فتاوى في فضْل العشْر الأواخر مِن شهر رمضان وليلة القدْر

    • فتاوى في فضْل العشْر الأواخر مِن شهر رمضان وليلة القدْر

      القيام والتهجد:

      أنظر :
      oman0.net/forum/showthread.php?t=370501

      السؤال:
      ما الفرق بين صلاة الرجل والمرأة من حيث الأداء؟


      الجواب:
      الرجل يقيم لصلاته، والمرأة ليست عليها إقامة، والرجل يجافي يديه عن جنبيه في سجوده والمرأة تضم نفسها، والمرأة لا تنحني كثيراً من أجل الستر بخلاف الرجل وذلك في الركوع، وفي السجود لا ترفع عجزها عن رجليها كثيراً بخلاف الرجل. والله أعلم.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ أعمال الصلاة: ص 114]

      السؤال:
      هل تصح إمامة المرأة لبنات جنسها في الفرائض؟


      الجواب:
      اختلف العلماء في إمامة المرأة بالنساء فقيل تصح في الفرض وفي النفل، وقيل في النفل دون الفرض. وقد جاء في بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على الإذن للنساء بالإمامة ، والأصل الإطلاق حتى يثبت التقييد ، وعليه فلا مانع من إمامتها ببنات جنسها على أن يكن بعيدات عن أنظار الرجال ، وتكون في وسط الصف الأول من صفوفهن . والله أعلم.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 138]

      السؤال:
      هل للمرأة أن تصلي بنفسها في مصلى النساء المنفصل أثناء تأدية الجماعة للصلاة، أم لا تصلي معهم ، علماً بأن مصلى النساء مربوط بالمسجد عن طريق مكبرات الصوت ويصلها صوت الإمام ، فإن كان ذلك لا يصح ، فما حكم الصلوات السابقة التي صلتها بهذه الحالة؟


      الجواب:
      إن كان ذلك في مكان منفصل بحيث لا ترتبط صلاتها بصلاة الإمام فلا حرج عليها.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 138]

      السؤال:
      هل هناك شروط لصلاة النساء جماعة؟


      الجواب:
      لا شروط تميز بينهن وبين الرجال، وإنما تنهى المرأة أن تتبخر وتتطيب ، فلو خرجت متبخرة أو متطيبة فإنها تكون آثمة بهذا، وكذلك عليها أن تتجنب التغنج وكل ما يثير الرجل، والتي تصلي بهن تكون في وسط الصف.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 139]

      السؤال:
      هل هناك شروط لإمامة المرأة غيرها من النساء؟


      الجواب:
      هي كشروط إمامة الرجل لا فرق بينهما ، وإنما اختلف هل تؤمهن في الفريضة والنافلة ، أو في النافلة وحدها ، والراجح أنه لا مانع أن تؤم في الفريضة والنافلة.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 139]

      السؤال:
      قلتم سماحة الشيخ : وراء الإمام. ماذا لو كان بيتها أمام الإمام؟


      الجواب:
      أما ان يتقدم المأموم الإمام فلا، سواء كان التقدم في المكان أو في الحركات والسكنات، فإن الإمام جعل إماماً ليؤتم به، أما إن كانت في جنب المصلين فلا بأس.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 140]

      السؤال:
      إذا كان مصلى النساء منفصلاً عن الرجال في نفس المسجد فهل ينطبق هذا على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم :<<خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها ، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها>>؟


      الجواب:
      إنما ذلك لأجل البعد عن الرجال ، أما إذا كان المصلى منفصلاً فلا فرق بين الصفوف الأمامية والخلفية.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 140]

      السؤال:
      امرأة تصلي في بيتها التراويح مع صلاة إمام المسجد المجاور، والذي يفصلها عنه شارع غير معبد ، فما الحكم في ذلك؟


      الجواب:
      المرأة يتسامح في حقها ما لا يتسامح في حق الرجل ، والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه الذي صلى على الحصير الذي اسّود من طول ما لبس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فصف هو والشيخ أو هو واليتيم كما جاء في رواية وراء رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصفت العجوز وراءهم ، ومعنى ذلك أنها وقفت صفاً وحدها مع أن الرجل لو وقف صفاً وحده لما صحت صلاته كما جاء في روايات عدة عن النبي صلى الله عليه وسلّم بأنه لا صلاة لمن وقف وحده خلف الصف . فهذا يدل على التسامح في المرأة ولذلك قال من قال من الفقهاء بأن الصفوف لا تلزم النساء ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن صلاة السنن والنوافل يتسامح فيها أيضاً ما لا يتسامح في صلاة الفرض فلا ينبغي أن يشّدد على المرأة ويقال بعدم جواز فعلها هذا ما دامت تقف وراء الإمام ولو كان ذلك مع وجود فاصل بينها وبين المصلين بمقدار الشارع ، وينبغي أن يقصر هذا على السنن والنوافل ، وإن كنت لم أجد دليلاً يقتضي التشدد عليها إلا أنه ينبغي الأخذ بالاحتياط فيقتصر في هذا على صلاة السنن والنوافل.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 140 ـ 141].

      السؤال:
      إذا دخل شخص المسجد والإمام قد بدأ في القيام الأول وهو بعد لم يصل الفرض ولم يصل السنة ، فهل له أن يصلي معهم التراويح ويؤخر الفرض والسنة؟


      الجواب:
      أما إن قصد بذلك أن يصلي قيام رمضان فقيام رمضان لا يكون سابقا على الفريضة، بل لابد من أن يصلي الفريضة أولاً ولو اعتزل جانباً وصلى بنفسه أو مع جماعة أخرى ، إذ لا يدخل معهم وهم يصلون سنة، بخلاف ما لو وجد جماعة تصلي فريضة فإنه لا يسمح له أن يصلي بنفسه، أو يصلي بجماعة أخرى، ثم بعد ذلك يصلي معهم ما أدرك من قيام رمضان ، ثم بعد ذلك يصلي سنة العشاء إن أراد أن يقضيها. والله تعالى أعلم.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 141]

      السؤال:
      رجل يريد أن يصلي بأهل بيته قيام رمضان ، فكيف يكون ترتيب أولاده وبناته عند القيام للصلاة؟


      الجواب:
      يجعل الذكور خلفه ثم الإناث، فإن كان هؤلاء الذكور جميعاً محارم للإناث فلا يلزم أن يكون هنالك فاصل ما بينهم وبينهن بل يكن خلفهم مباشرة وإلا فالأولى أن يكون بينهم مقدار صف حتى يكنَّ أبعد عن الرجال إن كان بعض أولئك الرجال من غير محارمهن. والله تعالى أعلم.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 141]

      السؤال:
      نهي النبي صلى الله عليه وسلم النساء عن حضور المساجد ، هل كان نهي تنزيه أم نهي تحريم؟


      الجواب:
      النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عن دخول النساء إلى المساجد، بل كن يصلين وراءه صلى الله عليه وسلم، ولكنه مع ذلك كان يأمرهن بأن لا تصيب إحداهن طيباً، أما إن أصابت طيباً فإنها منهية عن شهود الجماعة، فقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم النساء إن أصبن بخوراً أو أي طيب آخر أن يحضرن الجماعة، لما يُخشى من الفتنة بسبب ذلك، وإنما قالت السيدة أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بعد النبي صلى الله عليه وسلم : (لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من دخول المساجد كما مُنعت نساء بني إسرائيل) ، وهذا قالته أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ بعدما استجدت أمور بعده صلى الله عليه وسلم من إحداث الزينة في حال خروجهن إلى المساجد ، أو التطيب أو التغنج أو غير ذلك مما يثير الفتنة في نفوس الرجال، فبهذا يكن منهيات عن شهود الجماعة لأجل خوف الفتنة لا لأجل نهيهن عن شهود المساجد رأساً. والله تعالى أعلم.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة الجماعة: ص 142]


      السؤال:
      رجل كان مسافراً في رمضان فجمع المغرب مع العشاء، هل يؤخر الوتر ليصليها مع التراويح؟


      الجواب:
      نعم، يؤخر الوتر ليصليها مع التراويح إن قصد أن يصلي التراويح.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ صلاة السفر: ص 175]

      السؤال:
      بعض المسافرين يجمع الصلاتين ومعهما الوتر ثم يدرك صلاة التراويح ، فماذا يفعل؟


      الجواب:
      بما أنه يتوقع أن يجد من يصلي معه قيام رمضان فما الذي يدعوه إلى أن يجمع الوتر؟ وما باله لا يؤخره؟!
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ السنن والنوافل: ص 185]

      السؤال:
      هل للمسافر أن لا يصلي صلاة التراويح؟


      الجواب:
      ترك صلاة التراويح إنما هو من شأن الكسالى، الذين لا يبالون بقيمة الشهر الكريم وقيمة قيام ليله وقيمة التوجه إلى الله تعالى في لياليه بالعبادة والطاعة والدعاء والضراعة والابتهال ، سواء كان الإنسان في سفره أو في حضره ، ولكن لا يعني هذا أنها واجبة وجوباً عينياً بل هي من السنن المؤكدة ، نعم عندما يكون المسافر في شاغل كأن يكون جاداً في سيره هو أولى بأن يترخص أكثر من غيره ، بخلاف المسافر المقيم في بلد، والذي لا يشغله عن تلبية هذا الداعي شيء ، فإن هذا يتأكد في حقه حضور هذه الصلاة، لأنها شعيرة من شعائر الله تقام في بيوته ، فلا ينبغي الزهد فيها والإعراض عنها.
      [ المرأة تسأل والمفتي يجيب ـ السنن والنوافل: ص 185]

      السؤال :
      متى يبدأ وقت صلاة قيام الليل ، ومتى يبدأ الثلث الأخير من الليل بالنسبة للصيف وللشتاء ؟


      الجواب :
      قبل كل شيء صلاة الليل ليست مرهونة بوقت معين من الليل ، فإن الله تبارك وتعالى يقول { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} (الاسراء:79) ، فمتى قام الإنسان في أي وقت من الليل كان له فضل عظيم في ذلك ، وإنما يتفاوت الفضل بتفاوت الوقت فكلما كان أقرب إلى السحر كان ذلك أبلغ في الفضل ، فعندما يقوم الإنسان في الثلث الأخير من الليل يكون قد قام في أفضل جزء من الليل يقام فيه ، والثلث الأخير من الليل يقاس بتقسيم الليل إلى ثلاثة أثلاث بحيث تكون هذه الأثلاث متساوية الثلث الأول منذ غروب الشمس إلى انقضاء الجزء الأول من الثلاثة الأجزاء ، ثم الثلث الوسط الذي هو بذلك المقدار ، ثم الثلث الأخير الذي هو إلى مطلع الفجر ، والله تعالى أعلم .
      [ سؤال أهل الذكر29 رجب 1423 هـ ، الموافق 6 أكتوبر 2002 م].

      السؤال :
      امرأة تصلي في بيتها التراويح مع صلاة إمام المسجد المجاور والذي يفصلها عنه شارع غير معبد ، فما الحكم في ذلك ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر أن المرأة أولاً قبل كل شيء يتسامح في حقها ما لا يتسامح في حق الرجل ، والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه الذي صلى على الحصير الذي اسّود من طول ما لبس خلف رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وصف بجنب الرسول الله صلى الله عليه وسلّم أو صف هو والشيخ أو هو واليتيم كما جاء في الرواية وراء رسول الله صلى الله عليه وسلّم وصفت العجوز ورائهم ، ومعنى ذلك أنها وقفت صفاً وحدها مع أن الرجل لو وقف صفاً وحده لما صحت صلاته كما أكدت ذلك روايات عدة عن النبي صلى الله عليه وسلّم بأنه لا صلاة لمن صلى وقف وحده خلف الصف . فهذا يدل على التسامح في المرأة ولذلك قال من قال من الفقهاء بأن الصفوف لا تلزم النساء ، وهذا دليل التسامح.
      هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن صلاة السنن وصلاة النفل يتسامح فيها أيضاً ما لا يتسامح في صلاة الفرض فلا ينبغي أن يشّدد على المرأة ويقال بعدم جواز فعلها هذا ما دامت هي تقف وراء الإمام ولو كان ذلك مع وجود فاصل بينها وبين المصلين بمقدار الشارع ، والله تعالى أعلم .
      [ سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال :
      هل هذا في النفل قط ؟


      الجواب :
      ينبغي أن يقصر هذا على السنن والنوافل ، يتسامح فيها ذلك ، وإن كنت لم أجد دليلاً يقتضي التشديد علها ولكن ينبغي الأخذ بالاحتياط فيقتصر في هذا على صلاة السنن والنوافل .
      [سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال :
      قلتم سماحة الشيخ : وراء الإمام . ماذا لو كان بيتها أمام الإمام أمام المسجد ؟


      الجواب :
      أما أن يتقدم المأموم الإمام فلا ، هذا التقدم لا يجوز سواء التقدم في المكان أو التقدم في الحركات والسكنات فإن الإمام جعل إماماً ليؤتم به ، ولذلك ليس للمأموم أن يتقدم إمامه لا في حركته ولا في مكانه .
      [سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال:
      إذا كانت في الجنب ، هل يصح ؟


      الجواب :
      في جنب المصلين لا بأس .
      [سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال:
      هل تجوز صلاة التراويح بعد صلاة الوتر ؟


      الجواب :
      كيف تصلى صلاة التراويح بعد صلاة الوتر ؟ مع أن الوتر هي آخر الصلاة .
      من صلى الوتر ونام فله أن يقوم ويصلي بعد ذلك ، وهذه الصلاة تكون صلاة التهجد ، هي صلاة التهجد ولربما سميت صلاة السحر ، هذه الصلاة تكون متأخرة عن صلاة التراويح وهي الصلاة التي تصلى في السحر أو في ما بعد منتصف الليل ، وهذه الصلاة فيها فضل عظيم ، فلئن كان الإنسان حاول النوم ثم بعد ذلك قام فليصل بعد ذلك إن شاء الله .
      [سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال:
      إذا كان الإمام يصلي بالناس ويوجد خلف المسجد ملحق للنساء وتصلي النساء على صوت الإمام عن طريق لاقط الصوت ، وحدث أن سقط لاقط الصوت من الإمام ، فهل يصح للسترة أن يذهب فيضعه على الإمام ، هل يعد هذا مخلاً بالصلاة ، لأن النساء هناك لا يسمعن صوتاً بعد ذلك ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر ينبغي للإمام نفسه أن يحاول بأن يأتي بالأمر فيه مصلحة الصلاة ، فإن رفعه لأجل مصلحة الصلاة فلا حرج في ذلك . وإن تعذر أن يقوم الإمام بذلك فليقم بذلك غيره إن كان ذلك أمراً ضرورياً لأجل مصلحة الصلاة . ويسحب رجليه في ذهابه وإيابه .
      [سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال:
      هذه حدثت وسقط لاقط الصوت من الإمام فبقيت النساء بلا صوت فبعضهن أتممن الصلاة وبعضن توقفن وأعدن الصلاة من جديد فمن منهن الصائب ؟


      الجواب :
      بما أنهن دخلن في الصلاة فإن أتممن الصلاة مع تعذر الإئتمام بالإمام فلا حرج عليهن في ذلك ، ومن أعادت فإنها احتاطت لنفسها ، والله تعالى أعلم .
      [سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال:
      ليلة القدر عندما يقيمها الإنسان هل يقيمها من بداية الليل إلى الفجر أم في أي ساعة من الساعات ؟


      الجواب :
      للإنسان أن يأتي بما استطاع من الطاعات بل ينبغي له ذلك أن يأتي بقدر ما يستطيع من الطاعات ، سواءً كان ذلك تهجداً أو كان ذلك تلاوة لكتاب الله أو كان ذكراً وتسبيحاً لله سبحانه وتعالى فإن ذلك كله مما يضاعف .
      وإنما الصلاة هي الأفضل لاشتمال الصلاة على تلاوة القرآن واشتمالها على التسبيح والذكر ، فالصلاة لا ريب أنها أجمع للخير ، ولكن لو اقتصر على الذكر أو اقتصر على تلاوة القرآن لكان في ذلك كله خير له سواءً كان ذلك في أول الليل أو كان في وسطه أو كان في آخره من حيث إنه يكتب له أجر مضاعف إن كان ذلك في ليلة القدر ، وإن كان ذلك في أخر الليل أفضل لأن وقت السحر وقت مبارك يرفع الله سبحانه وتعالى فيه الدعاء ، ويحقق فيه لعباده الرجاء ، ويغفر فيه للمستغفرين .
      فينبغي للإنسان أن لا يفوته ، ولا يلزمه أن يقوم الليل كله من أوله إلى آخره فإن هذا شيء لا يقدر عليه إلا خاصة الخاصة من المسلمين { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}(الأنعام: من الآية132) .
      فمن قام جزءاً من ليلة القدر ضوعف له الأجر كأنما قام ذلك الجزء في ألف شهر فيما عدا هذه الليلة ، وإن قام جزءاً أكبر من ذلك أيضاً ضوعف له بقدر هذه النسبة ، وهكذا فيما يفعله من الطاعات والتهجد وذكر الله سبحانه وتعالى ، ومن استطاع أن يقوم الليل كله فإن ذلك خير كبير له ، والله تعالى أعلم .
      [سؤال أهل الذكر السبت 24 رمضان 1423 هـ ، 30/11/2002 م]

      السؤال:
      بالنسبة لصلاة التراويح عندما ينتهي من الركعتين الأوليين هل يكبر مباشرة تكبيرة الإحرام للركعتين الأخريات أم يبدأ بالتوجيه ؟


      الجواب :
      من العلماء من يرى الاكتفاء بالتوجيه الأول ، ومنهم من يرى أنه ينبغي أن يأتي بالتوجيه ولو بالاختصار كأن يقتصر على توجيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفي كلا الأمرين خير إن شاء الله ، وهذه المسألة مسألة بسيطة لا ينبغي أن تكون مثار شقاق بين الناس .
      [سؤال أهل الذكر 26 من رمضان 1423 هـ ، 2/12/2002م]

      السؤال :
      من أوتر قبل أن ينام وأراد النوم فلم يستطع فهل يجوز له أن يقوم الليل ؟


      الجواب:
      لا يقوم الليل إلا إن نام ، ولكن إن حاول النوم وتقلب في الفراش ولم ينم ، واجتهد في محاولة النوم ولم ينم فما عليه حرج إن قام الليل ، والله تعالى أعلم
      .[ سؤال أهل الذكر 6 من جمادى الأولى 1424هـ الموافق 6/7/2003م].

      السؤال :
      صلاة التراويح هل هي واجبة على المرأة المسلمة ، وإذا كانت واجبة هل تكون في المسجد ؟


      الجواب :
      هي ليست بواجبة ، إنما هي سنة ، والاجتماع لها من المؤكدات لما في ذلك من الشعيرة ، والمرأة إن صلتها في بيتها كان في ذلك فضل لها ، وإن حضرت في المسجد مع استتارها ومع عدم إصابتها شيئاً من الطيب أو إصابتها شيئاً من البخور ، وكان المكان مكاناً ساتراً ، ولم يكن فيه اختلاط بالرجال فذلك أيضاً خير ، وقد تكون صلاتها في المسجد أفضل عندما تستفيد علماً بحيث يكون هنالك درس تستفيد منه بعد الصلاة فذلك أيضاً فيه خير كثير .
      [سؤال أهل الذكر30 من شعبان 1424 هـ، 26/10/2003م]

      السؤال :
      هل يجوز تأخير صلاة التراويح عن وقت صلاة العشاء ، وما هو وقت التأخير ؟


      الجواب :
      صلاة التراويح هي قيام رمضان ، وقيام رمضان جميع الليل مإنة له ، يمكن أن يؤخر الإنسان قيام رمضان بحيث يصليه في النصف الأخير من الليل ، أو في الثلث الأخير من الليل ، أو يصلي في أول الليل بعد صلاة العشاء . هو مخير إن أراد أن يقدّم أو أراد أن يؤخر ، وإنما صلاة من يصلي تهجداً في آخر الليل أفضل من صلاة من يصلي أول الليل ، وإن كان حضور التراويح في ذلك شعار ، فلا ينبغي ترك ذلك لا سيما وأن الأمة أجمعت عليه من عهد الفاروق بل كان ذلك في عهد الرسول صلى الله عليه وسلّم .
      [سؤال أهل الذكر 4 من شعبان 1425هـ ، 19/9/2004م]
    • الاعتكاف.. من كتاب &quot;المرأة تسأل والمفتي يجيب&quot;

      الاعتكاف:


      السؤال:
      ما معنى الاعتكاف؟ وأين يتم؟ وهل يجوز أثناءه الأكل؟


      الجواب:
      الاعتكاف هو ملازمة المسجد، وهو مأخوذ من عكف بالمكان بمعنى أقام فيه أو عكف على الشيء بمعنى لازمه، والفعل اعتكف يدل على المبالغة لأن أفتعل يأتي بمعنى فعل لأجل تأكيده، ولذلك يقول كثير من علماء العربية بأن زيادة المبني تدل على زيادة المعنى، والاعتكاف الشرعي هو: ملازمة المسجد في وقت محدود ، ويشترط له عندنا وعند جماعة من أصحاب المذاهب الأخرى الصيام، فلا يجوز لأحد ان يعتكف وهو غير صائم، وعلى هذا فإن أقل مدة يجوز فيها الاعتكاف هي قبل طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وإن أراد أن يكمل اليوم كله ، فليدخل قبل غروب الشمس ليواصل اعتكافه إلى ان تغرب الشمس في اليوم التالي ، فيكون قد اعتكف يوماً وليلة، وإن أراد اعتكاف عدة أيام فيدخل قبل غروب الشمس من الليلة التي أراد أن تكون أول اعتكافه، ويستمر بعد ذلك إلى غروب شمس آخر يوم قصد فيه الاعتكاف ، فمن قصد اعتكاف العشر الأواخر تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم فليدخل في معتكفه قبل غروب الشمس من اليوم العشرين ليكون في ليلة الحادي والعشرين ـ التي هي أول ليلة من الليالي العشر الأخيرة من رمضان ـ داخل معتكفه، ويستمر على ذلك إلى أن يرى هلال شوال .
      واستحب بعض العلماء له أن يبقى في معتكفه إلى أن يصلي الفجر صبيحة العيد، والاعتكاف يُباح فيه الأكل لأنه من ضرورات الحياة فلو منع الإنسان أن يأكل في معتكفه، فكيف سيفعل في العشر الأواخر أيبقى طوالها غير آكل لشيء، وهل يستطيع الحياة بذلك؟ ولكن تمنع فيه مواقعة النساء وجميع مقدمات الوقاع كالقبلة ونحوها، فإن كان المعتكف رجلاً فعليه أن يعتزل أهله، وكذلك إن كانت المعتكفة امرأة عليها أن تمنع من الوقاع في خلال هذه الأيام، ومقدمات الوقاع ـ كما قلنا ـ ممنوعة، لئلا تجر إلى الوقوع فيما هو أعظم منها وهو الوقاع، والدليل على حرمة الوقاع قوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (البقرة : 187) ، هذا وقوله سبحانه وتعالى { فِي الْمَسَاجِدِ} دليل على أن المساجد هي أماكن الاعتكاف ، وإنما رخص للمرأة إن كانت لاتجد مكاناً خاصاً لائقاً بها في المسجد تعتكف فيه بعيداً عن الرجال، أن تخصص مكاناً في بيتها من أجل الذكر والصلاة لتعتكف فيه، فيكون ذلك المكان مصلى تصلي وتذكر الله تبارك وتعالى وتتهجد وتتلو كتاب الله فيه، حتى تنتهي الأيام التي نوت اعتكافها. والله تعالى أعلم.


      السؤال:
      ما هو فضل الاعتكاف؟


      الجواب:
      إنّ النّفس البشرية وهي تواجِهُ هذه الحياة ومشكِلاتها وتَحدِّياتها وتَخوضُ غِمارَها وتتلطَّخ بِأدْرانها جَديرة بِأن تَحرِص على الانغماس في أنهار الطُّهر حتى تَخرُج من هذا العالَم وما فيه من التّناقضات إلى عالَم آخر مليءٍ بِالأنوار الربانية وبِالإشراقات الروحانية، ولذلك شرع الله سبحانه وتعالى عبادات تَجعل الإنسان موصولا بِربه، إذ يَتركُ وراءَ ظهرِه همومَ هذه الدنيا وأوزارَها، ولا ريب أنّ الإنسانَ كلَّما كان أكثرَ حِرصا على الاتصال بِالعالَم الأخروي وعلى الصِّلة بِربه سبحانه وتعالى كان ذلك أدعى إلى رسوخِ إيمانه وقُوَّةِ يَقينه وتَوقُّدِ عزيمته، وقُوَّةِ مَلَكَاته التي يُواجِه بها تَحدِّيات هذه الحياة، فلِذلك جعل الله سبحانه وتعالى أوقاتا يُقَضِّيها الإنسان جميعا في عبادة الله تعالى وذِكْرِه، بِحيث يَتجرَّد فيها عن هموم هذه الدنيا وتَبِعاتِها ويَشتغِل بِذِكْر ربه سبحانه وتعالى وبِذِكْر الدار الآخرة، لِيكون ذلك تَخليصاً له من هذه التبِعات الدنيوية، ولِيكون له في ذلك تزيد من الزّاد الأخروي الذي يَتزوَّده لِلقاء ربه سبحانه وتعالى ، وهو زاد التقوى، الذي يقول فيه الحقّ سبحانه وتعالى {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}(البقرة: من الآية197) مِن أجل ذلك شُرِعَ الاعتكاف، والاعتكاف لا يَنحصِر في وقت معيّن كشهر رمضان وحده، وكالعشْرِ الأواخر من شهر رمضان، ولكنّ العشْرَ الأواخر بِما أنها مَظِنَّة لليلةِ القدر هي أوْلى بِأن يَحرِص فيها الإنسان المسلم على الاعتكاف، لأنّ خيرَها خيرٌ عظيم، فهي خيرٌ من ألفِ شهر، مَن حُرِم خيرَها فَقَد حُرِم، فالإنسان الذي تَمرّ عليه هذه الليلة المباركة وهو متجَرِّد مِن هموم الدنيا، مقبِلٌ على الله سبحانه وتعالى بِقلبه وقالَبه، بِجسمه وروحه، بِعقله وفكره، بِضميره وغرائزه، بِكلِّ ما احتواه كِيانه لا ريب أنّ يَكون رابِحا خيرَ هذه الليلة أكثرَ مِن غيره، وهذا التجرد إنما يَكون بِالاعتكاف في مساجد الله تعالى التي هي بيوته في أرضه مُتَنَزَّل رَحماته، والأفقُ الذي يُشرِق مِنه نورُه، هذا الاعتكاف يُؤدّي بِالإنسان إلى أن يَكون قوي الصِّلة بِالله سبحانه وتعالى أكثرَ فأكثر، ولِذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على الاعتكاف في جميع سِنِي عُمُرِه بعدما فُرِض عليه صيام شهر رمضان، ومن المعلوم أنّ ليلة القدر هي في تَضاعيف ليالي الشهر الكريم، ولكنّ الله تعالى أخفاها لِحكمة بَالغة، وذلك لِيَشتغل الإنسان بِالعبادة في جميع ليالي الشهر حتى يَربَح خيرَ ، فإنه لو كان عارِفاً بهذه الليلةِ أيُّ ليلةٍ هي مِن ليالي الشهر لأدى به ذلك إلى التقاعس عن القيام بِالعبادة في سائر الليالي، فلذلك جعل الله سبحانه وتعالى إخفاءها أمراً فيه رحمة بِالعباد، كما أُخفِيَت ساعة الإجابة من يوم الجمعة، والصلاة الوسطى من بين الصلوات الخمس، والنبي صلى الله عليه وسلم في بادئ الأمر يَعتكِف - كما جاء عنه - في العشْر الأولى، فأتاه جبريل فأخبره: " إنّ الذي تَطلبُ أمامَك " فاعتكف العشر الوسطى، ثم أتاه جبريل وقال له: " إنّ الذي تَطلبُ أمامَك " فاعتكف العشْر الأخيرة، وظلّ يَعتكِف العشْرَ الأواخر حرصاً على هذا الخير العظيم، وتَحسُّبا لِهذه الليلة المباركة التي هي خير من ألفِ شهر ، ومما يَنبغي أن يَدورَ بِبال كلِّ أحد أنّ الاعتكافَ لا يَعني البقاء في المسجد فحسب، إذ البقاء في المسجد وحده من غير أن يكون الإنسان موصولاً بربه سبحانه وتعالى لا قيمة له، وكثير مِن الناس قَد يَأتون إلى المساجد ويَبقَون فيها أوقاتاً ولكنهم يُفَوِّتُون أجورهم، وذلك لأنهم يَشغَلون أوقاتهم بِذِكْر الدنيا وأمورها، ويُحَوِّلُون أسواق الدنيا إلى المساجد، مع أنّ المساجد إنما هي أسواقُ البضاعةِ الأخروية، وليست أسواقا البضاعة الدنيوية، فالإنسان إن كان معتكِفاً في المسجد وهو يَقضي سحابةَ نهارِه في الَتحدَّث بِأمور الدنيا والاَشتغال بِبعض القضايا التي ربما أدّت به إلى الوقوع في المعاصي فذلك لا ريب أنه يُحبِط أجرَ اعتكافه، بل يَعود بِالأوزار بَدلاً مِن أن يَعود بِالأجور، وهذا أمر فيه خطر عظيم، فلذلك نحن نوصي إخوانَنا الذين يَقضُون أوقاتهم في الاعتكاف أن يَحرِصوا على أن يَقضُوها في ذكر الله سبحانه وتعالى ، بِحيث يَكونون بين صلاةٍ وتلاوةٍ لِلقرآن ودعاءٍ وابتهالٍ إلى الله وتَعلُّمٍ للعلم النافع وتَعليمه ،فإن ذلك مِن القُرُبات التي تَرفَع منزلةَ الإنسان.


      السؤال:
      كم أقل مدة للاعتكاف؟


      الجواب:
      القول الذي نأخذ به أنّ أقلّ موعد لِلاعتكاف هو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نظراً إلى أنّ الاعتكاف لابد فيه من الصيام على القول الصحيح عندنا ، وهو قول جماعة من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى، ولما كان لابد فيه من الصيام فأقلُّه وقتٌ يَكون فيه الإنسان صائماً من أوّله إلى آخره وذلك لا يتأتى في أقل من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فيَدخل معتكَفه قبل انشقاق الفجر ويَخرج من معتكَفه بعد غروب الشمس.


      السؤال:
      يود بعض المعتكفين أن يستحم وأن يغتسل في ملاحق المسجد فهل يخرج ليغتسل غير الاغتسال الواجب في الملاحق هذه؟ وكيف إذا ما أراد أن يتسوك؟


      الجواب:
      إذا كان هذا الاغتسال لأجل النظافة التي لابد منها فلا حرج في ذلك، لأنّ الإنسان مطالَب بِأن يَتنظَّف ، فعندما يَخرج لقضاء حاجته يَغتسل في ذلك الوقت بحيث يَستنجي ثم يَغتسِل ويَعود، وهكذا السواك، لأنّ السِّواك سنّة.


      السؤال:
      إنسان نوى أن يعتكف خمسة أيام ثم بدا له بعد ثلاثة أيام أن يقطع الاعتكاف لينصرف في عمل ضروري، فهل يجوز له ذلك؟


      الجواب:
      أما العمل الضروري فإنه يقطع اعتكافه من أجله ، واختلف العلماء في وجوب قضاء الاعتكاف فقيل يجب عليه أن يقضي ما تبقى من أيامه وقيل : لا يلزمه القضاء، ونحن نختار له أن يأخذ بالأحوط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في شهر شوال اعتكافه الذي فاته في شهر رمضان.


      السؤال:
      هل هنالك ضرورات تبيح للمعتكف أن يخرج من معتكفه؟


      الجواب:
      نعم، والضرورة التي لا خلاف فيها حاجة الإنسان، وأما ما عداها فالناس مختلفون فيه بين التوسيع والتضييق، وروي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بأنه خرج من معتكفه لأجل قضاء حاجة أحد إخوانه من المسلمين.


      السؤال:
      ما هي مفسدات الاعتكاف؟


      الجواب:
      الاعتكافُ يُفسِده الوطْء، وقد قال العلماء بِأنه تَجب الكفارة إن وَطِئ في اعتكافه ولو ليلاً، كما تَجب الكفارة إن وَطِئ في نهار رمضان، لأنّ الله تعالى شدَّد في ذلك في القرآن حيث قال : { وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}(البقرة: من الآية187) ، وكذلك عندما يخرج الإنسان من اعتكافه لغير داع ولا ضرورة تُلجئه إلى الخروج يكون بذلك قد أفسد اعتكافه.


      السؤال:
      هل هناك صفة معينة للمسجد الذي يعتكف فيه الإنسان؟


      الجواب:
      المسجد الذي يَعتكِف فيه المعتكِف هو المسجد الذي تُقام فيه الصلوات الخمس في جماعة، أما إذا كان المسجد لا تُقام فيه صلاة الجماعة فهذا يُؤدِّي إلى أن يَلزَم المعتكِف فيه أن يَخرج، ولا يَنبغي له أن يَخرج ، لأن هذا يَتنافى مع الاعتكَاف، فلِذلك لابد مِن أن يَكون المسجد الذي يَعتكِف فيه المعتكِف تُقام فيه صلاة الجماعة، وإن كان تُقام فيه صلاة الجمعة فذلك أفضل وأفضل، حتى لا يَخرج لأداء صلاة الجمعة إلى خارج المسجد، ولكن لا يُمنَع إن كان المسجد الذي اعتكَف فيه لا تُقام فيه صلاة الجمعة، بِحيث لم يَتيسَّر له الاعتكاف في الجامع أن يَعتكِف حيث تُقام الصلوات الخمس وإذا جاء وقت صلاة الجمعة خرج إليها وبعد أداء فرضه عاد إلى معتكَفه.


      السؤال:
      كيف يقسم المعتكف وقته في المسجد؟


      الجواب:
      يكون المعتكف بيْن صلاةٍ وذِكْرٍ لله تبارك وتعالى وتلاوةٍ لِكتابه ودراسةٍ لِلعلم وتدريسٍ له، وهذا لا يَمنع أن يأخذ قِسْطا مِن الراحة، فإنّ الإنسان يُطالَب أن يُريح جسمه، فللجسم حقّ عليه، ومِن حقّه أن يُريحه بالنوم، إذ لو أرهَق نفسه بِحيث قَضَّى وقته كلَّه في العبادة مِن غير ينام ولا قليلا لأدّى ذلك إلى أن يَنقطِع بِه السير، والمنْبَت لا أرضاً قَطَع ولا ظَهْراً أبقى، لأنه لا يَصِل إلى مكان وإنما يُرهِق نفسه التي هي بِمثابة مَطِيته، ولذلك يَنبغي لِلمعتكِف الذي يَعتكِف في شهر رمضان المبارَك أن يَأخذ قِسْطاً من الراحة بِحيث ينام في أوائل الليل بعد صلاة التراويح لِيَستعدَّ لِلتهجد، فإنّ صلاة التهجد صلاة حَرِية بِأن يُحافَظَ عليها، وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: قال: "والتي ينامون عنها هي أفضل" يعني أن صلاة التهجد أفضل من صلاة التراويح لأنّ فيها مشقّة ولأنها تُصادِف الثلثَ الأخير من الليل، الذي هو مَظنَّة استجابة الدعاء ورفع الدرجات وتحقيق الأمنيات، وقد أثنى الله تعالى على المستغفِرين بِالأسحار، وبعد صلاة الفجر يَنبغي له أن يَتلو ما تَيسّر مِن كتاب الله ، فإذا جاء وقتُ الضحى صلى صلاة الضحى، ثم بَعد ذلك لا حرج عليه في قراءة كتبِ العلم ككتبِ الفقه، والتفسير، والحديث ، حتى ولو اشتغَل بِتأليف شيءٍ مِن الكتب وهو في معتكَفه فإن ذلك لا يَتنافى مع اعتكافه، لأنّ هذا الاشتِغالَ نفسَه عبادة وقُرْبَة إلى الله تعالى، وكذا لو كان يُجيب على الفتاوى وهو في معتكَفه ، أو كان قاضياً وارتفع إليه الخصوم وهو في معتكَفه فإنه يَفصِل ما بينهم، لأنّ ذلك مِن القُرُبات إلى الله تعالى، إذ إيصال ذي الحق إلى حقِّه مِن القُرُبات التي تُقَرِّب الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى، ويأخذ في النهار أيضاً قِسْطا مِن الرّاحة بِقدر ما يُرِيح جسدَه، كما يُحافِظ على الدعاء أدبارَ الصلوات، وفي وقتِ السَّحَر وفي الأوقاتِ التي هي مَظنَّة الإجابة، كآخر ساعة مِن يوم الجمعة، فإنّ في يوم الجمعة ساعة يُستجاب فيها الدعاء، والعلماء مختلِفون فيها إلى نحو خمسين قولاً، ولعلّ أكثرَهم يُرجِّح أنها آخرُ ساعة، وهذا من باب الترجيح فحسبُ، إذ لا دليلَ يَقطَع بِذلك، لأنها أُخفِيَتْ ،وكذلك إن كان المعتكِف عنده قدرة على تعليم العلم النافع وتوجيهِ الناس إلى الخير فإن ذلك مما يُطلَب مِنه، ومِمّا يُعدُّ مِن القُرُبات التي تُقَرِّبُه إلى الله ، ويجب عليه أن يَتجنَّب إقحامَ أمور الدنيا في إهتماماته وهو في معتكَفه، فإنّ ذلك يُؤدِّي بِه إلى أن يَقع في المحظور، وإلى أن يَخسَر أكثرَ مِمّا يَربَح، أو ألاّ يَعودَ بِشيءٍ مِن الربح فلا يُوازِي ربحه خسارتَه؛ والله المستعان.


      السؤال :
      كيف يكون اعتكاف المرأة ؟


      الجواب:
      نساءُ النبي صلى الله عليه وسلم كُنَّ يَعتكِفن في مسجده صلى الله عليه وسلم ، وكن يَنصِبْن خِيَامًا فيه مِن أجل الاعتكَاف ، وبإمكان المرأة الآن أن تعتكف في المساجد التي فيها أماكن مخصصة للنساء.


      السؤال :
      كيف وأين يكون اعتكاف المرأة؟


      الجواب:
      الأصل في الاعتكاف أن يكون في المسجد، فإن كان في المسجد قسم مخصص للنساء فليكن اعتكافها في ذلك القسم، وإن لم يتيسر لها ذلك فلا حرج أن تعتكف في مكان تخصصه في بيتها كغرفة تكون خاصة من أجل قيامها بذكر الله تبارك وتعالى فيها وقيامها بتلاوة كتابه والتقرب إلى الله تعالى بالصلوات وغيرها. والله تعالى أعلم.


      السؤال:
      إذا اعتكفت المرأة في بيتها ولكنها تضطر إلى إعداد الطعام لزوجها وأبنائها ، فهل يؤثر ذلك على اعتكافها؟


      الجواب:
      إن تعذر أن يُوجد من يقوم بهذا العمل الذي لا مناص عنه فإنه يُتسامح فيه، أما إن وجد غيرها ليقوم به فإنها يلزمها أن تلنزم معتكفها وأن لا تخرج عنه.


      السؤال :
      كيف تعتكف طالبة العلم ، وهل لها أن تذهب للدراسة ثم تعود لتعتكف في بيتها؟


      الجواب:
      ذهب أكثر العلماء إلى أن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا للضرورة، وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم عندما يعتكف لا يخرج إلا لحاجته الضرورية ، ومن العلماء من ترخص فبعضهم ترخص في تشييع الجنائز إذا كانت جنازة يتولى المعتكف تشييعها ومنهم من ترخص أيضاً في عيادة المرضى، ومنهم من ترخص في غير ذلك من الأمور، فعلى رأي المرخصين فإن للإنسان أن يخرج من معتكفه لما لابد له منه ، ومن بين ذلك ما إذا كان يخرج لطلب علم هو بحاجة إليه على أن يرجع فوراً إلى معتكفه بعد ذلك، أما المتشددون فيمنعون من ذلك، وهؤلاء آخذون بالأحوط ، لأن هذا هو مسلك الرسول صلى الله عليه وسلم ـ وإن لم يصرح بمنع الخروج لغير ذلك ـ ، وهديه فيه تعليم لأمته ما يفعلونه في عبادتهم التي وردت الأدلة فيها بطريقة إجمالية ، ومن ناحية أخرى فإن الاعتكاف هو افتعال من عكف على وزن فعل وافتعل يأتي بمعنى فعل لأجل تأكيد مضمونه ، والعكوف ملازمته ، فعكف على هذا الشيء بمعنى لازمه، واعتكف بمعنى بالغ في ملازمة الشيء بحيث صار أبلغ في الملازمة ، فمعنى الاعتكاف بموجب دلالة هذه الكلمة نفسها أن يكون الإنسان ملازماً لمسجده ، وإذا كانت المرأة تعتكف في بيتها فإنها تكون ملازمة لذلك البيت . والله تعالى أعلم.


      السؤال:
      هل هناك من بأس في استعمال الهاتف النقال في المسجد وخاصة بالنسبة للمعتكف حيث سمعنا أن الاتصال عبارة عن معاملة بين المتصل والشركة ، وهل يؤثر على الاعتكاف خاصة أن من يستعمله يرغب بالاتصال بأهله لطلب الطعام وغيره من الطلبات التي قد يحتاجها الإنسان في حالة اعتكافه أو وجوه في المسجد؟


      الجواب:
      قبل الإجابة على هذا السؤال أنا أريد أن أنبه على ما يجب من احترام المسجد، فمما يؤسف له أننا كثيراً ما نكون صافين في الصلاة متوجهين إلى الله تعالى وإذا بهذه الهواتف النقالة تزعجنا من هنا وهناك وكأننا في مكان فيه ضوضاء وجلبة ، وبعض هذه الهواتف فيها أصوات موسيقية كأنما في حلبة موسيقية نسمع فيها الكثير من الأصوات الصاخبة، هذا أمر يزعج المصلين ولا ينبغي أن يفعله الناس .
      ما لهؤلاء الذين يأتون إلى بيوت الله سبحانه يأتون بهذه الهواتف النقالة وهي مفتوحة ويتركونها كذلك لتزعج الناس وتشغلهم عن الصلاة مع أن في الصلاة شغلاً ، فإن صلاة الإنسان تعني إقبال العبد على ربه وتركه هموم الدنيا وجميع مشاغل النفس ، ولكن مع الأسف الشديد هؤلاء الذين لا يقدّرون للصلاة قيمتها ، ولا يعرفون منزلتها عند الله سبحانه وتعالى لا يبالون بهذا ، وهذا أمر يجب أن يتنبهوا له ، وأما إن كان مجرد طلب حاجة من غير أن يترك الهاتف شغّالاً ليزعج الناس في المسجد فلا مانع منه، وأما أن يعقد الصفقات مع هذا أو هذا وهو في المسجد فلذلك غير جائز ، وإنما يتحدث في الهاتف في غير أوقات الصلاة بقدر ضرورته فحسب ، والضرورة تقدر بقدرها.


      المرجع : المرأة تسأل والمفتي يجيب، إعداد وترتيب : بدرية بنت حمد الشقصية ج1 ص 288 ـ 296
    • ليلة القدر.. من كتاب &quot;المرأة تسأل والمفتي يجيب&quot;

      ليلة القدر:

      السؤال :
      سماحة الشيخ : هل يمكن أن تبينوا لنا فضل ليلة القدر ، ومتى يمكن للمسلم أن يتحراها؟


      الجواب:
      إنّ الله سبحانه وتعالى يرفع درجات من يشاء، ويفضل ما يشاء على ما يشاء، فهو يفضل الناس بعضهم على بعض، ويفضل الرسل الذين هم صفوة الناس وخاصتهم بعضهم على بعض كما نص على ذلك القرآن الكريم مع أنهم جميعاً مصطفون أخيار بلغوا من درجة الكمال البشري ما لم يبلغه غيرهم، وكذلك فضل الله سبحانه وتعالى بعض الأمكنة على بعض كما هو واضح في تفضيله حرمه الآمن، وتفضيله المكان الذي بارك حوله وهو المسجد الأقصى وما حوله، وهذا مما دل عليه القرآن الكريم ، كذلك فضل الله بعض الأزمنة على بعض ، وقد يكون المفضل على غيره منه ما هو أفضل من غيره ، فشهر رمضان كله شهر فضيل لأجل ما جعله الله سبحانه وتعالى فيه من البركة والخير، كما ينبئ بذلك قوله سبحانه : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة : 185) ، ولكن ليلة القدر هي مفضلة على سائر ليالي الشهر ولذلك بلغت من كمال الفضل ـ وهي كمال المخلوقات ـ ما لم تبلغه ليلة أخرى ولا زمان آخر ، وناهيكم أن الله سبحانه وتعالى سماها ليلة القدر وسماها ليلة مباركة ، فقد قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} (الدخان:3-5) ، وتسميتُها بِليلةِ القدْر يوحي بمكانتها وعظمتها ، فإن القدر هو الشأن ، في شأنها عظيم وسأوها جليل لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى . وقد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة باسرها تدل على فضلها وميزتها وشرف وعلو شأنها ن يقول سبحانه : { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (سورة القدر: 1 ـ 5) ، فقد جعلها الله سبحانه وتعالى خيراً من ألف شهر من الشهور التي ليست فيها ليلة القدر ، فمن يعمل الصالحات في هذه الليلة ويجتهد بالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى يكون قد أحرز من الفضل مثل ما يحرزه لو عمل ذلك في كل ليلة من ليالي ألف شهر ، وهذا فضل عظيم لا يزهد فيه من عنده مثقال ذرة من عقل، وهذه الليلة أخفاها الله تعالى في تضاعيف هذا الشهر الكريم كما أخفى الله سبحانه وتعالى ساعة الإجابة من يوم الجمعة ، وذلك من أجل أن يجتهد الإنسان في الدعاء في جميع ساعات يوم الجمعة ، وكذلك أخفى الله سبحانه وتعالى كثيراً من الأشياء عن عباده لآجل أن يجتهدوا ، ومن ذلك أن الإنسان لا يدري متى يموت ، لأجل أن يكون في كل لحظة من لحظات العمر متهيئاً للقاء الله موطناً نفسه للانتقال من هذه الدار الفانية إلى الدار الآخرة الباقية ، وكذلك قيام الساعة أمر لا يعلمه إلا الله ، فكذلك ليلة القدر هي إحدى ليالي الشهر الكريم، أخفيت حتى لا يتكل الناس عندما يعرفونها فيعملوا الخير فيها وحدها ويدعوا عمل الخير في سائر الشهر، بل هم مطالبون بأن يتسابقوا إلى الخير في هذا الشهر الكريم ، وأن يضاعفوا جهودهم فيه أكثر مما كانوا يفعلون في غيره . فالنبي صلى الله عليه وسلم أُريها، ولكن خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرفعت ـ أي رفع علمها عنه صلى الله عليه وسلم ـ فلذلك قال على أثر ذلك : <<فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر>>. فهي تلتمس في العشر الأواخر لا سيما الليالي الأوتار ، وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين ، وقد شاع عند عوام الناس وجهلتهم أن في هذه الليلة أشياء تبدو للناس فيترآءونها بحيث تنقلب الأحوال رأساً على عقب، وقد تصور بعض العوام والجهلة أن الأشجار تتحول في هذه الليلة المباركة عن طبيعتها ويرى الناس ذلكن كذلك تصوروا أن كثيراً من الأشياء تنقلب عن سننها المعهودة ، وتصوروا أن هذه الليلة عندما يكاشف الإنسان بها فإنن كل ما يريده أو يخطر على باله يتحقق له وهذا ليس صحيحاً وإنما فضل هذه الليلة لما ذكره الله سبحانه وتعالى مما أودعه فيها من البركة حتى كان قيامها بمثابة قيام ألف شهر من سائر الليالي، فلو كانت هناك علامات ظاهرة كما يقولون لما خفيت تلكم العلامات عمن يقومون ليالي الشهر الكريم جميعاً، فهذه إشاعات لا أساس لها من الصحة ، ولربما ظهر لبعض الناس بعض الأشياء كظهور الأنوار بسبب كثرة الملائكة الذين ينزلون فيها ، وهذا أمر لا يكاشف به كل أحد، وإنما على الإنسان أن يحرص على اكتساب خيرها بغض النظر عن ظهور هذه الظواهر وعدمه، وذلك بأن يحييها بالتهجد وذكر الله واستغفاره والتبتل إليه سبحانه وتكرار الدعاء الذي علمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ عندما سألته ماذا تصنع عندما ترى هذه الليلة فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقول: << اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني>> . والتبي صلى الله عليه وسلم من أجل أن هذه الليلة هي إحدى ليالي العشر الأواخر من الشهر المبارك ، كان يحرص على مضاعفة جهده في التهجد في العشر الأواخر ، فكان يعتكف فيها وكان إذا دخلت شد مئزره وأيقظ أهله وأحيى ليله، ومعنى شد مئزره أنه كان يشمر عن ساعد الجد في العمل، لأن شد المئزر يكون عندما يُقبل الإنسان على عمل شاق، ومنهم من حمل شده مئزره على اجتنابه النساء فهو لا يواقع نساءه بسبب إخلاده إلى الاعتكاف ، ومعنى إيقاظه أهله أنه كان يدعوهم إلى التهجد فيأمرهم ألا يناموا إلا بقدر ما يضطرون إلى النوم لأجل أن يشاركوا في الخير ولينالوا من ربحه العظيم ، ومعنى كونه صلى الله عليه وسلم يحيي ليله أنه يقضي ليله تهجداً بحيث يطوي فراشه في الليالي العشر حرصاً على اكتساب هذا الخير العظيم ، فهكذا ينبغي للناس.
      هذا وقد اختلف العلماء في ليلة القدر على نحو أربعة وأربعين قولاً، وهذه الأقوال كثير منها لا دليل عليه، فمنهم من قال بأنها ليست من ليالي رمضان رأساً وإنما هي ليلة في سائر ليالي العام، وهذا قول بعيد عن الصواب، لأن الله تعالى قال: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر: 1) مع قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: من الآية185) إلا أن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي قالوا إن معنى نزول القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم نزول بيان فضله وميزته ومكانته إلا أن هذا القول بعيد عن التحقيق، ومنهم من قال الثانية ومنهم من قال الثالثة وهكذا، ومنهم من قال في الوسط ومنهم من قال ليلة السابع عشر، ومنهم من قال ليلة السادس عشر، وهذه الأقوال لا تتفق مع ما دل عليه الحديث الصحيح إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنها إحدى الليالي العشر الأواخر والله تعالى أعلم.


      السؤال :
      إذا أخذنا بلفظة الحديث: << فالتمسوها >>، هل يدلّ هذا أنّ لِليلة القَدْر علامات معيّنة يستطيع أن يَتعرّف عليها الإنسان؟


      الجواب:
      هذه القضية فيها كلام لأهل العلم ، فأهل التحقيق مِن المفسِّرين يقولون بأنّ هذه الليلة لو كانت لها مميِّزات مادية معروفة لكانت معروفة للناس الذين يَسهرون ليالي رمضان ولا ينامون بحيث يمكنهم أن يُشاهِدوا ما قيل بِأنه يَتجلّى فيها وما يَحدُث فيها مِن الأمور الخارِقة للعادات ، وهذا أمر غير معهود، ولو كان ذلك لاشتهر ذلك اشتهاراً عظيماً ولَتبيّن للخاص والعام بحيث تتناقله الألسن جيلاً بعد جيل مع تظافر الدلائل التي تدلّ عليه، ولكن أنّى ذلك وهذا لم يَحصل ، ومن الباب قول عوام الناس بأنه تَحدُث أمور خارقة للعادات وتنقلب فيها الأمور رأسا على عَقِب ويُشاهِد الإنسان فيها الكثير من المشاهد العجيبة وكل ذكر غير صحيح ، ومِن العلماء مَن يَستنِد إلى رواية رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّ ميزة هذه الليلة بأنها ليلة غيرُ ذاتِ قَرٍّ ولا ذاتِ حَرٍّ .. أي إن إذا كانت في الليالي الشاتِيَة فهي ليست شديدة البرودة وإنما بَرْدُها معتدِل، وإن كانت في الليالي الصائِفَة فهي غير شديدة الحرارة وإنما يكون جوها معتدِلاً، كما جاء في الحديث أنّ شمسَ غُدْوَتِها تَطْلُع وهي ذاتَ شُعاع، والحديث السابق قال العلماء: إن إسناده لا يَصح ، ومن المعلوم أن هذه الأمور تعود إلى الاعتقاد فلذلك لا يجزم فيها إلا بالدليل القطعي، لأن الجزم لا يكون بالظني فضلاً عن كون الدليل الظني ضعيفاً، ولكن هذا لا يمنع أن يكرم الله سبحانه وتعالى بعض عباده بأن يرفع عنهم الحجاب فيروا بأبصارهم أنواراً أو يشاهدوا ببصيرتهم مشاهدات تدل أو ترجح أن هذه الليلة هي ليلة القدر ، ولكن هذا إن وقع يقع للآحاد من الناس ولا يقع لكل أحد ، ولما كان هذا الحديث للآحاد من الناس فلذلك لا يمكن أن يستند إليه بحيث يكون قطعياً يؤخذ به عند الجميع، وإنما يحمل قول النبي صلى الله عليه وسلم :<<فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر>> على معنى التماس أجرها وبرها وخيرها وفضلها. والله أعلم.


      السؤال :
      ليلة القدر عندما يقيمها الإنسان هل يقيمها من بداية الليل إلى الفجر أم في أي ساعة من الساعات؟


      الجواب:
      للإنسان أن يأتي بما استطاع فيها من الطاعات، وذلك مما ينبغي له، سواءً كان ذلك تهجداً أو تلاوة لكتاب الله أو ذكراً وتسبيحاً لله سبحانه وتعالى، فإن ذلك كله مما يضاعف ، وإنما الصلاة هي الأفضل، لاشتمال الصلاة على تلاوة القرآن وعلى التسبيح والذكر ، ولكن لو اقتصر على الذكر أو على تلاوة القرآن لكان في ذلك كله خير له، سواءً كان ذلك في أول الليل أو في وسطه أو في آخره، فإنه يكتب له أجر مضاعف إن كان ذلك في ليلة القدر ، إلا أن أخر الليل أفضل لأن وقت السحر وقت مبارك يرفع الله سبحانه وتعالى فيه الدعاء ، ويحقق فيه لعباده الرجاء ، ويغفر فيه للمستغفرين ، فينبغي للإنسان أن لا يفوته ، ولا يلزمه أن يقوم الليل كله من أوله إلى آخره فإن هذا شيء لا يقدر عليه إلا خاصة الخاصة من المسلمين { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}(الأنعام: من الآية132) ، فمن قام جزءاً من ليلة القدر ضوعف له الأجر كأنما قام ذلك الجزء في ألف شهر فيما عدا هذه الليلة ، وإن قام جزءاً أكبر من ذلك ضوعف له بقدر هذه النسبة ، وهكذا فيما يفعله من الطاعات والتهجد وذكر الله سبحانه وتعالى ، ومن استطاع أن يقوم الليل كله فإن ذلك خير كبير له ، والله تعالى أعلم.


      السؤال :
      هل هناك شروط يجب أن تكون في الشخص حتى يكون مؤهلاً لرؤية ليلة القدر؟


      الجواب:
      ليلة القدر لا تحتاج إلى رؤية، إنما هي ليلة يعيشها الإنسان، فإذا كان الإنسان متقياً لربه سبحانه وتعالى قائماً ليله داعياً الله حريصاً على طاعته أحرز فضل ليلة القدر وناله ، وكل عمل خير يعمله الإنسان في هذه الليلة المباركة يضاعف له، حتى أن من صلى العشاء والغداة في جماعة في هذه الليلة المباركة يكون ذلك من الفضل العظيم الذي يكتب له لأن الأجر فيها ـ كما قلنا ـ يضاعف أكثر مما يضاعف في غيرها.


      السؤال :
      السائل يريدكم أن تحصروا هذه الليلة (ليلة القدر) في أقرب ليلتين يمكن للإنسان أن يتحراهما ، وهل هناك دلالات معينة؟


      الجواب:
      ليلة القدر كما فهمنا من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي إحدى الليالي الأوتار في العشر الأواخر من شهر رمضان، لأنه صلى الله عليه وسلّم قال : <<التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر>> ، واختلف العلماء كثيراً في تعيينها هل هي ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين ـ وهو الذي شاع عند كثير من الناس حتى صاروا كأنهم يقطعون به ـ أو ليلة التاسع والعشرين، ولم نجد دليلاً يمكن أن يعول عليه في ترجيح كونها إحدى هذه الليالي إلا ما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلّم رأى أنه في غدوتها يسجد على ماء وطين ، ولما كانت ليلة الحادي والعشرين نزلت السماء فوكف مسجده صلى الله عليه وسلّم أي نزل ماء الغيث من سقف مسجده صلى الله عليه وسلّم إلى الأرض ، فسجد النبي صلى الله عليه وسلّم على الماء والطين ، وأبصر بعض الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ أثر الماء والطين على جبهة النبي صلى الله عليه وسلّم وأنفه ، فهذا ربما يترجح به أن هذه الليلة هي ليلة الحادي والعشرين ، هذا من باب الظن فقط، مع احتمال أن تكون هذه الليلة تنتقل ما بين عام وعام آخر بحيث تكون في هذا العام ليلة الحادي والعشرين وفي العام الآخر ليلة الثالث والعشرين كما قال بذلك كثير من أهل العلم، وهذا أمر محتمل وليس ببعيد ، والله تعالى أعلم.


      السؤال:
      ليلة القدر تكون في ليلة واحدة يتحراها المسلم فيها، لكننا نحن مثلاً تأخرنا عن البلدان الأخرى يوماً وتأخرنا عن البلدان الأخرى يومين في هذه الحالة إذا كانت في ليلة الحادي والعشرين هل تتكرر معنا ومعهم ، أم كيف يكون حالها؟


      الجواب:
      الاختلاف قد يكون بسبب اختلاف المطالع ، وقد يكون بسبب الغيم . وليلة القدر ليلة واحدة وهي تسير مع سير الليل ، فالليل يبدأ من المشرق وينتهي إلى المغرب ، والليلة تبدأ من المشرق وتنتهي إلى المغرب ، ففي كل منطقة من هذه المناطق تستمر هذه الليلة إلى مطلع الفجر ، أما كونها من الليالي الأوتار فقد يكون ذلك حكماً أغلبياً ، وقد يكون ذلك حكماً باعتبار أوسط المناطق ، والله تعالى أعلم



      السؤال :
      هل تختص ليلة القدر في أيام معينة فقط كيوم الجمعة أو الخميس؟


      الجواب:
      لا، لأنّ الحديث قال: <<التمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر >>، ولم يُشِر الحديث الشريف إلى أنّها تكون في ليلة جمعة أو في ليلة خميس أو في ليلة الاثنين، وإنما أشار إلى أنها في أوتار العَشْر الأواخر، ولذلك لا تنحصِر في يوم معيّن مِن أيام الأسبوع.


      السؤال:
      هل هناك عبادات معينة أو أدعية يحاول أن يمارسها الإنسان تحرياً لهذه الليلة؟


      الجواب:
      الإنسان يُؤمَر أن يُسارِع إلى الطاعات والخير والبِرِّ، ومِن الطاعات التي يُسارِع إليها قيام هذه الليالي العشْر، والنبي صلى الله عليه وسلّم كان إذا دخلت العشْر شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَيْقَظَ أَهْلَهُ وأَحْيَى لَيْلَهُ، ووشد المئزر كناية عن مقابلتِه الأمر بِعزْم شديد وبِعزيمة متوقِّدة، فإنّ مِن شأن الإنسان إذا أقبل على شيء بِعزيمة وكان أمراً عظيماً أن يَشُدَّ له مِئْزَرَهُ؛ وقيل ذلك كناية عن اعتزالِه النساء بِحيث لا يَميل إلى شهوة الدنيا، وإنما كان يقضي هذه الليالي في العبادة فحسب وكان يُحيِي جميع هذه الليالي بالقيام في رمضان أما في غيرها فقد كان يقوم وينام ، وهكذا ينبغي لِلإنسان أن يَجتَهِد بِقدْر مستطاعِه ولا يعني ذلك أنّ الناس جميعاً مطالَبون بِأن يَفعلوا ذلك، إذ هذه الأمور هي بِحسب طاقات الناس ومواهبهم، ولكن على المسلم أن لا يُفَوِّتَ الفرصة بِقدْر مستطاعِه ، أما ما يُمكِن أن يَدعُوَ به فإنّ كل دعاءٍ خير مطلوب، ما لم يَدْعُ بِقطيعة رحِم أو إثم، إلا أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم عندما سألته السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ بماذا تدعو وماذا تقول؟ علّمها النبي صلى الله عليه وسلّم أن تقول : << اللهم إنك عَفُوٌّ تُحِب العَفْوَ فاعْفُ عني >>، فينبغي لِلإنسان أن يُكَرِّرَ في هذه الليالي هذا الدعاء الشريف وغيرَه مِن الأدعية التي يَعُودُ خيْرها عليه وعلى أسرتِه وذريتِه وعلى جميع الأمّة. والله أعلم.


      السؤال
      ما هو طبيعة الشعور الذي يشعر به المسلم في ليلة القدر؟


      الجواب:
      المسلم يَشْعُرُ في جميع أوقاته بِأنه مَغْمُور بِفضْل الله ونعمته وأنه لو وَقَفَ كل خلية مِن خلاياه مِن أجل شُكْر الله تعالى على هذه النعم لَما استطاع أن يَفِيَ بِأقل نعمة مِن هذه النعم، وهذا الشعور يَتضاعَف في شهر رمضان الكريم بما يَشْعُرُ بِه مِن الصِّلة بِالله سبحانه وتعالى ومِن انفتاح الآفاق الروحانية أمامَه، وربما تَضاعَفَ هذا الإحساس في ليلة القدْر المباركَة، وجديرٌ بِالمسلم أن يَتضاعَف إحساسه هذا عندما يَمْثُلُ بين يدي الله للقيام والتهجد لا عندما يُقَضِّي وقته في النوم؛ والله تعالى أعلم .


      السؤال :
      هل من يرى ليلة القدر يخبر بها أحد من الناس؟


      الجواب :
      قالوا بأنه يكره أن يخبر بذلك إذ هي كرامة ، والكرامة ينبغي للإنسان أن يخفيها وأن لا يخبر بها ، وعلى كلٍ فالظروف والأحوال تختلف فربما استدل الإنسان ببعض الآيات والمشاهد التي يراها على أن تلك الليلة ليلة القدر، ويتحدث عن ذلك لا لأجل الإخبار ولكن لأجل الاستدلال فهذا لا مانع منه، ولكن مهما كان عليه أن يحافظ على هذه الكرامة التي وهبه الله إياها وذلك بإخفائها . والله ولي التوفيق.


      السؤال :
      سماحة الشيخ أنتم ذكرتم أن بعض الناس ربما يكاشفون برؤية أنوار معينة تدل على أنهم صادفوا تلك الليلة ، فهل معنى هذا أنه من قام تلك الليلة ولم ير تلك الأنوار ولم يكاشف بها أنه لا يعد مصادفاً؟


      الجواب :
      بل هو مصادف مهما كان الأمر ، إذ لا يعني عدم رؤيته للأنوار أنه غير محرز لفضل ليلة القدر ، ولا عبرة بما يراه الإنسان وإنما العبرة بحال الإنسان ، وبإخلاصه وبعمله.


      السؤال :
      هل من صلى ليلة القدر ولم يحس بها ولم يشعر بها كما يشعر بها الآخرين ، يحصل على نفس الأجر؟


      الجواب :
      ليلة القدر إنما هي لمن قامها واجتهد في العبادة فيها، إذ تضاعف أجور العبادات للذين يقومون بعبادة الله تعالى فيها أكثر مما هو معهود في غيرها أضعافاً كثيرة، فإن من قامها واجتهد فيها كان كمن قام واجتهد في ليالي ألف شهر من سائر الأيام . ولا يشترط أن يرى علامة تدل عليها.


      السؤال :
      نريد تفسيراً مفصَّلاً لِقوله تعالى {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر:3) ، هل هناك رابط بين قوله تعالى { خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } وقوله تعالى : { وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}(الحج: من الآية47)؟ وإذا ما صادَف المسلم هذه الليلة، فهل سيَحصل على عبادة ألْف شهر بِما فيها مِن تسبيح وصلاة وما شابه ذلك.


      الجواب :
      أما الربط فلا ، لأنّ ذلك اليوم الذي هو بِألْف سنة مما يُعَد إنما هو يوم الموقف ـ أي يوم القيامة ـ ، أما أيام الدنيا فهي غير ذلك، وأما ليلة القدر فقد جعلها الله تعالى خيراً مِن ألْف شهر ، وهناك رواية ـ الله أعلم بِصحّتها ـ أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم ذَكَرَ أنه كان في الأمم السابقة رجل جاهَد في سبيل الله لمدّة ألْف شهر لم يضع السلاح ولم يضع لاَمَةَ حَرْبِهِ،كان مستمراً على الجهاد في سبيل الله، فاستَقَلَّ الصحابة أعمالَهم لأنهم رأوا أنّ أعمارهم قصيرة لا تَفِي بِهذا القدَر فمَن ذا الذي يُنَفَّسُ له ويُنْسَأُ له في أجله حتى يقضي ألْف شهر وهي نحو ثلاثة وثمانين عاماً كلها يقضيها في الجهاد، فأنزل الله تعالى تسلية لٍهذه الأمّة {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر:3) ، فالله تبارك وتعالى أعطى هذه الأمّة هذه الليلة المباركَة ، وهي خير مِن ألْف شهر، للذي يُقَضِّيهَا في العبادات ويعمل فيها الطاعات، لا لِلذي يَلْهُو فيها أو يَسْرَحُ ويَمْرَحُ أو يقضيها في المجون واللهو وقول الهُجْر ، فمَن عَبَدَ الله تعالى فيها واجتهد في العبادة بِقدْر مستطاعِه، فكأنما قام ليالي ألْف شهر، فضْلاً مِن الله ومِنة.


      السؤال :
      كما نعرف أن الأعمال تضاعف في ليلة القدر ، فهل تنطبق هذه المضاعفة على من أحيى ليلة القدر على الباطل أو في معصية الله سبحانه وتعالى؟


      الجواب :
      لا ريب أن كل ذي حرمة تكون المعصية في كنفه أعظم إثماً وأشد جرما ، فالمعصية مثلاً في مكة المكرمة يضاعف وزرها لمكانة حرم الله تبارك وتعالى ، وكذلك المعصية في شهر رمضان يضاعف وزرها بسبب أن الإنسان يجترئ على الله في الشهر الكريم ، وكذا ليلة القدر فإنها يضاعف أيضاً وزرها ، فيجب على الإنسان أن يحرص على أن يتفادى المعصية بكل ما يملك من قوة حتى لا يقع فيها.


      السؤال:
      بعض الناس يعتبرون ليلة القدر ضرباً من الحظوظ تصيب بعض الناس من غير جهد ولا عمل فإذا وجدوا إنساناً مثلاً قد تحققت له خيرات كثيرة أو إنساناً قد طال عمره يقولون هذا إنسان قام في ليلة القدر أو صادف ليلة القدر.


      الجواب:
      هذا من كلام العوام ، ولا عبرة بكلام العوام ، إنما فضل ليلة القدر بما يحرزه الإنسان فيها من عمل الخير.


      المصدر :
      كتاب "المرأة تسأل والمفتي يجيب ، لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عمان ، ج1 ص (297 ـ 306 )، اعداد وترتيب: بدرية بنت حمد الشقصية ، مكتبة الجيل الواعد ، ط1 ، (1428هـ ـ 2007م).
    • الاعتكاف.. من موقع موسوعة الفتاوى

      الاعتكاف:


      السؤال:
      هل هناك صفة معيّنة لِلمسجد الذي يَعتكِف فيه الإنسان ؟


      الجواب:
      المسجد الذي يَعتكِف فيه المعتكِف هو المسجد الذي تُقام فيه الصلوات الخمس في الجماعة، أما إذا كان المسجد لا تُقام فيه صلاة الجماعة فهذا-بطبيعة الحال-يُؤدِّي إلى أن يَلزَم المعتكِف فيه أن يَخرج ولا يَنبغي له أن يَخرج .. هذا يَتنافى مع الاعتكَاف، فلِذلك لابد مِن أن يَكون المسجد الذي يَعتكِف فيه المعتكِف تُقام فيه صلاة الجماعة، فيُؤدِّي الصلوات الخمس في الجماعة في نفس المسجد، وإن كان تُقام فيه صلاة الجمعة أيضا فذلك أفضل وأفضل، حتى لا يَخرج لأداء صلاة الجمعة إلى خارج المسجد، ولكن لا يُمنَع إن كان المسجد الذي اعتكَف فيه لا تُقام فيه صلاة الجمعة بِحيث لم يَتيسَّر له الاعتكاف في الجامع الذي تُقام فيه صلاة الجمعة أن يَعتكِف حيث تُقام الصلوات الخمس وإذا جاء وقت صلاة الجمعة خرج إليها وبعد أداء فرضه عاد إلى معتكَفه . والله-تعالى-أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      كيف يكون اعتكافُ المرأة ؟


      الجواب:
      نساءُ النبي-صلى الله عليه وسلم-كُنَّ يَعتكِفن في مسجده صلى الله عليه وسلم .. يَنصِبْن خِيَامًا هنالك مِن أجل الاعتكَاف .. هكذا كُنَّ يَفعَلن.
      والمرأةُ الآن بِإمكانها أن تَعتكِف في المساجد حيث إنّ المساجد فيها أماكن مخصَّصة بِالنساء، فتلك الأماكن الخاصّة بِالنساء يُمكن لِلمرأة المسلمة عندما تُريد الاعتكافَ أن تَعتكِف فيها ؛ والله-تعالى-أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      ما مفسِدات الاعتكاف ؟


      الجواب:
      على أيّ حال؛ الاعتكافُ يُفسِده الوطْء، وقد قال العلماء بِأنه تَجب الكفارة إن وَطِئ في حال اعتكافه ولو وَطِئ بِالليل، كما تَجب الكفارة إن وَطِئ في نهار رمضان، لأنّ الله-تعالى-شدَّد في ذلك في القرآن حيث قال :{ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}(البقرة: من الآية187) فشدَّد في مباشَرة النساء.
      و -بِطبيعة الحال-عندما يَخرج الإنسان مِن اعتكافِه لِغير داعٍ ولِغير ضرورةٍ تُلجِئه إلى الخروج يكون بِذلك قد أفسدَ اعتكافَه؛ والله-تعالى-أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      إنسان نوى أن يَعتكِف خمسة أيام أو ستّة أيام-مثلا-ثم بَدا له بعد ثلاثة أيام أن يَقطع الاعتكاف لِيَنصرف في عمل ضروري له، هل يَجوز له ذلك ؟


      الجواب:
      أما العمل الضروري فإنه يَقطَع اعتكافَه من أجله؛ واختلَف العلماء في وجوب قضاء الاعتكاف .. هل عليه أن يَقضي ما تبقّى من أيامه أو لا يَلزَمه القضاء ؟ ونحن نَختار له أن يَأخذ بِالأحوط، ولأنّ النبي-صلى الله عليه وسلم-قضى في شهر شوال اعتكَافه الذي فاتَه في شهر رمضان . والله أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      ما هي أقلُّ مدّة لِلاعتكاف ؟


      الجواب:
      أما القول الذي نأخذ به فهو أنّ أقلّ مدّة لِلاعتكاف يومٌ من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، نظرا إلى أنّ الاعتكاف لابد فيه من الصيام-على القول الصحيح، وهو القول الذي نأخذ به، وقال به جماعة من علماء المذاهب الإسلامية الأخرى-ولما كان لابد فيه من الصيام فأقلُّه وقتٌ يَكون فيه الإنسان صائما من أوّله إلى آخره، ومعنى ذلك أنه يكون صائما من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهكذا يَكون الاعتكاف، فيَدخل معتكَفه قبل انشقاق الفجر ويَخرج من معتكَفه بعد غروب الشمس. و الله أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      النّفس وهي تُواجِه شؤون الحياة تَحتاج إلى أن تَقِف وَقْفَة تتّصل بِها بِعالَم الآخرة، وتَستلهِم مِن هناك طاقةً روحية تَدفعها إلى المزيد من النشاط في هذه الحياة وِفْقَ أمرِ الله، فهل لكم أن تُحدِّثونا عن فضل الاعتكاف الذي يُمثِّل هذا ؟


      الجواب:
      إنّ النّفس البشرية وهي تواجِهُ هذه الحياة ومشكِلاتها وتَحدِّياتها وتَخوضُ غِمارَها وتتلطَّخ بِأدْرانها جَديرة بِأن تَحرِص على الانغماس في أنهار الطُّهر حتى تَخرُج من هذا العالَم وما فيه من التّناقضات إلى عالَم آخر .. إلى عالَم مليءٍ بِالأنوار الربانية ومليءٍ بِالإشراقات الروحانية، ولذلك جعل الله-سبحانه وتعالى-عبادات تَجعل هذا الإنسان موصولا بِربه يَتركُ فيها وراءَ ظهرِه همومَ هذه الدنيا وأوزارَها، ولا ريب أنّ الإنسانَ كلَّما كان أكثرَ حِرصا على الاتصال بِالعالَم الأخروي وعلى الصِّلة بِربه-سبحانه وتعالى-كان ذلك أدعى لِرسوخِ إيمانه وقُوَّةِ يَقينه وتَوقُّدِ عزيمته وقُوَّةِ مَلَكَاته التي يُواجِه بها تَحدِّيات هذه الحياة، فلِذلك جعل الله-سبحانه وتعالى-هناك أوقاتا يُقَضِّيها الإنسان جميعا في عبادة الله-تعالى-وذِكْرِه بِحيث يَتجرَّد فيها عن هموم هذه الدنيا وتَبِعاتِها ويَشتغِل بِذِكْر ربه-سبحان هوتعالى-وبِذِكْر الدار الآخرة لِيكون في ذلك تَخليصٌ له من هذه التبِعات الدنيوية، ولِيكون في ذلك-أيضا-مزيدٌ من الزّاد الأخروي الذي يَتزوَّده لِلقاء ربه-سبحانه وتعالى-وهو زاد التقوى، الذي يقول فيه الحقّ سبحانه { وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}(البقرة: من الآية197) مِن أجل ذلك شُرِعَ الاعتكاف.
      والاعتكاف لا يَنحصِر في شهر معيّن أو في وقت معيّن، فهو لا يَنحصِر في شهر رمضان وحده، ولا يَنحصِر في العشْرِ الأواخر من شهر رمضان، ولكنّ العشْرَ الأواخر-على أيّ حال-بِما أنها مَظِنَّة ليلةِ القدر هي أوْلى بِأن يَحرِص الإنسان المسلم فيها على الاعتكاف، لأنّ خيرَها خيرٌ عظيم، فإنّ ليلةَ القدْر هي خيرٌ من ألفِ شهر، مَن حُرِم خيرَها فَقَد حُرِم، فالإنسان الذي تَمرّ عليه هذه الليلة المباركة وهو متجَرِّد مِن هموم هذه الدنيا، مقبِلٌ على الله-سبحانه وتعالى-بِقلبه وقالَبه، بِجسمه وروحه، بِعقله وفكره، بِضميره وغرائزه، بِكلِّ ما احتواه كِيانه لا ريب أنّ هذا الإنسان يَكون رابِحا خيرَ هذه الليلة أكثرَ مِن غيره، وهذا إنما يَحصل لِلذي يَتجرّد لِعبادة ربه، وهذا التجرد إنما يَكون بِالاعتكاف، فالاعتكاف في مساجد الله تعالى التي هي بيوته في أرضه، والتي هي مُتَنَزَّل رَحماته، والتي هي الأفقُ الذي يُشرِق مِنه نورُه .. هذا الاعتكاف يُؤدّي بِالإنسان إلى أن يَكون قوي الصِّلة بِالله-سبحانه وتعالى-أكثرَ فأكثر، وهذا الاعتكاف يَجعل هذا الإنسان يَربَح خيرَ هذه الليلة عندما تَمرّ بِه وهو في معتكَفه، ولِذلك كان النبي-صلى الله عليه وسلم-حريصا على الاعتكاف في جميع سِنِي عُمُرِه بعدما فُرِض عليه صيام شهر رمضان، ومن المعلوم أنّ ليلة القدر هي في تَضاعيف ليالي الشهر الكريم، ولكنّ الله-تعالى-أخفاها، وهذا لِحكمة بَالغة .. أخفاها لِيَشتغل الإنسان بِالعبادة في جميع ليالي الشهر حتى يَربَح خيرَ هذا الشهر، فإنه لو كان عارِفا لهذه الليلةِ أيُّ ليلةٍ هي مِن ليالي الشهر لكان ذلك كثيرا ما يُؤدّي بِه إلى التقاعس عن القيام بِالعبادة في سائر الليالي، فلذلك جعل الله-سبحانه وتعالى-إخفاءها أمرا فيه رحمة بِالعباد، كما أُخفِيَت ساعة الإجابة من يوم الجمعة، وكما أُخفِيَت الصلاة الوسطى من بين الصلوات الخمس، والنبي-صلى الله عليه وسلم-كان بادئ الأمر يَعتكِف-كما جاء عنه-في العشْر الأولى، فأتاه جبريل وقال له: "إنّ الذي تَطلبُ أمامَك" فاعتكف العشر الوسطى، ثم أتاه جبريل وقال له: "إنّ الذي تَطلبُ أمامَك" فاعتكف العشْر الأخيرة وظلّ يَعتكِف العشْرَ الأواخر حرصا على هذا الخير العظيم، وتَحسُّبا لِهذه الليلة المباركة التي هي خير من ألفِ شهر.
      و-على أيّ حال-المعتكِف إنما يَكون عاكِفا على طاعة ربه، فمِما يَنبغي أن يَدورَ بِبال كلِّ أحد أنّ الاعتكافَ لا يَعني البقاء في المسجد فحسب، إذ البقاء في المسجد وحده من غير أن يكون الإنسان موصولا بربه-سبحانه وتعالى-لا قيمة له، وكثير مِن الناس قَد يَأتون إلى المساجد ويَبقَون فيها ولكنهم يُفَوِّتُون أجورهم وذلك لأنهم يَشغَلون أوقاتهم بِذِكْر الدنيا وأمورها، ويُحَوِّلُون أسواق الدنيا إلى المساجد، مع أنّ المساجد إنما هي أسواقُ البضاعةِ الأخروية، وليست أسواقا للبضاعة الدنيوية، فالإنسان إن كان معتكِفا في المسجد وهو يَقضي سحابةَ نهارِه يَتحدَّث بِأمور الدنيا ويَشتغل بِبعض الأمور التي ربما أدّت به إلى الوقوع في المعاصي ذلك لا ريب أنه يُحبِط أجرَ اعتكافه، بل يَعود بِالأوزار بَدلا مِن أن يَعود بِالأجور، وهذا أمر فيه خطر عظيم، فهو بَدلا مِن أن يَعودَ بِالفائدة يَعودُ بِالخسران والعياذ بالله، فلذلك نحن نوصي إخوانَنا الذين يَقضُون أوقاتهم في الاعتكاف-وهذا خير عظيم، ومطلَب كبير-أن يَحرِصوا على أن يَقضُوا هذه الأوقات وهم يَذكرون الله-سبحانه وتعالى-بِحيث يَكونون بين صلاةٍ وتلاوةٍ لِلقرآن ودعاءٍ وابتهالٍ إلى الله وتَعلُّمٍ للعلم النافع وتَعليمٍ له .. هذا كله إنما يَعودُ بِالفائدة على الإنسان، إذ كل ذلك مِن القُرُبات التي تَرفَع منزلةَ الإنسان، أما أن يَشتغِل الإنسان بِحديث الدنيا أو أن يَتجاوز الاشتغال بِحديث الدنيا إلى أن يُصبِح يَلِغُ لسانه في أعراض الناس-يَتكلَّم في هذا ويَشتُم ذلك ويَتعرَّض لهذا بِالتّنقيص والتّحقير-فذلك أمر يَعودُ عليه بِالخسارة، بَدلا مِن أن يَعودَ بِالرِّبح والفائدة، فعلى هذا الذي وقع في ذلك أن يَتَّقي الله-تبارك وتعالى-وأن يَتداركَ نفسه؛ ونسأل الله-تعالى-العافية
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      كيف يُقسِّم المعتكِف وقتَه في المسجد ؟


      الجواب:
      على أيّ حال؛ المعتكِف-كما قلتُ سابقا-يَكون بيْن صلاةٍ وذِكْرٍ لله-تبارك وتعالى-وتلاوةٍ لِكتابه ودراسةٍ لِلعلم وتدريسٍ له، وهذا لا يَمنع أن يَكون-أيضا-يَأخذ قِسْطا مِن الراحة، فإنّ الإنسان يُطالَب أن يُريح جسمه، فللجسم حقّ عليه ومِن حقّ الجسم أن يُريحه وذلك بِأن ينام، فلا يُمنع المعتكِف أن ينام في معتكَفه بل ذلك حقٌّ عليه لِجسمه، إذ لو أرهَق نفسه بِحيث قَضَّى وقته كلَّه في العبادة مِن غير ينام ولا قليلا لأدّى ذلك إلى أن يَنقطِع بِه السير، والمنْبَت-كما قيل-لا أرضا قَطَع ولا ظَهْرا أبقى، لأنه لا يَصِل إلى مكان و-أيضا-يُرهِق نفسه التي هي بِمثابة مَطِيته، فلذلك كان جدير ابِالإنسان أن يُريح نفسه، ولذلك يَنبغي لِلمعتكِف الذي يَعتكِف في شهر رمضان المبارَك أن يَأخذ قِسْطا من الراحة بِحيث ينام في أوائل الليل، وينبغي أن ينام مبَكِّرا بعد صلاة التراويح لِيَستعدَّ لِلتهجد، فإنّ صلاة التهجد هي صلاة حَرِية بِأن يُحافَظَ عليها، وابن عباس-رضي الله عنه-قال: "والتي ينامون عنها هي أفضل" يعني صلاة التهجد هي أفضل مِن صلاة التراويح، لأنّ فيها المشقّة ولأنها تُصادِف الثلثَ الأخير من الليل والثلثُ الأخير من الليل هو مَظنَّة استجابة الدعاء ورفع الدرجات وتحقيق الأمنيات، والله-سبحانه وتعالى-أثنى على المستغفِرين بِالأسحار. وبعد صلاة الفجر يَنبغي له أن يَتلو ما تَيسّر مِن كتاب الله. وبعد ذلك-أيضا-يُقَضِّي وقتَه إمّا في قراءة كتاب الله أو في الصلاة، فإذا جاء وقتُ الضحى-مثلا-أخذ يُصلي صلاة الضحى.
      ثم بَعد ذلك لا حرج عليه أن يَشتغِل بِقراءة كتبِ العلم .. كتبِ الفقه، كتبِ التفسير، كتبِ الحديث. حتى ولو اشتغَل بِتأليف شيءٍ مِن الكتب وهو في معتكَفه ذلك لا يَتنافى مع اعتكافه، لأنّ هذا الاشتِغالَ نفسَه عبادة وقُرْبَة إلى الله تعالى.
      كذلك لو كان يُجيب على الفتاوى وهو في معتكَفه لا حرج. وكذلك إن كان قاضيا وارتفع إليه الخصوم وهو في معتكَفه فإنه يَفصِل ما بينهم .. لا يُمنَع مِن أن يَفصل بين الخصوم، لأنّ ذلك مِن القُرُبات إلى الله تعالى، إذ إيصال ذي الحق إلى حقِّه مِن القُرُبات التي تُقَرِّب الإنسان إلى ربه سبحانه وتعالى.
      ويأخذ-أيضا-في النهار قِسْطا مِن الرّاحة، حيث يَنام بِقدر ما يُرِيح جسدَه. ويُحافِظ على الدعاء أدبارَ الصلوات، ويُحافِظ على الدعاء في وقتِ السَّحَر {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ}(آل عمران: من الآية17)، ويُحافِظ على الدعاء في الأوقاتِ التي هي مَظنَّة الإجابة، كآخر ساعة مِن يوم الجمعة، فإنّ في الجمعة ساعة يُستجاب فيها الدعاء، والعلماء مختلِفون فيها على نحو خمسين قولا، ولكن لعلّ أكثرَهم يُرجِّح أنها آخرُ ساعة، وهذا من باب الترجيح فحسبُ، إذ لا دليلَ يَقطَع بِذلك، لأنها أُخفِيَتْ-كما قلتُ-في ضِمْن ساعات يوم الجمعة.
      و-كذلك-إن كان هذا المعتكِف عنده ملَكة وقدرة على التعليم فإنّ قيامه بِالتعليم وهو في معتكَفه .. تعليمِ العلم النافع وتوجيهِ الناس إلى الخير ذلك مما يُطلَب مِنه، ومِمّا يُعدُّ مِن القُرُبات التي تُقَرِّبُه إلى الله. و-كما قلتُ-إنما عليه أن يَتجنَّب إقحامَ أمور الدنيا وهو في معتكَفه، فإنّ إقحامَ أمورِ الدنيا وهو في معتكَفه يُؤدِّي بِه إلى أن يَقع في المحظور، وذلك يُؤدِّي إلى أن يَخسَر أكثرَ مِمّا يَربَح، أو إلى ألاّ يَعودَ بِشيءٍ مِن الربح أو ألاّ يُوازِي الرِّبحُ خسارتَه؛ والله المستعان
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      إمام في مسجد وللإمام غرفة ملحقة بِالمسجد، هل يَجوز أن يَعتكِف في تلك الغرفة دون المسجد ؟


      الجواب:
      أما إذا كان ذلك المكان الذي يَعتكِف فيه خارجا عن كونه مسجدا فلا، لأنّ الله-تعالى-قال :{وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ }(البقرة: من الآية187) والنبي-صلى الله عليه وسلم-مع كون بيته الشريف وحُجُراته الشريفة .. مع كون ذلك كلِّه متّصِلا بِالمسجد ما كان يَعتكِف في بيته قط، وإنما كان يَعتكِف في المسجد، وما كان يَبقى في بيته في وقت اعتكافه مع اتصال البيت بِالمسجد، إذ حُجُراته كانت متّصِلة بِالمسجد ولكن مع ذلك كان يَخرج مِن حُجُراته إلى المسجد، فكذلك-إذن-المعتكِف عليه أن يَكون اعتكافه في المسجد .. حيث يَصدُق على المكان أنه مسجد. والله أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      هل هناك ضرورات تُبِيح لِلمعتكِف أن يَخرج من معتكَفه ؟ إذا كان- مثلا- تُوفي أحد من أهله وأراد أن يَخرج في جنازته ؟


      الجواب:
      نعم، الضرورة التي لا خلاف فيها حاجةُ الإنسان؛ وأما ما عداها فالناس مختلِفون بين التشديد والتخفيف .. بين التوسيع والتضييق.
      أما الخروج للجنازة هذه-أيضا-من جملة الأمور التي استثناها بعضُ العلماء .. قالوا بِأنه يَخرج في جنازة أهله، وروي عن ابن عباس-رضي الله عنهما-أنه خرج مِن معتكَفه لأجل قضاء حاجة أحد إخوانه المسلمين . و الله أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      يودّ المعتكِف أن يَستحم وأن يَغتسل-غير الاغتسال الواجب طبعا-وفي المسجد ملاحق لهذا الأمر، فهل يَخرج من المسجد لِيَغتسل في الملاحق الملحقة بالمسجد ؟ كذلك إذا ما أراد أن يَتسوّك ؟


      الجواب:
      نعم إذا كان هذا الاغتسال لأجل النظافة التي لابد منها، لأنّ الإنسان مطالَب بِأن يَتنظَّف .. عندما يَخرج لقضاء حاجته يَغتسل في ذلك الوقت .. يَستنجي ثم يَغتسِل ويَعود. نعم هكذا، لأنّ السِّواك سنّة . والله أعلم
      [التصنيف : فتاوى الصوم].

      السؤال:
      هل هناك من بأس في استعمال الهاتف النقال في المسجد وخاصة بالنسبة للمعتكف حيث سمعنا أن الاتصال عبارة عن معاملة بين المتصل والشركة ، وهل يؤثر على الاعتكاف خاصة أن من يستعمله يرغب بالاتصال بأهله لطلب الطعام وغيره من الطلبات التي قد يحتاجها الإنسان في حالة اعتكافه أو وجوه في المسجد ؟


      الجواب:
      قبل الإجابة على هذا السؤال أنا أريد أن أنبه الأخوة المستمعين إلى ما يجب من احترام المسجد.
      كثيراً ما نكون صافين في الصلاة متوجهين إلى الله تعالى وإذا بهذه الهواتف النقالة تزعجنا من هنا وهناك وكأننا في مكان فيه ضوضاء وجلبة ، وبعض هذه الهواتف فيها أصوات موسيقية كأنما في حلبة موسيقية نسمع فيها الكثير الكثير من الأصوات الموسيقية كأننا خارج الصلاة.
      هذا أمر يزعج المصلين لا ينبغي أن يفعله الناس . ما لهؤلاء الناس يأتون إلى بيوت الله سبحانه يأتون بهذه الهواتف النقالة وهي مفتوحة ويتركونها كذلك لتزعج الناس وتشغلهم عن الصلاة مع أن في الصلاة شغلاً ، لأن صلاة الإنسان تعني إقباله على ربه وتركه هموم الدنيا وتركه لجميع مشاغل النفس ، لأن الصلاة يعني إقبال على عالم آخر ، على عالم القدس ، على مخاطبة الله تبارك وتعالى وحده ، ولكن مع الأسف الشديد هؤلاء الذين لا يقدّرون للصلاة قيمتها ، ولا يعرفون منزلتها عند الله سبحانه وتعالى لا يبالون بهذا . هذا أمر يجب أن يتنبهوا له.
      أما إن كان مجرد طلب حاجة من غير أن يترك الهاتف شغّالاً ليزعج الناس في المسجد الناس فلا مانع منه . أما أن يعقد الصفقات مع هذا أوهذا وهو في المسجد فلذلك غير جائز ، وإنما يتحدث في الهاتف في غير أوقات الصلاة بقدر ضرورته فحسب ، ولا مانع من هذا لأن الضرورة تقدر بقدرها
      [التصنيف : فتاوى القضايا المعاصرة].
    • ليلة القدر.. من موقع موسوعة الفتاوى

      فتاوى ليلة القدر:


      السؤال:
      سماحة الشيخ هل يمكن لنا أن تبينوا لنا فضل ليلة القدر ، ومتى يمكن للمسلم أن يتحراها ؟


      الجواب:
      بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد:
      فإن الله سبحانه وتعالى يرفع درجات من يشاء ، ويفضّل ما يشاء ما على ما يشاء ، فهو يفضّل الناس بعضهم على بعض ، ويفضّل الرسل الذين هم صفوة الناس وخاصتهم بعضهم على بعض كما نص على ذلك القرآن الكريم مع أنهم جميعاً مصطفون أخيار بلغوا من درجة الكمال البشري ما لم يبلغه غيرهم ، وكذلك فضّل الله سبحانه وتعالى بعض الأمكنة على بعض كما هو واضح في تفضيل حرمه الآمن ، وتفضيله أيضاً المكان الذي بارك حوله وهو المسجد الأقصى وما حوله وهذا مما دل عليه القرآن الكريم ، كذلك فضّل الله بعض الأزمنة على بعض ، وقد يكون المفَضل أيضاً على غيره منه ما هو أفضل من غيره.
      فشهر رمضان كله شهر فضيل لأجل ما جعل الله سبحانه وتعالى فيه من البركة والخير كما ينبئ بذلك قوله سبحانه { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: من الآية185) ، فهو شهر فضيل من أجل هذه الميزة ، ولكن هذه الليلة هي مفضلة على سائر ليالي الشهر ولذلك بلغت من الكمال _ كمال الفضل وهو كمال المخلوقات بطبيعة الحال - ما لم تبلغه ليلة أخرى وما لم يبلغه زمان آخر ، وناهيكم أن الله سبحانه وتعالى سماها ليلة القدر وسماها ليلة مباركة وقد قال {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } ( الدخان: 3 _ 5)، وتسميتها بليلة القدر يوحي بمكانتها وعظمتها فإن القدر هو الشأن فهي ليلة شأن عظيم وشأو جليل لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى.
      وقد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة بأسرها تدل على فضلها وميزتها وشرفها وعلو شأنها يقول سبحانه : {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (سورة القدر).
      فهذه الليلة ليلة بلغت من الفضل هذا القدر العظيم وذلك أنها جعلها الله سبحانه وتعالى خيراً من ألف شهر من الشهور التي ليست فيها ليلة قدر.
      ومعنى هذا أن الإنسان عندما يعمل الصالحات في هذه الليلة ويجتهد بالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى يكون قد أحرز من الفضل مثل ما يحرزه لو عمل ذلك في كل ليلة من ليالي ألف شهر ، فهذا فضل عظيم لا يزهد فيه من عنده مثقال ذرة من عقل ، ومن الذي يزهد في هذا الخير العظيم ؟
      هذه الليلة أخفاها الله سبحانه وتعالى في تضاعيف هذا الشهر الكريم كما أخفى الله سبحانه ساعة الإجابة من يوم الجمعة ، وذلك من أجل أن يجتهد الناس في الدعاء في جميع الساعات يوم الجمعة ، وكذلك أخفى الله سبحانه وتعالى كثيراً من الأشياء عن عباده لأجل أن يجتهد الناس ، فالناس لا يدري أحدهم متى يموت ، فساعة وفاة الإنسان لا يعلمها لأجل أن يكون الإنسان في كل لحظة من لحظات العمر متهيئاً للقاء الله موطناً نفسه للانتقال من هذه الدار الدنيا إلى الدار الآخرة ، وكذلك قيام الساعة أمر لا يعلمه إلا الله.
      فليلة القدر هي ليلة مجهولة هي إحدى ليالي الشهر الكريم ، أخفيت من أجل هذه الحكمة حتى لا يتكل الناس عندما يعرفونها ، بحيث يعملون الخير فيها وحدها ويدعون عمل الخير في سائر الشهر ، فالناس مطالبون بأن يتسابقوا إلى الخير في هذا الشهر الكريم ، وأن يضاعفوا جهودهم فيه أكثر مما كانوا يفعلون في غيره فلذلك أخفيت هذه الليلة.
      والنبي صلى الله عليه وسلّم عُرفّها أُريها ، ولكن خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرفعت أي رفع علمها عنه صلى الله عليه وسلّم فلذلك قال على أثر ذلك : فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر. فالناس مطالبون بأن يلتمسوها في العشر الأواخر لا سيما الليالي الأوتار وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين فعلى الإنسان أن يتحراها في هذه الليالي.
      ولقد شاع عند عوام الناس وجهلتهم أن في هذه الليلة أشياء تبدو للناس فيتراءونها بحيث تنقلب الأمور رأساً على عقب ، وقد تصور بعض العوام والجهلة أن الأشجار يظهر سيولها في هذه الليلة المباركة ويرى الناس ذلك ، وكذلك تصوروا أن كثيراً من الأشياء تنقلب عن سننها المعهودة ، وتصوروا أيضاً أن هذه الليلة عندما يكاشف الإنسان بها كل ما يريده أو يخطر على باله يتحقق له هذا كله ليس صحيحاً.
      إنما فضل هذه الليلة بما ذكره الله سبحانه وتعالى مما أودعه فيها من البركة حتى كان قيامها بمثابة قيام ألف شهر من سائر الليالي ، فلو كانت هنالك علامات ظاهرة كما يقولون لما خفيت تلكم العلامات عمن يقومون ليالي الشهر الكريم جميعاً ، ولكن هذه إشاعات لا أساس لها من الصحة ، وإنما فضل هذه الليلة بما ذكرناه.
      ولربما ظهر لبعض الناس بعض الأشياء كظهور الأنوار بسبب كثرة الملائكة الذين يتنزلون فيها وهذا أمر لا يكاشف به كل أحد ولكن ربما يظهر ذلك لبعض الناس ، وإنما على الإنسان أن يحرص على اكتساب خيرها بغض النظر عن هذه الأشياء كلها ، وإنما عليه أن يحرص على اكتساب خيرها وذلك بأن يحيها بالتهجد وذكر الله تعالى واستغفاره والتبتل إليه سبحانه وتكرار الدعاء الذي علّمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سألته ماذا تصنع عندما ترى هذه الليلة أو تصادف هذه الليلة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلّم أن تقول : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ، فينبغي للإنسان ذلك.
      والنبي صلى الله عليه وسلّم من أجل كون هذه الليلة هي إحدى الليالي التي تكون في العشر الأواخر من الشهر المبارك ، لما كانت هذه إحدى الليالي العشر من الشهر المبارك كان يحرص صلى الله عليه وسلّم على مضاعفة جهده في التهجد في العشر الأواخر ، كان يعتكف هذه العشر الأواخر ، وكان إذا دخلت شد مئزره وأيقظ أهله وأحيى ليله ، ومعنى شده مئزره أنه كان يشمر عن ساعد الجد في العمل لأن شد المئزر يكون عندما يقابل الإنسان عملاً شاقاً ، ومنهم من حمل شده مئزره على معنى أنه كان يجتنب النساء ولا يواقع النساء بسبب إخلاده إلى الاعتكاف في هذه العشر . ومعنى إيقاظه أهله أنه كان يدعوهم إلى التهجد يأمرهم ألا يناموا إلا بقدر ما يضطرون إلى النوم ، وإنما يدعوهم إلى أن يتهجدوا لأجل أن يشاركوا في الخير لينالوا من ربحه العظيم.
      ومعنى كونه صلى الله عليه وسلّم يحي ليله أنه يقضي ليله تهجداً بحيث يطوي فراشه في هذه الليالي العشر حرصاً على اكتساب هذا الخير العظيم ، فهكذا ينبغي للناس.
      وحقيقة الأمر الناس اختلفوا كثيراً في ليلة القدر على نحو أربعة وأربعين قولاً ، وهذه الأقوال كثير منها لا دليل عليه ، منهم من قال بأنها ليست من ليالي شهر رمضان رأساً وإنما هي ليلة في سائر ليالي العام ، وهذا قول بعيد عن الصواب لأن الله تعالى قال :{ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ( القدر :1) ، وفي نفس الوقت قال :{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: من الآية185) ، ولكن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي قالوا إن معنى نزول القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم أي نزول بيان فضل هذا الشهر وميزته ومكانته ، وهذا قول بعيد عن التحقيق.
      ومنهم من قال بأنها في العشر الأولى ، منهم من قال هي الليلة الأولى ، ومنهم من قال الثانية ومنهم من قال الثالثة وهكذا ، ومنهم من قال في الوسط منهم من قال ليلة السابع عشر ومنهم من قال ليلة السادس عشر وهكذا ، وهذه الأقوال لا تتفق مع ما دل عليه الحديث الصحيح إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم بأنها إحدى ليالي العشر الأواخر ، والله تعالى أعلم
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      ما هو طبيعة الشعور الذي يَشْعُرُ بِه المسلم في ليلة القدْر ؟


      الجواب:
      المسلم- أوّلا- في جميع أوقاته يَشْعُرُ بِأنه مَغْمُور بِفضْل الله ونعمته وأنه لو وَقَفَ كل خلية مِن خلاياه مِن أجل شُكْر الله-تعالى-على هذه النعم لَما استطاع أن يَفِيَ بِأقل نعمة مِن هذه النعم، وهذا الشعور يَتضاعَف في شهر رمضان الكريم لِما يَشْعُرُ بِه مِن الصِّلة بِالله سبحانه وتعالى ومِن انفتاح الآفاق الروحانية أمامَه، وربما تَضاعَفَ ذلك-أي هذا الإحساس-في ليلة القدْر المباركَة، وجديرٌ بِالمسلم أن يَتضاعَف إحساسه هذا عندما يَمْثُلُ بين يدي الله .. أي عندما يقوم ويَتَهَجَّد، لا عندما يُقَضِّي لَيْلَه في النوم؛ والله تعالى أعلم
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      هل ليلة القدر تختص فقط بِأيام معيّنة مِن الأسبوع كأن تكون في يوم الجمعة أو في يوم الخميس ؟


      الجواب:
      لا، لأنّ الحديث قال: << فالتمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر >>، ولم يُشِر الحديث الشريف إلى أنّها تكون في ليلة جمعة أو في ليلة خميس أو في ليلة الاثنين، وإنما أشار إلى أنها هي في أوتار العَشْر الأواخر، ولذلك لا تنحصِر في يوم معيّن مِن أيام الأسبوع، إذ الأوتار لا يَلزم أن تُصادِف ذلك اليوم، وإنما هي بِحسب ما جعل الله تبارك وتعالى في هذه الليالي العَشْر بحيث اختصّ منها ليلة جعلها هي ليلة القدر
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      يطلب تفسيرا مفصَّلا لِقوله تعالى : {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر:3) ، هل يُمكِن أن يُربَط بين قوله تعالى { … أَلْفِ شَهْرٍ } وبين قوله تعالى { وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ}(الحج: من الآية47)؟ ((وقع هنا-للأسف-انقطاع في الشريط لخلل أثناء تسجيله من التلفزيون )) صادَف المسلم هذه الليلة، فهل سيَحصل على عبادة ألْف شهر بِما فيها مِن تسبيح وصلاة وما شابه ذلك ؟


      الجواب:
      أما الربط فلا ، لأنّ ذلك اليوم الذي هو بِألْف سنة مما يُعَد إنما هو يوم الموقف .. يوم القيامة، أما أيام الدنيا فهي غير ذلك .. هذه ليلة جعلها الله تعالى خيرا مِن ألْف شهر .. مِن الناس مَن يروي والله أعلم بِصحّة هذه الرواية .. لا أدري مدى صحّتها أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم ذَكَرَ أنه كان في الأمم السابقة رجل جاهَد في سبيل الله لمدّة ألْف شهر لم يضع السلاح ولم يضع لاَمَةَ حَرْبِهِ مدّة ألْْف شهر .. كان مستمراً على الحرب في سبيل الله .. على الجهاد في سبيل الله فاستَقَلَّت هذه الأمّة .. أي استَقَلَّ الصحابة أعمالَهم لأنهم رأوا أنّ أعمارهم قصيرة .. أعمارهم لا تَفِي بِهذا القدَر .. مَن الذي يُنَفَّسُ له ويُنْسَأُ له في أجله حتى يقضي ألْف شهر وهي نحو ستة وثمانين عاما .. كلها يقضيها في الجهاد، والجهاد كله أجر وفضل، فأنزل الله تعالى تسلية لٍهذه الأمّة {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} (القدر:3) .. أي إنّ الله تبارك وتعالى أعطى هذه الأمّة هذه الليلة المباركَة وهذه الليلة هي خير مِن ألْف شهر، ولكن هي خير مِن ألْف شهر للذي يُقَضِّيهَا في العبادات ويعمل فيها الطاعات، لا لِلذي يَلْهُو فيها أو يَسْرَحُ ويَمْرَحُ أو يقضيها في المجون واللهو والحديث الهُجْر .. قول الهُجْر، وإنما هي لِلذي يَقضيها في عبادة الله سبحانه وتعالى ، فمَن عَبَدَ الله تعالى فيها بِحيث قامها واجتهد في العبادة بِقدْر مستطاعِه فكأنما قام ليالي ألْف شهر، فضْلا مِن الله تعالى ونعمة
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      هل هناك عبادات معيّنة وأدعية يُحاوِل أن يُمارِسها الإنسان تَحرِّيا لهذه الليلة ؟


      الجواب:
      على أيّ حال؛ الإنسان يُؤمَر أن يُسارِع إلى الطاعات والخير والبِرِّ، ومِن الطاعات التي يُسارِع إليها قيام هذه الليالي العشْر، وكما ذكرنا أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم كان إذا دخلت العشْر شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَيْقَظَ أَهْلَهُ وأَحْيَى لَيْلَهُ .. كان عليه أفضل الصلاة والسلام يَشُدُّ مِئْزَرَهُ وذلك كناية عن مقابلتِه الأمر بِحزْم شديد وبِعزيمة متوقِّدة، فإنّ مِن شأن الإنسان إذا أقبل على شيء بِعزيمة وكان أمرا عظيما أن يَشُدَّ له مِئْزَرَهُ؛ وقيل بأنّ ذلك كناية عن اعتزالِه النساء بِحيث لا يَميل إلى شهوة الدنيا وإنما كان يقضي هذه الليالي في العبادة فحسب وأَحْيَى لَيْلَهُ، وكان يُحيِي الليالي بِالقيام .. جميع الليالي سواءً ليالي رمضان أو ليالي غير رمضان ولكن كان هذه الليالي يُحْيِيهَا تهجدا جميعا مِن أول الليل إلى آخر الليل .. كان يُحْيِيهَا بِالعبادة، وهكذا ينبغي لِلإنسان أن يَجتَهِد بِقدْر مستطاعِه .. لا يعني ذلك أنّ الناس جميعا مطالَبون بِأن يَفعلوا ذلك، إذ هذه الأمور هي بِحسب طاقات الناس ومواهبهم، وطاقات الناس تَختَلِف ومواهب الناس تَختَلِف ولكن على الإنسان ألاّ يُفَوِّتَ الفرصة بِقدْر مستطاعِه.
      أما ما يُمكِن أن يَدعُوَ به فإنّ كل دعاءٍ مطلوب .. أيّ دعاءِ خير ما لم يَدْعُ الإنسان بِقطيعة رحِم أو بِأيّ سوء، إلا أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم عندما سألته السيدة أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها إن صادَفت ليلة القدْر بِماذا تدعو ؟ وماذا تقول ؟ علّمها النبي صلى الله عليه وسلّم أن تقول : << اللهم إنك عَفُوٌّ تُحِب العَفْوَ فاعْفُ عني >>، وهكذا ينبغي لِلإنسان أن يُكَرِّرَ في هذه الليالي هذا الدعاء الشريف وغيرَه مِن الأدعية التي يَعُودُ خيْرها عليه وعلى أسرتِه وذريتِه وعلى جميع الأمّة
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      إذا أخذنا بلفظة الحديث: << فالتمسوها >> هل يدلّ هذا على أنّ لِليلة القَدْر علامات معيّنة يستطيع أن يَتعرّف عليها الإنسان ؟


      الجواب:
      حقيقة الواقع هناك كلام في هذا، فأهل التحقيق مِن المفسِّرين يقولون بأنّ هذه الليلة لو كانت لها مميِّزات مادية معروفة لكانت معروفة للناس الذين يَسهرون هذه الليلة أو الذين يَسهرون ليالي رمضان ولا ينامون بحيث يمكنهم أن يُشاهِدوا ما قيل بِأنه يَتجلّى فيها وما يَحدُث فيها مِن الأمور الخارِقة للعادات ، وهذا أمر غير معهود، ولو كان ذلك لاشتهر ذلك اشتهارا عظيما ولَتبيّن للخاص والعام بحيث تتناقله الألسن جيلاً بعد جيل مع تظافر الدلائل التي تدلّ عليه، ولكن أنّى ذلك وهذا لم يَحصل.
      ومِن الناس وهذا قول عوام الناس مَن يقول بأنه تَحدُث أمور خارقة للعادات وتنقلب فيه الأمور رأسا على عَقِب ويُشاهِد الإنسان فيه الكثير الكثير .. هذا غير صحيح.
      ومِن العلماء مَن يَستنِد إلى رواية رُويت عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّ ميزة هذه الليلة بأنها ليلة غيرُ ذاتِ قَرٍّ ولا ذاتِ حَرٍّ .. أي إن كانت ليلة في الليالي الشاتِيَة فهي ليست شديدة البرودة وإنما بَرْدُها معتدِل، وكذلك إن كانت في الليالي الصائِفَة فهي أيضا غير شديدة الحرارة وإنما يكون جوها معتدِلا، و-أيضا-جاء في الحديث أنّ شمسَ غُدْوَتِها تَطْلُع وهي ليست ذاتَ شُعاع، ولكنّ الحديث لم يَصح
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      العَشْر الأواخر مِن رمضان تتميّز بِفضائل كثيرة وكذلك ليلة القدر، نريد أن نعرف هذه الفضائل، وكيف يُمكِن لِلمسلم أن يتحرّى فيها ليلة القدر ؟


      الجواب:
      إنّ الله تبارك وتعالى اقتضَت حكمتُه تفْضيلَ بعضِ مخلوقاتِه على بعض، مِن أيِّ جِنْس مِن الأجناس، فهو يُفَضِّلُ بعضَ البشر على بعض، ومِن البشَر الذين فُضِّلُوا رسلُ الله ، وهم أيضا فُضِّلَ بعضُهم على بعض، وكذلك فَضَّلَ الله سبحانه وتعالى بعضَ البلدان على بعض، وبعضَ الأمْكِنة على بعض ، و هكذا فَضَّلَ بعضَ الأزْمِنة على بعض، ومِن الأزْمِنة التي فَضَّلَها شهرُ رمضان المبارك بِكلِّ لياليه وبِكلِّ أيامه، ثم إنَّ أيامَ رمضان وليالِيَه أيضا فُضِّلَ بعضُها على بعض، ومِمّا فُضِّلَ العشْرُ الأواخر مِن رمضان .. فُضِّلَت العشْرُ الأواخر بِما أنها مَظِنَّةُ هذه الليلةِ المباركة .. مَظِنَّةُ ليلةِ القدْر، التي هي خير مِن ألف شهر، وقد فُضِّلَت ليلةُ القدْر على جميع الليالي العشْر وليالي رمضان بِأسْرها وعلى جميع أيام العام ولياليه، فهي بِنَصِّ القرآن الكريم خير مِن ألف شهر، وقد أنزل الله تبارك وتعالى فيها سورةً بِأسْرها تدلّ على مكانتها وعِظَمِ شأنها وجلال قدْرها .. يقول الحق سبحانه { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (سورة القدر) ، نعم ، هذهِ الليلةُ المبارَكَة هي خير مِن ألف شهر، وهي الليلة التي سماها الله تبارك وتعالى الليلةَ المباركة في قوله: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} (الدخان:3-5) ، وتسميتُها بِليلةِ القدْر إما لِعلوِّ قدْرها وعِظَمِ شأنها وإما لِمَا يُقْدَرُ فيها مِن الأمور، فقد قيل بأنّ الله تبارك وتعالى يَكتُب فيها ما يكون في سائر العام، ومهما يَكن فإنّ فَضْل هذهِ الليلة فَضْلٌ يَفوقُ الوصْف ويَفوتُ المدارِك، والله سبحانه وتعالى بيَّن هذا الفضْل العظيم في هذه السورة المبارَكَة، التي سُمِّيت ( سورة القدْر ) والتي فيها الحديث عن هذه الليلة وعن علوِّ قدْرها وعِظَمِ شأنها، وهي بِالطَّبْع إحدى ليالي رمضان، لأنّ هذهِ الليلة هي ليلةُ نزول القرآن على قلْب النبي صلى الله عليه وسلّم مع أنّ الله تعالى قال في شهر رمضان المبارَك { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: من الآية185)، ولئِن كان شهرُ رمضان نَزَلَ فيه القرآن الكريم وكان نزوله في ليلة القدْر فإذن هذهِ الليلةُ المبارَكَة هي إحدى ليالي هذا الشهر الكريم، وإن كان العلماء اختلفوا فيها اختلافا كثيرا، على أكثر مِن أربعين قولا، حتى أخرجَها بعضهم عن شهر رمضان رأسا، وهؤلاء قالوا في قول الله تعالى : {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}(البقرة: من الآية185) أي أُنْزِلَ في بيان فَضْلِه وقَدَرِه وشأنِه ووجوبِ صومِه؛ وهذا القول هو بعيد، لأنّ السياق يَقتضي خلافَ ذلك، ولأنّ النصوص النبوية-أيضا-تدلّ على خلافه ، فالأحاديث الشريفة المروية عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام تدلّ على أنّ ليلةَ القدْر هي إحدى ليالي شهر رمضان المبارَك.
      وقد يَتساءَل الإنسان: كيف يَكون إِنْزال القرآن في هذهِ الليلةِ - أي ليلةِ القدْر - مع أنّ القرآن نزل على النبي صلى الله عليه وسلّم في رمضان وفي غيره في ظَرْفِ ثلاثٍ وعشرين سنَة نزل بعضه في السفر وبعضه في الحضر وبعضه في المدينة وبعضه في مَكّة وبعضه نزل خارج المدينة ومَكّة عندما يكون النبي صلى الله عليه وسلّم في غزواته وفي أسْفاره ونزل أيضا القرآن الكريم في حالة السِّلْمِ وفي حالة الحرْب ونزل في وقت الصيف وفي وقت الشتاء فهو غير مُنْحَصِرِ النزول في وقتٍ معيّن فكيف يُقال بِأنه أُنْزِلَ في ليلة القدر ؟ والجواب:

      1- مِن العلماء مَن قال بِأنّ إنزال القرآن في ليلة القدر يعني بدايةَ إِنْزالِه على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم ، إذ بداية نزول القرآن عليه وهو في غار حراء كانت في شهر رمضان المبارك في هذه الليلة المباركة.

      2- ومِن العلماء مَن قال بأنّ نزول القرآن كان أوّلا مِن اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة في سماء الدنيا وكان ذلك في ليلة القدر وتلقّاه جبريل مِن الحفظة ثم إنّ جبريل نزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلّم ، وهذا مروي عن حَبْر الأمّة ابن عباس رضي الله عنهما.

      3- ومِن العلماء مَن ذهب إلى أنّ القرآن الكريم نَزَلَ في ثلاثِ وعشرينَ ليلةِ قَدْر .. أي كان الله تعالى ُنْزِلُ إلى سماء الدنيا ما يُقَدِّرُ إنزاله في سائر العام، والذي يَنْزِلُ مِن اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة في سماء الدنيا إنما كان يَنْزِلُ في ليلة القدر في كل عام وذلك بِقَدْرِ ما يَنْزِلُ في سائر العام.
      ولعلّ القول الأول أقربُ إلى الصحّة وأظهرُ، وإن كان القول الثاني مرويا عن حَبْرِ الأمّة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
      وهذه الليلة المباركة النبي صلى الله عليه وسلّم أُرِيَها وعرفها وارتَسَمَت في ذهنه وخرج لِيُخبِر بها أمّته فتلاحى رجلان مِن أمّته فرُفِعَت أي رُفِعَ عِلْمُها وقال النبي صلى الله عليه وسلّم : << وعسى أن يكون ذلك خيرا >> ، ويرجو بذلك أنّ الله تبارك وتعالى يَكتُب لهذه الأمّة الخير بِرَفْعِ هذه الليلة أي بِرَفْعِ عِلْمُها-لِما يُسَبِّبُه ذلك مِن اجتهاد الأمّة في إحياء ليالي رمضان المبارك.
      والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قال : << فالتمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر >>، ومعنى ذلك أنّ الإنسان يُؤمَر أن يَلتمِس هذه الليلة المباركة في العشْر الأواخر مِن شهر رمضان المبارك بحيث يجهد في العبادة في هذه الليالي المباركة ولاسيما الليالي الأوتار، وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين.
      ومِن العلماء مَن ذهب إلى أنها هي قبل العشْر الأواخر، وهؤلاء قولهم مرجوح، بِدلالة الحديث الشريف.
      ومنهم مَن قال بأنها لا تثبت على حال فإنها قد تَختلِف بين عام وآخر ففي عام تكون مثلا في ليلة الحادي والعشرين وفي عام تالٍ تكون في إحدى الليالي الأوتار الأخرى بِحيث لا تكون ليلةً معيّنةً في كل عام.
      هذه الليلة جعل الله تعالى شأنها شأنا عظيما {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر:4-5)،.. يَستمِر خيرُها إلى طلوع الفجر، وفي قوله تعالى: { … حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ما يُؤذِن بأنّ القول الصحيح هو أنّ فضل هذه الليلة يَنقطِع بِطلوع الفجر وأنه لا يَستمِر في يومها-أي في اليوم التالي-وإنما ينتهي بانتهاء الليل .. هذا هو القول الصحيح، وإن كان مِن العلماء مَن ذهب إلى خلاف ذلك إلا أنّ دلالةَ القرآن تدلّ على هذا، وكفى بهذه الدلالة حجّة، ولا ينبغي أن يُختلَف مع ورود نصّ مِن القرآن الكريم على شيء، وإذا جاء نهرُ الله بَطَلَ نهر مَعقِل؛ والله-تعالى-أعلم
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      ليلة القدر تكون في ليلة واحدة يتحراها المسلم ، لكننا مثلاً نحن تأخرنا عن البلدان الأخرى يوماً وتأخرنا عن البلد الأخرى يومين في هذه الحالة إذا كانت في ليلة الحادي والعشرين هل تتكرر معنا ومعهم ، أم كيف يكون حالها ؟


      الجواب:
      أولاً أن الاختلاف قد يكون بسبب اختلاف المطالع ، وقد يكون بسبب الغيم . فليلة القدر ليلة واحدة وإنما هي تسير مع سير الليل ، فالليل يبدأ من المشرق وينتهي إلى المغرب ، الليلة تبدأ من المشرق وتنتهي إلى المغرب ، ففي كل منطقة من هذه المناطق تستمر هذه الليلة إلى مطلع الفجر ، أما اعتبار كونها من الليالي الأوتار فقد يكون ذلك حكماً أغلبياً ، وقد يكون ذلك حكماً باعتبار أوسط المناطق ، والله تعالى أعلم
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      كما نعرف أن الأعمال تضاعف في ليلة القدر ، فهل تنطبق هذه المضاعفة على من أحيا ليلة القدر على الباطل أو في معصية الله سبحانه وتعالى ؟


      الجواب:
      لا ريب أن كل ذي حرمة تكون المعصية في كنفه أعظم إثماً وأشد جرما ، فالمعصية مثلاً في مكة المكرمة يضاعف وزرها لمكانة الحرم حرم الله تبارك وتعالى ، وكذلك المعصية التي تكون في شهر رمضان يضاعف وزرها بسبب أن الإنسان يجترئ على الله في الشهر الكريم ، وعندما تكون ليلة القدر فإنها يضاعف أيضاً وزرها ، فيجب على الإنسان أن يحرص على أن يتفادى المعصية بكل ما يملك من قوة حتى لا يقع فيها
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      ليلة القدر عندما يقيمها الإنسان هل يقيمها من بداية الليل إلى الفجر أم في أي ساعة من الساعات ؟


      الجواب:
      للإنسان أن يأتي بما استطاع من الطاعات بل ينبغي له ذلك أن يأتي بقدر ما يستطيع من الطاعات ، سواءً كان ذلك تهجداً أو كان ذلك تلاوة لكتاب الله أو كان ذكراً وتسبيحاً لله سبحانه وتعالى فإن ذلك كله مما يضاعف.
      وإنما الصلاة هي الأفضل لاشتمال الصلاة على تلاوة القرآن واشتمالها على التسبيح والذكر ، فالصلاة لا ريب أنها أجمع للخير ، ولكن لو اقتصر على الذكر أو اقتصر على تلاوة القرآن لكان في ذلك كله خير له سواءً كان ذلك في أول الليل أو كان في وسطه أو كان في آخره من حيث إنه يكتب له أجر مضاعف إن كان ذلك في ليلة القدر ، وإن كان ذلك في أخر الليل أفضل لأن وقت السحر وقت مبارك يرفع الله سبحانه وتعالى فيه الدعاء ، ويحقق فيه لعباده الرجاء ، ويغفر فيه للمستغفرين.
      فينبغي للإنسان أن لا يفوته ، ولا يلزمه أن يقوم الليل كله من أوله إلى آخره فإن هذا شيء لا يقدر عليه إلا خاصة الخاصة من المسلمين { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا}(الأنعام: من الآية132).
      فمن قام جزءاً من ليلة القدر ضوعف له الأجر كأنما قام ذلك الجزء في ألف شهر فيما عدا هذه الليلة ، وإن قام جزءاً أكبر من ذلك أيضاً ضوعف له بقدر هذه النسبة ، وهكذا فيما يفعله من الطاعات والتهجد وذكر الله سبحانه وتعالى ، ومن استطاع أن يقوم الليل كله فإن ذلك خير كبير له ، والله تعالى أعلم
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      هل يمكن أن تحصروا هذه الليلة ( ليلة القدر ) في أقرب ليلتين يمكن للإنسان أن يتحراهما ، وهل هناك دلالات معينة ؟


      الجواب:
      حقيقة الأمر ليلة القدر كما فهمنا من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي إحدى الليالي الأوتار في العشر الأواخر من شهر رمضان لأنه صلى الله عليه وسلّم قال : التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر.
      فالعشر الأواخر هي مظنة ليلة القدر ولا سيما الأوتار منها ( والتمسوها في كل وتر) واختلف العلماء كثيراً هل هي ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين وهو الذي شاع عند كثير من الناس حتى صاروا كأنهم يقطعون بأنها ليلة القدر أو ليلة التاسع والعشرين.
      ولم نجد دليلاً يمكن أن يعول عليه في ترجيح كونها إحدى هذه الليالي إلا ما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلّم رأى أنه في غدوتها يسجد على ماء وطين ، ولما كانت ليلة الحادي والعشرين نزلت السماء فوكف مسجده صلى الله عليه وسلّم يعني نزل ماء الغيث من سقف مسجده صلى الله عليه وسلّم إلى الأرض فسجد النبي صلى الله عليه وسلّم على الماء والطين ، وأبصر بعض الصحابة رضوان الله عليهم أثر الماء والطين على جبهة النبي صلى الله عليه وسلّم وأنفه ، فهذا ربما يترجح به أن هذه الليلة هي ليلة الحادي والعشرين ، هذا من باب الظن فقط لا يعدو أن يكون ذلك ظنا ، مع احتمال أن تكون هذه الليلة تنتقل ما بين عام وعام آخر بحيث تكون في هذا العام ليلة الحادي والعشرين - وهذا قول قاله كثير من العلماء - وفي العام الآخر ليلة الثالث والعشرين هذا أمر محتمل وليس ذلك ببعيد ، والله تعالى أعلم
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      لكن بعض الناس يعتبرون ليلة القدر ضرباً من الحظوظ تصيب بعض الناس من غير جهد ولا عمل فإذا وجدوا إنساناً مثلاً قد تحققت له خيرات كثيرة أو وجدوا إنساناً قد طال عمره يقولون هذا إنسان قام في ليلة القدر أو صادف ليلة القدر.


      الجواب:
      هذا من كلام العوام ، ولا عبرة بكلام العوام ، إنما فضل ليلة القدر بما يحرزه الإنسان فيها من عمل الخير
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      هل هناك شروط يجب أن تكون في الشخص حتى يكون مؤهلاً لرؤية ليلة القدر ؟


      الجواب:
      ليلة القدر لا تحتاج إلى رؤية إنما ليلة القدر يعيشها الإنسان فإذا كان الإنسان متقيا لربه سبحانه وتعالى قائماً ليله داعياً الله تعالى حريصاً على طاعته فهذا أحرز فضل ليلة القدر وناله.
      وأي عمل خير يعمله الإنسان في هذه الليلة المباركة حتى أن من صلى العشاء والغداة في جماعة في هذه الليلة المباركة يكون ذلك من الفضل العظيم الذي يكتب له لأن الأجر كما قلنا يضاعف أكثر مما يضاعف في غيرها حتى يكون الفضل مثل قيام ألف شهر من غير الشهور التي فيها ليلة القدر أي من غير شهر رمضان
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].

      السؤال:
      سماحة الشيخ أنتم ذكرتم أن بعض الناس ربما يكاشفون برؤية أنوار معينة تدل على أنهم صادفوا تلك الليلة ، فهل معنى هذا أنه من قام تلك الليلة ولم ير تلك الأنوار ولم يكاشف بها أنه لا يعد مصادفاً ؟


      الجواب:
      بل هو مصادف مهما كان الأمر ، لا يعني هذا أنه غير محرز لفضل ليلة القدر ، لا عبرة بما يراه الإنسان وإنما العبرة بحال الإنسان ، العبرة بإخلاصه وبعمله
      [التصنيف : ليلة القدر وفضائلها].
    • العشر الأواخر وليلة القدر.. سؤال أهل الذكر www.mofti.not


      سؤال أهل الذكر www.mofti.not
      العشر الأواخر وليلة القدر


      السؤال:
      ما هي فضائل العشر الأواخر ؟


      الجواب :
      بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
      فإن الله تبارك وتعالى يفضل ما يشاء من الأزمنة على ما يشاء ، كما يفضل ما يشاء من الأمكنة على ما يشاء ، ويفضل من يشاء من البشر على من يشاء ، هذه هي سنة الله تبارك وتعالى في خلقه ، وفضل الأزمنة والأمكنة بما يكون فيها من خير .
      والله سبحانه وتعالى اختار شهر رمضان المبارك لئن يكون ميقاتاً لنزول الكتاب الكريم على قلب خاتم النبيين سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم ، فقد قال الله سبحانه وتعالى { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ }( الدخان : 3-5 ) ، ويقول سبحانه وتعالى فيها { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}( سورة القدر ) .
      وكما ترون نوه الله سبحانه وتعالى بفضل هذه الليلة المباركة العظيمة في سورة الدخان ، وأنزل سورة القدر بأسرها مبينة عظم منزلتها وجلالة قدرها وشمول فضلها ، فهذا فضل عظيم لا يسامى ، ولذلك كانت الليالي التي تحتوي هذه الليلة المباركة هي أفضل الليالي ، والزمن الذي تقع فيه هذه الليلة المباركة هو أفضل الأزمنة .
      ومن المعلوم أن هذه الليلة دل القرآن على أنها في شهر رمضان المبارك لأنها كانت ميقاتاً لنزول القرآن على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله سبحانه وتعالى في هذا القرآن { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } ( البقرة : 185) تبين بذلك أن هذه الليلة هي إحدى ليالي هذا الشهر ، ثم جاءت السنة النبوية لتقرر وتبين أن هذه الليلة إنما تُلتمس في العشر الأواخر في شهر رمضان المبارك ، وفي الليالي الأوتار منها ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : فالتمسوها في العشر الأواخر ، والتمسوها في كل وتر . ومعنى ذلك أنها تلتمس في ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين ، أي في الليالي الأوتار من هذه العشر المباركات .
      هذا يدل على أن هذه العشر الأواخر متميزة على بقية الشهر الكريم كتميز الشهر الكريم على بقية الأشهر والأزمنة ، فالشهر الكريم متميز بكثير من المزايا ، من بين هذه المزايا أنه تضاعف فيه الحسنات ، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من عمل فيه نافلة كان كمن عمل في غيره فريضة ، ومن عمل فيه فريضة كان كمن أدى في غيره سبعين فريضة ، هذا يدل على مضاعفة أجر العاملين في هذا الشهر الكريم . وكذلك دل الحديث على أن العمرة في هذا الشهر الكريم يضاعف أجرها حتى تكون بمثابة الحجة مع النبي صلى الله عليه وسلم كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه لأم سنان الأنصارية رضي الله تعالى عنها : إذا كان رمضان فاعتمري ، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي . وهذا فضل عظيم وشرف كبير .
      وهذه الليلة هي لما كانت في العشر الأواخر فإن هذا يعطي العشر الأواخر منزلة تفوق منزلة بقية الشهر ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على هذه العشر الأواخر ، كان إذا دخلت العشر شد مئزره وأيقظ أهله وأحيا ليله .
      ( شد مئزره ) كناية عن الجد في العمل ، لأن من أراد أن يجد في شيء إنما يتشمر ويشد مئزره ويشد ثيابه ، فهذا كناية عن الجد في العمل ، أو أنه كناية عن البعد عن الشهوات بحيث إنه لا يقارب النساء في خلال هذه الأيام لأنه يكون في معتكفه ، وقد قال الله تبارك وتعالى { وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا }( البقرة :187) ، فلا يجوز للإنسان أن يباشر أهله وهو عاكف في المسجد ، كما أن المرأة أيضاً عندما تكون معتكفة لا يجوز لها أن يباشرها زوجها .
      ومعنى كونه ( أحيا ليله ) أن يواصل العمل في جميع الليل بحيث يتهجد الليل كله ، بخلاف بقية الليالي ، فبقية الليالي يتهجد فيها وينام ، أي يأخذ قسطاً من الراحة ، ولكنه في العشر الأواخر يبالغ في العبادة حتى أنه يحي الليل كله .
      ( ويوقظ أهله ) لأجل أن ينالوا من هذا الخير من هذا الفضل حتى لا يأخذهم النوم فيحرموا من هذا الفضل العظيم ، هكذا كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم ، فاعتكافه في هذه العشر الأواخر من أجل ليلة القدر ، لأن هذه الليلة وحدها هي خير من ألف شهر نظراً إلى حال من أحياها بالتهجد والقيام ، لا إلى حال من نام فيها واشتغل بملذاته ولم يعن بالتهجد ولم يعن بالذكر ، ولا أقول بأن ذلك خاص بالذي يحي الليلة بأسرها من أولها إلى آخرها ، فإذا أحيا الإنسان جزءاً من هذه الليلة بالتهجد والصلاة والذكر وتلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى يكون قد أخذ حظه من هذا الخير العظيم ، ويكون قد نال من شرف هذه الليلة ما نال ، فلا ينبغي للإنسان أن يفوت التهجد في أي وقت من الأوقات ولا سيما شهر رمضان المبارك ، ولكن في هذه العشر الأواخر أكثر ينبغي للإنسان يجد فيها وأن لا يفوت التهجد أبداً ، والله تعالى المستعان.
      [ سؤال أهل الذكر 20 من رمضان 1424هـ،15/11/2003 م]

      السؤال :
      مما يؤسف له أن بعض الناس يبدأ الرسم البياني معهم في العشر الأواخر يأخذ في الانحدار إلى الأسفل وينقطعوا عن صلاة التراويح أو يختصروها في أربع ركعات وتكاد المسجد يقل الزحام فيها فهل في ذلك فيه إشارة حرمان لهؤلاء من هذا الخير ؟


      الجواب :
      نسأل الله تبارك وتعالى العافية ، وخير العمل ما واظب عليه صاحبه ، والحرص على مضاعفة العمل في العشر الأواخر دليل الإيمان ، فإن الذي آمن بما أنزل الله تبارك وتعالى من فضل ليلة القدر ، وآمن بما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أن العشر الأواخر هي مظنة ليلة القدر ، وآمن بالاقتداء والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يحرص على التهجد ويحرص على الاعتكاف ، ويحرص على إحياء الليل كله في العشر الأواخر ، من آمن بذلك كله دفعته همته إلى أن يضاعف من العمل الصالح في العشر الأواخر ، لا إلى التقاعس عن العمل .
      فمن العجيب أن الناس قد يحرصون على النافلة أكثر مما يحرصون على الفريضة ، ومن ذلك أنهم يحرصون على أداء صلاة التراويح في الجماعة أكثر مما يحرصون على أداء الفروض الخمسة في جماعة ، مع أن الفروض الخمسة هي مفروضة بنص الكتاب العزيز فلا يجوز لأحد قط أن يتهاون بها ، وقد أشارت آيات من القرآن إلى لزوم أدائها في الجماعة مع الإمكان ، ونصت على ذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن مع ذلك الناس يتقاعسون عنها ، وقد يحرصون بعض الوقت على صلاة التراويح في الجماعة ثم عندما يتضاعف الفضل ويأتي ميقات التزاحم على الأعمال الصالحة وهو العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك إذا بهم يتقاعسون عن ذلك ، هذا مما يعجب منه ، فهذا على أي حال حرمان ، من كان غير محروم إنما يحرص على أن ينال من هذا الفضل العظيم ، وأن يكرع من هذا السلسبيل النقي ، وأن لا يفوت نفسه الانتفاع بهذا الخير الكبير .
      والصيام نفسه بما أنه داعٍ إلى تقوى الله تعالى هو مما يحفز صاحبه إلى أن يحرص على أعمال الخير في جميع الأوقات ومن ذلك حرصه على أداء الصلوات في الجماعات في جميع الأوقات ، لا أن يودع العبادات بعدما ينتهي شهر رمضان ، وأن يقبل على ملذاته وعلى دناياه كما يقول أحد الشعراء :
      رمضان ولى هاتها يا ساقي ***** مشتاقة تسعى إلى مشتاق
      بالأمس قد كنا أسيري طاعة ***** واليوم منّ العيد بالإطلاق
      هذا كلام أهوج ، ليس هو كلام عاقل ، الله المستعان ، على الناس أن يتنبهوا لذلك ، والله تعالى الموفق .
      [ سؤال أهل الذكر 20 من رمضان 1424هـ،15/11/2003 م]

      السؤال :
      البعض يظن أن ليلة القدر ضرب من الحظوظ العمياء يصادفها البلهاء والمجانين أو أنها حظ يأتي لمن صادفها من غير سابق عمل وطاعة ، فهل هذا الكلام صحيح ؟


      الجواب :
      ليلة القدر مزيتها أن الأجر يضاعف فيها . ما يقوله هؤلاء المغفلون البله لا أساس له من الصحة ، إنما الله تبارك وتعالى قال في بيان مزيتها وفضلها { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}( القدر : 3) ، فهي خير من ألف شهر مما يتضاعف من أجور العاملين بها وكفى . هذا هو فضل ليلة القدر ، لا أن الأحوال تنقلب فيها عن حسب ما يجري عليه نظام الكون ، وأن سنن الحياة تتبدل فيها ، هذا كلام ليس هو من الحقيقة في شيء ، إنما هو كلام سخيف ولا يصدر إلا ممن كان سخيف العقل .
      [ سؤال أهل الذكر 20 من رمضان 1424هـ،15/11/2003 م]

      السؤال :
      في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنه رأى ليلة القدر إلا أنه أنسيها ، فهل هناك علامات معينة يستدل بها المؤمن على ليلة القدر ؟


      الجواب :
      قد يرى الإنسان أنواراً أحياناً ، من المحتمل ، ليس ذلك ببعيد ، لأن الملائكة تتنزل فيها ، وقد يكشف الله تبارك وتعالى خبايا أسرار هذا التنزل لمن يشاء من عباده فكيف بالمصطفين الأخيار ، هذا من المحتمل ، قد يرى شيئاً من هذه العلامات ، لكن لا على أساس أن نظام الكون يتبدل فيها .
      [ سؤال أهل الذكر 20 من رمضان 1424هـ،15/11/2003 م]


      السؤال :
      من يقوم الليل كله تقريباً حرصاً على أن يصادف هذه الليلة لكنه لم ير شيئاً من هذا ، فهل يعني ذلك أنه لم يصادف تلك الليلة ؟


      الجواب :
      نفس قيامه الليل وتوفيقه لذلك إنما هو توفيق من الله تبارك وتعالى لنيل الحظ العظيم في هذا الموسم المبارك .
      [ سؤال أهل الذكر 20 من رمضان 1424هـ،15/11/2003 م]

      السؤال :
      هل العمرة في العشر الأواخر من رمضان فيها ميزة تختلف عن بقية الأيام ، وكذلك التصدق في العشر الأواخر عن الأموات ؟


      الجواب :
      العمرة في شهر رمضان المبارك كله من أوله إلى آخره تتميز على العمرة في غير رمضان بما دل عليه حديث أم سنان رضي الله عنها وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها : إذا كان رمضان فاعتمري ، فإن عمرة في رمضان تعدل حجة معي . هذا فضل عظيم لا يزهد فيه عاقل ، ولا ريب أن العشر الأواخر تضاعف فيها الأجور ، فلما كانت تضاعف الأجور فكذلك أجر العمرة فيها يتضاعف { وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ}( الأنعام : من الآية 132) ، كل واحد ينال نصيبه بمشيئة الله تعالى ، فما على الإنسان إلا أن يسعى ، والله تبارك وتعالى يثيب عباده بغير حساب ، وكما أن الله سبحانه وتعالى يثيب عباده بغير حساب فعلى العبد أن يعمل من غير أن يحسب حساباً بالأرقام للأجور ، يكل ذلك إلى الله تبارك وتعالى وكفى .
      وكذلك الصدقة ، الصدقة مطلوبة من الإنسان في كل الأوقات ، ولكن في شهر رمضان هي كسائر الأعمال تضاعف فيها الأجور ، وهذا مما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عندما وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان أجود الناس بالخير ، كان أجود بالخير من الريح المرسلة ، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان عندما يلقى جبريل يعرض عليه القرآن .
      فهذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرص في هذا الشهر الكريم على مضاعفة الصدقات أكثر وأكثر مما كان عليه من قبل ، مع كونه صلى الله عليه وسلم في كل الأوقات يسخو بكل ما يكون تحت يده ويعطي عطاء من لا يخشى الفقر .
      [ سؤال أهل الذكر 20 من رمضان 1424هـ،15/11/2003 م]

      السؤال:
      سماحة الشيخ هل يمكن لنا أن تبينوا لنا فضل ليلة القدر ، ومتى يمكن للمسلم أن يتحراها ؟


      الجواب :
      بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
      فإن الله سبحانه وتعالى يرفع درجات من يشاء ، ويفضّل ما يشاء ما على ما يشاء ، فهو يفضّل الناس بعضهم على بعض ، ويفضّل الرسل الذين هم صفوة الناس وخاصتهم بعضهم على بعض كما نص على ذلك القرآن الكريم مع أنهم جميعاً مصطفون أخيار بلغوا من درجة الكمال البشري ما لم يبلغه غيرهم ، وكذلك فضّل الله سبحانه وتعالى بعض الأمكنة على بعض كما هو واضح في تفضيل حرمه الآمن ، وتفضيله أيضاً المكان الذي بارك حوله وهو المسجد الأقصى وما حوله وهذا مما دل عليه القرآن الكريم ، كذلك فضّل الله بعض الأزمنة على بعض ، وقد يكون المفَضل أيضاً على غيره منه ما هو أفضل من غيره .
      فشهر رمضان كله شهر فضيل لأجل ما جعل الله سبحانه وتعالى فيه من البركة والخير كما ينبئ بذلك قوله سبحانه { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: من الآية185) ، فهو شهر فضيل من أجل هذه الميزة ، ولكن هذه الليلة هي مفضلة على سائر ليالي الشهر ولذلك بلغت من الكمال - كمال الفضل وهو كمال المخلوقات بطبيعة الحال - ما لم تبلغه ليلة أخرى وما لم يبلغه زمان آخر ، وناهيكم أن الله سبحانه وتعالى سماها ليلة القدر وسماها ليلة مباركة وقد قال {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } (الدخان : 3-5) ، وتسميتها بليلة القدر يوحي بمكانتها وعظمتها فإن القدر هو الشأن فهي ليلة شأن عظيم وشأو جليل لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى .
      وقد أنزل الله سبحانه وتعالى سورة بأسرها تدل على فضلها وميزتها وشرفها وعلو شأنها يقول سبحانه { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ( سورة القدر 1 ـ 5) .
      فهذه الليلة ليلة بلغت من الفضل هذا القدر العظيم وذلك أنها جعلها الله سبحانه وتعالى خيراً من ألف شهر من الشهور التي ليست فيها ليلة قدر .
      ومعنى هذا أن الإنسان عندما يعمل الصالحات في هذه الليلة ويجتهد بالتقرب إلى الله سبحانه وتعالى يكون قد أحرز من الفضل مثل ما يحرزه لو عمل ذلك في كل ليلة من ليالي ألف شهر ، فهذا فضل عظيم لا يزهد فيه من عنده مثقال ذرة من عقل ، ومن الذي يزهد في هذا الخير العظيم ؟
      هذه الليلة أخفاها الله سبحانه وتعالى في تضاعيف هذا الشهر الكريم كما أخفى الله سبحانه ساعة الإجابة من يوم الجمعة ، وذلك من أجل أن يجتهد الناس في الدعاء في جميع الساعات يوم الجمعة ، وكذلك أخفى الله سبحانه وتعالى كثيراً من الأشياء عن عباده لأجل أن يجتهد الناس ، فالناس لا يدري أحدهم متى يموت ، فساعة وفاة الإنسان لا يعلمها لأجل أن يكون الإنسان في كل لحظة من لحظات العمر متهيئاً للقاء الله موطناً نفسه للانتقال من هذه الدار الدنيا إلى الدار الآخرة ، وكذلك قيام الساعة أمر لا يعلمه إلا الله .
      فليلة القدر هي ليلة مجهولة هي إحدى ليالي الشهر الكريم ، أخفيت من أجل هذه الحكمة حتى لا يتكل الناس عندما يعرفونها ، بحيث يعملون الخير فيها وحدها ويدعون عمل الخير في سائر الشهر ، فالناس مطالبون بأن يتسابقوا إلى الخير في هذا الشهر الكريم ، وأن يضاعفوا جهودهم فيه أكثر مما كانوا يفعلون في غيره فلذلك أخفيت هذه الليلة .
      والنبي صلى الله عليه وسلّم عُرفّها أُريها ، ولكن خرج ليخبر بها أصحابه فتلاحى رجلان فرفعت أي رفع علمها عنه صلى الله عليه وسلّم فلذلك قال على أثر ذلك : فالتمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر . فالناس مطالبون بأن يلتمسوها في العشر الأواخر لا سيما الليالي الأوتار وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين فعلى الإنسان أن يتحراها في هذه الليالي .
      ولقد شاع عند عوام الناس وجهلتهم أن في هذه الليلة أشياء تبدو للناس فيتراءونها بحيث تنقلب الأمور رأساً على عقب ، وقد تصور بعض العوام والجهلة أن الأشجار يظهر سيولها في هذه الليلة المباركة ويرى الناس ذلك ، وكذلك تصوروا أن كثيراً من الأشياء تنقلب عن سننها المعهودة ، وتصوروا أيضاً أن هذه الليلة عندما يكاشف الإنسان بها كل ما يريده أو يخطر على باله يتحقق له هذا كله ليس صحيحاً .
      إنما فضل هذه الليلة بما ذكره الله سبحانه وتعالى مما أودعه فيها من البركة حتى كان قيامها بمثابة قيام ألف شهر من سائر الليالي ، فلو كانت هنالك علامات ظاهرة كما يقولون لما خفيت تلكم العلامات عمن يقومون ليالي الشهر الكريم جميعاً ، ولكن هذه إشاعات لا أساس لها من الصحة ، وإنما فضل هذه الليلة بما ذكرناه .
      ولربما ظهر لبعض الناس بعض الأشياء كظهور الأنوار بسبب كثرة الملائكة الذين يتنزلون فيها وهذا أمر لا يكاشف به كل أحد ولكن ربما يظهر ذلك لبعض الناس ، وإنما على الإنسان أن يحرص على اكتساب خيرها بغض النظر عن هذه الأشياء كلها ، وإنما عليه أن يحرص على اكتساب خيرها وذلك بأن يحيها بالتهجد وذكر الله تعالى واستغفاره والتبتل إليه سبحانه وتكرار الدعاء الذي علّمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها عندما سألته ماذا تصنع عندما ترى هذه الليلة أو تصادف هذه الليلة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلّم أن تقول : اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ، فينبغي للإنسان ذلك .
      والنبي صلى الله عليه وسلّم من أجل كون هذه الليلة هي إحدى الليالي التي تكون في العشر الأواخر من الشهر المبارك ، لما كانت هذه إحدى الليالي العشر من الشهر المبارك كان يحرص صلى الله عليه وسلّم على مضاعفة جهده في التهجد في العشر الأواخر ، كان يعتكف هذه العشر الأواخر ، وكان إذا دخلت شد مئزره وأيقظ أهله وأحيى ليله ، ومعنى شده مئزره أنه كان يشمر عن ساعد الجد في العمل لأن شد المئزر يكون عندما يقابل الإنسان عملاً شاقاً ، ومنهم من حمل شده مئزره على معنى أنه كان يجتنب النساء ولا يواقع النساء بسبب إخلاده إلى الاعتكاف في هذه العشر . ومعنى إيقاظه أهله أنه كان يدعوهم إلى التهجد يأمرهم ألا يناموا إلا بقدر ما يضطرون إلى النوم ، وإنما يدعوهم إلى أن يتهجدوا لأجل أن يشاركوا في الخير لينالوا من ربحه العظيم .
      ومعنى كونه صلى الله عليه وسلّم يحي ليله أنه يقضي ليله تهجداً بحيث يطوي فراشه في هذه الليالي العشر حرصاً على اكتساب هذا الخير العظيم ، فهكذا ينبغي للناس .
      وحقيقة الأمر الناس اختلفوا كثيراً في ليلة القدر على نحو أربعة وأربعين قولاً ، وهذه الأقوال كثير منها لا دليل عليه ، منهم من قال بأنها ليست من ليالي شهر رمضان رأساً وإنما هي ليلة في سائر ليالي العام ، وهذا قول بعيد عن الصواب لأن الله تعالى قال { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ( القدر :1) ، وفي نفس الوقت قال { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}(البقرة: من الآية185) ، ولكن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي قالوا إن معنى نزول القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم أي نزول بيان فضل هذا الشهر وميزته ومكانته ، وهذا قول بعيد عن التحقيق .
      ومنهم من قال بأنها في العشر الأولى ، منهم من قال هي الليلة الأولى ، ومنهم من قال الثانية ومنهم من قال الثالثة وهكذا ، ومنهم من قال في الوسط منهم من قال ليلة السابع عشر ومنهم من قال ليلة السادس عشر وهكذا ، وهذه الأقوال لا تتفق مع ما دل عليه الحديث الصحيح إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلّم بأنها إحدى ليالي العشر الأواخر ، والله تعالى أعلم.
      [ سؤال أهل الذكر الأربعاء 21 من رمضان 1423 هـ ، 27/11/2002م]

      السؤال:
      سماحة الشيخ أنتم ذكرتم أن بعض الناس ربما يكاشفون برؤية أنوار معينة تدل على أنهم صادفوا تلك الليلة ، فهل معنى هذا أنه من قام تلك الليلة ولم ير تلك الأنوار ولم يكاشف بها أنه لا يعد مصادفاً ؟


      الجواب :
      بل هو مصادف مهما كان الأمر ، لا يعني هذا أنه غير محرز لفضل ليلة القدر ، لا عبرة بما يراه الإنسان وإنما العبرة بحال الإنسان ، العبرة بإخلاصه وبعمله
      .[ سؤال أهل الذكر الأربعاء 21 من رمضان 1423 هـ ، 27/11/2002م]

      السؤال :
      هل هناك شروط يجب أن تكون في الشخص حتى يكون مؤهلاً لرؤية ليلة القدر ؟


      الجواب :
      ليلة القدر لا تحتاج إلى رؤية إنما ليلة القدر يعيشها الإنسان فإذا كان الإنسان متقيا لربه سبحانه وتعالى قائماً ليله داعياً الله تعالى حريصاً على طاعته فهذا أحرز فضل ليلة القدر وناله .
      وأي عمل خير يعمله الإنسان في هذه الليلة المباركة حتى أن من صلى العشاء والغداة في جماعة في هذه الليلة المباركة يكون ذلك من الفضل العظيم الذي يكتب له لأن الأجر كما قلنا يضاعف أكثر مما يضاعف في غيرها حتى يكون الفضل مثل قيام ألف شهر من غير الشهور التي فيها ليلة القدر أي من غير شهر رمضان
      .[ سؤال أهل الذكر الأربعاء 21 من رمضان 1423 هـ ، 27/11/2002م]

      السؤال:
      لكن بعض الناس يعتبرون ليلة القدر ضرباً من الحظوظ تصيب بعض الناس من غير جهد ولا عمل فإذا وجدوا إنساناً مثلاً قد تحققت له خيرات كثيرة أو وجدوا إنساناً قد طال عمره يقولون هذا إنسان قام في ليلة القدر أو صادف ليلة القدر .


      الجواب :
      هذا من كلام العوام ، ولا عبرة بكلام العوام ، إنما فضل ليلة القدر بما يحرزه الإنسان فيها من عمل الخير.
      [ سؤال أهل الذكر الأربعاء 21 من رمضان 1423 هـ ، 27/11/2002م]

      السؤال :
      هل يمكن أن تحصروا هذه الليلة ( ليلة القدر ) في أقرب ليلتين يمكن للإنسان أن يتحراهما ، وهل هناك دلالات معينة ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر ليلة القدر كما فهمنا من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم هي إحدى الليالي الأوتار في العشر الأواخر من شهر رمضان لأنه صلى الله عليه وسلّم قال : التمسوها في العشر الأواخر والتمسوها في كل وتر . فالعشر الأواخر هي مظنة ليلة القدر ولا سيما الأوتار منها ( والتمسوها في كل وتر).
      واختلف العلماء كثيراً هل هي ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين وهو الذي شاع عند كثير من الناس حتى صاروا كأنهم يقطعون بأنها ليلة القدر أو ليلة التاسع والعشرين .
      ولم نجد دليلاً يمكن أن يعول عليه في ترجيح كونها إحدى هذه الليالي إلا ما جاء في بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلّم رأى أنه في غدوتها يسجد على ماء وطين ، ولما كانت ليلة الحادي والعشرين نزلت السماء فوكف مسجده صلى الله عليه وسلّم يعني نزل ماء الغيث من سقف مسجده صلى الله عليه وسلّم إلى الأرض فسجد النبي صلى الله عليه وسلّم على الماء والطين ، وأبصر بعض الصحابة رضوان الله عليهم أثر الماء والطين على جبهة النبي صلى الله عليه وسلّم وأنفه ، فهذا ربما يترجح به أن هذه الليلة هي ليلة الحادي والعشرين ، هذا من باب الظن فقط لا يعدو أن يكون ذلك ظنا ، مع احتمال أن تكون هذه الليلة تنتقل ما بين عام وعام آخر بحيث تكون في هذا العام ليلة الحادي والعشرين - وهذا قول قاله كثير من العلماء - وفي العام الآخر ليلة الثالث والعشرين هذا أمر محتمل وليس ذلك ببعيد ، والله تعالى أعلم.
      [سؤال أهل الذكر الأربعاء 21 من رمضان 1423 هـ ، 27/11/2002م]

      السؤال :
      كما نعرف أن الأعمال تضاعف في ليلة القدر ، فهل تنطبق هذه المضاعفة على من أحيا ليلة القدر على الباطل أو في معصية الله سبحانه وتعالى ؟


      الجواب :
      لا ريب أن كل ذي حرمة تكون المعصية في كنفه أعظم إثماً وأشد جرما ، فالمعصية مثلاً في مكة المكرمة يضاعف وزرها لمكانة الحرم حرم الله تبارك وتعالى ، وكذلك المعصية التي تكون في شهر رمضان يضاعف وزرها بسبب أن الإنسان يجترئ على الله في الشهر الكريم ، وعندما تكون ليلة القدر فإنها يضاعف أيضاً وزرها ، فيجب على الإنسان أن يحرص على أن يتفادى المعصية بكل ما يملك من قوة حتى لا يقع فيها.
      [سؤال أهل الذكر 26 من رمضان 1423 هـ ، 2/12/2002م]

      السؤال :
      ليلة القدر تكون في ليلة واحدة يتحراها المسلم ، لكننا مثلاً نحن تأخرنا عن البلدان الأخرى يوماً وتأخرنا عن البلد الأخرى يومين في هذه الحالة إذا كانت في ليلة الحادي والعشرين هل تتكرر معنا ومعهم ، أم كيف يكون حالها ؟


      الجواب :
      أولاً أن الاختلاف قد يكون بسبب اختلاف المطالع ، وقد يكون بسبب الغيم . فليلة القدر ليلة واحدة وإنما هي تسير مع سير الليل ، فالليل يبدأ من المشرق وينتهي إلى المغرب ، الليلة تبدأ من المشرق وتنتهي إلى المغرب ، ففي كل منطقة من هذه المناطق تستمر هذه الليلة إلى مطلع الفجر ، أما اعتبار كونها من الليالي الأوتار فقد يكون ذلك حكماً أغلبياً ، وقد يكون ذلك حكماً باعتبار أوسط المناطق ، والله تعالى أعلم .
      [سؤال أهل الذكر الثلاثاء 27 رمضان 1423 هـ ،3/12/2002 م]

      السؤال :
      امرأة تستأذن زوجها في قيام الليل ويسمح لها في بعض الأحيان ولكنه تصدر منه كلمات جارحة لها على عبادتها ، فكيف تتصرف وما نصيحتكم له ؟


      الجواب :
      نقول بأنها لا تطيع زوجها إذا أمرها بترك فريضة أو فعل معصية ، أما في النفل فإنها تطيع زوجها فإن أذن لها فلتعمل بما أذن لها به من صيام ومن صلاة النفل ، وإن جرحها بكلام بعد ذلك فإن تبعة ذلك عليه ومسئوليته أمام الله عظيمة وهو محاسب على تصرفاته السيئة ، وهي مأجورة إن شاء الله ، يؤجرها الله عز وجل على ما تعمل من خير وعلى ما يصيبها من سوء المعاملة من قبل الزوج .
      [سؤال أهل الذكر 21 من صفر 1425هـ ، 11/4/2004م]

      السؤال :
      ما هي أفضل الأوقات لقيام الليل ؟


      الجواب :
      الليل مإنة للقيام ، كله قيامه خير فالله تعالى يقول { وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} (الإسراء:79) ، ولكن كلما تأخر القيام إلى آخر الليل كان أفضل ، فإن كان بعد منتصف الليل فهو أفضل ، وإن كان بعد مضي ثلثي الليل أي إن كان في الثلث الأخير من الليل فذلك أفضل وأفضل .
      [سؤال أهل الذكر 11 من شعبان 1425 هـ، 26/9/2004م]

      المصدر :
      برنامج : سؤال أهل الذكر www.mofti.not تفريغ وطباعة: ناصر بن زاهر العبري وإخراج وتنسيق: موسى بن علي العبري
    • فتاوى في ليلة القدر

      ليلة القدر


      السؤال:
      اشتهر كثيرا لدى الناس بأنّ ليلة السابع والعشرين مِن الشهر الكريم هي ليلة القدر، فما السبب في ذلك ؟ وهل تكون ليلة القدر ليلتين في الشهر الواحد بِمعنى أنها اليوم مثلا في أمّ القرى وغدا في عُمان بِحكم تقدّم الأولى يوما عن الثانية ؟


      الجواب:
      إنّ ليلة القدْر فيها خلاف كثير بين أهل العلم هل هي مِن ليالي العشْر الأواخر-كما هو الراجح-أو هي مِن ليالي مُطْلَقِ شهر رمضان الكريم، أو هي خارجة-كما ذكرنا مِن قبل [ ص2 عند الجواب على السؤال الأول 22 رمضان 1422هـ يوافقه 8/12/2001م )] - عن هذا الشهر؛ والراجح-ما ذكرناه [ ص3-4 عند الجواب على السؤالين الأول والثالث 22 رمضان 1422هـ يوافقه 8/12/2001م )] - بِأنها إحدى الليالي الأوتار في العشْر الأواخر مِن شهر رمضان المبارك، وكونها ليلة الحادي والعشرين أو ليلة الثالث والعشرين أو ليلة الخامس والعشرين أو ليلة السابع والعشرين أو ليلة التاسع والعشرين أمْرٌ لا نَملِك دليلا عليه اللهم إلا ما جاء في بعض الروايات مِن أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان قد رأى أنه يَسْجُدُ في غُدْوَتِهَا على ماء وطين وَوَكَفَت السماء في ليلة الحادي والعشرين وصلّى النبي صلى الله عليه وسلم وسجَد على الثَّرَى على أثَر الماء فلَصِقَ الطين بِجَبِينِه الشريف فانصرف مِن صلاته وعلى وَجْهِه أثَر الماء والطين، وقد استدَلّ بِذلك مَن قال بِأنها ليلة الحادي والعشرين.
      أما كونها اشتَهَرَت أنها ليلة السابع والعشرين فهذا كما اشتَهَر أنّ ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة السابع والعشرين مِن شهر رجب مع أنه لا يَملِك أحدٌ دليلا يُمكِن أن يَعتمِد عليه في ترجيح هذا الرأي اللهم إلا أنه الشائع عند الناس مع أنّ الدليل غير موجود، فلا يُمكِن أن يَقطَع الإنسان بِذلك، وإنما قد يَشِيعُ في أوساط بعض الناس أمرٌ مِن غيرِ أن يكون فيه استنادٌ إلى دليل، ونحن نقف عند هذا النص: ( فالتمسوها في العشْر الأواخر والتمسوها في كل وتر )؛ والله-تعالى-أعلم.


      السؤال:
      هل مَن يَرى ليلة القدر يُخبِر بِها أحدا مِن الناس ؟


      الجواب:
      قالوا بِأنه يُكْرَه أن يُخبِر بِذلك، إذ هي كرامة والكرامة يَنبغي لِلإنسان أن يُخفِيَها وألاّ يَجْهَر بِها ولِذلك قالوا ينبغي ألاّ يُخبِر بِها .. هكذا، و-على أيّ حال-تَختلِف الظروف والأحوال فلَربما استدَلّ الإنسان بِبعض الآيات والمشاهِد التي يَراها على أنّ تلك الليلة ليلةُ القدْر ويتحدّث عن ذلك لا لأجل الإخبار ولكن لأجل الاستدلال فهذا أمر لا مانع منه ولكن مهما كان عليه أن يُحافِظ على هذه الكرامة التي وهبه الله-تعالى-إياها وذلك بِإخفائها؛ والله ولي التوفيق.


      السؤال:
      هل ليلة القدْر لأشخاص معيّنين ؟ وهل مَن صلاها في تلك الليلة ولم يحس بِها كما يحس بِها الآخرون يَحصل على نفس الأجر ؟


      الجواب:
      نعم .. ليلة القدر إنما هي لِمَن قامها واجتهد في العبادة فيها .. تُضاعَف أجور العبادات لِهؤلاء الذين يَقومون بِعبادة الله-تعالى-فيها أكثر مِمّا هو معهود في غيرها أضعافا كثيرة بِحيث يكون مَن قامها واجتهد فيها كمَن قام واجتهد في ليالي ألْف شهر مِن سائر الأيام؛ والله-تعالى-أعلم.
      ولا يُشترَط أن يَرى علامة تدُلّ عليها.
      [سؤال أهل الذكر 23 رمضان 1422هـ يوافقه 9/12/2001م ].

      السؤال:
      هل يُمكن أن تُبيِّنوا لنا فضْلَ ليلة القدر ؟ ومتى يمكن لِلمسلم أن يتحرّاها ؟


      الجواب:
      إنّ الله سبحانه وتعالى يَرفع درجات مَن يشاء، ويُفضِّل ما يشاء على ما يشاء، فهو يُفضِّل الناس بعضَهم على بعض، ويُفضِّل الرسل-الذين هم صفْوة الناس وخاصتهم-بعضَهم على بعض، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم مع أنهم جميعا مُصْطَفَوْن أخْيار بَلَغوا مِن درجة الكمال البشري ما لم يَبلُغه غيرُهم، وكذلك فضّل الله سبحانه وتعالى بعضَ الأمكنة على بعض، كما هو واضح في تفضيلِ حَرَمِه الآمِن، وتفضيلِه-أيضا-المكان الذي بارَكَ حولَه وهو المسجد الأقصى وما حولَه، وهذا مما دَلّ عليه القرآن الكريم.
      كذلك فضّل الله بعضَ الأزمنة على بعض، وقد يكون المفَضّل-أيضا-على غيره منه ما هو أفضل مِن غيره، فشهر رمضان كله شهرٌ فضيل، لأجل ما جعل الله سبحانه وتعالى فيه مِن البَرَكة والخير، كما يُنْبِئُ بِذلك قوله سبحانه: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ... } ( سورة البقرة، من الآية: 185 )، فهو شهر فضيل مِن أجل هذه الميزة، ولكن هذه الليلة هي مفضَّلة على سائر ليالي الشهر، ولذلك بَلَغَت مِن كمال الفضْل-وهو كمال المخلوقات بطبيعة الحال-ما لم تَبْلُغْه ليلةٌ أخرى وما لم يَبْلُغْه زمان آخر، وناهيكم أنّ الله سبحانه وتعالى سَمّاها " ليلة القَدْر " وسماها " ليلة مباركة ".
      وقد قال: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } ( سورة الدخان، الآيات: 3-5 )، وتسميتها بِليلة القَدْر يُوحِي بِمكانتها وعظمتها، فإنّ " القَدْر " هو الشأن، فهي ليلةُ شَأْنٍ عظيمٍ وشَأْوٍ جليلٍ لا يَعْلَم مداه إلا الله سبحانه وتعالى .
      وقد أنزل الله سبحانه وتعالى فيها سورة بِأسْرها تَدلّ على فضْلها وميزتها وشرَفها وعلُوّ شأنها .. يقول سبحانه: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ( سورة القدر 1 ـ 5)، فهذه الليلة ليلة بَلَغَت مِن الفضل هذا القَدْر العظيم، وذلك أنها جعلها الله سبحانه وتعالى خيرا مِن ألْف شهر مِن الشهور التي ليست فيها ليلة قَدْر؛ ومعنى هذا أنّ الإنسان عندما يَعمَل الصالحات في هذه الليلة ويَجتهد بِالتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى يكون قد أَحْرَزَ مِن الفضْل مثل ما يُحرِزُه لو عَمِل ذلك في كل ليلة مِن ليالي ألْف شهر، فهذا فضْل عظيم لا يَزْهَدُ فيه مَن عنده مثقالُ ذرّة مِن عقْل، ومَن الذي يَزْهَدُ في هذا الخير العظيم ؟!
      هذه الليلة أخفاها الله سبحانه وتعالى في تضاعِيف ليالي هذا الشهر الكريم، كما أخفى-سبحانه-ساعة الإجابة مِن يوم الجمعة، وذلك مِن أجل أن يَجتَهِد الناس في الدعاء في جميع الساعات يومَ الجمعة، وكذلك أخفى الله سبحانه وتعالى كثيرا مِن الأشياء عن عباده لأجل أن يَجتَهِد الناس، فالناس لا يدري أحدهم متى يموت، فساعة وفاة الإنسان لا يَعلَمها، لأجل أن يكون الإنسان في كل لحظة مِن لحظات العمُر متهيِّئا لِلقاء الله موطِّنا نفسَه لِلانتقال مِن هذه الدار الدنيا إلى الدار الآخرة، وكذلك قيامُ الساعة أمرٌ لا يَعلَمه إلا الله.
      فليلة القدر هي ليلة مجهولة .. هي إحدى ليالي الشهر الكريم، أُخفِيَت مِن أجل هذه الحكمة حتى لا يَتَّكِل الناس عندما يَعرفونها، بِحيث يَعمَلون الخيرَ فيها وحدها ويَدَعُون عملَ الخير في سائر الشهر، فالناس مطالَبون بِأن يَتسابَقوا إلى الخير في هذا الشهر الكريم وأن يُضاعِفوا جهودَهم فيه أكثر مِمّا كانوا يَفعَلون في غيره فلذلك أخفيت هذه الليلة.
      والنبي صلى الله عليه وسلم عُرِّفها .. أُريها ولكن خرَج لِيُخبِر بها أصحابَه فتلاحى رجلان فرُفِعت .. أي رفع عِلمُها عنه صلى الله عليه وسلم ، فلذلك قال على أثر ذلك: ( فالتمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر )، فالناس مطالَبون بِأن يلتمِسوها في العشْر الأواخر لاسيما الليالي الأوتار، وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين، فعلى الإنسان أن يتحرّاها في هذه الليالي.
      ولقد شاع عند عوام الناس وجهَلتهم أنّ في هذه الليلة أشياءَ تبدو لِلناس فيتراءونها بِحيث تنقلب الأمور ظهرا على عقِب، وقد تَصوَّر بعض العوام والجهلة أنّ الأشجار يَظهر سُيولها في هذه الليلة المبارَكة ويَرى الناس ذلك، وكذلك تصوّروا-أيضا-أنّ كثيرا مِن الأشياء تَنقلب عن سُنَنِها المعهودة، وتصوّروا أيضا أنّ هذه الليلة عندما يُكاشَف الإنسان بها كل ما يُريده أو يَخطر على باله يَتحقق له .. هذا كله ليس صحيحا .. إنما فضْل هذه الليلة بما ذكره الله سبحانه وتعالى مِمّا أَوْدَعه فيها مِن البركة حتى كان قيامها بِمثابة قيامِ ألْفِ شهرٍ مِن سائر الليالي، فلو كانت هنالك علامات ظاهرة-كما يقولون-لَما خَفِيت تلكم العلامات عَمّن يَقومون ليالي الشهر الكريم جميعا، ولكن-على أيّ حال-هذه إشاعات لا أساس لها مِن الصحّة، وإنما فضْل هذه الليلة بِما ذكرناه، ولربما ظهر لِبعض الناس بعض الأشياء كظهور الأنوار بِسبب كثرة الملائكة الذين يَتَنَزَّلون فيها وهذا أمر لا يَكاشَفُ به كل أحد ولكن ربما يَظهر ذلك لِبعض الناس، وإنما على الإنسان أن يَحرِص على اكتساب خيْرِها بِغَضِّ النظر عن هذه الأشياء كلها، وإنما عليه أن يَحرِص على اكتساب خيْرِها وذلك بِأن يُحْيِيَها بِالتهجّد وذِكْر الله-تعالى-واستغفاره والتبتّل إليه-سبحانه-وتَكْرَار الدعاء الذي علّمه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمّ المؤمنين عائشة-رضي الله تعالى عنها-عندما سألته ماذا تصنع عندما تصادِف هذه الليلة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقول: ( اللهم إنك عَفُوٌّ تُحِب العَفْوَ فاعْفُ عني )، فينبغي لِلإنسان ذلك.
      والنبي صلى الله عليه وسلم مِن أجل كوْن هذه الليلة هي إحدى الليالي التي تكون في العشْر الأواخر مِن الشهر المبارك .. لَمّا كانت هذه هي إحدى الليالي العشْر مِن الشهر المبارك كان يَحرِص صلى الله عليه وسلم على مضاعَفة جَهْدِه في التهجد في العشْر الأواخر .. كان يَعتكِف هذه العشْر الأواخر، وكان إذا دخلت شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَيْقَظَ أَهْلَهُ وأحْيَى لَيْلَهُ، ومعنى شَدِّهِ مْئْزَرَهُ أنه كان يُشَمِّرُ عن ساعِد الجِدِّ في العمل، لأنّ شَدَّ المئْزَر يكون عندما يُقابِل الإنسان عملا شاقّا، ومنهم مَن حَمَل شَدِّهِ مْئْزَرَهُ على معنى أنه كان يَجتنِب النساء ولا يُواقِع النساء بِسبب إِخْلادِه إلى الاعتكاف في هذه العشْر، ومعنى إيقاظه أَهْلَه أنه كان يَدعوهم إلى التهجد .. يَأمرهم ألاّ يَناموا إلا بِقدْر ما يَضطَرون إلى النوم، وإنما يَدعوهم إلى أن يَتهجدوا، لأجل أن يُشارِكوا في الخير لِينالوا مِن ربْحه العظيم، ومعنى كونه صلى الله عليه وسلم يُحيِي لَيلَه أنه يَقضي ليله تهجدا بِحيث يَطوي فِراشه في هذه الليالي العشْر، حِرصا على اكتساب هذا الخير العظيم، فهكذا ينبغي لِلناس.
      و-حقيقة الأمر-الناس اختلفوا كثيرا في ليلة القدر على نحو أربعة وأربعين قولا، وهذه الأقوال كثير منها لا دليل عليه:
      منهم مَن قال بأنها ليست مِن ليالي شهر رمضان رأسا، وإنما هي ليلة في سائر ليالي العام؛ وهذا قول بعيد عن الصواب، لأنّ الله-تعالى-قال: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ( سورة القدر، الآية: 1 ) وفي نفس الوقت قال: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ... } ( سورة البقرة، من الآية: 185 )، ولكن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي قالوا: " إنّ معنى نزول القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم .. أي نزوله في بيان فضل هذا الشهر وميزته ومكانته "، وهذا القول بعيد عن التحقيق.
      ومنهم مَن قال بِأنها في العشْر الأولى:
      منهم مَن قال: هي الليلة الأولى.
      ومنهم مَن قال: الثانية.
      ومنهم مَن قال: الثالثة.
      وهكذا.
      ومنهم مَن قال في الوسط:
      منهم مَن قال ليلة السابع عشر.
      ومنهم مَن قال ليلة السادس عشر.
      وهكذا.
      وهذه الأقوال لا تتّفِق مع ما دَلّ عليه الحديث الصحيح، إذ أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بِأنها إحدى ليالي العشْر الأواخر؛ والله-تعالى-أعلم.


      السؤال:
      إنما هي تبقى علامات تُشعِر المؤمِن على أنه صادَفها.


      الجواب:
      نعم.


      السؤال:
      مَن يَقوم الليل كله تقريبا حِرصا على أن يُصادِف هذه الليلة لكنه لم يَرَ شيئا مِن هذا.


      الجواب:
      نفسُ قيامِه الليل وتوفيقُه لِذلك إنما هو توفيقٌ مِن الله-تبارك وتعالى-لِنَيْلِ الحظّ العظيم في هذا الموسم المبارك.
    • الاعتكاف من سؤال أهل الذكر www.mofti.not


      سؤال أهل الذكر www.mofti.not
      الاعتكاف


      السؤال :
      ما هي القيمة الروحية والتربوية التي يتحصل عليها المسلم من الاعتكاف ؟


      الجواب :
      بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
      فإنه من المعلوم أن الله تبارك وتعالى خلق هذا الإنسان متكوناً من روح وجسم ، ولكل واحد من هذين الأمرين تطلعاته وضروراته وحاجاته ، والروح دائماً تتطلع إلى المحيط الواسع وتستشرف الغيب ، ولذلك خص الله تبارك وتعالى الذين يؤمنون بالغيب بما خصهم به إذ جعلهم من المهتدين ، فإن الإيمان بالغيب نقطة الافتراق بين فريقين فريق ينحبس بين مضيق المادة ولا يخرج عنها ، فلا ينظر إلى شيء إلا بمقياسه المادي ، ولا يتطلع إلى ما وراء المادة ، وهذا الفريق في حقيقة الأمر عمي عن الحقيقة ، فإن وراء المشاهدات الحسية عوالم واسعة الآفاق ، ووراء ذلك كله من هو بكل شيء محيط ، وعلى كل شيء قدير وبكل شيء خبير ، وبكل شيء بصير ، الذي يصرف هذه الكائنات كما يشاء سبحانه ، وهو الذي كان قبل خلق الزمان والمكان ، وهو الآن على ما عليه كان ، لا يُسأل عنه بأين ، ولا ينظر إليه بعين ، إنما هو تبارك وتعالى كما كان من قبل .
      فالإنسان الذي يؤمن بالغيب يخرج من هذا المضيق ، وينطلق مع الذين خرجوا من هذا المضيق إلى آفاق واسعة في العوالم الأخرى التي تحيط بهذا العالم المادي الذي يعيش فيه الإنسان ، ويتجاوز ذلك إلى أن يكون مع خالق هذا الوجود كله ، مع الذي هو بكل شيء بصير وعلى كل قدير ، فالإنسان بحاجة إلى هذه الصلة ، الصلة التي تربط روحه بالعوالم الأخرى والتي هي أيضاً في نفس الوقت تصله بمن هو محيط بكل عالم وهو الله تبارك وتعالى ، ولأجل ذلك شُرعت العبادات ، فكل عبادة من هذه العبادات لها أثرها الكبير في تنوير البصيرة وترويض النفس وفتح الآفاق الواسعة لهذه النفس حتى تخرج من هذا المضيق الذي تعيش فيه .
      فالإنسان بمجرد ما يقف بين يدي ربه تبارك وتعالى ماثلاً راكعاً ساجداً قائلاً الله أكبر يستشعر عظمة الخالق تبارك وتعالى ، وتتراءى أمام ناظريه مشاهد العوالم الساجدة لله تبارك وتعالى المسبحة بحمده التي هي كما أخبر الله تبارك وتعالى عنها لا يشذ شيء منها عن السجود والتسبيح لله تعالى كما يقول عز وجل {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض}(الحشر: من الآية1) ، { يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْض}(الجمعة: من الآية1) ، { تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} (الاسراء:44) ، وكذلك بجانب كونها مسبحة لله تعالى هي ساجدة أيضاً لجلال الله ، فكل شيء في هذا الكون أيضاً يسجد لله إلا من يشذ من الجنس البشري ، فالله تعالى يقول { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}(الحج: من الآية18) ، أي وكثير منهم هم الشاذون عن هذا النظام الذي جعله الله تبارك وتعالى موحداً ما بين هذه العوالم كلها . فالمسلم في خلواته إنما يحس بهذه الصلة ما بينه وبين هذه الكائنات .
      بل يحس المسلم أيضاً بأنه لا يُسبح بلسانه الناطق فحسب ، بل هنالك ألسنة صامتة في نفسه هي تسبح مع تسبيحه بلسانه الناطق ، فكل خلية من خلايا جسمه هي تسبح بحمد الله تعالى ، بل كل ما هو أدق من الخلايا من الجسيمات أيضاً يشترك في هذا التسبيح .
      فهناك نستطيع أن نقول ملايين الملايين من الألسنة في جسم الإنسان الواحد تسبح بحمد الله تسبيحاً صامتاً ، وإن كان هذا التسبيح لا يصل إلى فهمه وإدراكه إلا أولوا البصائر الذين نوّر الله تبارك وتعالى بصائرهم حتى عرفوا أن الكائنات بأسرها منتظمة في هذا النظام العجيب ، وأما حركة الإنسان الاضطرارية هي أيضاً منسجمة مع نظام الوجود ، وشذوذ الإنسان بعدم تفاعله مع ذلك عندما يكون خارجاً عن المنهج الرباني يؤدي به إلى النشاز بينه وبين نفسه ، يدرك ذلك أولوا البصائر كما قلت .
      وهذا ما قاله بعض العلماء الربانيين عندما كان يفكر في مثل هذه الأمور وهو الإمام الرباني سعيد بن خلفان الخليلي رحمه الله تعالى فقد قال:
      أعاين تسبيحي بنور جناني ***** فأشهد مني ألف ألف لسان
      وكل لسان أجتلي من لغاته ***** إذاً ألف ألف من غريب أغاني
      ويُهدى إلى سمعي بكل لُغَيّةٍ ***** هُدى ألف ألف من شتيت معاني
      وفي كل معنى ألف ألف عجيبة ***** يقصّر عن إحصائها الثقلان
      ولم أذكر الأعداد إلا إشارة ***** كأني في أوصاف ميططران
      وإلا ففوق العد أمر منزه ***** عن الحد يفنى دونه الملوان
      ولا تتعجب إن عجبت فإنها ****** حقائق صدق ليس بالهذيان
      فالإنسان إذاً الذي يخرج بنفسه من هذا العالم المادي الضيق بحيث يأوي إلى ربه سبحانه في بيت من بيوته ، مستشرفاً عالم الغيب ، متطلعاً إلى نفحات الله تبارك وتعالى يحس هذا الإنسان بروحانية عجيبة ، يُحس بأنه خرج من سجن كان فيه إلى رحاب واسعة لا يحيط بها إلا الله تبارك وتعالى ، يحس أنه خرج إلى رحاب عالمية واسعة لا يمكن أن يحيط بها فكره ، ولا يمكن أن يحيط بها علمه إنما المحيط بها هو الله سبحانه ، بل يشعر أنه يعيش في الملأ الأعلى .
      وعندما يتلو كتاب الله تبارك وتعالى الذي تتجلى فيه آيات الله سبحانه وتعالى الواسعة المتطابقة مع آياته الصامتة في مخلوقاته الواسعة التي لا يحيط بها غيره سبحانه يحس أيضاً بالعجب العجاب لأنه يحس بأنه يشاهد العالم من خلال ما يقرأه في كتاب الله سبحانه وتعالى من آيات الله تعالى الواسعة التي تحدث عن هذا الوجود وأنه بأسره خاضع لجلال الله ، مستجيب لداعيه ، مسبح بحمده ، ساجد لكبريائه.
      فهذه من جملة الثمرات التي يجنيها المعكتف عندما يقضي تلك اليُيَيمات في بيوت الله سبحانه وتعالى حيث القدسية وحيث الطهارة وحيث النزاهة وحيث الإيمان وحيث الأمان ، وبجانب ذلك أيضاً يشعر أنه زالت حواجز بينه وبين ربه ، فهو وإن كان في أي حال من الأحوال يمكنه الاتصال بربه سبحانه وتعالى من خلال مناجاته إلا أن هنالك حواجز تقف في سبيله منها أطماعه الكثيرة ومنها رغباته في هذه الحياة الدنيا ومتعها ، ومنها صلاته بعباد الله ، ولكنه عندما يقطع هذه الصلات كلها ، وينفرد مكانه بربه سبحانه وتعالى مناجياً خاضعاً راكعاً ساجداً متضرعاً تالياً لكتاب الله يشعر بتلكم الحواجز وقد تحطمت كلها فيصل بفضل الله تعالى ومشيئته إلى درجة الإحسان التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلّم بقوله ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ) ، فإن هذا الشعور إنما يخامر الإنسان في مثل هذه اللحظات الطيبة.
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      رجل يريد الاعتكاف إلا أن له بنتاً معوقة يتولى حملها إلى المدرسة يومياً بنفسه إذ لا توجد حافلة لها ، فهل له أن يخرج من معتكفه لحملها إلى المدرسة ثم يرجع مباشرة وفي نهاية اليوم الدراسي يذهب إليها ليرجعها إلى المنزل ؟


      الجواب :
      الناس في مسألة الاعتكاف بين مضيق جداً وموسع ومتوسط بين التضييق والتوسيع .
      فهناك من العلماء من لا يبيح للإنسان الخروج من معكتفه إلا لقضاء حاجته الضرورية التي لا مناص منها وهي أن يذهب إلى بيت الماء من أجل قضاء حاجته ، ومنهم من يتوسع توسعاً أوسع من ذلك بكثير بحيث يبيح له أن يشهد جنازة يلي تجهيزها ، وأن يخرج لعيادة المريض من قرابته ، وأن يتولى الأمور التي هي لا بد منها في حياته فهذه الأمور وُسّع فيها كثيراً ، ومنهم بطبيعة الحال من يتوسط بين هذا وذاك .
      ففي حقيقة الأمر نحن نرى أن الاعتكاف ما هو المقصد منه ؟ وما هو معناه ؟ الاعتكاف مأخوذ من عكف على الشيء معنى أقام عليه ، فالاعتكاف من حيث الدلالة هو دال على الانحباس في المكان المخصص وهو المسجد من أجل العبادة وذكر الله تبارك وتعالى وتلاوة كتابه والتأمل في آياته واستشعار نعمته سبحانه وتعالى على العبد ومحاسبة النفس على ما قدمت وما أخرت ، وهذا أمر لا بد منه أي لمن أراد أن يعتكف ، لا بد من أن يكون عاكفاً أي مقبلاً على ما هو بصدده .
      أما بالنسبة إلى التوسع ففي الحقيقة هناك أمور لا بد من مراعاتها ، وقد خرج ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أجل قضاء حاجة لأحد جاء إليه يطلب منه أن يسعى في حاجته فخرج من أجل ما في قضاء حاجة الأخ المسلم من مصلحة ومنفعة الدنيا وأجر وثواب في الدار الآخرة .
      فبالنسبة إلى هذا الذي عنده ابنة يعوقها عائق عن السير وعن الحركة ومن الضرورة أن تدرس ولا يجد من يكفله ويقوم مقامه في الذهاب بها إلى المدرسة ، ويرى من الضرورة أن يذهب بها بنفسه في حقيقة الأمر لا ينبغي أن يُضيق عليه لأن الله في مقام التشريع قال { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}(البقرة: من الآية185) ، فالله تبارك وتعالى رفع عن هذه الأمة الآصار والتكاليف الشاقة التي كانت على الأمم السابقة عقوبة لها ، ولم يفرض على هذه الأمة من التكاليف إلا ما فيه اليسر والرحمة للعباد ، ولكن مع ذلك نحن نود لمثل هؤلاء الذين يرون أن حاجتهم ملحة إلى مثل هذه التصرفات أن يشترطوا لأنفسهم في اعتكافهم عندما يقبلون على الاعتكاف ، أن يشترطوا لأنفسهم الخروج في مثل هذه الحاجات في قصدهم الاعتكاف ونيتهم الاعتكاف ، والله تبارك وتعالى يتقبل منهم إن شاء الله .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      هل يجوز للمعتكف أن يخرج من اعتكافه لحضور صلاة جنازة على أحد أقاربه أو والديه أو يعودهما إذا كانا في المستشفى في مرض خطير ؟


      الجواب :
      هذه الأحوال في الحقيقة من كان واقعاً في مثل هذه الظرف ينبغي له أن يشترط عند اعتكافه أن يخرج لمثل هذه الحالة ، ولا حرج عليه إن خرج إن شاء الله لأن في ذلك مصلحة للعباد ، والله تعالى لم يكلف العباد ما فيه شطط.
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      ما معنى هذا الاشتراط وكيف يكون ؟


      الجواب :
      يعني كما أمر النبي صلى الله عليه وسلّم ضباعة بنت الزبير رضي الله تعالى عنها وهي بنت عمه عليه أفضل الصلاة والسلام عندما أرادت الإحرام وكانت امرأة ثقيلة وقالت تخشى أن تعجز عن مواصلة السير إلى أداء المناسك ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم أمرها أن تقول في تلبيتها ( ومكاني حيثما حبستني ) أي إن طرأ عليها حابس فإن ذلك هو مكانها ولها أن تتحلل في مثل هذه الحالة عندما يطرأ عليها طارئ . وهذا ينطبق على ذلك.
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      من لديه هذه الظروف الصعبة كرجل لديه بنت معوقة أو لديه والدان في مرض خطير هل الأفضل له أن يعتكف أم الأفضل له أن يحتسب ذلك لله ويواصل خدمتهم ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر بر الوالدين والقيام بخدمتهما ومراعاة أحوالهما في حال حاجتهما إلى الولد أفضل من الاعتكاف ومن غيره ، فقد جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وسلّم في الجهاد فقال له النبي صلى الله عليه وسلّم : ألك والدان ؟ قال : نعم . قال : ففيهما فجاهد . هذا دليل على أن حق الوالدين حق عظيم ، وأن أجر القيام ببرهما والإحسان إليهما ثوابه جزيل كيف وقد قرن الله تعالى برهما بعبادته عندما قال { وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} (الاسراء:23) ، والوالدان في حالة الضعف هما بحاجة إلى نظرة من ولدهما ، هذه النظرة الحانية تنزل على قلوبهما بمثابة الغيث الذي ينزل على الأرض المجدبة ، فلذلك كان جديراً بالولد الذي يشعر أن والديه بحاجة إليه أن لا يحبس نفسه بحابس يشغله عن قضاء حاجتهما والسعي في مصلحتهما ، وله أجر اعتكافه إن كان هو ينوي في قرارة نفسه لولا أن والديه في هذه الحالة لاعتكف ، فالله تعالى يؤجره على نيته فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم : إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      بعض الموظفين يقتطع إجازة اضطرارية ويعتكف تاركاً الأعمال على غيره ويخرج من العمل لأجل هذا الغرض ؟


      الجواب :
      حقيقة الأمر ينبغي أن ينظر في طبيعة العمل ، ومقدار العمل والدور الذي يقوم به هذا العامل في ذلك العمل ، وما يخلّفه من ضرورة ومن سوء حالة عندما يخرج من ذلك العمل ، كل شيء يقاس بمقياسه .
      فنحن نرى كيف كان السلف الصالح يقيسون الأشياء بمقاييس دقيقة ، فقد يميزون بين حالة وحالة ، حتى أن منهم من عدّ الشخص الذي ترتبط به مصالح الأمة ، وتحتاج إليه الأمة ، وتفتقر إليه الأمة في ذلك العصر أي في العصور الغابرة التي كانت الأسفار فيها الكثير من المشقات ، كانوا يقولون في مثل هذا الشخص إن حج نافلة كان كمن بنى قصراً وهدم مصرا ذلك لأجل حاجة الأمة إليه ، لأن الأمة تتطلع إلى ما عنده ، وتتطلع إلى عطائه الواسع ، فبقاؤه ما بين الأمة يكفيه عن الحج والعمرة وعن غير ذلك من الأعمال التي هي مندوب إليها ، لا أعني حجة الفريضة فحجة الفريضة هي ركن من أركان الإسلام ، ولكن هذا مع الترغيب في الحج فالنبي صلى الله عليه وسلّم يقول : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة .
      ولكن عندما يكون الإنسان يسافر سفراً طويلاً كما كان الناس في ذلك الوقت أسفارهم إلى الحج تأخذ وقتاً طويلاً ففي بعض الأمصار يحتاجون إلى مدة حتى يصلوا إلى مكة قد تصل المدة ستة شهور أحياناً وقد تكون أقل من ذلك وقد تكون أكثر والأمة بحاجة إليه ويذهب إلى هنالك من أجل حجة نافلة ويترك مصالح الأمة قالوا هذا كمن بنى قصراً وهدم مصرا ، لأن الناس بحاجة إليه ، فهكذا ينبغي أن ينظر إلى جميع الأعمال بمنظار دقيق ، وأن يميز بين أحوال الناس ، فمن الناس من يكون بقاؤه في بلده لأجل التصدي للأعمال وخدمة الأمة والنهوض بمصالحها أولى من السفر إلى الحج أو من دخوله المعتكف وقد يكون بخلاف ذلك.
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      هل يجوز للمعتكف في بيت الله الحرام أن يخرج من الحرم لتناول وجبة العشاء والسحور وكذلك هل يجوز له الخروج للاتصال بأهله ؟


      الجواب :
      ينبغي أن نعرف معنى الحرم ، ما هو الحرم ، الحرم ليس هو المسجد الحرام فحسب كما يظن الكثير من الناس أن الحرم إنما هو المسجد الحرام ، الحرم هو البقعة التي حددها النبي صلى الله عليه وسلم ووضع حدوداً لها بحيث لا يجوز للإنسان فيها أن يجز شيئاً من حشيشها ، ولا يجوز له أن يقلع شيئاً من شجرها ، ولا يجوز الاصطياد فيها ، الحرم هو الذي لا يعضد شجره ، ولا يختلى خلاه ، وهو الذي لا ينفر صيده ، وهو الذي لا يجوز لأحد أن يسفك فيه دماً قط ، اللهم أنه أبيح إذا اعتدي على المسلمين أن يردوا العدوان فقط ، مجرد رد العدوان ، أما ما عدا ذلك فلا ، هذا هو الحرم ، معنى ذلك أن حدود الحرم حدود واسعة ، فحدود الحرم تصل إلى ذي الحديبية وإلى نمرة وإلى التنعيم ، والتنعيم أقرب حل إلى الحرم ، أقرب حل إلى المسجد الحرام ، ولذلك من أراد الاعتمار يذهب إلى التنعيم .
      ليس الحرم هو المسجد الحرام ، فقد كان حرياً بالسائل أن يقول هل يجوز له الخروج من المسجد الحرام من أجل أن يتناول الطعام ؟ ، لا أن يقول هل بأنه يجوز له أن يخرج من الحرم . فهل قوله : هل يجوز له أن يخرج من الحرم ؟ يعني أنه يخرج مثلاً إلى التنعيم أو يخرج مثلاً إلى ذي الحديبية أو يخرج إلى نمرة أو يخرج إلى أي مكان آخر من أماكن الحل ؟ لا . وإنما هو في مكة لا يتجاوز مكة ، بل لا يتجاوز عراص المسجد الحرام ، الأماكن القريبة من المسجد الحرام ، فإن كان لا يجد من يقرّب له الطعام في المسجد فله أن يخرج من أجل أن يتناول الطعام ، أما إذا كان يجد من يأتي إليه بالطعام الكافي لفطوره وسحوره في المسجد الحرام في هذه الحالة لا يباح له أن يخرج لأنه وجد من يكفيه مؤنة تقريب الطعام . والله تعالى أعلم .
      [ سؤال أهل الذكر 20 من رمضان 1424هـ،15/11/2003 م]

      السؤال :
      ثبت في الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه لما أراد الاعتكاف أمر بضرب خباء له فأمرت بعض زوجاته بضرب خباء لها . كما ورد في صحيح مسلم أيضاً عن نافع قال : وقد أراني عبدالله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم من المسجد . فهل هذه الآثار تدل على أن الأصل في الاعتكاف أن يكون في موضع معين من المسجد ؟


      الجواب :
      إذا اعتكف المعتكف في المسجد ففي أي زاوية من زوايا المسجد يلبث فهو معتكف ، وإنما ذلك من أجل أن النبي صلى الله عليه وسلّم يريد أن يأخذ حريته في بقائه في ذلك المكان ، وقد يحتاج إلى بعض الأشياء فلذلك يضرب الخباء ، إذ لا يحسن بالإنسان أن يفعل كل شيء أمام جميع الناس ، قد يريد أن يلبس ثوباً ويخلع ثوباً لأجل هذه الحالة كان يأمر بضرب الخباء له ، لا لأجل أنه يلتزم ذلك المكان الذي ضرب فيه الخباء وحده ولا يخرج عنه .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      من يعتكف في مسجد لا تقام فيه صلاة الجمعة فإذا حانت صلاة الجمعة هل يخرج ليصليها في مسجد آخر ؟


      الجواب :
      نعم يخرج إلى المسجد الذي تقام فيه الجمعة ، ويصلي هنالك الجمعة ثم يعود إلى معتكفه فورا .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]


      السؤال :
      معتكف أراد الخروج إلى البيت للاستحمام حيث أن المسجد لا توجد به مسخنات للماء ، فهل له ذلك ، وهل هناك فرق بين إذا كان مضطر أم لا ؟


      الجواب :
      هذه الحالة كما قلت من الناس من شدّد في هذا ولم يبح له أن يخرج من أجل الاستحمام إلا إذا كان محتلماً فله أن يخرج ، بل عليه أن يخرج فوراً حتى لا يبقى في المسجد وهو جنب ، ويذهب فوراً إلى أقرب مكان يجد فيه الماء ويمكنه أن يغتسل فيه . ومنهم من وسّع في ذلك إن كان محتاجاً إلى تنظيف جسمه بأن يخرج لأجل الاستحمام ، وينبغي في هذه الأحوال أن يكون استحمامه لغير الجنابة مثلاً في الوقت الذي يخرج فيه لقضاء حاجته .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      من خرج من معتكفه لغير ضرورة ، ما الذي يلزمه ؟


      الجواب :
      هذه المسألة هي التي وقع فيها الاختلاف بين أهل العلم ، هل المعتكف إن خرج وقطع الاعتكاف عليه أن يبدله ، أو ليس عليه أن يبدله ؟ النبي صلى الله عليه وسلّم عندما ضربت نساؤه أخبيتهن من حوله ، ورأى بينهن التنافس في ذلك خرج من معتكفه ، ثم أعاد الاعتكاف في شهر شوال . فمن العلماء من أخذ هذا دليلاً ًعلى وجوب قضاء الاعتكاف ، ثم هناك قاعدة أصولية أيضاً يبنى عليها الاختلاف هل الأمر بالقضاء هو نفس الأمر بالأداء ، أو أن القضاء يحتاج إلى أمر ثان ، فإن قيل بأنه نفس الأمر بالأداء فإنه في هذه الحالة لما ألزم نفسه الاعتكاف لزمه وعليه أن يقضيه فيما بعد ، هذا رأي لبعض أهل العلم. أما إن قطع اعتكافه بما ينقضه وهو المجامعة ، أي إن جامع وهو معتكف ففي هذه الحالة عليه ما على المجامع في صيامه من القضاء والتوبة والكفارة ، والله تعالى أعلم .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      هل من الممكن الاعتكاف في الأيام الوتر فقط من العشر الأواخر ؟


      الجواب :
      نعم لأن الاعتكاف لا يلزم أن يعتكف الإنسان جميع العشر ، وقد يعتكف النهار وحده ، أقل ما يمكنه في اعتكافه أن يعتكف النهار وحده ، وذلك أن يعتكف من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وهذا لأن المعتكف لا بد من أن يكون صائما ، فالاعتكاف مقترن بالصوم عندنا وعند طائفة من علماء المذاهب الأخرى .
      وهناك طائفة أخرى لا ترى لزوم الصيام في الاعتكاف وهؤلاء يبيحون الاعتكاف ولو ساعة ، أما بناء على هذا القول الذي عليه أصحابنا وعليه جماعة من علماء المذاهب فإن أقل ما يمكن أن يعتكفه المعتكف في المسجد هو النهار وحده بحيث يدخل قبل طلوع الفجر في معتكفه ويخرج من معتكفه بعد غروب الشمس ، أما إن نوى الليل مع النهار فإنه يدخل قبل غروب الشمس ويخرج في اليوم الثاني بعد غروب الشمس .
      فمن أراد أن يعتكف في الأوتار وحدها فعليه أن يدخل قبل غروب الشمس ، ويلبث هنالك إلى غروب الشمس في اليوم التالي ، ولا حرج عليه بعد ذلك إذا خرج حتى تأتي الليلة التي هي الوتر من الليالي الأوتار ففي هذه الحالة يدخل أيضاً قبل غروب الشمس ويستمر إلى غروب الشمس في اليوم التالي .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      هل يصح للمرأة أن تعتكف في مكان وجدت فيه نساء يعتكفن لكنه يتعدى مسافة السفر عن بيتها ؟


      الجواب :
      أما إن كان يأخذها إلى ذلك المكان محرم أو يأخذها زوجها فلا حرج عليها في ذلك .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      من مات وعليه اعتكاف فماذا على ورثته سواء أوصى به أم لم يوص ؟


      الجواب :
      من مات وعليه اعتكاف فعلى أي حال لا يلزم ذلك الورثة ، ولا ينتقل الفرض عنه إلى ورثته ، وأمره إلى الله ، فإن كان هو ترك الوفاء بما لزمه إن كان لزمه ذلك بنذر أو بغيره فإنه إن كان ترك ذلك لأجل عذر فالله تبارك وتعالى أولى بعذره وإلا فأمره إلى الله ولا دخل لورثته في هذا .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      ما هي آداب الاعتكاف ؟


      الجواب :
      المعتكف يؤمر أن يقبل على ربه تبارك وتعالى بحيث يُقضي أوقاته بقدر مستطاعه في تلاوة كتاب الله ، وفي التهجد في جنح الليل ، وفي ذكر الله في التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير ، وأيضاً لا حرج عليه وهو في معتكفه أن يدرس العلوم الشرعية التي تنفعه فيما بينه وبين ربه ، ولا حرج عليه أن يُدرّس إن كان ذا أهلية للتدريس ، فالإنسان الذي هو في معتكفه يمكن أن يلقي دروساً على من في المسجد ، ويمكن أن يلقي دروساً أيضاً على من كان خارج المسجد عبر الوسائل التي تنقل هذه الدروس إلى من هم خارج المسجد ، فلو أمكن نقل هذه الدروس عبر الإذاعة إلى آفاق الأرض من معتكفه لا حرج عليه في ذلك ، كما أنه لا حرج عليه أن يلقي خطبة الجمعة من خلال منبر المسجد الذي هو معتكف فيه وتنقل هذه الخطبة عبر الإذاعات وغيرها هذا كله مما هو ممكن ، وإنما يتجنب اللغو ويتجنب هُجر المقال ، يحترم المسجد ، يحترم بيت الله بجانب احترامه لما هو مقبل عليه من ذكر ربه سبحانه وتعالى .
      [سؤال أهل الذكر19 رمضان 1424 هـ ، 14/11/2003م]

      السؤال :
      رجل معتكف في المسجد ولكن إمام المسجد هناك يسرع في قراءة القرآن أثناء صلاة التراويح فهل له أن يخرج من ذلك المسجد ليصلي في مسجد آخر ثم يعود إليه ؟


      الجواب :
      لا ، وإنما يخرج من أجل الصلاة التي لا تقام هناك ، إن كانت لا تقام الجمعة في ذلك المسجد فليخرج إلى صلاة الجمعة وليعد بعدها مباشرة .
      [سؤال أهل الذكر 26 رمضان 1424هـ، 21/11/2003م]

      السؤال :
      من نوى أن يعتكف العشر الأواخر ولكن إذا ثبت الهلال في التاسع والعشرين ، فما الحكم ؟


      الجواب :
      المقصود بالعشر الأواخر ما فوق العشرين من شهر رمضان ، فكل ذلك يصدق عليه أنه عشر أواخر ، وإن استُهل هلال شوال فإنه يخرج من معتكفه في هذه الحالة .
      [سؤال أهل الذكر 26 رمضان 1424هـ، 21/11/2003م]

      السؤال :
      من أفطر يوماً من رمضان وهو معتكف كيف يقضي ذلك اليوم ، وكيف يقضي الاعتكاف ؟


      الجواب :
      يسوغ له أن يقضي الصيام والاعتكاف معا ، ويسوغ له أن يقضي الصيام ويؤخر قضاء الاعتكاف ، ويسوغ له أن يؤخر قضاء الاعتكاف إلى رمضان قابل ، والله تعالى أعلم
      .[ سؤال أهل الذكر 4 من شعبان 1425هـ ، 19/9/2004م]


      المصدر :
      برنامج : سؤال أهل الذكر www.mofti.not تفريغ وطباعة: ناصر بن زاهر العبري وإخراج وتنسيق: موسى بن علي العبري
    • أحكام ليلة القدر لفضيلة الشيخ سعيد القنوبي

      فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي
      أحكام خاصة بليلة القدر


      السؤال:
      ليلة القَدْر، هل هي مِن غروب الشمس أو أنها ... ؟


      الجواب:
      على كل حال؛ الله-تبارك وتعالى-يَقول: { سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ( سورة القَدْر، الآية: 5 ) فالأمر واضح بِالنسبة إلى النهاية، ولكن بِالنسبة إلى البداية فيه شيءٌ مِن الغموض ولكن عندما قال: {هِيَ } فيمكن أن تكون مِن بداية الليل، و-على كل حال-ينبغي لِلإنسان أن يَقوم تلك الليلة وأن يُكثِر مِن ذِكْر الله-تبارك وتعالى-ومِن الابتهالِ إليه بِقلبٍ خاشِع مع عملٍ صالح و-طبعا-ذلك لا يُمكِن أن يَتحقّق منه الإنسان إذا قام ليلةً محدَّدة وإنما يَقوم سائرَ الشهر وهي الأغلب أن تكون في العشْر الأواخِر وخاصّةً في الأوتارِ منه أما أن نَجزِم بأنها مِن أولِ الليل ليس عندنا ذلك الدليل الواضح ولكن قوله: { هِيَ } يمكن أن يَكون مِن بداية الليلة و-كما قلتُ-ينبغي لِلإنسان أن يُكثِر مِن ذِكر الله ومِن قيامِ هذه الليلة وهي نَظُنُّ ظنّا قويا-كما جاء في الحديثِ عن النبي صلى الله عليه وسلم -بِأنها في العشرِ الأواخِر وخاصّةً في الأوتارِ منها؛ والله ولي التوفيق.


      السؤال:
      ذكرتُم أنّه تستدرك ليلة القَدْر في أوتار الشهر الكريم، فهل أوتار العشر الأيام الأخيرة أو أوتار الشهر كاملة ؟


      الجواب:
      أوتار العشْر الأخيرَة.


      السؤال:
      العشْر الأخيرَة فقط ؟


      الجواب:
      نعم.


      السؤال:
      ليلةُ القَدْر، هل هي ليلة واحدة تَدور حول العالَم وهنا يَظهَر إشكال لديه في مسألةِ أنّ الأوتار تَختلِف .. قد يَكون هذه الليلة وِتر في بلد بينما هي ليست كذلك في بلد آخَر ؟


      الجواب:
      عل كل حال؛ يُمكِن أن تَتعدَّد بِتعدُّد البلدان وفضلُ الله عظيم .. نَحن نَعلَم أنّ القرآن نَزَل في ليلةِ القَدْر وتلك ليلةٌ واحِدَة وليستْ بِليالي متعدِّدة .. هي ليلةٌ واحِدَة ولكن نظرا لاختلافِ اليومِ أو الليلةِ مِن بلادٍ إلى بلادٍ أخرى-كما هو ثابت لا شك فيه-فإنّ ذلك يُمكِن أن يَتعدَّد بِتعدُّدِ البلدان ويُمكِن أمرٌ آخَر فالحاصِل أن نَجزِم بِذلك جزما مِمّا لا نقوى عليه لأننا نَعلَم بِأنّ القرآن نَزَل على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلةِ القَدْر وهي ليلةٌ واحِدَة وليستْ في الموضِع الفلاني متقدِّمة عن تلك الليلة في ذلك الموضع أو هي متأخِّرة عن ذلك الموضِع، فالحاصِل الفضْل عظيم وليَقُم الإنسان هذه الليالي-كما قلنا-وعسى الله-تبارك وتعالى-أن يُوفِّقَه لِهذه الليلة، و-حقيقة-الجزم بِأنها متعدِّدة جَزَمَ بِِه بعضُ أهل العلم وأرى السلامة أن نَكِلَ أمرَ ذلك إلى الله تبارك وتعالى.


      السؤال:
      هل تَختصّ هذه الليلة .. ليلة السابع والعشرين مِن رمضان بِشيءٍ مِن الأحكام أو النوافل أو السّنَن بِحيث تُميَّز عن غيرِها ؟


      الجواب:
      إنّ هذه الليلة المباركَة مِن ليالي شهرِ رمضان المبارَك، وقد ثبتَ عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلم-ما يَدلّ على فضْلِ قيامِ هذا الشهرِ المبارَك، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه: ( مَن قام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِرَ له ما تَقدَّم مِن ذنبِه )، وجاء عنه صلوات الله وسلامه عليه ما يَدلّ على فضْلِ هذا الشهرِ الكريم-في غيرِ هذا الحديثِ-الكثيرُ الطيِّب، فهذه الليلة ليلةٌ مِن هذا الشهرِ المبارَك الذي يُؤمَر بِقيامِه، كما أنها ليلةٌ مِن ليالي العشْر الأخيرَة مِن شهرِ رمضان وهي أفضلُ مِن سائرِ ليالِي هذا الشهرِ المبارَك، و-أيضا-هي مِن أوْتارِ هذه العشْر.
      والرسولُ صلى الله عليه وسلم كان يَقومُ الليل في سائرِ العام حتى تَتفطَّر قَدَمَاه، وتَسأَلُه السيدةُ عائشة-زوجُهُ الكرِيمة رضي الله تعالى عنها-عن ذلك مع أنه قدْ غُفِرَ لَه صلوات الله وسلامه عليه ما تَقدَّمَ مِن ذنبِه وما تَأخَّر فيَقول: ( أفلا أكونُ عبْدا شكورا ؟!)، وكان يَخُصُّ هذا الشهر-أيضا-بِأكثرَ مِن غيرِه مِن العبادات، كما أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يَقومُ في العشْرِ الأواخِر أكثر مِن غيرها، وكان يَعتكِف صلوات الله وسلامه عليه في هذه العشْرِ الأواخِر مِن أجْل أن يَتفرّغ لِلعبادة ومِن أجْل أن يُصادِفَ تلك الليلة العظيمة التي ذَكَرَها الله في كتابِه العزيز في موضعين (1) بل وردتْ سورة بِكاملها فيها وهي قوله تبارك وتعالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القَدْر } ( سورة القَدْر، الآية: 1 ) إلى آخِر السورة(2)، فهذه الليلة مَظنّة لأن تَكونَ فيها ليلةُ القَدْر لأنها مِن أَوْتارِ العشْرِ الأواخِر ولكن ليلة القَدْر ليستْ بِمنحصِرة في هذه الليلة .. يُمكِن أن تَكونَ فيها ويُمكِن أن تَكونَ في غيرِها مِن سائرِ الليالي العشْر ولاسيما في أوْتارِها، فلا يُمكِن أن يَجزِم أحدٌ بِأنها في هذه السنَة في هذه الليلة أو أنها في سائر الأعوام في هذه الليلة، إذ لا دليلَ يَخصُّ هذه الليلة دون غيرِها، وما وَرَدَ في ذلك ففيه مِن النظر ما فيه، فهي كغيرِها مُحتمِلَة، أما أن نَجزِم بِذلك-كما يَجزِم الكثرةُ الكاثِرة مِن العوام-فهذا مِمّا لا يَنبغِي، لأنّ الأمْرَ مُحتمِل وما دام الأمْرُ مُحتمِلا وليس عليه دليلٌ واضِحٌ لا غموضَ فيه فليس لأحدٍ أن يَجزِم بِذلك ولكن يَنبغي لِلإنسانِ أن يُكثِرَ مِن قيامِ الليل ولاسيما في شهرِ رمضان المبارَك ولاسيما في العشْرِ الأواخِر ولاسيما في الأوتارِ منه.
      أما ما جاء مِن تَخصِيصِ هذه الليلة بِصلاةٍ خاصّةٍ بِها فإنّ ذلك لا يَثبتُ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن رواه مَن رواه فتلك الرواية مِن الضَّعفِ بِمكان بل هي مِن الرواياتِ الموضوعاتِ المصنوعاتِ، فإذن هنالك فرقٌ بيْن إحياءِ هذه الليلة كغيرِها مِن ليالي شهرِ رمضان وخاصّة في هذه الليالي المبارَكة وهي الليالِي العشْر وخاصّة الأوتار-كما قلتُ-وبيْن أن نُخصِّص هذه الليلة بِعبادةٍ خاصّة مِن دون غيرِها مِن سائرِ هذه الليالي .. يَنبغي أن يُتفطَّن لِهذا جيدا.
      و-كذلك-ما جاء مِن تَخصِيص بعضِ الليالي مِن سائرِ العام بِبعضِ الصلوات فذلك لم يَثبتْ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد جاءتْ صلواتٌ متعدِّدة كثيرة في ليالي متعدِّدة مِن سائرِ العام-وسنُنبِّه عليها في مناسبةٍ أخرى بِمشيئة الله تعالى-لكنّ تلك الروايات لا تَثبت.
      ومِن أشهرِ ما اشتهَر عند العوام:

      1ـ ما جاء مِن قيامِ ليلتَي العيد .. أي ليلةِ عيدِ شهرِ رمضان المبارَك وهي الليلةُ الأولى مِن شهر شوال والليلة العاشِرة مِن شهرِ ذي الحجّة وهي ليلةُ العِيد فذلك لم يَثبتْ فيه شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهما كغيرِهما مِن سائرِ ليالِي العام .. مَن كان مُعتادا على العبادة في ليالِي العام فيَصنَع فيهما ما يَصنَع في غيرِهما-ولابد لِلمسلِم أن يَعتادَ على العبادةِ في ليالِي العام وإن كان يَخصُّ بعضَ الليالي كليالِي شهرِ رمضان المبارَك بِالعبادةِ أكثرَ مِن غيرِها-أما مَن لم يَكن كذلك فلا يَنبغي لَه أن يَخصَّ هاتيْن الليلتيْن بِشيءٍ مِن العباداتِ دون غيرِهما، وما جاء في تَخصيصِهما بِشيء فذلك لم يَثبتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما جاء عن بعضِ العلماء فذلك مِمّا لا حُجّة فيه.


      2 ـ وكذلك ما جاء في أوّلِ جمعةٍ مِن ليالِي شهرِ رجب وهي ما تُعرَف بِصلاةِ الرغائِب فالحديثُ الوارِد في ذلك موضوعٌ لا يَثبتْ عن النبي صلى الله عليه وسلم بِحالٍ، ولا يَنبغي الاعتناءُ بِها، فهذه الصلاة مِن الصلواتِ المبتدَعة التي يَنبغي التحذيرُ منها، لا الإتيان بِها.

      3 ـ و هكذا ما جاء مِن الصلاةِ في الليلة الخامسة عشرة مِن شهرِ شعبان فإنه لم يَثبتْ في فضْلِ هذه الصلاة ولا في فضْلِ هذه الليلة شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

      4 ـ وهكذا بِالنسبةِ إلى سائِرِ ليالِي العام لم يَثبتْ فيها شيءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم .
      و- على كل حال- يَنبغِي لِلناس أن يَتفقّهوا في أُمورِ دِينِهم وأن يَعْتَنُوا بِكتابِ ربِّهم وبِسنّة نبيِّهم صلوات الله وسلامه عليه .. أن يَعْتَنُوا بِكتابِ ربِّهم تلاوةً وحفظا وفهما لِمعانِيه و-كذلك-أن يَعْتَنُوا بِسنّةِ نبيِّهم صلى الله عليه وسلم حفظا لَها وتَميِيزا بيْن صحيحِها وسقيمِها وغَثِّها وسَمِينِها ولا شك أنّ كلَّ ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم صحيح وإنما نَقصد بِالصحيحِ والضعيف ما نُسِبَ إليه صلوات الله وسلامه عليه، و-كذلك-بِأن يَتفقّهوا في سُنّتِه صلوات الله وسلامه عليه وأن يَعمَلوا بِما جاء فيها .. ما كان واجِبا أو مندوبا وألاّ يُفرِّطوا في شيءٍ مِن ذلك قدْرَ استطاعتِهم، ويَنبغِي لِطلبةِ العلم أن يَكونوا في مُقدِّمة الرَّكْب .. أن يَعتنُوا بِكلِّ ما جاء في كتابِ الله وفي سُنّةِ رسولِه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-عملا وتَبليغا لِلناس بِالأسلوبِ الحسنِ اللائق مِن غيرِ تَنفِيرٍ أو تَشدُّد أو تَعنيفٍ لِغيرِهم وما شابه ذلك إذا وَجَدوا أحدًا يُخالِف حديثا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وقد ذكرنا أكثر مِن مرّة أنّ السلَف-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-يَعتنون بِالسنن الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أَيَّما عِناية، فالصحابة-وهم سادَة السلَف-إذا سمعوا شيئا عن النبي صلى الله عليه وسلم تَسابَقوا في تطبيقِه وفي تبليغِه .. ما كانوا يُبادِرون بِالسؤال: " هل هذا واجِب فنأتِي بِه أو سنّة فنتهاون بِها ؟ " .. كلاّ، وإن كانوا يُفرِّقون بيْن الواجِب والمندوب بِالطَّبْع لكن ما كانوا يَتساهلُون بِالسّنَن، وطلبةُ العلم يَنبغي لَهم أن يَكونوا-كما قلتُ-في المقدِّمة، فما يَذكرُه العلماء مِن أنّ العلم أفضلُ مِن غيرِه لا يَقصِدون بِذلك أن يَتساهَلَ الطلبةُ أو غيرُهم بِالسّنَن الثابِتة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فهذا النبي صلى الله عليه وسلم -الذي غَفَرَ الله له ما تَقدَّم مِن ذنبِه وما تَأخَّر وقد كان مُشتغِلا بِتبليغِ دعوةِ الله-تبارك وتعالى-في الأرض وكان يُجاهِدُ في سبيل الله -كان يَقوم الليل حتّى تَتفطَّر قدماه الشرِيفتان وكان يُواظِبُ على النوافِل في حَضَرِه وفي سَفَرِه في صِحّتِه وفي مرضِه في ليلِه ونهارِه كما ثبت عنه ذلك صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا ثبتَ عن صحابتِه الكرام، فالعلم مِن أفضلِ الأعمال بعدَ فرائضِ الله-تبارك وتعالى-ولكن لابد مِن أن يَكونَ معه الإتيان بِالنوافل مِن صلاةٍ وصيامٍ وصدقةٍ إلى غيْرِ ذلك مِمّا جاء في كتابِ الله الحثُّ عليه أو في سنّةِ رسولِه صلوات الله وسلامه عليه .. لابد مِن أن نَفهَمَ هذا، أما أن يَشتغِلَ الطالِب بِالقراءةِ في الكتب ويُهمِل النوافِل فهذا مِمّا لم يَفعلْه أحدٌ مِن أهلِ العلم مِن الصالِحين، وهكذا ما أرادُوه عندما ذَكَرُوا ما ذَكَرُوه مِن فضْلِ العلم وتَقدِيمه على غيْرِه .. لابد مِن التَّنَبُّهِ لِهذا، ويَكفِي أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء كما ذكرنا ذلك في مقدّمة هذه الدروس(3).
      وقد سألني أحدُ السائلين(4) عن الحديثِ الثابتِ عن النبي صلى الله عليه وسلم على حسب ما قرَّره بعضُ أهل العلم(5) أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذَكَر فيمَن يُحافِظُ على السّنَن: ( لا يَزال عبدي يَتقرَّبُ إلَيَّ بِالنوافِل حتى أُحِبَّه فإن أَحْبَبْتُه كنتُ سَمْعَه الذي يَسْمَعُ بِه) إلى آخِرِ الحديثِ المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم .. سألني عن معنى هذا الحديث وكنتُ أَظُنُّ الوقتَ قد انتَهى في تلك الليلة فوعدتُه بِأن أُجِيبَ في مناسبةٍ أخرى ولكن كنتُ أُرِيدُ أن أُطِيلَ في ذلك ولكن الأسئلة الكثيرة التي تَتعلَّق بِهذا الشهرِ الكريم كما نرى فأَكتفِي بِجوابٍ مُختصَرٍ عن هذا الحديث وهو فيه كفاية بِمشيئةِ الله تبارك وتعالى:
      فالعلماء قد اختلَفوا في هذا الحديث:

      1 ـ منهم مَن قال: إنّ مَن وَصَلَ إلى هذه المرتبةِ العالية فإنه يُراقِبُ الله-تبارك وتعالى-في كلِّ دقيقةٍ وجليلة وفي كلِّ صغيرةٍ وكبيرة فهو لا يَستمِع إلا إلى ما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-ولا يَنظُر إلا إلى ما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-ولا يَبْطِشُ إلا بِما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-ولا يَمشِي إلا إلى ما يُرضِي الله-تبارك وتعالى-وهكذا في بقيةِ الجوارِح فهو لا يَنطِقُ إلا بِما يُرضِي الله تبارك وتعالى.

      2 ـ وبعضُ أهلِ العلم قال: إنّ مَن وَصَلَ إلى هذه المرتبةِ العالية فإنّ الله-تبارك وتعالى-يُوفِّقُه ويَأخُذ بِيَدِه فيُوَفِّقُه لأن يَستمِع إلى ما يُرضِيه سبحانه وتعالى ولا يَلتفِتُ إلى غيرِه وهكذا بِالنسبةِ إلى بقيةِ الأشياءِ المذكورةِ في الحديث؛ ولا شك بِأنّ هذا هو الأقرب إلى الصواب، ولا أَظُنُّ أنّ أصحابَ القول الأوّل إلا أنهم يَرمون إلى هذا المعنى.
      فمَن وَاظَبَ على هذه النوافِل-فالرّسولُ صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يَزال ) ولم يَقُل: " إذا فَعَل " أو ما شابه ذلك فمعنى ذلك أنه يُواظِب على هذه النوافل-فإنه يَصِلُ بِمشيئة الله-تبارك وتعالى-إلى هذه المنزلةِ العاليةِ الرفيعةِ التي يَنبغِي لِكلِّ مسلِمٍ أن يَسعى إليها قدْرَ طاقتِه.
      فنسألُ الله-تبارك وتعالى-أن يُوفِّقَنا وأن يُوَفِّقَ سائرَ المسلِمين لِلعملِ بِما يُرضِيه سبحانه وتعالى وأن يَأخذَ بِأيدِيهم لِما يُحبُّه تبارك وتعالى، وإذا عَملَ المسلِمون بِما في كتابِ الله-تبارك وتعالى-وفي سنّةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم بعد معرفةِ الثابتِ الصحيحِ منها مِن غيرِه ونَظَروا في كلامِ أهلِ العلم على معاني الآياتِ القرآنية والأحاديثِ النبوية ولم يَلتفِتوا إلى قولِ أيِّ أحدٍ بعد ذلك-مع إجلالِهم واحترامِهم لأهلِ العلم-فإنهم في ذلك اليوم بِمشيئةِ الله سبحانه وتعالى سيَعرِفون مَنزِلَتهم بيْن الأمم لا على حسبِ هذا الحال الذي نُشاهِدُ عليه المسلِمين حيثُ إنّهم-ولِلأسفِ الشديد-صارُوا في مُؤخِّرَةِ الرَّكْب وما ذلك إلا لإهمالِهم لِكتابِ ربِّهم وسنّةِ نبيِّهم صلوات الله وسلامه عليه .. نَسألُه سبحانه أن يُوفِّقَنا لِلعملِ بِالكتابِ والسنّة وأن يَأخذَ بِأيدِينا لِما يُحبُّه تبارك وتعالى ويَرضاه؛ والله ولي التوفيق.


      السؤال:
      ما هو الراجِح في علاماتِ ليلةِ القدر ؟ وهل يَجوز إخبار الأصحاب بِهذا إذا تَبيّنَتْ له ؟


      الجواب:
      أما الإخبار فلا مانع لكن-في الحقيقة-تأتينا الأخبار في يومِ العِيد أو بعدَه متضارِبَة متناقِضَة .. تَصِل في بعضِ الأحيان إلى خمسةِ أخبار منهم مَن يَقول كانتْ في الليلة الفلانية ومنهم مَن يَقول كانتْ في الليلة الفلانية ومنهم مَن يَقول كانتْ في الليلة الفلانية ثم لِماذا الإنسان يَقوم بِالإخبار ؟! فإذا كان يَخشى على نفسِه أن يَقَعَ في شيءٍ مِن الغرور أو ما شابه ذلك بِأنّ له منزلة أو ما شابه ذلك ففي الحقيقة في هذا ما فيه ولا شك بِأنه عليه أن يَبتعِد منه، أما إذا كان يُخبِر أصحابَه وهو واثِق مِن نفسِه بِأنه لن يَقَعَ في شيءٍ مِن ذلك فهذا لا بأس .. قد أخبَر بِه بعضُ أهلِ العلم لكن-كما قلتُ-بعضُ الناس يَظنّ ظنا بِأنّ هذه الليلة هي ليلة القدر أو ما شابه ذلك وليس الأمر كذلك إذ لا يُمكِن أن تَأتِي في سنةٍ واحدة في موضعٍ واحد-أي في منطقة واحدة-أكثر مِن مرّة .. يعني لا يُمكِن أن تَكونَ في هذه الليلة وفي الليلة الثانية في هذه المنطقة أما أن يَكونَ ذلك بِاعتبار مناطق فكما أشرتُ إليه بِالأمس (6) السلامة في التوقّف .. للعلماء كلامٌ طويل عريض عند اختلاف المناطق .. مثلا تَكون هذه الليلة ليلة كذا في المنطقة الفلانية وتكون ليلة كذا في المنطقة الفلانية .. هل تَكون مثلا ليلة القدر في هذه المنطقة هذه الليلة وتكون غدا في المنطقة(7) الفلانية أو تكون في ليلة واحدة وعليه تكون عند بعضهم شفعا وعند بعضهم وترا ؟ بعضهم يَقول بِهذا بل بعضهم يَقول: " هي في ليلة واحدة على حسب المكان الذي نزل فيه الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مكة المكرمة "، وعند غيرهم يَكون ذلك هو وقت الإجابة حتى لو كان ذلك في النهار في بعضِ الأماكن البعيدة التي يَكون وقت الليل في مكة المكرمة عندهم نهارا، و-على كل حال-المسألة فيها مِن الكلام ما فيها، ونحن قلنا(8): إنّ الإنسان يَنبغِي له أن يُواظِب على قيامِ شهر رمضان ولاسيما في العشرِ الأواخِر على أنّ العلماء قد اختلَفوا متى الوتر .. هل يَكون في ليلةِ الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين وهكذا أو يَختلِف بِحسب الاختلاف بيْن الشهور إذا كان الشهر تسعة وعشرين ليلة أو كان ثلاثين ليلة ؟ في ذلك كلامٌ طويل عريض، وبعضُ هذه الأقوال ليس لها دليل قوي يُمكِن الاعتماد عليه فالسّلامة في عدمِ الخوْض في ذلك وأن نَكِلَ الأمْر إلى الله تبارك وتعالى .. نَحن نَجزِم بِليلةِ القدْر ونُرجِّح-على حسبِ ما يَظهَر لَنا-بِأنَّها في شهرِ رمضان المبارَك وأنَّها في العشرِ الأواخِر منه ولاسيما الأوتار كما جاء في بعضِ الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكنّها ليستْ مِن بابِ المقطوعِ بِه فلا نَقطَع عُذْرَ مَن خالَف ذلك ولا نَعتقِد ذلك وإنما نَظنّ ظنا، فإذن يَنبغي لَنا هذا وهو أن نُواظِب على القيامِ مع الاحتساب كما جاءَ في الحديث: ( قام رمضان ) والرواية الأخرى: ( ليلة القدر إيمانا واحتسابا ) .. نَفعَل ذلك ونَرجو الله-تبارك وتعالى-مِنْ أن يُوفِّقَنا لِلأجْر والثواب على أَنَّ-أيضا-العلماء اختلَفوا هل يَحصُل على هذا الثواب مَن عَلِمَ بِهذه الليلة أو أنه يَحصُل على ذلك مَنْ قام هذه الليلة سواء ظهرتْ له شيءٌ مِن العلامات أو لَم يَظهَر له شيءٌ مِن ذلك ؟ هذا خلافٌ طويل عريض ولذلك لا أرى داعيا لِلبحثِ في بعضِ هذه القضايا التي ليس لَها دليل قاطِع كما أشرتُ في قضية هل يَكون في المنطقة الفلانية في ليلة كذا أو في ليلة كذا أو ما شابه ذلك ؟ فقلنا: هذا السلامةُ في عدمِ التَّطَرق إليه وأن نَكِلَ أمرَ ذلك إلى الله-تبارك وتعالى، وقد أشرتُ إلى ذلك إشارة بِالأمس(9)
      ـ ولكن مهما كان هذه الليلة فيها فضلٌ عظيم كما جاء ذلك في القرآن الكريم .. وصفها الله-تبارك وتعالى-بِأنّها ليلة مباركة وهي ليلة القدر-خلافا لِمن يَزعم بِأنَّها ليلة الخامس عشر مِن شعبان-وأيضا أُنزِل في هذه الليلة-وهي ليلة القدر-سورة بِكَامِلِهَا(10) وقال تَفْخِيما لِشأنِها : {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } ( سورة القدر، الآية: 2 ) ثم قال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ... } ( سورة القدر، الآية: 3 ومِن الآية: 4 ) .. على كل حال أيضا؛ أطال بعضُ العلماء الكلامَ على الروح والمرادِ بِالروح ولا أرى داعِيا لِتَطْوِيل الكلام بِذلك ما دام ليس هنالك دليلٌ قاطِع على تلك الأقوال .. قد يَظُنّ الإنسان بعضَ الأمور لكن أن يَجْزِم بِذلك ففيه مِنَ الصعوبة ما فيه، ثُمَّ الله سبحانه وتعالى قال: { ... هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ( سورة القدر، من الآية: 5)، فهي-والحمد لله تبارك وتعالى-إذا قام الإنسان لَيْلَة مِن الليل سَيَحْصُل على هذا الثواب على الرأيِ الراجِح بِأنه رآها أو لَم يرها-أي رأى شيئا مِن علاماتِها أو لم يَرَ شيئا مِن تلك العلامات-ما دام قام هذه الليلة إيـمَانا واحتسابا حتى أنّ بعضَ العلماء قال: " مَن صلّى المغرب والعشاء في هذه الليلة فقد يَحصُل على هذا الثواب " ولكن-حقيقة-في هذا الكلام ما فيه، ذلك لأنّ المسلِم لابد مِنْ أَنْ يُؤدِّي هاتيْن الصلاتيْن ومعنى ذلك أنه أتى بِهذا القيام إن كان هذا هو المقصود، وقد يَقولون بِأنه إذا أتى بِهما على حَسْبِ ما هو مطلوبٌ شرعا، ونقول: المؤمن مطالَب بِذلك، فنحن لا نَقوى على هذا القول ولكن نَقول بِأنّ الظاهِر أنه لابد مِن القيام المعروف ولا أَقصِد بِالقيام المعروف هو التراويح أو ما شابه ذلك .. كَلاّ وإنَّما قيام هذه الليلة ومِن مؤمِن مُحْتَسِب لِلثوابِ مِن عندِ الله تبارك وتعالى.
      وعلى كل حال؛ الأوقاتُ تارةً يَكون الوقتُ بِكاملِه وهذا هو الظاهِر مِن الآية القرآنية وتارةً تَكون ساعة الإجابة قصيرة في وقتٍ مُحدّد وتارةً يَكون الوقتُ طويلا وإن لَم يَكن اليوم كامِلا، فليلةُ القدرِ الظاهِر أنَّها مِن أوّلِها إلى آخِرِها، أما آخِر الليلة فالأمر واضِح وأما مِن أوَّلِها فذلك هو الظاهِر لأنه قال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ } بِالنسبة إلى بعضِ الأوقات يَكون الوقتُ قصِيرا كالساعة التي فيها الإجابةُ في يومِ الجمعة والبعضُ يَكون وَسَطا كيومِ عَرَفَة فإنه يَكون مِن زوالِ الشمس على الرأي الراجِح الذي يَدُلّ لَهُ الدليل وعليه-أيضا-جمهور الأمّة.
      أما العلامات فقد ذَكَرُوا لِذلك علاماتٍ مُتَعَدِّدَة منها ما يَكونُ بعدَ وقتِها .. أي بعدَ طلوع الشمس، ومنها ما يَكونُ في الليل.
      وأما ما يَذكُرُه كثيرٌ مِن العوام بِأنّ بعضَ المخلوقات تَنْقَلِب رأسا على عَقِب فَعُرُوقُ الأشجار تَكونُ الأعلى والأطراف تَكون في الأسفل وأنَّ الإنسان لو أَخَذَ شيئا مِن شجرة يَتَحَوَّل إلى ذَهَب .. إلى غيرِ ذلك فهذا باطِل وهُرَاء لا قيمةَ لَه.
      ولكن-على كل حال-بعضُ العلماء يَقول: تَكون تلك الليلة وَسَطا ليس فيها شيءٌ مِن البَرْد ولا مِِن الـحَر وقد يَشْعُرُ الإنسان فيها بِشيءٍ مِن السكينة وهكذا ما يُرَى في صبيحةِ ذلك اليوم مِن الشمس بِأنه ليس لَها شُعَاعٌ قوِي .. إلى غير ذلك مِنَ العلامات التي يَحتاج أن نَذكُرَها ونَذكُرَ ما لَها وما عليها ولكن-على كل حال-الإنسانُ قد يَشْعُر بِشيءٍ مِن الطمأنينة والراحة وذلك ظاهِرٌ مِن حديثِ السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-عندما سألتْ الرسول صلى الله عليه وسلم بِماذا تَدعو إذا هي رأتْ ليلة القدر، فمعنى ذلك بِأنّ الإنسان يُحِسّ بِشيءٍ وإلا كيف تَرَاها السيدة عائشة-رضي الله تبارك وتعالى عنها-ولا تُحس بِشيءٍ ؟! قد يَشعُر بِذلك في مَنَامِه وقد يَشعُر بِذلك في يَقَظَتِه وقد لا يَشعُر-كما قلتُ ويَنالُ الثواب الجزيل، و-على كُلٍ-أَرشَدَ النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة لأن تَدْعُوَ بِقوله: ( اللهم إنّك عَفُوٌ تُحِب العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي ) فلْيُكثِر الإنسانُ مِن هذا الدعاء في هذه الليالي المبارَكة شَعَرَ بِذلك أو لَم يَشعُر ولْيُكْثِر-أيضا-مِنْ قولِ: " ربنا آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخِرة حسنة وقِنا عذابَ النار "، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يُكْثِر مِن هذا الدعاء، وكذلك: " اللهم إنّي أَسألُك العفوَ والعافية في الدنيا والآخِرة "، و-كذلك-يُكْثِر من دُعَاءِ يونس عليه السلام الذي جاءَ في القرآن الكريم: { ... لا إِلَهَ إِلا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } ( سورة الأنبياء، من الآية: 87 ) .. إلى غيرِ ذلك مِن الأدعية، وليُكْثِر مِنَ الدعاءِ بِالنّصْرِ لِلإسلامِ والمسلِمين؛ نَسألُ الله-تبارك وتعالى-أن يُوَفِّقَ المسلِمين جميعا لِما فيه الخيْر وأن يَنْصُرَ الإسلامَ نَصْرا مُؤَزَّرا وما ذلك عليه بِعزيز؛ والله أعلم.
    • أحكام الاعتكاف لفضيلة الشيخ سعيد القنوبي

      فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي
      أحكام الاعتكاف


      السؤال:
      ما حكم الاعتكاف ؟


      الجواب:
      إنّ الاعتكاف سنّة ثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد ورد عنه-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-أنه كان يَعتكِف في العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك، كما أنه اعتكف-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في بعض الأحيان في العشرين الأخيرة من شهر رمضان أيضا، وقد ثبت-أيضا-عن بعض الصحابة-رضوان الله تبارك وتعالى عليهم-أنهم اعتكفوا مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري-رضي الله تعالى عنه-عند البخاري وعند غيره، وثبت-أيضا-عن أمهات المؤمنين-رضي الله تبارك وتعالى عنهن-أنهنّ اعتكفن بعد وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه، كما أنّ بعضهنّ شَرَع في الاعتكاف مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي هذا دلالة واضحة وحجّة نيِّرة على مشروعية الاعتكاف، وأنه سنّة ثابتة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، بل مشروعيته أيضا تؤخذ من كتاب الله-تبارك وتعالى-في قوله: {... وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد...} [سورة البقرة، من الآية: 187 ]، و-كذلك-يُؤخذ ذلك من قوله سبحانه وتعالى في قوله لعبده وخليله ورسوله إبراهيم عليه السلام : { ... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }(11) [ سورة البقرة، من الآية: 125]، وهذا أمر متّفَق عليه بين الأمّة الإسلامية قاطبة، وقد حكى الاتفاق-أو الإجماع-على ذلك غيرُ واحد من المتقدِّمين والمتأخِّرين، لا داعي لذِكر أسمائهم.
      وما رُوي عن الإمام مالك أنه قال بكراهة ذلك فلا أظنّه يصحّ عنه إلا إذا قُيِّد ذلك بِقَيْد من القيود، أو كما قيل بأنّه يُحمَل على صفة من الصفات، كما ذَكر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، وقد ذَكر بعض العلماء مَحامِل لذلك وأكثرُ تلك المحامل مردود، ولا أرى فائدة من ذِكر ذلك ما دام الاعتكاف ثابتا ثبوتا لا شك فيه، ولا أظنّ أنّ ذلك-كما قلتُ-يُخالِف في ذلك إلا إذا كان ذلك لمَحمَل من المحامِل ومع ذلك فيه ما فيه.
      هذا بالنسبة إلى شهر رمضان المبارك.
      وذهب بعضهم إلى أنّه سنّة في العَشر الأواخر من رمضان وأما في غير ذلك فليس بسنّة وإنما هو جائز.
      وقيل: إنه في شهر رمضان سنّة-كما قلتُ وفي غيره جائز.
      وقيل: إنه سنّة مطلقا في شهر رمضان وفي غير رمضان.
      ولاشك أنّ القول بسنيّة ذلك هو القول القويّ، وإن كان في رمضان أفضلُ وآكَد، لِمواظبة النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وكثير من صحابته رضوان الله-تعالى-عليهم.
      وما قيل: " إنه لم يَعتكِف أحد من الصحابة " مردود، لِما ذكرتُه ولغير ذلك من الروايات الكثيرة المروية عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
      وينبغي للإنسان مِن قبلِ أن يُطلِق على بعض الأمور بأنها لم تَثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن غيره مما رُوي ذلك عنهم يَنبغي له أن يَتحرَّز وأن يَبحَث أشدّ البحث وألاّ يُطلِق الكلام على عَواهِنِه فيذكر بأنّ الشيء الفلاني لم يَرِد عن الصحابي الفلاني أو عن أحد من الصحابة مع أنّ ذلك مذكور في كتب كثيرة، وقد ذكرتُ أنّ ذلك مروي عن بعض الصحابة في الصحيحين وفي غيرهما من كتب الرواية.
      وذهب بعض العلماء إلى أنه مشروع إلاّ في حقّ المرأة الشابّة؛ وهذا-أيضا-ليس بشيء.
      فالقول الصحيح هو قول من قال إنّ ذلك مسنون ولاسيما في شهر رمضان المبارك وأنّ الأفضل أن يُحافَظ عليه في العشر الأخيرة من رمضان ومن أمكنه-أيضا-أن يَعتكِف في العشرين الأخيرة منه فذلك حسن؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


      السؤال:
      هل لهذا الاعتكاف شروط معيّنة ؟


      الجواب:
      أوّلا: كثير من الناس يَسألون عن فضل الاعتكاف، وأنا أريد أن أنبّه إلى أنه لم يَرِد حديث صحيح ثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-يدل على فضل الاعتكاف، فكل ما روي من الأحاديث القولية ففيها ما فيها من كلام، وإنما الثابت في ذلك فعل النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ومواظبته عليه في العشر الأخيرة، حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه جاء عنه أنه كان إذا لم يَتمكن من الاعتكاف في العشر الأخيرة .. أنه كان يَعتكِف العشرين الأخيرة من شهر رمضان من السنة الآتية، وكذلك عندما خرج من الاعتكاف عندما دخلت أزواجه-صلوات الله وسلامه عليه، ورضوان الله عليهن-في الاعتكاف .. عندما خرج في العشر الأخيرة من رمضان قضى ذلك، وإن كان ذلك القضاء-على مذهب طائفة كبيرة من أهل العلم، وهو الظاهر عندي-ليس على طريق الوجوب، وإنما هو على طريق الاستحباب.
      أقول: في فعله صلوات الله وسلامه عليه ما يدل على فضل الاعتكاف، و-أيضا-من المعلوم أنّ لِلعشر الأخيرة من شهر رمضان من الفضل ما لها، ولذكر الله-تبارك وتعالى-وتلاوة القرآن من الفضل ما لا يخفى، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ثبوتا لا شك فيه، ومن المعلوم أنّ أكثر ما يُحافِظ عليه المعتكِف هو الأذكار مع قراءة كتاب الله تبارك وتعالى، فمن كانت له القدرة فلا ينبغي له أن يُفرِّط في ذلك، ولا يَغترَّ بقول كثير من أهل العلم بأنّ ذلك لم يَثبُت عن الصحابة، فقد قدّمنا بأنّه ثابت عن الصحابة، بل هو ثابت عن سيّد الصحابة وسيّد كل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك لا ينبغي له أن يَغترَّ بما ذكره أهل العلم مِن أنه لم يَأت حديث صحيح في فضل الاعتكاف، فإنّ معنى ذلك بأنه لم يَأت حديث قولي، وينبغي لِلإنسان أن يَعلم اصطلاحات أهل العلم عندما يجد عبارة أو كلاما لبعضهم أو لهم جميعا .. لابد مِن أن يَعرِف ذلك المصطلح الذي يَعْنُونَه، وإلا فلا يُمكن أن يقال بعدم فضل الاعتكاف مع مواظبة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كما ذكرتُ
      وأما شروطه فله شروط متعدِّدة، منها ما هو متّفَق عليه بين أهل العلم، ومنها ما هو مختلَف فيه.
      فمن تلك الشروط: الإسلام، وهذا الشرط شرطُ صِحّة، وهو شرطٌ في كل العبادات، وإذا وجدنا اشتراط الإسلام فمعنى ذلك أنه لا يَصحّ من الكافر شيء من العبادات رأسا، فإذا قيل باشتراط ذلك في بعض العبادات الواجبة-كالحج والصلاة والصيام والزكاة-فمعنى ذلك أنّ ذلك لا يَصحّ، لا أنه لا يُخاطَب بذلك، بل هو مخاطَب بذلك، على أصحّ الأقوال وأشهرها، وهو الذي تدلّ له الأدلة الكثيرة من كتاب الله تبارك وتعالى، والاعتكاف وإن لم يكن واجبا ولكنه أيضا لا يَصحّ إلاّ من مسلم، فلو اعتكف كافر فذلك لا يَصح، بل لابد من أن يَدخل أوّلا في الإسلام وأن يَلتزم بشرع الله-تبارك وتعالى-وبعد ذلك إن شاء أن يَعتكف فليعتكف، فهذا هو المقصود من شرط الإسلام عندما يَذكره العلماء ولاسيما في الأمور الواجبة.
      ومن ذلك: العقل، فلا يَصحّ الاعتكاف مِن مجنون ولا مِن سَكران ولا مِن مُغمَى عليه، فلو اعتكف مجنون أو سكران أو مغمى عليه فلا ثواب له، بل لا يَصح ذلك منه.
      نعم إذا دخل شخص في الاعتكاف وأصابه الإغماء بعد ذلك بعد أن طلع الفجر:
      1 ـ فإنّ طائفة من أهل العلم يَقولون: " إنّ اعتكافه لذلك اليوم صحيح".
      2 ـ وإن كان بعضهم يَرى خلاف ذلك.
      ولكنّ القول الأول قالت به طائفة كبيرة من أهل العلم، وله وجه قوي في النظر.
      ومن ذلك: التمييز، فالصبي إذا كان غَير مميّز فإنه لا يَصحّ منه، والتمييز بالنسبة إلى الصبيان يَختلِف من طفل إلى طفل، فلا يُمكن أن يُحدّ ذلك بسنة معيّنة، وإنما ذلك يَدور على من كان يَفهم الخطاب ويَستطيع الجواب ويَفقه معنى ذلك فتَصحّ منه النية، فمَن كان كذلك فهو الذي يَصحّ منه، وهو الذي يُقال عنه بأنه مميّز.
      ومن ذلك: النية، إذ لا يَصحّ عمل من الأعمال إلا بنيّة إذا كان ذلك العمل يَتعلّق بمثل هذه العبادات، نعم إذا كان ذلك يَتعلّق بطهارة-أو ما شابه ذلك-وكانت الطهارة لثوب وليست لجسد فإنّ تلك النجاسة تَزول ولو لم تكن هنالك نية على أصحّ الأقوال وأشهرها، أما مثل هذه العبادات فلابد لها من النية، فالنية-إذن-شرط لصحّة الاعتكاف.
      ومن ذلك: الصوم، فإنّ طائفة كبيرة من أهل العلم ذهبت إلى أنّ الصيام شرط في صحّة الاعتكاف، وأنّ اعتكاف من لم يَصُم ليس بصحيح بل لا ينبغي أن يُسمّى ذلك اعتكافا؛ وهذا هو قول طائفة-كما قلتُ-من أهل العلم، وهو مروي عن طائفة من الصحابة رضوان الله-تعالى-عليهم، فقد روي عن السيدة عائشة، وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله-تبارك وتعالى-عنهم، وهو مذهب أصحابنا وإن كان هنالك ما يُفهَم من كلام بعضهم بأنه قد ذهب بعض الأصحاب إلى عدم اشتراط ذلك ولكنّ القول المشهور المنصور عندهم هو اشتراط الصوم لصحّة الاعتكاف(12) ، وهو قول الإمام مالك، وعليه جمهور أصحابه، وخالف منهم ابن لُبابة، فقال بعدم اشتراط الصيام في الاعتكاف، وهو قول بعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد وعن إسحاق، ورَجَّح ذلك ابن تيمية وابن القيم من المتأخِّرين، وهو قول الثوري والليث والحسن بن حي.
      نعم ذكرنا أنّ طائفة كبيرة من أهل العلم ذهبت إلى اشتراط الصيام في الاعتكاف وأنّ الاعتكاف لا يَصحّ إلا به، وذكرنا مجموعة من أولئك العلماء الأعلام الذين ذهبوا إلى اشتراط ذلك، وهنالك بقية أخرى لا بأس بذكر طائفة منهم، فمِمّن ذهب إلى ذلك من أهل العلم النّخعي والشّعبي، وذهب إلى ذلك نافع والقاسم بن محمد والأوزاعي والزهري، وطائفة من التابعين، وقيل: " إنه المذهب القديم للإمام الشافعي "، و-كذلك-ذهبت إلى ذلك الحنفية في الصوم(13) الواجب، ويُفهَم من بعضهم-أيضا-أنّ طائفة منهم يَشترِطون ذلك حتى في غير الصوم(14) الواجب، فهذه جماعة كبيرة جدا ممن ذهبوا إلى اشترط الصيام، فلا يُمكن أن يَدّعي مدّعٍ بعد ذلك بِأنّ مذهبا معيّنا هو الذي يَشترِط الصيام بخلاف بقية الأمّة، فهذه جماعة كبيرة من الأمّة الإسلامية من الصحابة والتابعين ومن أتباع المذاهب الأخرى قد ذهبت إلى ذلك، ولهذا الرأي أدلة كثيرة جدا، ولكنّ الوقت أرى أنه لا يَسمَح بذلك، ويكفي من ذلك أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَعتكِف إلاّ في العشر الأواخر من رمضان وهو لا شكّ ولا ريب بأنه كان صائما، أما ما جاء مِن اعتكافه بعد ذلك فإننا وإن كنّا لا نقوى على الجزم بأنه قد صام إلا أنه أيضا ليس هنالك دليل آخر يَدلّ على عدم صيامه صلوات الله وسلامه عليه، والروايات مختلِفة .. جاء في بعض الروايات أنه اعتكف في العشر الأوائل، وفي بعضها أنه اعتكف في الأواخر، وفي بعضها بأنه اعتكف في رمضان من غير أن تُحدِّد الرواية بأنّ ذلك جاء في الأول أو في الآخر، فمع هذا الاحتمال لا يُمكِن أن يَحتج بذلك مُحتَج على عدم شرطية الصيام في الاعتكاف، و-أيضا-نجد المولى-تبارك وتعالى-قد ذَكر الاعتكاف في معرض ذِكره للصيام(15) وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنّ الاعتكاف لا يكون إلا بالصيام، ومِن المعلوم أنه لم يأت دليل واحد يدل على عدم اشتراط الصيام، وكل ما روي من الأحاديث التي فيها مشروعية ذلك من دون الصيام أحاديث لا تَثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.
      هذا ومن الشروط التي لابد منها في الاعتكاف: أن يكون المعتكِف طاهرا من الحدث الأكبر، فلا يَصحّ الاعتكاف مِن الجنب ولا مِن الحائض ولا مِن النفساء .. هذا هو القول المشهور عند الأمّة الإسلامية، وهو الحق الذي لا ريب فيه .. نعم إذا كان الإنسان معتكِفا وأصابته جنابة فإنه يُؤمَر بالاغتسال مباشَرة ولا يُؤثِّر ذلك في اعتكافه ولا في صيامه.
      والدليل على اشتراط ذلك أنّ الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد والجنب والحائض والنفساء كلهم منهيون عن دخول المسجد-وعند بعضهم مَنهيون عن المكث فيه-ومن المعلوم بأنّ من أهم الشروط في الاعتكاف هو أن يكون في مسجد من المساجد، كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى.
      وكذلك-أيضا-قد رجّحنا أنّ الاعتكاف لا يكون إلا بالصيام ومِن المعلوم المتقرِّر أنّ الصيام لا يَصح مع الحيض والنفاس بل الحائض والنفساء يَحرم عليهما الصيام كما هو معلوم.
      أما الجنب فقد اختلف العلماء في صيامه .. أي هل يصح الصيام مع الجنابة أو لا ؟ والقول الصحيح الذي يَدل له الحديث الصحيح الثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا، كما جاء ذلك عند الإمام الربيع رحمه الله، وجاء عند غيره من أئمة المحدثين.
      وأما ما جاء مِن أنه صلوات الله وسلامه عليه أصبح وهو جنب وهو صائم فذلك الحديث يُعارِضه هذا الحديث وإذا تعارض حديثان أحدهما يقتضي التحريم والثاني يقتضي الإباحة فإنه يُقدَّم الدليل الذي يَدل على التحريم على الدليل الدال على الإباحة، فالظاهر أنّ فعله صلوات الله وسلامه عليه كان متقدِّما على حديثه الذي جاء فيه أنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا.
      والقول بأنّ ذلك على الاستحباب مردود لأنّ الحديث يَدل دلالة واضحة لا غموض فيها بأنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا(16) ولا يمكن أن يُؤخذ من ذلك أنّ ذلك على الاستحباب-أو ما شابه ذلك-لأنه نصّ صريح على أنه أصبح مفطرا.
      والقول-أيضا-بأنه منسوخ-أو ما شابه ذلك-مخالِف للواقع، لأنّ الأصل أن يكون هذا المتأخِّر هو الناسخ، ومَن ادّعى خلاف ذلك فعليه الدليل.
      ولولا أنّ الوقت لا يَتسع للإطالة لأطلتُ في هذه القضية، نظرا إلى أنّ كثرة كاثرة من أهل العلم يَرون خلاف ذلك، ولعلنا نجيب عن ذلك في مناسبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى.
      ومن الشروط التي لابد منها في الاعتكاف بل هو الشرط الأساسي بل هو الركن الذي لابد منه: اللّبْث في المسجد، إذ لا يَصحّ الاعتكاف إلاّ في مسجد من المساجد؛ وقد اختلف العلماء في المسجد الذي يَصحّ فيه الاعتكاف:
      ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يَصحّ في كل مسجد من المساجد سواء كانت تُقام فيه الجمعة أو لا وسواء كانت تُقام فيه الجماعة أو لا.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يَصحّ إلا في المسجد الذي تُقام فيه الجماعة وإن كانت لا تُقام فيه الجمعة.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لابد مِن أن يكون في مسجد تُقام فيه الجمعة إذا كان الاعتكاف يَستمرّ إلى يوم الجمعة، أما من أراد أن يَعتكِف ستّة أيام وابتدأ الاعتكاف من ليلة السبت مثلا وسيَخرُج قبل يوم الجمعة.. أي أنه لن يَكون معتكِفا في يوم الجمعة فإنه لا يُشترَط أن يكون في مسجد تُقام فيه الجمعة حتى على رأي هؤلاء.
      وذهبت طائفة قليلة جدا إلى أنه لا يَصحّ إلا في أحد المساجد الثلاثة .. أي المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى؛ وهو قول ضعيف جدا، وإن احتجّ له بعضهم برواية تُروى عن حذيفة-رضي الله تبارك وتعالى عنه-فإنّ تلك الرواية-على الصحيح-موقوفة، وليست بِمتّصلة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ووَصْل من وَصَلَها يُعتبَر من باب الشاذّ على القول الصحيح الراجح، وإن احتجّ بعض المتأخِّرين لهذا القول وحاول الانتصار له فإنه لم يُوفَّق إلى الصواب عندنا أي على ما نرى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.
      هذا وممّا ذكرناه أنه لابد مِن أن يَكون في المسجد، فإذا اعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجمعة فإنه لابد مِن أن يَخرج إلى الجمعة.
      وبعض العلماء ذهب إلى أنّ ذلك لا يَصحّ كما قلتُ.
      ولكنّ الرأي الصحيح أنه يَصحّ منه ذلك إذا كانت الجمعة تَجب عليه، أما إذا كانت الجمعة لا تَجب عليه فإنه لا يَخرج إليها.
      وقد اختلف العلماء في وقت الخروج إلى الجمعة:
      ذهب بعضهم إلى أنه لا يَخرج إليها إلا قُبَيْل النداء لها بحيث إنه عندما يَصل إلى السجد يُصلي أربع ركعات وبعد ذلك تُقام الجمعة وإذا انتهى من الجمعة ومن السنّة البَعْدِية فإنه يَرجع إلى المسجد الذي يَعتكِف فيه.
      وذهب بعضهم إلى أنه يُسنّ له بأن يَخرج من المسجد الذي يَعتكِف فيه في الوقت الأفضل، كما جاء في الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .. أي يُسنّ له البكور إلى صلاة الجمعة.
      وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك جائز ولا يُمكن أن يُوصف بالسنّة في حقّه، لأنّ السنّة في حقّه-على رأي هؤلاء-أن يَمكث في المسجد الذي يَعتكِف فيه.
      هذا ما يتعلّق بالخروج إلى الجمعة على وجه الاختصار.
      ويُستثنى من وقت اللّبث في المسجد ما تدعو الحاجة إليه:
      وذلك كقضاء حاجة الإنسان فإنّ هذا مُستثنى باتّفاق الأمّة الإسلامية قاطبة، إذ لا يُمكن للإنسان أن يَقضي حاجته في المسجد، بل لابد مِن أن يَذهب إلى مكان آخر خارج المسجد ولكن إذا كانت هنالك دورات مياه بالقرب من المسجد فإنه يَقضي حاجته فيها، وليس له أن يذهب إلى بيته على الصحيح، أما إذا لم يَكن هنالك مكان لقضاء الحاجة فإنه يَذهب إلى بيته للضرورة، وإذا كان لديه بيتان أحدهما أقرب من الآخر فإنه ليس له أن يَذهب إلى البيت الأبعد، بل عليه أن يَقضي حاجته في البيت الأقرب، وفي هذا الزمان-بحمد الله تبارك وتعالى-مواضع قضاء الحاجة متوافرة بالقرب من المساجد.
      وكذلك بالنسبة إلى الأكل:
      ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان يَجد من يأتيه بِأكله وشرابه إلى المسجد فإنه ليس له أن يَذهب إلى البيت، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور.
      وذهب بعضهم إلى أنه يَجوز له ولو كان يجد من يأتي إليه بذلك.
      وذهب بعضهم إلى أنه إن كان يَستحيِي بِأن يَأكل في المسجد فذلك له، وإلا فلا.
      وأقول: إن وَجد مَن يَأتي إليه بذلك(17) فإنه لا يُرخَّص له بالخروج من المسجد، ولا عبرة بالاستحياء هاهنا فإنه بِإمكانه أن يَذهب إلى جهة من جهات المسجد ويأكل فيها.
      وهكذا لا يَجوز للإنسان أن يَخرج إلا لمثل هذه الحالات الضرورية القصوى:
      وذلك-أيضا-كالاغتسال الذي لابد منه أو الذي تَدعو إليه الضرورة، وأما ماعدا ذلك من الخروج الذي يَخرجه كثير من الناس وإن رَخَّص فيه من رَخَّص من أهل العلم فإنه يَنبغي أن يُشدَّد فيه-ولستُ الآن بِحاجة إلى ذِكر تلك الأمور-وإن كان يُمكن أن يُرخَّص في بعضها إذا كانت هنالك ضرورة ماسّة.
      وذلك-مثلا-كمَن مات له قريب يَلي هو الصلاة عليه ودفنَه:
      فإنّ بعض أهل لعلم يُرخِّص في ذلك.
      وبعضهم يذهب إلى أنّ اعتكافه يَفسد.
      والقول بالترخيص إذا كان هو الذي يَلي ذلك ولا يوجد أحد آخر يقوم بذلك فإنّ له وجها.
      وكذلك بالنسبة إلى زيارة المريض إذا كان قريبا له إذا كان يَمرّ عليه عند رجوعه من اغتساله أو من قضاء حاجته فيُرخَّص فيه بشرط ألاّ يَجلس بل يُسلِّم وهو مار في طريقه، أما إذا كان لم يَخرج لقضاء حاجة ضرورية فإنه لا يُرخَّص له في الخروج من أجل ذلك، وكذلك إذا كان ذلك الطريق في ناحية أخرى فإنه لا يُرخَّص له في ذلك، لأنّ كلَّ ذلك يَتنافى مع معنى الاعتكاف.
      و-كذلك-كثير من الناس يَسألون من أنهم يُريدون الاعتكاف ولكنّهم يَخرجون إلى العمل ثم يَرجعون بعد الرجوع من عملهم وهكذا بالنسبة إلى طلبة العلم فإنّ بعضا منهم يريد أن يَخرج إلى الدراسة ثم يَرجع إلى معتكَفه، وأقول: إنّ ذلك يتنافى مع الاعتكاف.
      وذهب بعض أهل العلم إلى أنّ الإنسان إذا اشترط عند اعتكافه بِأنه يَخرج لكذا ويَخرج لكذا فإنّ ذلك له، وأخذوا ذلك مِن الاشتراط في الحج، فإنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-رَخَّص في مَن يَخاف ألاّ يَتمكّن من إتمام مناسك الحج أن يَشترط بأنه يحل في الموضع الذي لا يَتمكّن من مواصلة الحج فيه، ولكنّ بين القضيتين فرقا شاسعا كما لا يَخفى، فإنّ ذلك الشخص لا يَتمكن من مواصلة الحج وأما هذا فإنه متمكّن من ذلك وإنما يَذهب لقضاء حاجة.
      نعم يُمكن أن يُرخَّص في الاشتراط لمن خاف مِن مرض يُداهِمه أو ما شابه ذلك فإنه يَشترط بِأنه إذا لم يَتمكّن من الاعتكاف بسبب مرض أو مرض قريب أو موته بأنه سيَخرج من ذلك الاعتكاف، وهذا كله فيما يَتعلّق باعتكاف النفل.
      أما بالنسبة إلى الاعتكاف الواجب-أيضا-إذا اشترط فيه فيجري فيه ما ذكرناه مِن الخلاف في الاشتراط وعدمه، ولكنّ القول بالاشتراط قول ضعيف جدا إلا فيما يَتعلّق بما ذكرتُه من خوف مرض أو مرض قريب يقوم هو بشؤونه أو ما شابه ذلك.هذا ومن الجدير بِالذِّكر أنّ مِن أهمّ الأمور التي يَجتنبها المعتكِف مباشَرة النساء، فلا يَجوز له وطء النساء كما أنه-أيضا-لا يَجوز له أن يَفعل شيئا من مُقدِّمات الوطء، فهذا أمر مهمّ، ولم أذكره من قبلُ في الشروط لأنّ ذلك مِن مُفسدات الاعتكاف، ولكن نظرا إلى ضيق الوقت وأنه لا يُمكن أن نُجيب عن ذلك بِجواب مُستقِل فإنه يُمكن أن نقول: إنّ مِن شروط ذلك ألاّ يَطأ الإنسان ولا يَفعل شيئا من مُقدٍّمات الوطء؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.


      السؤال:
      رجل مريض بالشلل أو لا يستطيع أن يَعتكف في المسجد، فهل له أن يَعتكف في بيته ؟ وهل للمرأة-أيضا-أن تَعتكف في بيتها دون المسجد ؟


      الجواب:
      أما الرجل فليس له أن يَعتكِف في بيته، لأنّ الله-تبارك وتعالى-يقول كما قدَّمنا [ ص1 ]: { ... وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ... } ( سورة البقرة، من الآية: 187 )، ويقول: { ... وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ }(18) ( سورة البقرة، من الآية: 125 )، فالرجل لا يَجوز له بحال من الأحوال أن يَعتكِف في غير المساجد، بِإجماع الأمّة الإسلامية قاطبة.
      وأما المرأة فإنّ أهل العلم اختلفوا فيها:
      ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ المرأة يَجوز لها أن تَعتكِف في مسجد بيتها .. أي في المكان الذي خَصّصته للصلاة في بيتها؛ وهذا القول هو مذهب الأحناف، وهو قول طائفة كبيرة من أصحابنا رضوان الله-تبارك وتعالى-عليهم.
      وذهبت طائفة من أهل العلم-وهو مذهب الأكثرين-إلى أنّ المرأة-أيضا-تَعتكِف في المساجد، وليس لها أن تَعتكِف في مسجد بيتها أبدا؛ وهذا القول هو القول الأقوى فيما يظهر لي، لأنه لا يُوجد هنالك دليل أبدا يَدلّ على أنّ المرأة تَعتكِف في بيتها، وقد ثبت أنّ نساء النبي-صلوات الله وسلامه عليه-قد اعتكَفن في مسجده الشريف في حياته وبعد حياته .. شَرعن في الاعتكاف في مسجده الشريف ويَصحّ القول بِأنهنّ اعتكَفن في مسجده وكذلك اعتكفن بعد ذلك في مسجده، ولم يَأت دليل يَدلّ على خلاف ذلك.
      لا يُقال: " إنّ هذا الأحاديث تدل على مشروعية الاعتكاف في المساجد، ولا تَدلّ على أنه لا يَصحّ الاعتكاف في غير المسجد "، لأننا نقول: إنه يُؤخذ من ذلك بالإضافة إلى الآيتين الكريمتين، مع ملاحظة ما ذكرناه بِأنه لم يَصح حديث قط ولا دليل آخر يَدلّ على مشروعية اعتكاف المرأة في بيتها.
      أما ما استدلوا به مِن فضل صلاة المرأة في مسجد بيتها على فضل صلاتها في مسجد الجماعة فذلك في الصلاة، ولا يُمكن أن يُؤخذ منه-بِحالٍ-جوازُ الاعتكاف بالنسبة للمرأة في البيت؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. (19).


      السؤال:
      هل يصح الاعتكاف في مصلّى صغير لا تُقام فيه الصلوات الخمس ؟


      الجواب:
      عندما يَعتكِف الإنسان فإنّه يَعتكِف من أجل حصول الأجر العظيم والثواب من عند الله-تبارك وتعالى-الذي يَحصل عليه الإنسان بِاعتكافه في المسجد ومواظبته على الطاعات من صلاة وصيام وذكرٍ وقراءةٍ لِكتابِ الله- تبارك وتعالى-و مِن ذلك المواظبةُ والمحافظةُ على الصلاة في الجماعة، فإذا كان هذا المسجد لا تُقام فيه الجماعة:
      فإنّ طائفة كبيرة من أهل العلم تقول: لا يَصحّ ذلك.
      وبعضهم وإن كان يقول بِصحّة ذلك ولكنّه يَرى الأوْلى ألاّ يكون في ذلك، لأنّ في ذلك مدعاة لترك صلاة الجماعة، وهذا مما لا ينبغي أبدا، إذ إنّ صلاة الجماعة-على الرأي الشهير-فريضة على كل فرد من الأفراد إذا كان يستطيع أن يَسعى إليها .. أي لم يَمنعه من ذلك مانع من مرض أو خوف.
      أما بالنسبة إلى المصليات فإنّ لأهل العلم كلاما هل تُلحَق بالمساجد أو لا ؟ وهنالك طائفة كبيرة تقول بأنها لا تُعطى أحكام المساجد؛ وعلى هذا الرأي لا يَصحّ الاعتكافُ فيها البتّة.


      السؤال:
      هل يُستحبّ للناس أن يَعتكفوا جماعيا ؟


      الجواب:
      لا أدري ما المراد بالاعتكاف الجماعي، فإن كان يريد السائل-أو غيره-بأن يَسأل عن طائفة مِن الناس تَعتكِف في المسجد مع مواظبتها على الطاعات من صلاة وذكر ودعاء وقراءةٍ لِكتابِ الله-تبارك وتعالى-فلا مانع من ذلك، إذ لا يُمكِن أن يٌقال-بحال من الأحوال-أنّ كلّ إنسانٍ يَعتكِف في مسجد مستقل وإذا أراد شخص آخر أن يَعتكِف فلابد مِن أن يَعتكِف في مسجد آخر، وقد قدَّمنا أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قد اعتكف في المسجد وشَرعت بعض أزواجه في الاعتكاف معه، وأنه اعتكف هو وجماعة من أصحابه-أيضا-في المسجد، فهذا دليل واضح على أنه يَصحّ الاعتكافُ مِن جماعة في مسجد من المساجد، بل ولو لم يَأت ذلك فإنّ جَواز ذلك أمر واضح، لا يَحتاج إلى إقامة برهان؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.



      الهامش:

      1 ـ قال الله تعالى: { حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } ( سورة الدخان، الآيات: 1-6).
      وقال الشيخ عند الجواب على السؤال 9 مِن حلقة 27 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م) : "هذه الليلة فيها فضلٌ عظيم كما جاء ذلك في القرآن الكريم .. وصفها الله-تبارك وتعالى-بِأنّها ليلة مباركة وهي ليلة القدر-خلافا لِمن يَزعم بِأنَّها ليلة الخامس عشر مِن شعبان-وأيضا أُنزِل في هذه الليلة-وهي ليلة القدر-سورة بِكَامِلِهَا وقال تَفْخِيما لِشأنِها: { وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ } ( سورة القدر، الآية: 2 ) ثم قال: { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا ... } ( سورة القدر، الآية: 3 ومِن الآية: 4 )".

      2ـ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ( سورة القدر).

      3ـ عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م).

      4ـ السؤال 9 مِن حلقة 24 رمضان 1425هـ ( يوافقه 08 نوفمبر 2004م).

      5ـ قال الشيخ عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 12 رمضان 1425هـ ( يوافقه 27 أكتوبر 2004م) : "جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: ( مَن عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تَقرَّب إلي عبدي بشيء أفضل مِمّا افترضتُه عليه، وما يزال عبدي يَتقرَّب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإن أحببتُه كنتُ سَمعَه الذي يَسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويدَه التي يَبطِش بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سألني ... ) إلى آخر الحديث، وهو وإن كان قد تكلم فيه بعض العلماء إلا أنه قد جاء مِن طرق أخرى يَشدّ بعضها بعضا فيَرتقي بذلك الحديث إلى درجة القَبول .. هذا الذي نراه في هذا الحديث".

      6ـ عند الجواب على السؤال 9 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م).
      7ـ قال الشيخ: " الليلة " بدلا مِن " المنطقة " والظاهر أنه سبق لسان
      8ـ عند الجواب على السؤال 1 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م).
      9ـ عند الجواب على السؤال 9 مِن حلقة 26 رمضان 1425هـ ( يوافقه 10 نوفمبر 2004م).
      10ـ {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ } ( سورة القدر).

      11ـ الظاهر أنّ الشيخ قصد أن يأتي بهذه الآية بدلا من الآية التي أتى بها في التسجيل وهي: { ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ( سورة الحج، من الآية: 26 ) مع ملاحظة أنّ الشيخ وقع له سبق لسان في قراءتها، إذ قرأها: " ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ".

      12ـ قال الشيخ: " اشتراط الاعتكاف " بدلا من " اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف " وهو سبق لسان.

      13ـ لعل الشيخ قصد أن يقول: " الاعتكاف " بدلا من " الصوم "، فليُتأمّل.

      14ـ لعل الشيخ قصد أن يقول: " الاعتكاف " بدلا من " الصوم "، فليُتأمّل.

      15 {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ... } ( سورة البقرة، من الآية: 187).

      16ـ أُبدِل قول الشيخ: " بأنّه أصبح مفطرا " بهذه العبارة " بأنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا " وذلك للإيضاح أكثر.


      17ـ
      السؤال:
      هل هناك مِن بأس في استعمال الهاتف النقّال في المسجد وخاصّة بالنسبة للمعتكِف حيث سمعنا أنّ الاتصال عبارة عن معاملة مالية بين المتّصل والشركة ؟ وهل يُؤثِّر على الاعتكاف خاصة أنّ مَن يَستعمِله يَرغَب في الاتصال بِأهله لطلب الطعام وغيره من الطلبات التي قد يَحتاجها الإنسان في حالة اعتكافه أو وجوده بالمسجد ؟


      الجواب:
      قبل الإجابة على هذا السؤال أنا أريد أن أنبّه الإخوة المستمعين إلى ما يَجب من احترام المسجد .. كثيرا ما نكون صافِّين في الصلاة متوجِّهين إلى الله-تعالى-وإذا بِهذه الهواتف النقّالة تُزعِجنا من هنا ومن هناك وكأنّنا في مكان فيه ضوضاء وجَلَبَة، وبعض هذه الهواتف فيها أصوات موسيقية وكأنما في حَلْبَة موسيقية نَسمع فيها الكثير الكثير من الأصوات الموسيقية كأننا خارج الصلاة .. هذا أمر يُزعِج المصلّين .. لا ينبغي أن يَفعله الناس .. ما لهؤلاء الناس وهم يَأتون إلى بيوت الله-سبحانه-يَأتون بهذه الهواتف النقّالة وهي مفتوحة ويَتركونها كذلك لِتُزعِج الناس وتَشْغَلَهُم عن الصلاة ؟!مع أنّ في الصلاة شُغْلاً، لأنّ صلاة الإنسان تعني إقباله على ربّه وتَركه همومَ الدنيا وتَركه لِجميع مشاغل النفس، لأنّ صلاته إقبال على عالَم آخر .. على عالَم القُدُس .. على مخاطبةِ الله-تبارك وتعالى-وحده، ولكن-مع الأسف الشديد-هؤلاء الذين لا يُقَدِّرون للصلاة قيمتها ولا يَعرفون منزلتها عند الله لا يبالون بهذا .. هذا أمر يَجِب أن يَتنبَّهوا له.
      أما إن كان مُجرَّد طلب حاجة من غير أن يَتركَ الهاتف شغّالاً لِيُزْعِج الناس في المسجد فلا مانع منه، أما أن يَعقِد الصفقات مع هذا أوهذا وهو في المسجد فذلك غيرُ جائز، وإنما يَتحدَّث في الهاتف في غير أوقات الصلاة بِقدر ضرورته فحسب، ولا مانع مِن هذا، لأنّ الضرورة تُقدَّر بِقَدَرها.



      السؤال:
      بعض الناس ربما يغفل عن إغلاق هاتفه فيصيح وهوفي الصلاة ثم يقوم بقفله، هل هذه الحركة تؤثّر على الصلاة؟


      الجواب:
      حقيقة الأمر؛ هذادليل الإهمال، ودليل عدم المبالاة بِحقّ الصلاة .. أنا قلتُ يجب أن يُقال في حقِّ هؤلاء بِأنهم عليهم أن يُغلِقوا هواتفهم وعليهم أن يعيدوا صلاتهم،لأنهم مِن أوّل الأمر هم مهمِلون لِلواجب .. غيرُ مبالِين بِحقِّ الصلاة.


      السؤال:
      والبعض يَجعله هزّازا فعندما يأتيه اتصال يَهتزّ جزء من جسده، فهل هذا-أيضا-يؤثّر على الصلاة ؟


      الجواب:
      إن كان يَشْغَله، ويَذهب بِفِكره عن الصلاة فلا ريب أنّ ذلك ممنوع شرعا. "
      الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 25 رمضان 1423هـ ( 1 ديسمبر 2002م).

      18ـ الظاهر أنّ الشيخ قصد أن يأتي بهذه الآية بدلا من الآية التي أتى بها في التسجيل وهي: { ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} ( سورة الحج، من الآية: 26 ) مع ملاحظة أنّ الشيخ وقع له سبق لسان في قراءتها، إذ قرأها: " ... وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ".

      19ـ
      السؤال:
      هل يصح الاعتكاف في البيت في حال وجود العذر وإذا لم يكن هناك مسجد قريب ؟


      الجواب:
      أما الرجل فليس له أن يعتكف في البيت بظاهر الكتاب وصحيح السنّة وإجماع الأمّة الإسلامية قاطبة، لأنّ الله-تبارك وتعالى-يقول: { ... وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ... } ( سورة البقرة، من الآية: 187 ) فالرجل ليس له أن يعتكف بحال من الأحوال في بيته أو في أيّ بيت من البيوت.
      وأما بالنسبة إلى المرأة فقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لها أن تعتكف في مسجد بيتها .. أي في المكان الذي خصصته للصلاة في بيتها.
      وذهب جمهور الأمّة إلى أنه ليس لها ذلك، بل إذا أرادت الاعتكاف فلابد من أن يكون ذلك في المسجد؛ وهذا القول هو القول الصحيح، إذ إنني لم أجد رواية صحيحة تدل على مشروعية الاعتكاف للمرأة في غير المسجد؛ وأما ما استند إليه القائلون بذلك من الاحتجاج بحديث فضل صلاتها في بيتها فذلك خاص بالصلاة والاعتكاف حكمه يختلف عن حكم الصلاة؛ والله أعلم."
      الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي، برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 16 رمضان 1423هـ ( 22 نوفمبر 2002م).
    • فتاوى في الاعتكاف لفضيلة الشيخ سعيد القنوبي

      فتاوى فضيلة الشيخ سعيد القنوبي


      السؤال:
      هل يُشتَرط الصوم في الاعتكاف إذا كان في غير رمضان ؟


      الجواب:
      اختلف أهل العلم في هذه المسألة:
      فذهب أكثر أصحابنا-رضوان الله تعالى عليهم-إلى أنّ الصيام شرط في صحّة الاعتكاف، واعتكاف مَن اعتكَف .. أي نوى أن يَعتكِف من غير صيام فإنّ ذلك باطل لا يصح؛ وهذا القول قالت به طائفة كبيرة-أيضا-من أصحاب المذاهب الأخرى، فهو مذهب الحنفية، وقال به-أيضا-الإمام مالك، وهو رواية عن الإمام أحمد، وذهب إلى ذلك ابن تيمية وابن القيم، وهو قول السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وإلى ذلك-أيضا-ذهب ابن عباس وابن عمر، وهو قول عروة والزهري، ونسبه ابن القيم إلى أكثر السلف.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك؛ وهو مذهب الشافعية، وهو الرواية المشهورة عن الإمام أحمد، وعليها جُلّ أصحابه.
      وسبب هذا الخلاف أنه قد جاءت آثار متعدِّدة-بعضها منسوب إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وبعضها إلى الصحابة-منها ما يَدلّ على اشتراط الصوم ومنها ما يَدلّ على عدم اشتراطه.
      فمِن تلك الآثار التي تَدلّ على اشتراط الصوم ما جاء عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قال في حديث طويل أكتفي بالمراد منه: " ولا اعتكاف إلا بصوم " .. هذه الرواية رواها أبو داود والدارقطني والبيهقي ولكن في إسنادها عبد الرحمن بن إسحاق وهو وإن كان ثقة إلا أنه يُخطئ وقد خالفه أكثر الرواة فرَوَوْها موقوفة عن السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وذهب بعض العلماء إلى أنها موقوفة على عروة الراوي عن السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها.
      إلا أنه لم يَنفرد بذلك، فقد جاء من طريق أخرى ولكنّ تلك الطريق التي رواها ابن شاذان في جزئه في إسنادها ابن جُرَيْج وهو مدلِّس مشهور ولم يصرح بالسماع .. نعم قد صرّح بالسماع من طريق أخرى ولكنّ تلك الطريق في إسنادها ضعيف وهو الحجّاج بن أرطأة فلا يُقبَل منه هذا التصريح من طريق ابن جُرَيْج حيث قال فيه: " أخبرني الزهري ".
      وقد رواها-أيضا-الدارقطني من طريق عروة وسعيد بن المسيب عن السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، وهذه الرواية لو صحّت لكانت موقوفة على السيدة عائشة رضي الله-تعالى-عنها، لأنّ عروة لم يَنفرد، أو كانت مرفوعة إلى النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ولكن في إسنادها ابن جُرَيْج وقد علمتم ما فيه.
      وجاءت-أيضا-من طريق أخرى ولكن في إسنادها عُبَيْد بن عبد الواحد وهو قد اختلط كما ذكر ذلك ابن المنادي وغيره، والراوي عنه لم يُعرَف هل سَمِعها منه قبل الاختلاط أو بعد الاختلاط.
      واحتجوا برواية أخرى-أيضا-عن السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-فيها أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-قال: " لا اعتكاف إلا بصوم "، ولكنّ هذه الرواية-أيضا-ليست بصحيحة، لأنها من طريق سفيان بن حسين وهو لا تَصح روايته إذا رواها عن الزهري وإن كانت بقية رواياته صحيحة، و-أيضا-في إسنادها سُوَيْد بن عبد العزيز وهو ضعيف، كما هو مشهور.
      واحتجوا على ذلك-أيضا-بحديث فيه أنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قد أمر عمر-رضي الله تعالى عنه-بالاعتكاف والصيام، حيث قال له: " اعتكف وصم " وهذه الرواية رواها أبو داود والدارقطني والبيهقي وابن عدي ولكنّ إسنادها-أيضا-لا يَصح، لأنها من طريق عبد الله بن بَدِيل وهو ضعيف مشهور، وإن وثّقه بعض العلماء فإنّ ذلك التوثيق ليس بصحيح على الرأي الصحيح الراجح.
      وجاء-أيضا-من طريق أخرى عند الدارقطني والبيهقي أنّ عمر-رضي الله تعالى عنه-قال للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " نذرتُ أن أعتكف وأن أصوم " فقال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " فِ بِنَذْرِك " أو ما هذا معناه، وهذه الرواية ليست بصحيحة، لأنّ في إسنادها من هو يُدلِّس تدليس التسوية ومَن كان يُدلِّس هذا التدليس فلا يُقبَل إلا إذا صرّح بالسماع عند طائفة، والصحيح لا تُقبَل روايته ولو صرّح بالسماع، وفي إسنادها-أيضا-ضعيف آخر، فهذه الرواية ليست بصحيحة، ثم إنها لو كانت صحيحة لمَا كان فيها حجّة، وذلك لأنّ عمر قال: " نذرتُ أن أعتكف وأن أصوم " فهو قد نذر الاعتكاف والصيام معا.
      فهذه الروايات-كما ترون-ليست بصحيحة.
      والذين ذهبوا إلى عدم مشروعية الصوم-أيضا-احتجوا ببعض الروايات الضعيفة.
      منها من طريق ابن عباس-رضي الله تعالى عنه وعن أبيه-ولكنّ تلك الرواية-أيضا-ليست بصحيحة، لأنّ في إسنادها مجهولا والمجهول ليس بِحجّة، وهذا المجهول هو عبد الله الرّملي، وقد وَهِمَ ابن الجوزي حيث قال: " إنّ الدارقطني قال: ' رفعها-أي هذه الرواية-السوسي ' قال: ' والسوسي ثقة ' "، والدارقطني لم يقل ذلك، وإنما قال: " انفرد-أو ما هذا معناه-بِرفعها هذا الشيخ " وهو يعني المجهول، لا الثقة.
      واحتجوا-أيضا-برواية موقوفة عن عبد الله بن مسعود وعلي بن أبي طالب، والموقوف ليس بحجة، ومع ذلك فإنّ هذه الرواية لا تثبت عنهما، وذلك لأنها من طريق ضعيفة جدا .. في إسنادها مختلِط مشهور، وهذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها.
      واحتجوا-أيضا-برواية مروية عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-فيها: " من اعتكف بين المغرب والعشاء ... " إلى آخر الحديث، ولكنّ هذه الرواية ليست بصحيحة، فقد رواها ابن شاهين في " الترغيب " وفي إسنادها مجاهيل، ورواها أبو الوليد الصفّار وفي إسنادها إعضال والمعضَل ليس بحجة، فهذه الروايات-أيضا-ليست بحجة.
      واحتجوا-أيضا-بأنّ عمر-رضي الله تعالى عنه-نذر أن يَعتكِف ليلة وأمره الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-بالاعتكاف، وهذه الرواية ليست بِحجّة، وذلك لأنه جاء في بعض الروايات أنه نذر أن يَعتكِف ليلة، وفي بعضها: يوما، وفي بعضها: أن يَعتكِف، وقد جمع بعض العلماء-وهو جمع سائغ إذا صحّت هذه الروايات-بأنّ رواية من روى " يوما "-أي بليلته-ومن روى " أن يعتكف ليلة "-أي بيومها-فهذه الرواية-أيضا-ليست بِحجّة.
      واحتجوا-أيضا-بأنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-قضى الاعتكاف في العشر الأُوَل من شوال ويوم العيد لا يُمكن أن يَصومه أحد لأنه محرَّم بِالإجماع، وهذا الاستدلال ليس بشيء، لأنّ الرواية ليست بنصٍّ في ذلك، فيوم العيد لم يَدخل في ذلك .. هذا هو الصواب.
      والذي يظهر لنا أنه لابد من الصوم، وذلك لأنّ الله-تعالى-قد ذَكر الاعتكاف في آية الصوم وذلك يُوذِنُ بِشرطيته، والنبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَعتكِف إلاّ وهو صائم، وقد وردت روايات عن السلف تَدلّ على ذلك، وهي وإن لم تكن حُجَجًا ولكن ليست بِأقلّ من أن يُستشهَد بها، فَفِعل النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-هو الحجّة .. هذا ما يُمكن أن أقوله الآن باختصار شديد؛ والله-تعالى-أعلم. "
      [سؤال أهل الذكر 19 رمضان 1422هـ 5 ديسمبر 2001م ].

      السؤال:
      المعتكِف تجب عليه صلاة الجمعة وهو في معتكَفه والمسجد الذي تُصلّى فيه الجمعة يَبعد عنه مسافة سفر، في هذه الحالة هل يَذهب لِيؤدي صلاة الجمعة أم يظلّ في مسجده ؟


      الجواب:
      أما إذا كان المسجد في وطنه-أي في أقل مِن مسافة القصر-فإنه يَجب عليه أن يَذهب إلى المسجد وأن يَأتي بالصلاة، وذلك لأنّ الجمعة واجبة عليه .. هذا على مذهب طائفة كبيرة من أهل العلم؛ وإن كانت طائفة من أهل العلم ذهبت إلى أنّ الجمعة لا تَجب إلا على مَن سمع النداء؛ ولكنّ القول الأول نصره كثير من أهل العلم، واستدلوا له بأدلة متعدِّدة, فإذن مَن كان في الوطن لابد مِن أن يَذهب لأداء الجمعة، ولا يضرّ ذلك باعتكافه، وإن اختلف العلماء هل له أن يُبكِّر إلى الجمعة أو أن يَذهب عند بداية الصلاة أي قبل بداية الصلاة بقليل ؟
      فاستحب بعض العلماء أن يَذهب قبل، لِما ثبت عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-مِن أفضلية التبكير، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الثابت عنه.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه ينبغي له أن يتأخر ويذهب إلى المسجد الذي تقام فيه الجمعة قبل إقامة الجمعة بوقت قليل.
      والقول الأول له حظّ من النظر، والقول الثاني فيه احتياط، وبأيّ واحد أخذ الإنسان مِن القولين فلا شيء عليه بمشيئة الله تبارك وتعالى، لأنّ الكل جائز على مذهب طائفة كبيرة من أهل العلم، ولا عبرة بالتشديد مِن أنه لابد مِن التأخير، وذلك لأنّ هذا الإنسان سيكون في مسجد مِن المساجد وتأدية عبادة من العبادات.
      أما إذا كان ذلك المسجد خارج مسافة السفر فهذا قد اشتغل بالاعتكاف والجمعة لا تَجب عليه فالأفضل له-فيما يظهر لي-أن يَبقى في مسجده الذي اعتكف فيه-لأنّ ذلك الأمر لا يَجب عليه-وإن ذهب لتأدية تلك الجمعة لا أقوى أن أقول: " إنّ عليه شيئا "
      [ لقد رجع الشيخ عمّا ذكره هنا، وذلك عند جوابه على السؤال الخامس من حلقة 24 رمضان 1422هـ ( 10/12/2001م ) ] ولكن بِما أنه التزم الاعتكاف ولم تَجب عليه الجمعة فلماذا يُدخِل نفسَه في مثل هذا الأمر الذي قد يقول بعض العلماء بأنه لا يَجوز له بل لابد مِن وجود مثل هذا القول لأنّ هذه العبادة لا تَجب عليه وهو قد دخل في أمر لابد مِن أن يَلتزم فيه ذلك المسجد ؟! فأرى أنّ مَن كان خارج المسافة التي هي مسافة السفر لا ينبغي له أن يَذهب لتأدية الجمعة، والله-تعالى-أعلم.
      أقول: إنّ هناك حَلاًّ لِمن أراد أن يَذهب إلى الجمعة وهو أن يَستثني في نية اعتكافه، فإنّ طائفة كبيرة من أهل العلم قالت: " إنّ لِلإنسان أن يَستثني في مثل هذه الأمور "، فإذا أراد أن يَعتكِف ينبغي له أن يَستثني هذه المدّة التي سيَخرُج فيها إلى تأدية صلاة الجمعة في المسجد الذي هو خارج وطنه. "
      [ سؤال أهل الذكر 21 رمضان 1422هـ 7 ديسمبر 2001م ].

      السؤال:
      إنسان يَعتكِف العشْرَ الأواخر اعتكافَ نفلٍ في مسجد لا تقام فيه الجمعة، فمتى يَخرج إلى الجمعة ؟


      الجواب:
      صلاة الجمعة بالنسبة لِمن كان يَسمع نداءها-على رأي بعض أهل العلم-أو لمن كان دون الفرسخين-بالنسبة إلى طائفة أخرى-واجبة، ولا يَجوز لأحد أن يَتخلَّف عنها إلا إذا كان خائفا أو مريضا، والأدلة على ذلك كثيرة جدا، لا داعي لِذِكْرها، لأنّ الأمر متفَق عليه إلا ما جاء مِن الخلاف بينهم في المسافة التي يَجب الإتيان إليها، كما أشرتُ إليه.
      والاعتكاف سنّة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
      قال بعض العلماء: إنها مؤكَّدة.
      وقال بعضهم: إنها مرغَّب فيها.
      وقد اختلف العلماء في جواز الاعتكاف في غير المساجد التي تُقام فيها الجُمُعات إذا كانت تَتَخلَّل اعتكافَه صلاةُ الجمعة:
      ذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم إلى أنّ مَن أراد أن يَعتكِف زمانًا تَتَخلَّله صلاةُ الجمعة فليس له أن يَعتكِف إلا في المسجد الذي تقام فيه الجمعة.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ له يَعتكِف بِشرط أن يَشترِط أنه يَخرُجُ لصلاة الجمعة.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه له أن يَعتكِف وله أن يَخرُجَ إلى صلاة الجمعة ولو لم يَشترِط ذلك، لأنّ ذلك في معنى الشرط.
      على أنّ العلماء قد اختلفوا في الاشتراط في الاعتكاف .. أي هل يَجوز للإنسان أن يَشترِط في اعتكافه بِأن يَشترِط أن يَخرُج لصلاة الجمعة أو يَخرُج لزيارة المريض أو لشهود الجنازة أو ما شابه ذلك مِن أعمال البِر ؟
      فذهبت طائفة من أهل العلم إلى عدم مشروعية مثل هذا الشرط، لأنه لم يَأت في السنّة ما يدل عليه.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى مشروعية هذا الشرط لِمن أراد، واحتجوا على ذلك بِدليل مِن النظر، وبدليل من سنّة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والدليل النظري لا داعي إلى ذكره في هذا الوقت، والدليل الذي جاء في السنّة هو ما ثبت عن الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-مِن حديث ضُبَاعَة حيث إنه أجاز لها أن تَشترِط أن تَخرُج مِن الإحرام في الموضع الذي تَضطَر إلى الخروج فيه، وقاسوا الخروج مِن الاعتكاف على الخروج مِن الحج، وهذا الدليل قد اعتُرِضَ عليه، وأجيب على ذلك الاعتراض، ولستُ بِحاجةٍ إلى ذِكْر ذلك في هذا الوقت، إذ إنّ ذلك يَطُول جِدّا.
      وإنما الذي أريد أن أنبِّه عليه هو أنّ طائفة من أهل العلم قالت: " إنه إذا حَضَرَت الجمعة فعليه أن يَخرُج مِن اعتكافِه وأن يَحضُر الجمعة ثم إذا أراد بعد ذلك أن يُجدِّد الاعتكاف فإليه ذلك "، وهذا هو رأي مَن يقول بِعدم جواز الخروج مِن الاعتكاف وإنما على مَن اعتكف أن يَخرُج ويكون اعتكافُه قد انتقض.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّ له ذلك، واختلفوا هل له أن يَخرُج مبَكِّرا لِلفضل الوارد عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-في البكور إلى صلاة الجمعة ؟
      فذهبت طائفة من العلماء إلى مشروعية ذلك وأنّ ذلك هو الأفضل وأنّ ذلك لا يتنافى مع اعتكافه لاسيما أنه سيبقى في ذلك المسجد ويَنوي أنه معتكِف.
      وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا ينبغي له ذلك-وإن كان إذا خرج لا شيء عليه-بل ينبغي له أن يتأخر حتى يَخرُج قُبَيْل صلاة الجمعة، ويُؤخذ مِن كلام بعضهم أنه لا يصح له أن يَخرُج إلا قُبَيْل الإتيان بصلاة الجمعة.
      ولا شك أنّ الأفضل هو ألاّ يَخرُج الإنسان إلا قُبَيْل الإتيان بصلاة الجمعة، نظرا لِمثل هذه الخلافات، ونظرا إلى أنه لم يَأتِ عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-ما يدل على مشروعية الخروج لِلمعتكف .. هذا الذي أراه الآن بعدَ أن نظرتُ في الأدلة المروية في هذه المسألة-وهي شحيحة جدا-وبعدَ أن نظرتُ إلى معنى الاعتكاف، فأرى أنّ المعتكِف ليس له أن يَخرُج لِصلاة الجمعة إلا قُبَيْل الإتيان بها وبِشرط أن تكون هذه الجمعة واجبةً عليه، أما إذا كانت هذه الجمعة غير واجبة عليه-بِأن كانت خارج وطنه على رأي مَن يقول بِذلك-فإنه لا يُشرَع له أن يَذهب إليها إلا إذا تركَ الاعتكاف، على رأي مَن يقول: " إنّ الاعتكاف لا يَلزم بِمجرد الدخول فيه "، وهو القول الصحيح الذي تدل عليه السنّة.
      وبذلك يُعلَم الصواب في هذه القضية، وما ذكرتُه قبل ثلاثة أيام
      [ عند الجواب على السؤال السادس من حلقة 21 رمضان 1422هـ ( 7/12/2001م ) ] إني راجع عنه، ولا أجيز لأحد أن يَخرُج مِن اعتكاف النذر إلى خارج الفرسخين على رأي مَن يقول بأنّ الجمعة تَجب على مَن كان في الوطن .. أي لم يَتعدَّ مسافة الفرسخين، فالمسافر ليس له أن يَخرج إلى الجمعة إذا كان ناذرا بهذا الاعتكاف، أما إذا كان متنفِّلا في اعتكافه فإما أن يَخرُج مِن هذا الاعتكاف ويَبطُل اعتكافُه وإما أن يَترُك الخروج .. هذا هو الذي أراه، ولا أجيز لأحد أن يأخذ بما ذكرتُه سابقا لأنني رجعتُ عنه ولا أن يَنسبَه إليّ، فالحقّ هو ما ذكرتُه الآن، على أنّ كل ما ذكرتُه سابقا هو في اعتكاف النفل كما هو معلوم مِن السياق؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم. " [سؤال أهل الذكر ' من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 24 رمضان 1422هـ 10 ديسمبر 2001م ]
      .