابن الأكبر على صفحة الماء، ينهر أخته لعدم اهتمامها بالواجبات المدرسية. منذ صغره يهتم بالعلم. لكن دراسة الطب أخذته بعيداً. قالت له ابنته في آخر محادثة تليفونية(سنزورك قريباً يا أبي) البيت صار هادئاً، خالياً والمدينة مظلمة. قلب صفحات كتابه. كان كتاباً كبيراً أصفر ذابلاً بين قائمتين من القوائم في مكتبه. عثر على اسمه بخط باهت على الصفحة الأخيرة.

      لا يجد من يراسله. من يقرع بابه. من يحادثه. بعض الموتى عيونهم مفتوحة وأيديهم مبسوطة، ولكن غالبيتهم يرقدون في هدوء. فاحت رائحة زهور ذابلة وأرض تحمل في طياتها ذكريات قديمة. وغردت العصافير. حاول أن يشعل سيجارة لكن الريح أطفأت عود الثقاب. غمرت المياه صيده في مد وجزر، انتفضت السمكة. صدرت عنها همهمات. ارتجف قلبه. هدر البحر بصوته الداوي. تضطرب أنفاسه. تقتل في رأسه بقايا أحلام. توهج الفضاء بالتماعات غربية. بوثبة متحمسة اندفع نحوها. رفعها بين يديه. سمقت أشجاره العالية الضخمة. كثيراً ما لمح طيفها. وجه عاشره سنوات طويلة. ارتجف قلبه، لكنه ارتجف باطمئنان. تبادل النظرات وصيده. امتدت خطواته بين الغيوم. خلفه أقدام مسرعة. إنه ساعي البريد. يحمل رسالة من بلاد بعيدة يقطنها ولده. شرع في القراءة. راح صوته يتلون ويتبدل. وحين اقترب من نهاية الرسالة، صارت أنفاسه في قوة الريح..

      * * *

      حمل له الجو الضبابي البارد دفأ نادراً. وأصداء حديث يختلط داخله. تحركت أصابعه. تعمل خارج منطقة نفوذه. انزلقت أصابعه داخل المياه، مطلقاً سراحها. احتواها البحر بعذوبة. ترك الشص يسقط في القاع. عاوده الحنين إلى مرفأ مفقود. تنامت إلى سمعه أصوات ممزوجة بالشكر والامتنان. استدار. رآها وأولادها يحيطون بها، يتقافزون على السطح اللامع. هبطت الشمس للمغيب. ظهر ظله أكبر منه على الرمال. ثم عاد البحر من جديد إلى نفسه الهادئ وعزلته المعهودة
    • ميزة الرد السريع

      ما شاء الله عليك أخي الكريم

      لم أكن أتوقع أن تأخذ كتاباتي مكانا بينكم

      ولم أتوقع الرد السريع

      على العموم جزاك الله خيرا على هذه الكلمات التشجيعية

      وإن شاء الله تعالى أتحفكم بالمزيد
    • نور العيون

      الساحة الأدبية تحتاج دائماً إلى إبداع متجدد وسرد قصتك الجميلة التي يغلب عليها طابع التصوير الجميل والحوار المنطقي هي دلالة كبرى على موهبة الإبداع التي يمتلكها فكرك الناضج .

      نحن هنا ننتظر إبداعك دائماً وحياك الله معانا .
    • فعلا ...نحن خارج أسوار العزله..

      المبدعه ...نور العيون
      ما أجمل أن يكتب المرء...ولكن الاجمل من ذلك أن يحس الاخرون بما يكتبه...
      والجميل أنك جعلتي البحر ...ذلك الشامخ المترامي الاطراف ...في عزله...
      وفقك الله ... ننتضر القادم الجميل...
      رعاك الله...