قانون يحمي اللغة..مطلب حيوي ! (1-2)

    • قانون يحمي اللغة..مطلب حيوي ! (1-2)

      الشبيبة -

      سعيد بن سالم النعماني:



      تمر اللغة العربية في العصر الحالي بفترة عصيبة في تاريخها، فهي تواجه ثلاثة تحديات كبيرة تهدد بقاءها ونقاءها وبيانها. وتتركز تلك التحديات في الأمور التالية:

      1- تحدٍ يفرضه عليها أبناؤها.

      2- تحدٍ يفرضه الوافدون غير العرب إلى بلدان العرب.

      3- تحدٍ تفرضه التطورات العلمية والاقتصادية والسياسية والتقنية الحديثة.

      في النقطة الأولى هناك تحديان:

      الأول تفرضه فئة من الأدباء.

      والثاني تفرضه وسائل الإعلام.

      فأما التحدي الناتج عن الأدباء فإن بعض المُحْـدَثِـيْـن ذوي الميول الأدبية انسلخوا من الفطرة العربية وذهبوا يتابعون أدباء عربا وأجانب تخلوا عن الإيمان، وقرروا أن التخلي عن الدين هو الطريق الصحيح للتقدم والإبداع والتطور. واتخذوا لذلك مصطلح "الحداثة"، كإطار منهجي يؤمنون به ويدعون الآخرين إليه، وهي عندهم (قيمة لا تاريخية) حسب مقولة "إدوار الخراط" ، أي أنها مستمرة عبر الزمن بلا تناه، كما يقرر ذلك أيضا "يوسف الخال" بقوله: "الحداثة في الشعر إبداع وخروج به على ما سلف، وهي لا ترتبط بزمن". وعلى هذا فالحداثة ليست فكرة أدبية بل عقيدة دينية، يقول "كمال أبوديب": "هكذا يبدو أن ثمة تعارضا بين القداسة والحداثة". موضحا "أن قبول القداسة-السلطة والإذعان لها يعني –عمليا- إلغاء روح الاكتناه والاكتشاف". وحسب أبوديب فإن الاكتناه المعرفي مقترن باقتراف الخطيئة، وأن فعل الاكتشاف (المعرفة) متوحد في فعل الاكتشاف (الجنس) على حد قوله، وفي هذا السياق يقول أدونيس: "أبو نواس شاعر الخطيئة، لأنه شاعر الحرية"، ويضيف: "هكذا أبو نواس فصل الشعر عن الأخلاق والدين.. إنه الإنسان الذي لا يواجه الله بدين الجماعة وإنما يواجهه بدينه هو..." (أنظر: مجلة فصول، المجلد الرابع، العددين الثالث والرابع 1984م، كتاب الحداثة للدكتور وليد قصاب، دار القلم، دبي1996م)

      ولهذا فإن أغلب الكـُـتـَّاب الحداثيين يلتزمون هذه العقيدة، ولكن الفطرة العربية رفضتهم، ولم تستطع تـَـقـَـبُّـل كتاباتهم الرافضة للدين والأخلاق، والمغرقة في الرمزية إلى حد التعمية، وكان هذا في مستهل نشاطهم الكتابي لأنهم لم يكونوا آنئذ يجرأون على مهاجمة المقدس، لكن في فترة لاحقة حين أصبح عددهم في تكاثر أخذوا يستظهرون ببعضهم البعض، وأصبحوا لا يأبهون بأي طائلة قد تلحقهم، ولا يشعرون بأي حرج حيال جرحهم لمشاعر الأغلبية المؤمنة، خاصة مع اتكائهم على نصرة منظمات ما يعرف بحقوق الإنسان التي تتخذ من مبدأ حق الإنسان في التعبير سلاحا من أجل فرض ما تراه فئات أخرى ماسا بالقيم المقدسة، هذا مع الأخذ في الاعتبار أن تلك المنظمات لا تتسم بالنزاهة لا سيما وقد غدت مأوى لكل عَـوِيْرٍ وكـَـسِـيرْ.

      هنا أخذت فئات من المفكرين وحملة الأقلام المنتمين تنتقد توجه الحداثيين مُـبَـيِّـنـَة خطر فكرهم على المصير الفكري للأمة العربية المسلمة خاصة بعدما أصبحوا يهاجمون القيم الدينية الإسلامية بصورة علنية، لأنهم رأوا أن تمسك العرب بدينهم يحول بينهم (أي الحداثيين) وبين التـَّجَـذُّر والتمدد في خارطة الفكر والثقافة العربية المسلمة، واهتدوا إلى أن القرآن هو حصن الفكر والثقافة العربية الرافضة لكل ما هو دخيل سلبي.

      ومن المعلوم أن القرآن أقام سياجا واقيا للثقافة العربية يحول دون تماهيها في الثقافات الدنيا، واستنادا إلى أن الإسلام هو آخر رسالات الله إلى خلقه فإن الأمة العربية تنظر إلى فكرها وثقافتها وحضارتها باعتبارها الأسمى في النتاج الإنساني كله بناء على مبدأ الخيرية الذي نص عليه القرآن، مع توفيره مستوى عال من المرونة في التفاعل الإيجابي مع ما قد يتأتى للثقافات الأخرى أن تنتجه مما يشكل بحق إسهاما في مسيرة التطور الإنساني. ونظرا لأن القرآن هو كلام الله رب العالمين، الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، المنزه عن المشاركة، والمتفرد وحده بالعبادة والتقديس دون سواه من الأوثان، وأنه سبحانه وتعالى قد اختار اللغة العربية لتحمل هدايته إلى العالمين جميعا –بناء على ذلك فإن اللغة العربية قد أصبحت لغة مقدسة، لأن الله الإله المقدس قررها لغة لتقديسه وتحميده وعبادته.

      ونتيجة لذلك أصبح المسلمون العرب وغير العرب في كافة أرجاء الدنيا يؤدون كافة المناسك العبادية باللغة العربية، لأن نصوص الإسلام الشرعية نصت بالأمر على ذلك. وعلى سبيل المثال: فإن الفاتحة (سورة الحمد) المكونة من سبع آيات، نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن صلاة المسلم لا تقبل ما لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب (سورة الحمد)، وكذلك ما تتضمنه الصلاة من تكبير وتسبيح بالعظمة والعلو، والخروج من الصلاة بعبارة: السلام عليكم ورحمة الله. كل ذلك لا يُقبل دينا بغير اللغة العربية.

      يدرك الحداثيون هذا كله، ولكنهم يأبون أن تكون اللغة مقدسة، متذرعين إلى ذلك بالقول: إن اللغة وليدة التراكم المعرفي الإنساني ما سبق منه وما يستجد، وهم بهذا الزعم يريدون أن يساووا بين اللغة العربية بأساليبها البيانية التي لا ترقى إلى شأنها لهجات الدنيا، وهو أمر أثبتته الدراسات اللسانية.

      على أن اللغة العربية لم تكتسب صفة القداسة بناء على سلطة النص الديني فقط، بل بالاختيار الحر للإنسان المسلم، لأن المؤمن المسلم نفسُـهُ لم يصبح مؤمنا بناء على سلطة النص الديني، وإنما بإرادته غير الخاضعة لأي قهر، لأن الله الخالق جل في علاه قد قال في القرآن الكريم في سورة الكهف: "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، وقال في سورة يونس مخاطبا النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين؟"، وقال له في سورة الكهف أيضا: "فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا".

      ولهذا فكل من اختار الإيمان قد اختاره بإرادته الحرة، وبناء عليه فقداسة اللغة العربية (لغة القرآن) عند المسلمين مترتبة على اختيارهم الحر للإيمان بدين الإسلام بغض النظر عن أسبقية النص على إيمان الفرد. وعلى هذا فهي عندهم مسألة عقدية لا يمكنهم القول بغير قداستها.

      ولكي يقتحم الحداثيون المجال لنشر فكرهم وبثه بين أبناء العربية وجدوا أن لا مناص من مهاجمة قداسة اللغة العربية، وقد أقاموا هجومهم على محورين، الأول هو حديثهم المكرر عن أن اللغة كائن كأي كائن يخضع لسنن التطور والتبدل، ليرتبوا على ذلك نتيجة مفادها أن لا قداسة للغة ما دامت بهذه الصفة. وهم في هذا السياق يدلسون على أصحاب المعارف المتواضعة من خلال مساواتهم بين اللغة العربية وبين أي لغة في الدنيا، فإذا تأتى لهم أن ينجحوا في نفي صفة القداسة عن اللغة العربية فحينئذ يكونون قد نجحوا في فصل الإنسان العربي المسلم عن القرآن وبالتالي عن الدين، وحينئذ يصبح الدين عند ذلك الإنسان -كما هو عند الحداثيين- مثله مثل أي شيء، وحينئذ تصبح القيم العليا التي يجري هذا الكون في نسقها مثلها مثل أي شيء من الأفكار التي تنتجها بعض العقول الآدمية بفكرها المتقلب وفق مراحل العمر، والأحوال المزاجية، والمستجدات الطارئة.

      ودلالة ذلك عند الحداثيين أنفسهم، فهم يُـظـْهـِرون باستمرار أنهم يعانون من خواء جُـوَّانِـيٍّ مُـفـْـزِع، ومن عدم ثقة في ذواتهم، ومن تقلبهم بين العقيدة ونقيضها.

      ومنهم من هجر اسما من أسمى الأسماء أطلقه عليه أهله واختار أن يكون اسمه عبدا لوثن كان يعبد قبل الإسلام. وآخر فعل كما يفعل ممثلو السينما الأمريكية فذهب إلى كمبوديا وفيتنام ليعتنق البوذية.

      وفي رأيي الذي أعتقده فإن من حق أي آدمي أن يختار ما يريد لحياته وفكره، وهذه الحرية ليست منة من إنسان إلى إنسان، ولكنه حق أعطاه رب العالمين لخلقه من بني آدم، وهو ما لم يُعْطِهِ لملائكته المقربين. والله سبحانه وتعالى الذي أعطى حرية الاختيار للإنسان بـَـيـَّنَ له عواقب اختياراته، وكان الله عز وجل قبل أن يعرض مسألة الإيمان وعدمه على مخلوقه الآدمي قد أعطاه العقل الذي يحتكم إليه في إحراز مصلحته. لهذا فحين يعرض الله تبارك وتعالى قضية الإيمان وعدمه على الإنسان ثم يعطيه الحرية في الاختيار متبوعة بتوضيح عاقبة الاختيارين فبلا شك أن كل إنسان قد اختار ما يراه موافقا لمصلحته.

      هنا نقول أن لا دخل لأي إنسان فيما يؤمن به أو يرفضه إنسان آخر. وإذا كان في تقدير الإنسان المسلم أن ما اختاره فلان من فكر يضر بمصلحة صاحب الاختيار وبينهما من الدوافع ما يحمل المسلم إلى محاولة ثنيه عن اختياره ضَـنـًّا به وحرصا على مصلحته، فإن الوسيلة التي يجيزها الدين الإسلامي للمسلم في التدخل هي وسيلة الحوار التي تقيم لحرية الإنسان القيمة التي أقامها رب الإنسان –سبحانه- فيما سبق أن أشرنا إليه من نصوص. أما إذا عمد صاحب الاختيار إلى فرض اختياره على الآخرين أو نشره بما يشكل خطرا على مصلحة مجموع الأفراد بأي صورة من صور الإضرار فهنا لا بد من اللجوء إلى الجهات ذات الاختصاص لرفع الضرر على قاعدة الإسلام: "لا ضرر ولا ضرار".

      هذا هو موقف القرآن ولغته العربية التي ما فتئ الحداثيون يهاجمونها ويهاجمونه، من ذلك قولهم في أحد مواقعهم النتية، بأن المسلمين يقولون أن القرآن هو كلام الله، وأنه بذلك يخلو من كلام الآدميين، لكننا –الحداثيون طبعا- نجد في القرآن كلاما لفرعون، وكلاما لأبي خالد بن الوليد، وغيرهما. وأنا هنا لست في مجال تفنيد مثل هذا الكلام خاصة وقد تم الرد على هذا الزعم الأجوف في نفس الموقع.

      ذلك محور يسعى الحداثيون من خلاله إلى الفصل بين الإنسان العربي وإيمانه بالدين القائم على القرآن الذي لغته العربية.

      أما في المحور الثاني فإن هجومهم يتركز على اللغة العربية ذاتها بهدف إيجاد لغة جديدة منبتة لا يربطها بالقرآن أي رابط، وفي هذا الاتجاه يزعقون بما يسمونه تفكيك اللغة، وتفجير اللغة، وتثوير اللغة، وتشظية اللغة، وكل الهدف من هذه الدعايات هو الهجوم على المستوى البياني والبلاغي المعجز للغة العربية لغة القرآن الكريم، لأنهم إذا نجحوا في إيجاد صور تعبيرية واصطلاحات معجمية وكلامية بديلة تجري في نسقها تعابير الناس واصطلاحاتهم بخلاف صور واصطلاحات لغة القرآن فإنهم ينجحون حينئذ في فصل الناس عن عقيدتهم الإيمانية.

      والواضح الآن أن نتاج هذه الفئة يتكاثر، ومن هنا نقول: إن إيمانهم بالفكرة الحداثية تعدى الاختيار الشخصي إلى ما بات يمثل ضررا عاما له مساس بكينونة الأمة العربية المسلمة بين أمم الدنيا، لأن محصلته أن تصبح الأمة في عقيدتها وفيما تنتجه ثقافتها وحضارتها مثلها مثل أي شرذمة من شراذم البشر الذين لا تجمعهم عقيدة ولا تؤلفهم فكرة، أي أن تصبح الأمة فرقة من فرق الغوغاء، وهذا بلا شك هدم خطير لما تحقق للأمة من مجد وعزة وسموق حضاري بفضل الإسلام، منذ أن اختار الله تبارك وتعالى أرضها لتكون قبلة البشرية، وإنسانها رسوله الخاتم إلى كل الإنسانية، ولغتها اللغة التي تتحد بالنطق بها –عبادة- ألسنة الخلق، وثقافتها القرآنية الثقافة التي تبني للإنسانية ثقافة مشتركة يكون مجال الإسهام فيها حق مشاع لكل مبدع من أي جنس ولون، وهو ما يوجد عليه ألف دليل ودليل في الحضارة العربية الإسلامية.

      لهذا فإن الفكرة الحداثية التي تعتنقها بعض الأسماء في الساحة العمانية كمثل العربية تشكل خطرا حقيقيا على لغة الأمة العربية التي تستمد قوتها البيانية الإعجازية من كونها لغة استثنائية بين لغات العالمين، لأن الرب عز وجل ارتضاها لتكون لغة كتابه المعجز الذي تحدى به أبلغ البلغاء. ولذا يسعى الحداثيون إلى الفرار من هذا التحدي الإعجازي باللجوء إلى تعبيرات طلسمية لا تنقل للقارئ بمختلف مستوياته المعرفية معنى مفهوما بل حتى هم أنفسهم لا يفهمون دلالات نصوصهم ولذلك فحين يُقـَـدِّمُ أحدهم ما يسمونه قراءة (نقدية) لتلك النصوص فغاية ما تعثر عليه من كلام أن النص مكتنز بالدلالات، أو أنه نص يجترح الأسئلة، أو أنه نص مفتوح على كل الاحتمالات، ومثل هذا الكلام يعني أن من أوجَـهِ تلك الاحتمالات أن ذلك النص لا يحمل شيئا سوى العبث والخواء الروحي وهذه هي الحقيقة.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions