روس دوثات
بحلول يوم الثلاثاء الماضي صارت معاهدة لشبونة نافذة، جاعلة دول الاتحاد الأوروبي أقرب بخطوة إلى الوحدة التي ظلت تعمل النخبة في القارة على تحقيقها منذ أكثر من خمسين عاما. لكن تطبيق المعاهدة سقط، بعد أيام قليلة من وقوع حدث آخر مهم من نوع مختلف: وهو الاستفتاء الشعبي في سويسرا، ذلك البلد المعروف بتسامحه الديني، والذي اختار فيه 57.5 بالمائة من المصوتين في الاستفتاء حظر بناء المآذن. وعلى الرغم من أن سويسرا ليست دولة عضو في الاتحاد الاوروبي، من الممكن لمسألة المآذن هذه أن تتكرر في أي مكان في أوروبا هذه الأيام في فرنسا، حيث طرح المسؤولون احتمالية حظر ارتداء البرقع، وفي بريطانيا، والتي انتخبت اثنين منها ينتميان للحزب القومي البريطاني، الفاشيستي المناهض للإسلام، لعضوية البرلمان الاوروبي في الربيع الماضي، وفي ايطاليا، حيث هناك مشروع قانون تم طرحه هذا العام من شأنه أن يمنع في حال تمريره، بناء المساجد، ويقيد رفع الأذان.
ولو أن الاتحاد الأكثر اكتمالا، الذي وعدت به معاهدة لشبونة هو أعظم انتصار للنخبة في اوروبا، يمثل الفشل في دمج الملايين من المهاجرين المسلمين بنجاح، يمثل أكبر فشل له. والاثنان متداخلان: كلاهما ثمرة المدخل العالي المستوى، والذي هو في الأغلب غير محلي إلى السياسات التي نماها قادة أوروبا في سعيهم للوحدة. وما كان للاتحاد الاوروبي في الأغلب سيوجد بشكله الحالي لو أن نخبة اوروبا لم يكونوا راغبين في تجاهل الاستياء الشعبي.( فمعاهدة لشبونة، على سبيل المثال، تم تصميمها عن عمد ليتم تجنب معظم الناخبين الاوروبيين، بعدما تم تدمير دستور الاتحاد الاوروبي على يد الاستفتائين الذين جريا في فرنسا وهولندا في 2005.) لكن هذا الأسلوب السياسي- صياغة الإجماع في المؤسسات، وافتراض إمكانية الاحتواء لأية مصادمات تتطور- هو أيضا الطريقة التي وصلت بها القارة لقبول الملايين من المهاجرين المسلمين، على الرغم من غياب الإجماع الشعبي من الموضوع، أو غياب خطة لدمجهم.
لقد جاء المهاجرون الى اوروبا في البداية كعمالة وافدة، تم الاستعانة بهم بعد الحرب العالمية الثانية لسد العجز في اليد العاملة، بعدها صاروا من المستفيدين من القوانين السخية للجوء ولم شمل الأسرة، والتي تم تصميمها للتهدئة من حدة الشعور الجماعي الذى انتشر في أوروبا ما بعد الحقبة الاستعمارية. فلقد افترضت النخبة في أوروبا أن الانقسام بين الغرب والإسلام عتيق كالاختلاف بين السيوف المعقوفة والسيوف المفلطحة، وأن اتحاد بعد مسيحي متعدد الثقافات وليبرالي لن يجد صعوبة في امتصاص القادمون الجدد من المجتمعات الأكثر تقليدية. وهم قرروا أيضا- كما كتب كريستوفر كالدويل في كتابه " تأملات في الثورة في أوروبا" – وهو كتاب تأريخي رائع لمعضلة المسلمين في اوروبا- فسياسات الهجرة الليبرالية "انطوت على نوع الواجبات الأخلاقية التي لا تفاوض فيها التي لا تصويت عليها." وكان من الأفضل أن تترك النخبة الناخبين يختارون. ربما كان حينها معدل الهجرة أبطأ، وجهود دمج القادمون الجدد أكثر نفعا. لكن بدلا من هذا، انتهى المطاف بقادة أوروبا إلى إيجاد تصادم حضارات داخل حدود بلادهم الجغرافية.
لقد قبل الملايين من المسلمين المعايير والأحكام الأوروبية. لكن الملايين منهم أيضا لم يفعلوا ذلك. وهذا كان معناه تعدد الزوجات في السويد، و مساجد راديكالية في مدن بريطانيا الصناعية المتلاشية، و شغب في الدنمارك بسبب الرسوم الكارتونية، و جريمة قتل مدفوعة دينيا في هولندا. هذا معناه الإرهاب وخطر الإرهاب من لندن إلى مدريد. ومعناه إثارة المصادمات، والتي حيالها يساند الناخبون الأوروبيون القوانين المتطرفة والأحزاب المتطرفة، لأن ساستهم لا يبدو أن عندهم شيء يقولونه بخصوص المشكلة. فهؤلاء الساسة غير قادرين على تفكيك قرون من الهجرة. والأقلية المسلمة الكبيرة في اوروبا لن ترحل. والمثابرة مع المدخل المؤسساتي له معنى مؤكد: عدم تعرية التحيز و الانقضاض على التطرف ووجود الأمل في أن يحول الزمن المهاجرين المسلمين إلى الليبرالية أكثر، ويقضي على الصراع. أو على الأقل يبقى على الموضوع ملفا ممكن إدارته.
ويعتبر كتاب كالدويل هو الأفضل في الموضوع حتى تاريخه، بنبرة متفائلة جدا، لكنه ينصرف عن التوقعات المحددة بخصوص مستقبل اوروبا. وهناك كتاب آخرون أقل حذرا، حيث يصورون في كتاباتهم اوروبا بأغلبية مسلمة، تكون الشريعة الإسلامية فيها المذهب السائد مثلها مثل الليبرالية. لكن حتى في حال وجود غرب منحط ومتفسخ، هو سيكون أفضل حالا مما عليه الآن. فالسيناريو الأكثر احتمالا أن تمر به اوروبا هو فترة طويلة من التوترات بها فترات زمنية رئيسية من العنف الذي يجعل القارة مكانا غير سارا إن لم يكن هناك تغيير جذري. رغم هذا، هذا السيناريو يمكن أن نقول إنه "هادىء" إلى حد ما ، لو وضعنا في النظر الاضطرار الى العيش في ظل العنف. ولنسأل السويسريين، الذين قضوا الاسبوع الماضي كاملا قلقين من احتمالية أن يجعلهم التصويت على المآذن هدفا للمتطرفين.
More...
بحلول يوم الثلاثاء الماضي صارت معاهدة لشبونة نافذة، جاعلة دول الاتحاد الأوروبي أقرب بخطوة إلى الوحدة التي ظلت تعمل النخبة في القارة على تحقيقها منذ أكثر من خمسين عاما. لكن تطبيق المعاهدة سقط، بعد أيام قليلة من وقوع حدث آخر مهم من نوع مختلف: وهو الاستفتاء الشعبي في سويسرا، ذلك البلد المعروف بتسامحه الديني، والذي اختار فيه 57.5 بالمائة من المصوتين في الاستفتاء حظر بناء المآذن. وعلى الرغم من أن سويسرا ليست دولة عضو في الاتحاد الاوروبي، من الممكن لمسألة المآذن هذه أن تتكرر في أي مكان في أوروبا هذه الأيام في فرنسا، حيث طرح المسؤولون احتمالية حظر ارتداء البرقع، وفي بريطانيا، والتي انتخبت اثنين منها ينتميان للحزب القومي البريطاني، الفاشيستي المناهض للإسلام، لعضوية البرلمان الاوروبي في الربيع الماضي، وفي ايطاليا، حيث هناك مشروع قانون تم طرحه هذا العام من شأنه أن يمنع في حال تمريره، بناء المساجد، ويقيد رفع الأذان.
ولو أن الاتحاد الأكثر اكتمالا، الذي وعدت به معاهدة لشبونة هو أعظم انتصار للنخبة في اوروبا، يمثل الفشل في دمج الملايين من المهاجرين المسلمين بنجاح، يمثل أكبر فشل له. والاثنان متداخلان: كلاهما ثمرة المدخل العالي المستوى، والذي هو في الأغلب غير محلي إلى السياسات التي نماها قادة أوروبا في سعيهم للوحدة. وما كان للاتحاد الاوروبي في الأغلب سيوجد بشكله الحالي لو أن نخبة اوروبا لم يكونوا راغبين في تجاهل الاستياء الشعبي.( فمعاهدة لشبونة، على سبيل المثال، تم تصميمها عن عمد ليتم تجنب معظم الناخبين الاوروبيين، بعدما تم تدمير دستور الاتحاد الاوروبي على يد الاستفتائين الذين جريا في فرنسا وهولندا في 2005.) لكن هذا الأسلوب السياسي- صياغة الإجماع في المؤسسات، وافتراض إمكانية الاحتواء لأية مصادمات تتطور- هو أيضا الطريقة التي وصلت بها القارة لقبول الملايين من المهاجرين المسلمين، على الرغم من غياب الإجماع الشعبي من الموضوع، أو غياب خطة لدمجهم.
لقد جاء المهاجرون الى اوروبا في البداية كعمالة وافدة، تم الاستعانة بهم بعد الحرب العالمية الثانية لسد العجز في اليد العاملة، بعدها صاروا من المستفيدين من القوانين السخية للجوء ولم شمل الأسرة، والتي تم تصميمها للتهدئة من حدة الشعور الجماعي الذى انتشر في أوروبا ما بعد الحقبة الاستعمارية. فلقد افترضت النخبة في أوروبا أن الانقسام بين الغرب والإسلام عتيق كالاختلاف بين السيوف المعقوفة والسيوف المفلطحة، وأن اتحاد بعد مسيحي متعدد الثقافات وليبرالي لن يجد صعوبة في امتصاص القادمون الجدد من المجتمعات الأكثر تقليدية. وهم قرروا أيضا- كما كتب كريستوفر كالدويل في كتابه " تأملات في الثورة في أوروبا" – وهو كتاب تأريخي رائع لمعضلة المسلمين في اوروبا- فسياسات الهجرة الليبرالية "انطوت على نوع الواجبات الأخلاقية التي لا تفاوض فيها التي لا تصويت عليها." وكان من الأفضل أن تترك النخبة الناخبين يختارون. ربما كان حينها معدل الهجرة أبطأ، وجهود دمج القادمون الجدد أكثر نفعا. لكن بدلا من هذا، انتهى المطاف بقادة أوروبا إلى إيجاد تصادم حضارات داخل حدود بلادهم الجغرافية.
لقد قبل الملايين من المسلمين المعايير والأحكام الأوروبية. لكن الملايين منهم أيضا لم يفعلوا ذلك. وهذا كان معناه تعدد الزوجات في السويد، و مساجد راديكالية في مدن بريطانيا الصناعية المتلاشية، و شغب في الدنمارك بسبب الرسوم الكارتونية، و جريمة قتل مدفوعة دينيا في هولندا. هذا معناه الإرهاب وخطر الإرهاب من لندن إلى مدريد. ومعناه إثارة المصادمات، والتي حيالها يساند الناخبون الأوروبيون القوانين المتطرفة والأحزاب المتطرفة، لأن ساستهم لا يبدو أن عندهم شيء يقولونه بخصوص المشكلة. فهؤلاء الساسة غير قادرين على تفكيك قرون من الهجرة. والأقلية المسلمة الكبيرة في اوروبا لن ترحل. والمثابرة مع المدخل المؤسساتي له معنى مؤكد: عدم تعرية التحيز و الانقضاض على التطرف ووجود الأمل في أن يحول الزمن المهاجرين المسلمين إلى الليبرالية أكثر، ويقضي على الصراع. أو على الأقل يبقى على الموضوع ملفا ممكن إدارته.
ويعتبر كتاب كالدويل هو الأفضل في الموضوع حتى تاريخه، بنبرة متفائلة جدا، لكنه ينصرف عن التوقعات المحددة بخصوص مستقبل اوروبا. وهناك كتاب آخرون أقل حذرا، حيث يصورون في كتاباتهم اوروبا بأغلبية مسلمة، تكون الشريعة الإسلامية فيها المذهب السائد مثلها مثل الليبرالية. لكن حتى في حال وجود غرب منحط ومتفسخ، هو سيكون أفضل حالا مما عليه الآن. فالسيناريو الأكثر احتمالا أن تمر به اوروبا هو فترة طويلة من التوترات بها فترات زمنية رئيسية من العنف الذي يجعل القارة مكانا غير سارا إن لم يكن هناك تغيير جذري. رغم هذا، هذا السيناريو يمكن أن نقول إنه "هادىء" إلى حد ما ، لو وضعنا في النظر الاضطرار الى العيش في ظل العنف. ولنسأل السويسريين، الذين قضوا الاسبوع الماضي كاملا قلقين من احتمالية أن يجعلهم التصويت على المآذن هدفا للمتطرفين.
More...