أنام كي لا أجوع ....... قصة قصيرة

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • أنام كي لا أجوع ....... قصة قصيرة

      أنام كي لا أجوع


      ما بين ذلك الأمل الذي يرقص أمام عيني على نغمات بكائي ... يُخيل لي من بعيد حلم سعيد سيغزو كياني ... و أبقى أنتظر ذلك البعيد لزمن طويل رغم أني واثق بأنه ليس إلا سراب و خيال لن يكون في الواقع و في هذا المعتقل المظلم ... هذه محبرتي و الجلود التي أكتب فيها معاناتي كم هي مؤلمة و لكن لو كنتم عشتم ذلك الواقع و الماضي الذي تعلمت منه الكثير و عرفت أنواع عديدة من الأحزان و المآسي و كم حاولت أن أكفكف تلك الدموع النازلة من ذلك الصديق الذي قضيت معه تلك السنين من التنكيل و التعذيب و الجوع و الشوق و الحنين لفلذة أكبادنا ... أيتها الشمس كم كنا نشتاق إليك رغم حرارتك في ذلك الصيف الحار و لكنك كنت لنا أمل بأننا مازلنا على قيد الحياة و لم نوضع في قبورنا بعد... كم كنا نحلم أن نرى وجه باسم من أُلئك الحرس الأشاوس على الضعفاء ... كم كنا ندعو الله تعالى أن يُعجل موتنا فلم تكن للحياة طعم و لا هدف سوى فك تلك القيود عند كل صلاة .... أما الطعام ربما كان لذيذا رغم أجوافنا تشتعل نار من كل لقمة نأكلها ... خرجت من ذلك المعتقل مثلما دخلت إليه لا أعرف لماذا كنت هناك؟ و لماذا خرجت قبل ذلك الشيخ الناحل الحزين الذي أخذ من منزله و هو يداعب أبنته التي لم تتجاوز الثالثة من عمرها .. كم كان زاهدا أغلب وقته في محرابه لا يفارقه إلا إلى النوم ... لما حكمت علي المحكمة بالسجن ثلاث سنين بتهمة لم أرتكبها بل لا أعرفها مازال رنين القاضي و هو يعلن الحكم ( حكمت المحكمة حضوريا على المتهم أسعد السعيد بالسجن ثلاث سنوات أغلقت الجلسة ) .. أليس من المعتاد ذكر الذنب الذي أستحق فيه ذلك العقاب ؟! .... و دخلت معه كم أعجبني صبره و تحمله مثلما أحزنني حسرته و شوقه لأبنته( إيمان ) لقد مضى علي خمس سنوات في هذه الزنزانة الحقيرة لا أعلم سوى عدد الأقفال الموجودة على هذه الأغلال الثقيلة ... لماذا يحبسوني ؟ كم مرة سألتهم كانت إجابتهم سياط و جلاد .. أتعلم يا بني لست حزينا على أخذ حريتي بل حزين على فراق ابنتي ما الذنب الذي تستحق أن تعيش يتيمة الأب و الأم ... نعم لقد ماتت أمها و هي في السنة الأولى ... و مت أنا من عينيها و هي مازلت في السنة الثالثة أي حياة سعيدة ستقضيها يا ابنتي الحبيبة ؟! .... و هم بالبكاء و الحسرة و الدعاء بعفوك اللهم و أنصرف إلى محرابه ....


      و تمضي ساعة الزمن رويدا رويد ا ننتظر زائرا من أهلنا .. لا أحد .. سألته أين ذويك و ذوي لماذا لا نزار ؟ ... لم يجيب سوى بابتسامة حزينة و ضرب خفيف بيديه على كتفي ... لم أستطيع أن أعرف عنه غير خبر أبنته و دخوله السجن.... لماذا هو هنا ؟ ... وكم سنه محكوم عليه ؟ ... كل تلك الأسئلة كانت أجابتها سؤال..... لماذا هو صامتا طوال الوقت ؟... و ما زادني حيرة و حزن مما أنا فيه من شوق و نصب من هول تلك المعاملة كان كلما يأتي الطعام يذهب إلى النوم و يكتفي بشربة ماء فقط .. تذكرت قول لشاعر هاشم الرفاعي : شلوا طعامكم فلست بالجوعان ِ لكن إلى متى سيظل هكذا ؟ بل كيف سينام و هو يتقلب من الجوع رغم أنه لم يغير هيئة منامه بل لا يتحرك كم يفعل النائم أحيانا ... قد لا ينام بل يسبح بأفكاره إلى عالم يُنسيه جوعه و مصابه ... و قد يكون رحلت عنه شهية الطعام من عمق التفكير و خوفه على حبيبته إيمان ... لكن سيموت جوعا كيف له تحمل الجوع و العذاب و الشوق و الألم و كبر السن ؟ ...

      و قبل يوم واحد بعد تلك المدة التي قضيتها معه و حيرتي تزداد يوما بيوم من تلك الأحداث التي يصنعها و من تلك الحياة التي يعيشها كانت متوجة بالصلاة و الذكر و الصمت و البكاء و الابتسامة التي لا تتجاوز تلك الشفاه الذابلة ... أقترب مني و قال غدا سترد إليك حريتك رغم هذا الاعتقال سيظل وشما لن تستطع إزالته بل لن ينسى الزمن و الذين يعيشون فيه بأنك يوما من تلك الأيام كنت مع المجرمين و لن يصدقك الناس بأنك مظلوم و أنك قضيت سنواتك مع رجل مثلي حتى قصتي التي قصصتها لك لن تصدق فلا تقلها لأحد ... قد سألتني عن الكثير فلم أجيبك ليس لأنني لا أجد جواب بل لأن إجاباتي لن تفيدك فهي مثل هذه الحياة و أيضا لقد مضى علي وقت طويل صامتا فنسيت الكلام بل حاولت أن أنساه فكلما تكلمت جلت بسياط فعمري الباقي لا يقوى على سياط جديدة ... حسنا يا العم سليمان فقط لدي سؤال قبل أن أرحل ها أنا أسمع قرقعت قدم الحارس قادمة نحوي لماذا كلما أتى الطعام تذهب إلى النوم ؟! أخذ الصعداء ... و مسح لحيته ... و أستند على ذلك الجدار القذر ... ثم قال أنام كي لا أجوع !!!! ... و نادى الحارس أسعد السعيد إفراج .... و خرجت من عنده أكثر حيرة و أشد حزنا و تولد من تلك الإجابة أسئلة أخرى لعلي أجده يوما أسئلة عنها ....


      رفيق الخاطرة #d
    • رفيق الخاطرة //// أبدعت إلى حد الذهول .

      عزيزي // لقد عشت مع القصة حرفاً حرفا وكلمة .. كلمة .. ورسمت واقعها بين أهداب عيني وتخيلت السجن والجدران الصامته والروتين والشمس التي تدخل كل يوم من نفس المكان وتغرب من نفس الإتجاه وتسلل القمر من حديد على الجدار يقال أنها نافذة ... لحظات جداً صعبة ولكن هي الحياة لا نعلم ماذا يخبئ لنا القدر فيها وإيماننا بالله يجعلنا نتحمل حتى الظلم ليحمل من ظلمنا أوزارهم يوم القيامة كاملة غير ناقصة .

      أهنئ من أفرج عنه وندعوا الله أن يفك كل أسير وسجين مظلوم .

      ( وياما في السجن مظاليم ) هكذا يقولون .

      أشكرك وإن الشكر مع سردك قاصر لكنني أعود فأشكرك .