الانشقاق الناقص أخبار الشبيبة

    • الانشقاق الناقص أخبار الشبيبة

      جلينمور ترينير-هارفي

      أربعة أسباب تدفع الناس للانشقاق، السبب الأول هو المال، فعند الكثيرين المال هو المفتاح، وفي حالات أخرى كانت الأسباب ايدولوجية، وفي حالات أخرى كان الشخص مكرها بعد أن وضع نفسه في موقف جعله معرضا للابتزاز. أما السبب الرابع فهو حب الذات

      لقد عاد العالم النووي الإيراني شاهرام أميري "المنشق" إلى طهران من أمريكا وتم استقباله كالأبطال، مدعيا أنه تم اختطافه من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، أثناء وجوده في المدينة المنورة في السعودية لتأدية العمرة. وهي الرواية التي ينفيها الأمريكان ويقولون إنه انشق وهرب إلى أمريكا مقابل جائزة مقدارها 5 ملايين دولار أمريكي، ولكنه غير رأيه لاحقا لذلك.

      إن قضية أميري مثيرة للاهتمام، ولكنها ليست فريدة من نوعها. فالقضية هي: هل انشق أميري أم لم ينشق؟ لقد غير آخرون رأيهم في الماضي، وبعضهم مثل أميري ادعى أنه قد تم خطفهم، بينما وجد آخرون أن الطريقة التي تمت معاملتهم أو مكافئتهم بها كانت أقل مما توقعوه، فعادوا إلى البلد الذي "خانوه". بينما يتم تكريم المنشقين والاحتفاء بهم في البلد المضيف، فإنهم محتقرون في بلدانهم الأصلية، حيث يعتبرهم مواطنوهم خونة.

      كان دوما هناك تدفق مستمر لأناس يهربون من بلادهم، خلال سنوات الحرب الباردة، إلى حياة أفضل في البلدان التي يختارونها. فقد هرب العديد من الاتحاد السوفييتي أو حلف وارسو إلى الغرب وخاصة إلى بريطانيا وأمريكا. وطبعا لم يكن كل هؤلاء جواسيس أو يحملون أسرارا عسكرية. فقد كان هناك راقصو باليه ولاعبو شطرنج ولاعبو كرة مضرب يتمتعون بالشهرة بين المنشقين؛ ولكن القيمة الحقيقية للغرب كانت لدى أولئك الذين كانت لديهم القدرة على الوصول إلى معلومات واستخبارات حقيقية، أو أسرار عسكرية أو فنية لخصوم الغرب الرئيسيين. وكان هناك اهتمام خاص بالطيارين الذين سرقوا طائراتهم وطاروا بها إلى الغرب. ففي سنة 1953 كانت هناك معلومات قليلة معروفة عن طائرات الميج 15، وهي الطائرة المقاتلة الرئيسية للكتلة السوفييتية، قام ثلاثة طيارين بالهرب بطائراتهم؛ منهم طياران من سلاح الجو البولندي هربا إلى الدنمارك. وفي وقت لاحق من تلك السنة قام طيار من كوريا الشمالية يدعى نو كوم سوك بالهرب بطائرته الميج -15 إلى قاعدة أمريكية في كوريا الجنوبية.

      وحصل الغرب على غنيمة معتبرة في سنة 1976 حينما قام الطيار السوفييتي فكتور بيلينكو بالانشقاق بطائرة مقاتلة من نوع ميج-25 إلى هاكوديت في اليابان، ولقد كشفت تلك الطائرة العديد من الأسرار للمختصين الأمريكيين. وفي سنة 1989 رحب الغرب بالكسندر زويف الذي انشق بطائرته الميج- 29 إلى طرابزون في تركيا. وكان يتم منح الطيارين في مثل هذه الحالات اللجوء السياسي، وعادة بعد أن يتم التحقيق معهم واستخلاص المعلومات منهم لشهور عديدة بعد انشقاقهم، كما يتم منحهم مكافآت وتوفير وظائف لهم في المجال العسكري كمستشارين.

      إن أكثر منشق قيمة، حصل عليه الغرب في سنوات الحرب الباردة، كان العقيد السابق في جهاز الاستخبارات السوفييتية كي بي جي اوليج جورديفيسكي، الذي كان يعمل في السفارة السوفييتية في لندن، وأصبح عميلا للاستخبارات السرية البريطانية م اي 6، حيث انشق في سنة 1985 وخلال السنوات التي تم خلالها استخلاص المعلومات منه قام بتوفير معلومات قيمة عن هيكلة القيادة في جهاز الاستخبارات السوفييتي كي بي جي والخطط والمخاوف السوفييتية من هجوم نووي مفاجئ محتمل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.

      لقد قال الرئيس الأمريكي رونالد ريجان لاحقا إن هذه المعلومة كانت واحدة من أهم العوامل التي أثرت على قراره في السعي لتحقيق انفراج مع الرئيس ميخائيل جورباتشوف، وهي خطوة يعتقد البعض أنها ساعدت في منع محرقة نووية.

      إن تدفق المنشقين لم يكن باتجاه الغرب فقط، فمسؤول جهاز الاستخبارات البريطانية الداخلي م اي 5 جاي بيرجس والدبلوماسي رفيع المستوى دونالد مكلين قد انشقا إلى جانب موسكو، وتبعهما بعد ذلك مسؤول كبير في جهاز الاستخبارات البريطانية الخارجي م اي 6 كيم فيلبي في سنة 1963، الذي كان مسؤولا عن التنسيق مع وكالة الاستخبارات الأمريكية.

      شكل هؤلاء الجواسيس وجاسوسان آخران لم ينشقا وهما انتوني بلنت وجون كرينكروس قيمة كبيرة للروس. وفي سنة 1966 هرب ضابط سابق في جهاز الاستخبارات البريطاني الخارجي ام اي 6 يدعى جورج بليك من السجن، وانشق الى جانب الاتحاد السوفييتي. وانضم إلى هؤلاء في روسيا المنشق من وكالة الاستخبارات الأمريكية ادوارد لي هاورد، ومحلل في الاستخبارات البحرية الأمريكية يدعى جلين مايكل ساوثر. وبالإضافة إلى محللي شفرة من وكالة الأمن الوطني الأمريكية ويليام مارتن وبيرنون ميتشل. كما انشق أيضا لي هارفي اوزولد، الذي كان يعمل مع المارينز في أمريكا وعاد بعد ذلك إلى أمريكا واغتال الرئيس الأمريكي جون ف كينيدي.

      كان هناك منشقون أثبتوا قيمتهم، وآخرون تم زرعهم كطعم، ففي سنة 1985 قام فيتالي يوشينكو وهو مسؤول كبير في جهاز الاستخبارات الروسي كي جي بي بالانشقاق إلى جانب الغرب، حيث تم استجوابه واستخلاص المعلومات منه من قبل وكالة الاستخبارات الأمريكية. ولكن بعد ثلاثة أشهر انشق مرة أخرى وعاد إلى موسكو، وقال في مؤتمر صحفي إنه قد تم خطفه وتخديره من قبل الأمريكان. ولكن من المعتقد أن الانشقاق الأصلي كان جزءا من خطة للكي جي بي، لصرف الانتباه عن المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات الامريكية الدريش اميس، الذي كان واحدا من أهم عملاء الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت.

      ما الذي يدفع الناس إلى الانشقاق؟

      إن ما يقنع معظم المنشقين لعمل ذلك هو واحد من الأسباب الأربعة التي تدفع الشخص ليصبح جاسوسا. السبب الأول هو المال، فعند الكثيرين المال هو المفتاح، وفي حالات أخرى كانت الأسباب ايدولوجية، وفي حالات أخرى كان الشخص مكرها بعد أن وضع نفسه في موقف جعله معرضا للابتزاز. أما السبب الرابع فهو حب الذات. وبالنسبة لأميري فإن الجواب يعتمد على من تصدق، فإما الدافع كان المال أو الإكراه، أو أنه قد تم زرعه كطعم، فجميع تلك الاحتمالات قابلة للتصديق وممكنة الحدوث في عالم التجسس الغامض.

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية