جديد البحث عن الحقيقة

    • جديد البحث عن الحقيقة

      الشعر والنفط .. مفارقات المراحل

      تركي بن علي البلوشي


      " محاولة أولية لمقاربة الجهات الموجبة والسالبة بين قطبي الشعر والاقتصاد "

      لم يكن الخليج قبل النفط - ولاكثر من اربعة عقود ماضية - سوى جموع خيام وقطعان ابل وصحراء وقبائل يحكمها الاعيان. فتلك المنطقة الشاسعة من الشمال الى الشمال بمختلف امكنتها الجغرافية، كانت تعيش مرحلة الصحراء والجفاف على جميع المستويات والاصعدة سواء اقتصاديا او اجتماعيا او ثقافيا. ولم يكن واقع الحياة " المتأخرة " بعيدا ومختلفا عن الثقافة وخصوصا " حيز الشعر" والذي لم يكن بالنسبة لذلك الجيل مفهوما لتطور التفكير بقدر ما كان ثيمة ثقافية في السفر ومؤنسا في الظلمة بالإضافة الى كونه تقليدا اجتماعيا في أحايين أخرى.

      لكن الواقع اختلف تماما بعد أكتشاف النفط، وكان اشبه بالمعجزة ان تتحول هذه الارض " الصفراء " الى مركز اقتصادي مهم في العالم. فبعد اكتشاف الذهب الاسود تحولت الاوضاع وتغيرت بصورة مضطردة فالجانب الاقتصادي بدأ ينمو ويزدهر ويتماثل للتحسن، ومن بعده قامت البنى الاساسية وافاقت المباني الضخمة والبيوت العربية المزدانة بالرخام، وتحولت الحياة في الخليح الى " نعيم " مقارنة بالاوضاع العامة قبل النفط والتي كانت اشبه بــ " بحيرة مالحة يستحال ان ينمو عليها الزهر " . لكن النفط فعل ما لم يفعله العقل، حيث استطاع ان ينهي مرحلة حضارية كانت بطيئة ومتقهقرة اقتصاديا.

      انه النفط – أيقونة التحول - وربما تلك التحولات والتغيرات التي كانت " طارئا مطلوبا " للتنمية كانت منعكسة من هذه " الايقونة " - النفط - كونه ثروة قوية واستراتيجية بالنسبة للمنطقة والعالم وكانت كل تلك التغيرات الموجبة هي من اهم منجزات النفط في الخليح، والذي مكّن الخليجيين من انهاء مراحل جافة ووعرة و قاسية عاشوها لعقود.

      لكن التغييرات والتحولات الاقتصادية " ما بعد النفط " انتجت ايضا تأثيرات جانبية كان من بينها " ترسبات الترف" وتراكمات الإستهلاك"، فالخليج تحول الى منطقة مستهلكة وكانت تعتبر الى وقت قريب من أكثر المناطق انفاقا في الاستهلاك التجاري، وربما هذا الامر جعل من المنطقة ذات صورة نمطية استهلاكية وسطحية تناولتها وسائل الإعلام الغربية بصورة " مكرسة ". وليس بغريب على الخليج ان يصبح كذلك لأن التحول ما بعد النفط جلب الكثير من " محفزات الترف " والنعيم المؤقت الذي اوقد في " ابناء الصحراء " رغبة في اطفاء أوجاع الماضي التي حرمتهم الكثير من الاشياء.


      ولو عدنا للمقارنة بين الاقتصاد والشعر قبل النفط لوجدناهما يمشيان في نفس الإتجاه فكلاهما كان بعيدا جدا عن تيارات النهضوية والحضارة - الا ما رحم الله -، وعقليا أيضا لم يكن يوجد فرق كبير بين مرحلة الاقتصاد بعد النفط والتي جلبت " الحضارة " الى جانب انها جلبت " الاستهلاك والسطحية "،و مرحلة الشعر كذلك بعد النفط ، كونه هو الآخر اصيب بأزمة السطحية و" التعطل " بصورة أشد من مرحلة قبل النفط، ولكن ليس كل الشعر، كون ان الخليج يملك ايضا النظرة الخلاقة للشعر.

      ولانني ارى الشعر في مرحلة ما قبل النفط وبعده بصورة ناقدة ، فإنني ارى أن الشعر قبل النفط كان الى حد كبير بريئا ومنحازا لثقافة الانسان الخليجي البسيط والمتعب والمناضل للحياة رغم انه ايضا كان متأخرا عن الحداثة بأشكالها التكوينية الداخلية.. فكان الشعر في تلك المرحلة شبيها من حيث التجربة ومن حيث التكوين ببساطة الانسان الخليجي ونقاء ضميره من ملوثات الحضارة الطارئة، وهذا جعل من شعر تلك المرحلة الى حد كبير نقيا وخاليا من السطحية المادية التي جلبتها مرحلة ما بعد النفط معها.


      ومرحليا ايضا ايقنت ان مرحلة ما بعد النفط طالت الشعر في المنطقة وجعلته ايضا متطورا وناميا ومتمكنا من نفسه، وذلك لأن مرتكزات الثقافة والعقل تغيرت بعد النفط، فكان التعليم وكانت المكتبات و العقول والجامعات والاعلام ، التي عملت مجتمعة في منح الثقافة الخليجية ككل الكثير من المنجزات والعطاءات غير المنقطعة، مما اسهم بشكل فاعل في تغيير الكثير من مجريات الثقافة الخليجية على مستوى الشعر.

      ولا أزال اذكر ما قاله الشاعر العماني الكبير سيف الرحبي في احدى حواراته المثقلة بهم الشعر والتجربة والثقافة عن الشعر في الخليج ، حيث نفى قطعيا أن يكون الشعر في الخليج " شعر ترف " بل اعتبره شعر تجربة ومعاناة وثقافة وتفكير. حقا هكذا هو الشعر في الخليج، شعر قادم من رحم التجربة والثقافة والعقل والجماعة التي تربت ونمت وترعرت في كينونة الشعر وذاته، وحتى لا ابتعد كثير عن صلب القضية، فإنني لا زلت اقول بصوت نقدي ان الشعر في الخليج في المرحلة الجديدة التي خلّفها - اكتشاف النفط – رغم المنجز والتقدم، تلّوث واصابته رائحة البترول، والتكنولوجيا والاستهلاك، والمادية، وليس هذا بغريب لأن التحولات لا تكون دائما موجبة، فكما جلب النفط الحضارة فإنني اؤكد بأنه جلب " الرؤية المادية".

      وحتى اكون اكثر انصافا فان الكثير من الشعراء يعايشون هذا التلوث الذي اصاب الشعر، وجعله اشبه بالجماد والاسمنت، وربما الكثير من وسائل الإعلام الخليجية كرّست " سطحية الشعر " عبر عدد من البرامج وجعلته سلعة مؤقتة يشتهر صاحبها بفوز سخيف في مسابقة " عابرة ". هكذا هي اقدار الاشياء غير الاصيلة إذن انها تعيش مؤقتة، وتزول، وربما هكذا سيكون حال الشعر السطحي الذي يرّوج له أصحاب " المادة " الذين يفضلون سماع ما يعتبرونه شعرا كونه موزون ومقفى، عندما يمتدح من خلالها – ما يدعى شاعرا - سيارة جديدة أو هاتف متحرك يحمل اسم ماركة " مشهورة او منزلا اسمنتيا ضخما او أشياء أخرى لا لزوم لذكرها.

      وكذلك هو الحال بالنسبة لأصحاب رؤوس الاموال الذين فتحوا النار على الشعر وقتلوه بعد ان جعلوه عبر فضائيات " الشعر المهزوز " وسيلة للربح والمفخرة المتخلفة، وأداة للمديح الرجعي.


      إذن انها حركة الزمن، فمن كان يدري ان هذا الخليج الملتهب بالجفاف والصحراء الباهتة أن تتحول الى منطقة مهمة – بعد مرحلة النفط - ،و تتغير فيها مجريات الحضارة على مستوى الاقتصاد؟، وكذلك من كان يدري ان روعة الشعر وبرائته المعتادة لدى أهل الخليج ستصاب بسطحية العقل وسذاجة المادة والترف في الكثير من الجبهات، انها فعل " مفارقات المراحل ".




      المصدر : البحث عن الحقيقة


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions