د. زغلول النجار
وقد أشار تباعد المجرات عن بعضها البعض إلى حقيقة توسع الكون التي أثارت جدلاً واسعاً بين علماء الفلك حتى ثبتت ثبوتاً قاطعاً بالعديد من المُعادَلات الرياضية والقراءات الفلكية في صفحة السماء
من قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة قدم لنا القرآن الكريم في صياغة كلية شاملة عملية خلق السماوات والأرض وإفنائهما وإعادة خلقهما من جديد في خمس آيات على النحو التالي:
(1) " وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات:47) .
(2) " أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء:30) .
(3) " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( فصلت:11) .
(4) " يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِيْنَ " (الأنبياء:104) .
(5) " يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ " ( إبراهيم:48) . وأولى هذه الآيات الكريمات تشير إلى أن الكون الذي نحيا فيه يتسع باستمرار وإذا عدنا بهذا الاتساع إلى الوراء مع الزمن فلابد أن يتكدس على هيئة جرم واحد (مرحلة الرتق) وهذا الجرم الابتدائي انفجر بأمر من الله (مرحلة الفتق) (الآية الثانية من القائمة السابقة) فتحول إلى غلالة من الدخان (مرحلة الدخان) خلُقت منه الأرض والسماوات (الآية الثالثة وهي تمثل كلا من مرحلتي الدخان ومرحلة الإتيان) وأن الكون منذ لحظة انفجاره في توسع مُستمِر إلى اليوم وأن هذا التوسع سوف يتوقف في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله بأمر منه -تعالى- فيبدأ الكون في الانطواء على ذاته والتكدس في جرم واحد كهيئة الجرم الابتدائي الأول الذي بدأ منه خلق السماوات والأرض ( الآية الرابعة في القاتمة السابقة) فتتكرر عملية الانفجار والتحول إلى الدخان الذي تُخلق منه أرض غير أرضنا الحالية وسماوات غير السماوات التي تظللنا في الحياة الدنيا (الآية الخامسة) وهنا تنتهي رحلة الحياة الدنيا وتبدأ رحلة الآخرة. ومراحل الرتق والفتق والدخان والإتيان بالسماوات والأرض وتوسع السماء ثم طيها تعطينا كليات مراحل الخلق والإفناء والبعث دون الدخول في التفاصيل. وهذه الحقائق القرآنية لم يستطع الإنسان إدراك شيء منها إلا في أواخر القرن العشرين مما يؤكد سبق القرآن الكريم للمعارف الإنسانية بأكثر في هذا الأمر من أربعة عشر قرناًً. في النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي كان العالم النمساوي دوبلر قد لاحظ أنه عند مرور قطار سريع يطلق صفارته فإن الراصد للقطار يسمع صوتاً مُتصِلاً ذا طبقة صوتية ثابتة ولكن هذه الطبقة الصوتية ترتفع كلما اقترب القطار من الراصد وتهبط كلما ابتعد عنه وفسر دوبلر السبب في ذلك بأن صفارة القطار تطلق عدداً من الموجات الصوتية المُتلاحِقة في الهواء وأن هذه الموجات تتضاغط تضاغطاً شديداً كلما اقترب مصدر الصوت فترتفع بذلك طبقة الصوت وعلى النقيض من ذلك فإنه كلما ابتعد مصدر الصوت تمددت تلك الموجات الصوتية حتى تصل إلى سمع الراصد فتنخفض بذلك طبقة الصوت.
كذلك لاحظ دوبلر أن تلك الظاهرة تنطبق أيضاً على الموجات الضوئية فعندما يصل إلى عين الراصد ضوء مُنبعِث من مصدر مُتحرِّك بسرعة كافية يحدث تغير في تردد ذلك الضوء فإذا كان المصدر يتحرك مُقترِباً من الراصد فإن الموجات الضوئية تتضاغط وينزاح الضوء المُدرَك نحو التردد العالي ـ أي نحو الطيف الأزرق ـ وتعرف هذه الظاهرة باسم "الزحزحة الزرقاء" وإذا كان المصدر يتحرك مُبتعِداً عن الراصد فإن الموجات الضوئية تتمدد وينزاح الضوء المدرك نحو التردد المُنخفِض ـ أي نحو الطرف الأحمر من الطيف ـ وتُعرف هذه الظاهرة باسم "الزحزحة الحمراء" وقد اتضحت أهمية تلك الظاهرة عندما بدأ الفلكيون في استخدام أسلوب التحليل الطيفي للضوء القادم من النجوم الخارجة عن مجرتنا في دراسة تلك الأجرام السماوية البعيدة جدا عنا.
وفي سنة 1914 أدرك الفلكي الأمريكي سلايفر أنه بتطبيق ظاهرة دوبلر على الضوء القادم إلينا من النجوم في عدد من المجرات البعيدة عنا ثبت له أن معظم المجرات التي قام برصدها تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة وبدأ الفلكيون في مناقشة دلالة ذلك وهل يمكن أن يشير إلى تمدد الكون بمعنى تباعد مجراته عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة؟
وبحلول سنة 1925 تمكن هذا الفلكي نفسه من إثبات أن أربعين مجرة قام برصدها تتحرك فعلا في معظمها بسرعات فائقة مُتباعِدة عن مجرتنا ـ سكة التبانة ـ وعن بعضها البعض.
وفي سنة 1929 تمكن الفلكي الأمريكي "إدوين هبل" من الوصول إلى الاستنتاج الدقيق الذي مُؤدَّاه: أن سرعة تباعد المجرات عنا تتناسب تناسباً طردياً مع بعدها عنا والذي عُرف من بعد باسم "قانون هبل".
وبتطبيق هذا القانون تمكن "هبل" من قياس أبعاد العديد من المجرات وسرعة تباعدها عنا وذلك بمشاركة من مساعده ملتون هيوماسون الذي كان يعمل معه في مرصد جبل ولسون بولاية كاليفورنيا وذلك في بحث نشراه معا في سنة 1934. وقد أشار تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض إلى حقيقة توسع الكون التي أثارت جدلاً واسعاً بين علماء الفلك الذين انقسموا فيها بين مُؤيِّد ومُعارِض حتى ثبتت ثبوتاً قاطعاً بالعديد من المُعادَلات الرياضية والقراءات الفلكية في صفحة السماء. وقد سبق القرآن الكريم جميع المعارف المكتسبة بإقرار حقيقة توسع الكون وذلك بقول ربنا _تبارك وتعالى _ (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذاريات : 47) .
وهذه الآية الكريمة تشير إلى أن إن السماء بناء محكم التشييد دقيق التماسك والترابط وليست فراغاً كما كان يعتقد إلى عهد قريب وقد ثبت علمياً أن المسافات بين أجرام السماء مليئة بغلالة رقيقة جداً من الغازات التي يغلب عليها غاز الإيدروجين وينتشر في هذه الغلالة الغازية بعض الجسيمات المُتناهِية في الصغر من المواد الصلبة على هيئة غبار دقيق الحبيبات يغلب على تركيبه ذرات من الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والتيتانيوم والحديد بالإضافة إلى جزيئات من بخار الماء والأمونيا والفورمالدهايد وغيرها من المركبات الكيميائية.
وبالإضافة إلى المادة التي تملأ المسافات بين النجوم فإن المجالات المغناطيسية تنتشر بين كل أجرام السماء لتربط بينها في بناء محكم التشييد مُتماسِك الأطراف وهذه حقيقة لم يدركها العلماء إلا في القرن العشرين بل في العقود المُتأخِّرة منه. وعلى الرغم من رقة كثافة المادة في المسافات بين النجوم والتي تصل إلى ذرة واحدة من الغاز في كل سنتيمتر مكعب تقريباً من المسافات البينية للنجوم وإلى أقل من ذلك بالنسبة للمواد الصلبة ( أما ما يعرف باسم الغبار الكوني ) إذا ما قورن بحوالي مليون مليون مليون جزيء (10/18) في كل سنتيمتر مكعب من الهواء عند سطح الأرض فإن كمية المادة في المسافات بين النجوم تبلغ قدراً مُذهِلاً للغاية فهي تُقدَّر في مجرتنا ـ سكة التبانة ـ وحدها بعشرة بلايين ضعف ما في شمسنا من مادة.
وفي الإشارة القرآنية الكريمة "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ" أي بقوة وحكمة واقتدار تلميحاً إلى ضخامة الكون المُذهِلة وإحكام صنعه وانضباط حركاته ودقة كل أمر من أموره وثبات سننه وتماسك أجزائه وحفظه من التصدع أو الانهيار فالسماء لغةً: هي كل ما علاك فأظلك ومضموناً : هي كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة السماء التي لا يدرك العلم إلا جزءاً يسيراً منها ويحصي العلماء أن بالجزء المُدرَك من السماء الدنيا أكثر من مائتي بليون من المجرات بعضها أكبر كثيراً من مجرتنا، وبعضها أصغر قليلاً منها وتتراوح أعداد النجوم في المجرات بين المليون والعشرة ملايين الملايين وتمر هذه النجوم في مراحل من النمو مختلفة ـ الميلاد والطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ثم الاحتضار والوفاة ـ وكما أن لأقرب النجوم إلينا (وهي شمسنا) توابع من الكواكب والكويكبات والأقمار وغيرها فإن القياس يقتضي أن للنجوم الأخرى توابع قد اكتشف عدد منها بالفعل ويبقى الكثير مما لم يتم اكتشافه بعد.
وتشير هذه الآية الكريمة إلى أن الكون الشاسع الاتساع الدقيق البناء المُحكَم الحركة والمُنضبِط في كل أمر من أموره والثابت في سننه وقوانينه قد خلقه الله ـ تعالى ـ بعلمه وحكمته وقدرته وهو ـ سبحانه ـ الذي يحفظه من الزوال والانهيار( وهو القادر على كل شيء ). والجزء المدرك لنا من هذا الكون شاسع الاتساع بصورة لا يكاد عقل الإنسان إدراكها (إذ المسافات فيه تقدر ببلايين السنين الضوئية) وهو مُستمِر في الاتساع اليوم وإلى ما شاء الله والتعبير القرآني : ( وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) يشير إلى تلك السعة المُذهِلة كما يشير إلى حقيقة توسع هذا الكون وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين حين ثبت لعلماء كلٍ من الفيزياء النظرية والفلك أن المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات تتزايد بتزايد بعدها عن مجرتنا وتقترب أحيانا من ثلاثة أرباع سرعة الضوء ـ المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية.
وقد أشار تباعد المجرات عن بعضها البعض إلى حقيقة توسع الكون التي أثارت جدلاً واسعاً بين علماء الفلك حتى ثبتت ثبوتاً قاطعاً بالعديد من المُعادَلات الرياضية والقراءات الفلكية في صفحة السماء
من قبل أكثر من ألف وأربعمائة سنة قدم لنا القرآن الكريم في صياغة كلية شاملة عملية خلق السماوات والأرض وإفنائهما وإعادة خلقهما من جديد في خمس آيات على النحو التالي:
(1) " وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ" (الذاريات:47) .
(2) " أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ" (الأنبياء:30) .
(3) " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " ( فصلت:11) .
(4) " يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِيْنَ " (الأنبياء:104) .
(5) " يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ " ( إبراهيم:48) . وأولى هذه الآيات الكريمات تشير إلى أن الكون الذي نحيا فيه يتسع باستمرار وإذا عدنا بهذا الاتساع إلى الوراء مع الزمن فلابد أن يتكدس على هيئة جرم واحد (مرحلة الرتق) وهذا الجرم الابتدائي انفجر بأمر من الله (مرحلة الفتق) (الآية الثانية من القائمة السابقة) فتحول إلى غلالة من الدخان (مرحلة الدخان) خلُقت منه الأرض والسماوات (الآية الثالثة وهي تمثل كلا من مرحلتي الدخان ومرحلة الإتيان) وأن الكون منذ لحظة انفجاره في توسع مُستمِر إلى اليوم وأن هذا التوسع سوف يتوقف في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله بأمر منه -تعالى- فيبدأ الكون في الانطواء على ذاته والتكدس في جرم واحد كهيئة الجرم الابتدائي الأول الذي بدأ منه خلق السماوات والأرض ( الآية الرابعة في القاتمة السابقة) فتتكرر عملية الانفجار والتحول إلى الدخان الذي تُخلق منه أرض غير أرضنا الحالية وسماوات غير السماوات التي تظللنا في الحياة الدنيا (الآية الخامسة) وهنا تنتهي رحلة الحياة الدنيا وتبدأ رحلة الآخرة. ومراحل الرتق والفتق والدخان والإتيان بالسماوات والأرض وتوسع السماء ثم طيها تعطينا كليات مراحل الخلق والإفناء والبعث دون الدخول في التفاصيل. وهذه الحقائق القرآنية لم يستطع الإنسان إدراك شيء منها إلا في أواخر القرن العشرين مما يؤكد سبق القرآن الكريم للمعارف الإنسانية بأكثر في هذا الأمر من أربعة عشر قرناًً. في النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي كان العالم النمساوي دوبلر قد لاحظ أنه عند مرور قطار سريع يطلق صفارته فإن الراصد للقطار يسمع صوتاً مُتصِلاً ذا طبقة صوتية ثابتة ولكن هذه الطبقة الصوتية ترتفع كلما اقترب القطار من الراصد وتهبط كلما ابتعد عنه وفسر دوبلر السبب في ذلك بأن صفارة القطار تطلق عدداً من الموجات الصوتية المُتلاحِقة في الهواء وأن هذه الموجات تتضاغط تضاغطاً شديداً كلما اقترب مصدر الصوت فترتفع بذلك طبقة الصوت وعلى النقيض من ذلك فإنه كلما ابتعد مصدر الصوت تمددت تلك الموجات الصوتية حتى تصل إلى سمع الراصد فتنخفض بذلك طبقة الصوت.
كذلك لاحظ دوبلر أن تلك الظاهرة تنطبق أيضاً على الموجات الضوئية فعندما يصل إلى عين الراصد ضوء مُنبعِث من مصدر مُتحرِّك بسرعة كافية يحدث تغير في تردد ذلك الضوء فإذا كان المصدر يتحرك مُقترِباً من الراصد فإن الموجات الضوئية تتضاغط وينزاح الضوء المُدرَك نحو التردد العالي ـ أي نحو الطيف الأزرق ـ وتعرف هذه الظاهرة باسم "الزحزحة الزرقاء" وإذا كان المصدر يتحرك مُبتعِداً عن الراصد فإن الموجات الضوئية تتمدد وينزاح الضوء المدرك نحو التردد المُنخفِض ـ أي نحو الطرف الأحمر من الطيف ـ وتُعرف هذه الظاهرة باسم "الزحزحة الحمراء" وقد اتضحت أهمية تلك الظاهرة عندما بدأ الفلكيون في استخدام أسلوب التحليل الطيفي للضوء القادم من النجوم الخارجة عن مجرتنا في دراسة تلك الأجرام السماوية البعيدة جدا عنا.
وفي سنة 1914 أدرك الفلكي الأمريكي سلايفر أنه بتطبيق ظاهرة دوبلر على الضوء القادم إلينا من النجوم في عدد من المجرات البعيدة عنا ثبت له أن معظم المجرات التي قام برصدها تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة وبدأ الفلكيون في مناقشة دلالة ذلك وهل يمكن أن يشير إلى تمدد الكون بمعنى تباعد مجراته عنا وعن بعضها البعض بسرعات كبيرة؟
وبحلول سنة 1925 تمكن هذا الفلكي نفسه من إثبات أن أربعين مجرة قام برصدها تتحرك فعلا في معظمها بسرعات فائقة مُتباعِدة عن مجرتنا ـ سكة التبانة ـ وعن بعضها البعض.
وفي سنة 1929 تمكن الفلكي الأمريكي "إدوين هبل" من الوصول إلى الاستنتاج الدقيق الذي مُؤدَّاه: أن سرعة تباعد المجرات عنا تتناسب تناسباً طردياً مع بعدها عنا والذي عُرف من بعد باسم "قانون هبل".
وبتطبيق هذا القانون تمكن "هبل" من قياس أبعاد العديد من المجرات وسرعة تباعدها عنا وذلك بمشاركة من مساعده ملتون هيوماسون الذي كان يعمل معه في مرصد جبل ولسون بولاية كاليفورنيا وذلك في بحث نشراه معا في سنة 1934. وقد أشار تباعد المجرات عنا وعن بعضها البعض إلى حقيقة توسع الكون التي أثارت جدلاً واسعاً بين علماء الفلك الذين انقسموا فيها بين مُؤيِّد ومُعارِض حتى ثبتت ثبوتاً قاطعاً بالعديد من المُعادَلات الرياضية والقراءات الفلكية في صفحة السماء. وقد سبق القرآن الكريم جميع المعارف المكتسبة بإقرار حقيقة توسع الكون وذلك بقول ربنا _تبارك وتعالى _ (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) (الذاريات : 47) .
وهذه الآية الكريمة تشير إلى أن إن السماء بناء محكم التشييد دقيق التماسك والترابط وليست فراغاً كما كان يعتقد إلى عهد قريب وقد ثبت علمياً أن المسافات بين أجرام السماء مليئة بغلالة رقيقة جداً من الغازات التي يغلب عليها غاز الإيدروجين وينتشر في هذه الغلالة الغازية بعض الجسيمات المُتناهِية في الصغر من المواد الصلبة على هيئة غبار دقيق الحبيبات يغلب على تركيبه ذرات من الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والتيتانيوم والحديد بالإضافة إلى جزيئات من بخار الماء والأمونيا والفورمالدهايد وغيرها من المركبات الكيميائية.
وبالإضافة إلى المادة التي تملأ المسافات بين النجوم فإن المجالات المغناطيسية تنتشر بين كل أجرام السماء لتربط بينها في بناء محكم التشييد مُتماسِك الأطراف وهذه حقيقة لم يدركها العلماء إلا في القرن العشرين بل في العقود المُتأخِّرة منه. وعلى الرغم من رقة كثافة المادة في المسافات بين النجوم والتي تصل إلى ذرة واحدة من الغاز في كل سنتيمتر مكعب تقريباً من المسافات البينية للنجوم وإلى أقل من ذلك بالنسبة للمواد الصلبة ( أما ما يعرف باسم الغبار الكوني ) إذا ما قورن بحوالي مليون مليون مليون جزيء (10/18) في كل سنتيمتر مكعب من الهواء عند سطح الأرض فإن كمية المادة في المسافات بين النجوم تبلغ قدراً مُذهِلاً للغاية فهي تُقدَّر في مجرتنا ـ سكة التبانة ـ وحدها بعشرة بلايين ضعف ما في شمسنا من مادة.
وفي الإشارة القرآنية الكريمة "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ" أي بقوة وحكمة واقتدار تلميحاً إلى ضخامة الكون المُذهِلة وإحكام صنعه وانضباط حركاته ودقة كل أمر من أموره وثبات سننه وتماسك أجزائه وحفظه من التصدع أو الانهيار فالسماء لغةً: هي كل ما علاك فأظلك ومضموناً : هي كل ما حول الأرض من أجرام ومادة وطاقة السماء التي لا يدرك العلم إلا جزءاً يسيراً منها ويحصي العلماء أن بالجزء المُدرَك من السماء الدنيا أكثر من مائتي بليون من المجرات بعضها أكبر كثيراً من مجرتنا، وبعضها أصغر قليلاً منها وتتراوح أعداد النجوم في المجرات بين المليون والعشرة ملايين الملايين وتمر هذه النجوم في مراحل من النمو مختلفة ـ الميلاد والطفولة والشباب والكهولة والشيخوخة ثم الاحتضار والوفاة ـ وكما أن لأقرب النجوم إلينا (وهي شمسنا) توابع من الكواكب والكويكبات والأقمار وغيرها فإن القياس يقتضي أن للنجوم الأخرى توابع قد اكتشف عدد منها بالفعل ويبقى الكثير مما لم يتم اكتشافه بعد.
وتشير هذه الآية الكريمة إلى أن الكون الشاسع الاتساع الدقيق البناء المُحكَم الحركة والمُنضبِط في كل أمر من أموره والثابت في سننه وقوانينه قد خلقه الله ـ تعالى ـ بعلمه وحكمته وقدرته وهو ـ سبحانه ـ الذي يحفظه من الزوال والانهيار( وهو القادر على كل شيء ). والجزء المدرك لنا من هذا الكون شاسع الاتساع بصورة لا يكاد عقل الإنسان إدراكها (إذ المسافات فيه تقدر ببلايين السنين الضوئية) وهو مُستمِر في الاتساع اليوم وإلى ما شاء الله والتعبير القرآني : ( وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ) يشير إلى تلك السعة المُذهِلة كما يشير إلى حقيقة توسع هذا الكون وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين حين ثبت لعلماء كلٍ من الفيزياء النظرية والفلك أن المجرات تتباعد عنا وعن بعضها البعض بسرعات تتزايد بتزايد بعدها عن مجرتنا وتقترب أحيانا من ثلاثة أرباع سرعة الضوء ـ المقدرة بحوالي ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية