قال سعيد قال يحيى! جديد النوارس لا تحلّق بعيداً

    • قال سعيد قال يحيى! جديد النوارس لا تحلّق بعيداً


      تعلمون يا أصدقاء أن المثل هو قول سائر موجز , يقال تعليقا على موقف في مناسبة معينة , وربما استحسنه الناس و قاموا يرددونه بعد ذلك في مواقف مشابهة , وعادة ما يرتبط بقصة تفسره و هي تعكس عادات الناس وأحوالها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية, وتختصر قصصا طويلة بعبارة واحدة,تصاغ فيها القصة بصياغة جامعة مانعة- كما يقال.




      حدث قبل سنوات قليلة على أرض هذا الوطن أن قاطني احدى القرى الساحلية قد رحل عنها معلمو مدرستهم,سواء ابناء الوطن منهم أو حتى الوافدين وعادوا إلى قراهم ومنهم من ذهب إلى المدينة.
      و اقتربت أول جمعة بعد رحيل هؤلاء عن القرية الساحلية واجتمع أهل القرية ليتباحثوا في أمر خطبة الجمعة التي كانت تعهد سابقا إلى أحدى المعلمين ,و احتاروا في أمرها ,إلى من تعهد؟
      فشباب القرية خارجها إما للدراسة أو في أعمالهم في المدينة وما بقي منهم إلا يحيى و سعيد.
      يحيى شاب تخرج لتوّه من مرحلة الثانوية العامة أو ما يعرف الآن بالدبلوم العام لكنه يعاني من بلادة فطرية هي أقرب إلى البلاهة حسب ما يذكر الذين تولوا تدريسه خاصة في سنته الأخيرة في المدرسية,لكني لم أجد فيه ما ذكروا ولعل كثرة اسئلته واستنتاجاته الخاطئة وتصرفاته الغريبة هي ما جعلتهم يرمونه بتلك الصفة وساعدوا على إذكائها فيه,فتراه يقطع مسافة ثلاثة كيلومترات مشيا على الاقدام في ساعة متأخرة من الليل حتى يصل إلى سكن المعلمين فقط ليتأكد من موعد الأختبار أضف إلى ذلك عبارات الاستهزاء التي كان يجدها من رفاقه في المدرسة خاصة من صديقه المقرب وابن خالته سعيد!
      قيل لي أنّ سعيد من سلالة هجينة!,فوالده من مدينة ساحلية بعيدة عن القرية بينما أمه من القرية وذكروا لي أن أباه كان في رحلة لصيد السمك ومرعلى هذه القرية للاستراحة والتزود بما نقص من احتياجات رحلة الصيد الطويلة التي تساعده على الرجوع إلى مدينته الساحلية البعيدة ,و شأن أغلب حكايات العشق شاهد أم سعيد فاعجب بها وتزوجها وقرر العيش في هذه القرية,سعيد على عكس يحيى كان على مستوى عال من الذكاء ,وقد تخرج من المرحلة الثانوية بمعدل أهلّه لدخول إحدى كليات العلوم التطبيقية المتوزعة في السلطنة,لكنّ سعيد كان ضحيّة رفاقه في السكن حيث أوهموه ان أهل هذه المدينة التي تقع عليها الكلية مشهورون بالسحر وقصّوا عليها خرافات واساطير جدّاتهم وهو الذي لم يخرج من قريته قطّ!
      فسيطر عليه ذعر شديد وكان يخيّل إليه أنه يرى اشياءً لا يراها رفاقه في السكن,لم يستمر طويلاً وقرر العودة فعاد إلى قريته المنعزلة وقرر أهله إخضاعه لعلاج نفسي, ولا زالت ترسبات تلك الحادثة تراوده بين حين وآخر.
      وللعلم فلغة أهل القرية لم تساعد ابنائها كثيرا على تعلّم اللغة العربية فعادة ما تتحول حصص اغلب المواد ولكل المراحل إلى حصة تقوية في اللغة العربية, وأتذكر أيضا أن معلم اللغة العربية كان يشرح قصيدة لطلابه وهم في الصف الحادي عشر –المرحلة قبل الاخيرة- ليوضح لهم من خلال إحدى اللوحات الجدارية المعلقة ما هو "الـغصن"!!, ما يهمنا أنّ أهل القرية في اتفقوا في نهاية الأمر أن يعهد أمر خطبة الجمعة إلى سعيد ويحيى معاً, يعني أن تكون الخطبة مشتركة فيقوم سعيد بإلقاء الخطبة الأولى, على أن يتولى يحيى بعد الاستراحة الخطبة الثانية! ,كون أن الخطبة الثانية ما هي إلا حمد لله والصلاة على رسوله وتلخيص لما جاء في الخطبة الأولى ثم الدعاء, ولعل يحيى يدعو لهم بالمطر فتظللهم السحب وينزل الغيث فكما يقولون أن يحيى يحمل قلبا ابيض!
      مساء الخميس اجتمع سعيد ويحيى للتخطيط لخطبة الجمعة, فقام سعيد بجمع بعض الأحاديث النبوية الشريفة من كتب التربية الإسلامية/الثقافة الاسلامية لمختلف الصفوف!, وكان مما جمع حديث أركان الاسلام الخمسة وحديث صوموا تصحوا و الحديث المشهور على حسن معاملة الجار "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه".وبعضا من الآيات القرآنية كالآيات الأخيرة من سورة البقرة وسورة الكهف,وكتب بخط يده مقدمة الخطبة نقلا من أحدى الخطب القديمة, ومضى يحيى يكتب مقدمة الخطبة الثانية ويحفظ بعض الأدعية ويكتبها بخط يده المتعرج, لكن استعصى عليه تلخيص الخطبة الأولى لإن الأخيرة كلها أحاديث ولعدة مواضيع فقرر ترك التلخيص والإكتفاء بحمدالله والدعاء!
      صدح الأذان الأول , ثم أذن مؤذن القرية مبارك الأذان الثاني بصوته الجهوري ولم يظهر أحد منهما –أي الخطيبين سعيد ويحيى- وبعد برهة دخل الاثنان فتقدم سعيد وقدّم الخطبة الأولى وهو يرتجف من رأسه حتى أخمص قدميه و الورقة تكاد تسقط فحمد الله وشكره وصلى على خير البشر ثم بدأ بقراءة الأحاديث وانتهى بالاستغفار وامر المصلين بالاستغفار ولم يصدّق أن الخطبة الأولى انتهت فنزل سريعا!
      و جاء دور يحيى ,فأرتبك وهو يقوم من مقامه والعرق يتصبب منه, وأصوات من هنا وهناك تشجعه! وهو يحاول أن يتصنّع ابتسامة, صعد يحيى المنبر , وبدأها بحمدلله وشكره والصلاة على رسوله لكنه تلعثم بعد ذلك وحاول أن يغطي بشيء آخر غير المتفق عليه فقال:
      "قال سعيد قال يحيى"
      "قال سعيد من سيخطب خطبة الجمعة قال يحيى أنا من سيخطب خطبة الجمعة"
      "قال يحيى أنا و سعيد من سيخطب خطبة الجمعة"
      وانفجر بعض المصلين ضحكا بينما حاول بعض كبار السن أن ينهر يحيى لولا أن يحيى نفسه عالج الموقف سريعا بالدعاء :هذا وصلوا وسلموا على امام المرسلين ... وقام يدعوا بعض الأدعية التي حفظها ولم يستمر سوى بضع دقائق حتى أنهى الخطبة ونزل من على المنبر
      فتقدم سعيد ليصلي بهم صلاة الجمعة وصلّى وأجاد حتى إذا فرغ , وانتهوا من الصلاة
      كان المصلّون في الخارج بانتظار الخطيبين ليشكروهما على الخطبة,وثمة من كان يتربص بهما ليسخر منهما,لكن سعيد ويحيى كانا بالداخل يتراشقان التهم ويسخران من بعضهما,وكل واحد يلقي باللوم على الآخر,ويتمنيان أن تبتلعها الارض و لا يخرجان من المسجد.
      و لكنهما قررا أخيرا الخروج فوجدا صفا من المصلين في إنتظارهما, وكبار السن يثنون عليهما بينما مبارك مؤذن القرية كان غاضبا وثمة من كان يحاول تهدئته ويوضح له أن هؤلاء لا زالوا صغارا وعليه أن يشكرهما, بينما كان هناك من يردّد :قال سعيد قال يحيى
      قال سعيد قال يحيى
      و جرى مثلا!




      المصدر : النوارس لا تحلّق بعيداً


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions