(1)
شبعنا لحما ورمينا عظما أثناء العيد الذي تخمت فيه كروش الأثرياء من تجارتهم وفرغت جيوب الفقراء من استهلاكهم، وما بين الثري والفقير مواطن يحصل على العشرين ريالا من بابو وعشرين أخرى من راجو، ومواطن آخر يجمع القواطي عله يحصل على الأربع مئة ريال ليشتري ذلك "العجل" ليفرح به أولاده ويباهي به أصهاره وعشيرته في حين ومواطن ثالث تكون "الكريدت كاردت" قد وصلت إلى الخطوط الحمراء، ويأتي الديانة يدقون بابه وإلا كانت كانت الزنانة الحديدية في الرميس أو في سمائل صديقة له لكنها صخرية مقرورة الجدران...
كانت الإجازة قد امتدت ما بعد العيد قليلا، قررت فيها أن أعود إلى مسقط خوفا من أن يهجم "العاطلون" على منزلي المتواضع فيحملون ما "ثقل وزنه" و"رخصت قيمته". فلن يجدوا الذهب أو النقود لكنهم سوف يجدون الأثاث والثلاجات والتلفزيونات ليذهبون بها في سيارة "السيكس ويل" التي يقودونها على مسمع ومرآى من الجيران الغافلون عني والغافل عنهم فتصل أثاثي وأغراضي إلى أسواق الجمعة وأسواق تجارة التجزئة المستعملة. وقد قطعت على نفسي وعدا بأنه إن حصلت سرقة لمنزلي فما أنا ذاهب إلى الشرطة التي سوف تشبعني تحقيقات وهما وغما بعدما أعرف أن أكثر من (40%) من جرائم السرقة في السلطنة "تقيد ضد مجهول". وإن تم كشف بعض السرقات فإن الإعلام الحكومي سوف يتباهي بالانجاز العظيم من قبل تلك الأجهزة الأمنية...
(2)
في فناء الدار قادني مشهد تأملته كثيرا حينما تجمعت حولي قطط كانت أمها قد ولدتها في منزلي، ورغم محاولات ابني "محمد" المضنية في التخلص من تلك القطط التي لا تتورع في الدخول إلى غرف النوم بحثا عن أي لحم فإن محاولاته بآت بالفشل، استخدم كل الطرق الإنسانية واللانسانية لكنه لم يفلح؛ فهو لا يريد أن تصرخ القطة الصغيرة بموائها باحثة عن اللحم فقط، فهي لا تأكل الأرز ولا البطاطس ولا الخضراوات؛ اللحم واللحم.. وكان سبب تجمعها حولي أنني كنت أتناول بعض الطعام المكون من الأرز واللحم، فلعبت حاسة الشم لعبتها مع القطط التي جاءت إليّ مسرعة تكاد تنهش نصيبها من الصحن.
رميت لها بعض القطع والعظام التي اكتفيت بها،، تأملتها وهي تتعارك حول تلك القطع، والمعركة كانت في نفس الأسرة: الأم ولدت القطط الثلاث (بعد أكلها للرابعة) في منزلنا، وبالتالي فإن هؤلاء القطط الصغار هم (أو هن) أخوة أو أخوات، ثم يأتي القط الذي كان "البكر" ليلوح بمخالبه على أجساد أخوته الصغار وفي غمضة عين يصطاد لقمة اللحمة منها ويذهب بها بعيدا فتصرخ القطط الصغار من جديد طالبة المزيد من اللحم...
ذلك المشهد ذكرني بصراع في المجتمع حيث ينهش الأخ أخاه في ورثه وفي قوته وفي ممتلكاته، وكذلك الصراع على الكرسي، حيث يقرب الوزير البعض ويبعد البعض الآخر ليبقى هو للأبد في ذلك الكرسي كما يظن، لكن دوام الحال من المحال....
(3)
عندما ينهي المواطن مرحلة دراسية ما (ثانوية أو جامعية) فإنه يتتوق للتوظيف حاملا معه تلك الشهادة وربما تكون الواسطة رفيقة دربه. ما أن يثبت أقدامه وظيفيا حتى يتطلع إلى ما هو أعلى من تلك الوظيفة: ماليا ووظيفيا. فماليا يحلم في الحصول على أقرب درجة مالية تعدل أوضاعه الاجتماعية والمالية، ووظيفيا يرغب أن يكون رئيسا للقسم الذي يعمل فيه وإن حصل وتعين كرئيس قسم فإنه ينافس ليكون هو مدير الدائرة، وإن حصل ذلك بعد سنين طالت أو قصرت وفق الظروف الوظيفية فإنه يريد أن يصبح مديرا عاما، والمدير العام يريد أن يصبح وكيلا للوزارة، والوكيل يطمح أن يكون هو الوزير...
تلك السلسلة من التنقلات و"الترقيات" الإدارية والمالية هي مطمح كل مواطن وكل موظف، وفي الأصل يجب أن يكون الموظف طموحا لكي يحسن أوضاعه المالية والاجتماعية التي تكون نتاج الأوضاع الوظيفية..هنا يبدأ الصراع: فالانتقال من منصب إلى آخر سواء من أدنى السلم إلى أعلاه أو ما بينهما فإن هناك صراعات تشهدها الساحة الوظيفية تأخذ عدة أشكال وألوان، وسوف نستعرض بعض هذه الصراعات التي قد تكون ايجابية تخدم العمل وقد تكون سلبية لأنها تخدم المصالح الخاصة - وما أكثر المصالح الخاصة في الأعمال الحكومية...
(4)
عندما أراد "طويل العمر" أو كما يعرفه البرتوكول الرسمي "معالي الوزير" ترشيح وكيل وزارة فقد رأى أمامه عددا من المدراء العامين الذين يتقربون منه نفاقا أو احتراما لشخصه الكريم، في كل مدير عام منه خواص جيدة جدا وسيئة جدا في نفس الوقت؛ فهو يريد الشخص المطيع الذي ينفذ سياسة معاليه المنبثقة كثير منها من السياسات العليا للدولة، كما يريد أن يكون لهذا الوكيل رؤية تخدمه وفي نفس الوقت تخدم الدولة، أي تأتي المصلحة الأولى أولا ومن ثم المصلحة الوطنية. نظر إلى قائمة المرشحين والتي سوف تذهب إلى أكثر من جهة تبدي رأيها موافقة أو معترضة على ذلك الترشيح. فبدأ بالقائمة التي أعدها له مدير مكتب كونه مطلع على خبايا بعض الأمور:-
أ) المهندس سليمان: انسان متعلم وله باع طويل في مجال العمل، لكنه صعب المراس ولن يتنازل عن رأي يعتبره صحيحا، ومستعد ان يسجل معارضته حتى أمام معاليه.
ب) الشيخ خلفان: ابن الأصل والفصل وله علاقاته الأسرية والقبلية المتشعبة لكنه لم يكمل مشواره التعليمي بعد الثانوية العامة.
ج) الدكتور عبدالله: حاصل على أعلى الشهادات العلمية لكن يفتقر إلى الخبرات العملية، فقد حصل على الدكتوراه منذ سنة فقط وليس لديه الخبرة الطويلة.
د) الفاضل سعيد: إنسان مكافح أكمل الجامعة بالانتساب له شخصيته القوية ومحبب من الجميع لكنه أيضا يحب المعارضة ونوعا ما غير متخصص في مجال عمل الوزارة..
فمن يختار معالي الوزير الموقر من هؤلاء المدراء العامين المرشحين؟
(5)
لكي يختار معاليه الوكيل القادم فقد فكر في كيفية معرفة أي مدير عام يمكن أن يخدم معاليه ويستفيد من مزاياه قبل مساوئه خصوصا أن كل مرشح منهم له ميزات وعيوب مختلفة تخدمه في موضوع وتفسد عليه الوضع في موضوع آخر.. وقد تكون هناك جهات أخرى ترشح الوكيل أو يتم نقل وكيل إليه حتى بدون علم الوزير..
أراد معالي الوزير أن يخدم أحد أصحابه في مشروع معين فرآى أن الأمر ليس بهذه السهولة في ظل وجود نظم وقوانين قد تعترض سير ذلك المشروع، ولكي يجد الطريقة المناسبة في الخروج من تلك الأزمة فقد وجد أن أحد المدراء العامين يحاول أن يتقرب إليه بمناسبة وبغير مناسبة رغم وجود من هو أكفأ منه من المدراء العامين لكن هذا المدير العام بالذات هو الأكثر تقربا إليه من بين الأربعة. فناداه يوما في مكتبه وشرح له الوضع فقال المدير العام لمعاليه أنه مستعد لمساعدته وأن يسير النظم والقوانين لتخدم المصلحة التي يراها الوزير هي الأصح سواء كانت مصلحة عامة أو دون ذلك، وبالمقابل فإن هذا المدير العام سوف يكون أفضل المرشحين ليكون هو وكيل الوزارة القادم...
(6)
وعندما احتار معاليه بين اختيار المهندس سليمان والشيخ خلفان والدكتور عبدالله والفاضل سعيد فقد بددت حيرته من حيث لا يحتسب، فقد تم تعين شخص آخر لا يعرف معاليه شيئا عنه سوى أنه قادم من تلك الجامعة التي تأسست فحملت صاحب الصلاحية في التعيين، فضاع تفكير الوزير هباء منثورا،،، فقد كان يخطط حول الكيفية التي يتغلل منه خلالها ويوسع نفوذه في الوزارة دون أن يجد من يعارضه، فاعتقد - لبرهة - أن بإمكانه أن يدير الصراع ليرى من الذي بمقدوره أن يخدمه.
وإذا كان معاليه لم يستطع أن يرشح الشخص الذي يخدم مصالح ومستعد حتى أن يكيف القانون والنظم بل ويغيرها لصالحه فإن صديقه الأخر كان هو يصارع المصالح أيضا، لكن هذه المرة كانت لصالح الوطن وليس لصالح البنوك السويسرية التي قد حول إليها ملايين الريالات وهو الوزير الذي لم يكن يملك سوى سيارته الصغيرة التي قدمت وخربت لتنزل عليه النعمة بتعيينه وزيرا متجاوزا كل الطبقات الوظيفية والإدارية ليصبح بين ليلة وضحاها وزيرا يشار إليه بالبنان..
الشخص الأخر تدرج في مناصبه من موظف إلى مدير دائرة إلى مدير عام إلى وكيل وزارة فأصبح وزيرا،،، نعم كان هناك صراعا وهو يتقلد المنصب تلو الأخر لكن ليس صراعا ليكون وزيرا بقدر ما كان صراعا يحقق من خلاله طموحاته ليصلح ما أفسده سابقوه وما تصارعوا عليه ظانين أن كراسيهم سوف تبقى لهم للأبد...
(7)
وإذا كان الصراع حول الكراسي يتخذ أشكالا ذكرت بعضها فهناك أشكال أخرى تتمثل في الإقصاء؛ أي أن يوصي الوزير بإقصاء وكيل الوزارة – أو أحدهم – ليكون مستشارا بعدما كان هذا الوكيل ذائع الصيت، وهناك أمثلة شاهدناها وليست ببعيدة، حيث كان وكيل الوزارة ذلك من الأشخاص المشهود لهم بالعمل والتواصل مع فئات الشعب، وفجأة يتم تعيينه مستشارا سواء في وزارته أو حتى في وزارة أخرى فأصبح أنسا منسيا، وإن تم تكريمه فيتم استدعائه لافتتاح مدرسة أو حتى محل تجاري. الوزير ربما يكون قد شعر أن هذا الوكيل قد سلب منه الأضواء فأصبح الوكيل "الكل في الكل" وبالتالي يجب ألا يستمر الوكيل في منصبه. ونفس القول ينطبق على بعض المدراء العامين المشهود لهم بالحيوية والنشاط، وفجأة يتم تعيين المدير العام في منصب مستشار يتصفح الانترنت وربما يفرح عندما يجب موضوعا يهاجم وزيره!!
كما أن الإقصاء قد يتخذ أسلوب التطنيش؛ إذ يتم سحب صلاحيات المدير العام أو الوكيل من قبل الوزير، فالوزير هذا يتسم بالمركزية في كافة القرارات فلا يكون الوكيل أو المدير العام سوى ما يسمى بالانجليزية Rubber Stamper أي ختم مطاطي، أو كما نقول نحن "يبصم". ذلك ان الوزير يكون قد سحب منه "التفويض" الإداري وحتى المالي بقرار صادر منه، ولا يكون الوكيل عندئذ سوى مسئول يرفع المذكرة تلو الأخرى للوزير لاعتمادها حتى في صغائر الأمور، بعض الوزراء يفعلون ذلك من منطق الضبطية والمراقبة؛ أي يمنع التسيب الإداري والمالي والتلاعب، لكن المركزية في حد ذاتها سيئة لأنها تسحب الثقة من المسئولين الآخرين وتبطئ الإجراءات وتدخل البيروقراطية التي أسسها "ماكس ويبر" لتسهيل أو توحيد أو تقييس الإجراءات لكنها تأتي بنتائج عكسية. ذلك التطنيش قد ينجح في أن ينسحب الوكيل أو المدير العام نفسه فيطلب التقاعد أو يهتم بتجارته فيركز عليها ليهمل العمل الحكومي الذي سُلب منه أصلا، وفي كل الأحوال يكون الوزير هو الرابح….
(8)
وإذا كان الصراع في المؤسسات الحكومية وحتى الخاصة مستمرا بين أكبر مسئول وحتى أصغرهم فإن المجتمع العماني ذاته يشهد الصراعات من حين لآخر، والقارئ للتاريخ العماني لكتب عمانية مثل "تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان" لسالم السيابي سوف يجد الصراع القبلي وحتى الأسري والذي بدوره لعب دورا كثيرا غيّر بعض مجريات ذلك التاريخ..
أما التاريخ المعاصر فيشهد صراعات كثيرة نذكر بعضها هنا؛ لعل بعض القراء لا يعرفون معنى مصطلح "ناقم جامود" كما يستخدمونه أهل الداخلية على الأقل. والمصطلح يعني أن يقدم صاحب مزرعة "مال" شكوى سواء أمام الشيخ أو الوالي لأنه وجد مسارا مبنيا من الطين يعترض مزرعته او ساقيته، وكلمة "ناقم" يقصد بها هنا الاعتراض بحسب معرفتي المتواضعة. وكم وكم من قضايا وصلت إلى "عريف الفلج" وإلى الشيخ وحتى إلى الوالي لأن الأسبقين لم يستطيعوا حل ذلك الإشكال، وهناك عدة أحداث شهدتها شخصيا أدت إلى نشوب نزاع بين اثنين بسبب حفنة من التراب بترت حبل المودة والجوار.
(9)
لم يكن "يجف" قبر المرحوم سليمان إلا ويطلب الأخ الأكبر سعيد بالاجتماع بأخوته وأخواته العشرة، فهناك إرث لا بد من تقسيمه؛ هذا الإرث عبارة عن أموال سائلة ومنقولة نقدية منها أو في شكل أصول و"رهائن" لا يعرفها إلا سعيد والذي سال لعابه عندما قام بحصرها، ولم لا فقد عاش سعيد محروما من التمتع بأمواله والده الذي كان يبخل عليهم حتى بتشغيل المكيف في الصيف مدة أطول. فالمرحوم سليمان بدأ ثروته من الصفر بعدما كان يعيش في إحدى البلدان الخليجية ويعمل فيها "كولي" أي حمال، ولما نادى صاحب الجلالة بعودة العمانيين إلى البلاد فقد عاد سليمان مع العائدين وفي جيبه بضع "روبيات" أستطاع ادخارها من ذلك العمل المضني...
على أن أبواب الرزق انفتحت لسليمان، فكان لمنزله القديم أن وقع في السوق الذي أرادت الحكومة تطويره، فضلا عن وجود "مال" أي مزرعة ورثها من والده قام بتقسيمها فيما بعد سواء ببناء بعض محلات تجارية أو بناء شقق للإيجار واجتث معظم النخيل والأشجار التي لم تصبح ذو جدوى اقتصادية. ولأن الفرصة كانت ذهبية في السبعينات والثمانينات فإن ذلك الأمي سليمان نجح في توسعة تجارته وإن كان لا يعرف "يفك الخط" بيد أنه دائما يتذكر العيش الضنك الذي عانى منه في غربته فقد كان همه هو توفير النقود إلى ما لا نهاية، حتى أن التراب لم يعد يملأ جوفه، فغدا بخيلا حارما أولاده من أساسيات الحياة، إذ أن همه هو تقليل المصاريف وزيادة الدخل، ولذا لم يكن أولاده يعيشون عيشة راضية، لأنه حرمهم من لبس العيد وزينته، حتى أنه كان يحرم أبنائه من استخدام المكيف بحجة أن "البانكة" تكفي..
ولما قال القدر كلمته فإن الحزن لم يكن باديا على أولاده كثيرا، فها هم اليوم سوف يتمتعون بما حرمهم أبوهم في حياته، خاصة أن لديهم من الالتزامات المادية ما تجعلهم غير قادرين على الانتظار لتقسيم إرثهم..
فكيف سوف يكون ذلك التقسيم؟
يتبــــــــع

المصدر : بن دارس
شبعنا لحما ورمينا عظما أثناء العيد الذي تخمت فيه كروش الأثرياء من تجارتهم وفرغت جيوب الفقراء من استهلاكهم، وما بين الثري والفقير مواطن يحصل على العشرين ريالا من بابو وعشرين أخرى من راجو، ومواطن آخر يجمع القواطي عله يحصل على الأربع مئة ريال ليشتري ذلك "العجل" ليفرح به أولاده ويباهي به أصهاره وعشيرته في حين ومواطن ثالث تكون "الكريدت كاردت" قد وصلت إلى الخطوط الحمراء، ويأتي الديانة يدقون بابه وإلا كانت كانت الزنانة الحديدية في الرميس أو في سمائل صديقة له لكنها صخرية مقرورة الجدران...
كانت الإجازة قد امتدت ما بعد العيد قليلا، قررت فيها أن أعود إلى مسقط خوفا من أن يهجم "العاطلون" على منزلي المتواضع فيحملون ما "ثقل وزنه" و"رخصت قيمته". فلن يجدوا الذهب أو النقود لكنهم سوف يجدون الأثاث والثلاجات والتلفزيونات ليذهبون بها في سيارة "السيكس ويل" التي يقودونها على مسمع ومرآى من الجيران الغافلون عني والغافل عنهم فتصل أثاثي وأغراضي إلى أسواق الجمعة وأسواق تجارة التجزئة المستعملة. وقد قطعت على نفسي وعدا بأنه إن حصلت سرقة لمنزلي فما أنا ذاهب إلى الشرطة التي سوف تشبعني تحقيقات وهما وغما بعدما أعرف أن أكثر من (40%) من جرائم السرقة في السلطنة "تقيد ضد مجهول". وإن تم كشف بعض السرقات فإن الإعلام الحكومي سوف يتباهي بالانجاز العظيم من قبل تلك الأجهزة الأمنية...
(2)
في فناء الدار قادني مشهد تأملته كثيرا حينما تجمعت حولي قطط كانت أمها قد ولدتها في منزلي، ورغم محاولات ابني "محمد" المضنية في التخلص من تلك القطط التي لا تتورع في الدخول إلى غرف النوم بحثا عن أي لحم فإن محاولاته بآت بالفشل، استخدم كل الطرق الإنسانية واللانسانية لكنه لم يفلح؛ فهو لا يريد أن تصرخ القطة الصغيرة بموائها باحثة عن اللحم فقط، فهي لا تأكل الأرز ولا البطاطس ولا الخضراوات؛ اللحم واللحم.. وكان سبب تجمعها حولي أنني كنت أتناول بعض الطعام المكون من الأرز واللحم، فلعبت حاسة الشم لعبتها مع القطط التي جاءت إليّ مسرعة تكاد تنهش نصيبها من الصحن.
رميت لها بعض القطع والعظام التي اكتفيت بها،، تأملتها وهي تتعارك حول تلك القطع، والمعركة كانت في نفس الأسرة: الأم ولدت القطط الثلاث (بعد أكلها للرابعة) في منزلنا، وبالتالي فإن هؤلاء القطط الصغار هم (أو هن) أخوة أو أخوات، ثم يأتي القط الذي كان "البكر" ليلوح بمخالبه على أجساد أخوته الصغار وفي غمضة عين يصطاد لقمة اللحمة منها ويذهب بها بعيدا فتصرخ القطط الصغار من جديد طالبة المزيد من اللحم...
ذلك المشهد ذكرني بصراع في المجتمع حيث ينهش الأخ أخاه في ورثه وفي قوته وفي ممتلكاته، وكذلك الصراع على الكرسي، حيث يقرب الوزير البعض ويبعد البعض الآخر ليبقى هو للأبد في ذلك الكرسي كما يظن، لكن دوام الحال من المحال....
(3)
عندما ينهي المواطن مرحلة دراسية ما (ثانوية أو جامعية) فإنه يتتوق للتوظيف حاملا معه تلك الشهادة وربما تكون الواسطة رفيقة دربه. ما أن يثبت أقدامه وظيفيا حتى يتطلع إلى ما هو أعلى من تلك الوظيفة: ماليا ووظيفيا. فماليا يحلم في الحصول على أقرب درجة مالية تعدل أوضاعه الاجتماعية والمالية، ووظيفيا يرغب أن يكون رئيسا للقسم الذي يعمل فيه وإن حصل وتعين كرئيس قسم فإنه ينافس ليكون هو مدير الدائرة، وإن حصل ذلك بعد سنين طالت أو قصرت وفق الظروف الوظيفية فإنه يريد أن يصبح مديرا عاما، والمدير العام يريد أن يصبح وكيلا للوزارة، والوكيل يطمح أن يكون هو الوزير...
تلك السلسلة من التنقلات و"الترقيات" الإدارية والمالية هي مطمح كل مواطن وكل موظف، وفي الأصل يجب أن يكون الموظف طموحا لكي يحسن أوضاعه المالية والاجتماعية التي تكون نتاج الأوضاع الوظيفية..هنا يبدأ الصراع: فالانتقال من منصب إلى آخر سواء من أدنى السلم إلى أعلاه أو ما بينهما فإن هناك صراعات تشهدها الساحة الوظيفية تأخذ عدة أشكال وألوان، وسوف نستعرض بعض هذه الصراعات التي قد تكون ايجابية تخدم العمل وقد تكون سلبية لأنها تخدم المصالح الخاصة - وما أكثر المصالح الخاصة في الأعمال الحكومية...
(4)
عندما أراد "طويل العمر" أو كما يعرفه البرتوكول الرسمي "معالي الوزير" ترشيح وكيل وزارة فقد رأى أمامه عددا من المدراء العامين الذين يتقربون منه نفاقا أو احتراما لشخصه الكريم، في كل مدير عام منه خواص جيدة جدا وسيئة جدا في نفس الوقت؛ فهو يريد الشخص المطيع الذي ينفذ سياسة معاليه المنبثقة كثير منها من السياسات العليا للدولة، كما يريد أن يكون لهذا الوكيل رؤية تخدمه وفي نفس الوقت تخدم الدولة، أي تأتي المصلحة الأولى أولا ومن ثم المصلحة الوطنية. نظر إلى قائمة المرشحين والتي سوف تذهب إلى أكثر من جهة تبدي رأيها موافقة أو معترضة على ذلك الترشيح. فبدأ بالقائمة التي أعدها له مدير مكتب كونه مطلع على خبايا بعض الأمور:-
أ) المهندس سليمان: انسان متعلم وله باع طويل في مجال العمل، لكنه صعب المراس ولن يتنازل عن رأي يعتبره صحيحا، ومستعد ان يسجل معارضته حتى أمام معاليه.
ب) الشيخ خلفان: ابن الأصل والفصل وله علاقاته الأسرية والقبلية المتشعبة لكنه لم يكمل مشواره التعليمي بعد الثانوية العامة.
ج) الدكتور عبدالله: حاصل على أعلى الشهادات العلمية لكن يفتقر إلى الخبرات العملية، فقد حصل على الدكتوراه منذ سنة فقط وليس لديه الخبرة الطويلة.
د) الفاضل سعيد: إنسان مكافح أكمل الجامعة بالانتساب له شخصيته القوية ومحبب من الجميع لكنه أيضا يحب المعارضة ونوعا ما غير متخصص في مجال عمل الوزارة..
فمن يختار معالي الوزير الموقر من هؤلاء المدراء العامين المرشحين؟
(5)
لكي يختار معاليه الوكيل القادم فقد فكر في كيفية معرفة أي مدير عام يمكن أن يخدم معاليه ويستفيد من مزاياه قبل مساوئه خصوصا أن كل مرشح منهم له ميزات وعيوب مختلفة تخدمه في موضوع وتفسد عليه الوضع في موضوع آخر.. وقد تكون هناك جهات أخرى ترشح الوكيل أو يتم نقل وكيل إليه حتى بدون علم الوزير..
أراد معالي الوزير أن يخدم أحد أصحابه في مشروع معين فرآى أن الأمر ليس بهذه السهولة في ظل وجود نظم وقوانين قد تعترض سير ذلك المشروع، ولكي يجد الطريقة المناسبة في الخروج من تلك الأزمة فقد وجد أن أحد المدراء العامين يحاول أن يتقرب إليه بمناسبة وبغير مناسبة رغم وجود من هو أكفأ منه من المدراء العامين لكن هذا المدير العام بالذات هو الأكثر تقربا إليه من بين الأربعة. فناداه يوما في مكتبه وشرح له الوضع فقال المدير العام لمعاليه أنه مستعد لمساعدته وأن يسير النظم والقوانين لتخدم المصلحة التي يراها الوزير هي الأصح سواء كانت مصلحة عامة أو دون ذلك، وبالمقابل فإن هذا المدير العام سوف يكون أفضل المرشحين ليكون هو وكيل الوزارة القادم...
(6)
وعندما احتار معاليه بين اختيار المهندس سليمان والشيخ خلفان والدكتور عبدالله والفاضل سعيد فقد بددت حيرته من حيث لا يحتسب، فقد تم تعين شخص آخر لا يعرف معاليه شيئا عنه سوى أنه قادم من تلك الجامعة التي تأسست فحملت صاحب الصلاحية في التعيين، فضاع تفكير الوزير هباء منثورا،،، فقد كان يخطط حول الكيفية التي يتغلل منه خلالها ويوسع نفوذه في الوزارة دون أن يجد من يعارضه، فاعتقد - لبرهة - أن بإمكانه أن يدير الصراع ليرى من الذي بمقدوره أن يخدمه.
وإذا كان معاليه لم يستطع أن يرشح الشخص الذي يخدم مصالح ومستعد حتى أن يكيف القانون والنظم بل ويغيرها لصالحه فإن صديقه الأخر كان هو يصارع المصالح أيضا، لكن هذه المرة كانت لصالح الوطن وليس لصالح البنوك السويسرية التي قد حول إليها ملايين الريالات وهو الوزير الذي لم يكن يملك سوى سيارته الصغيرة التي قدمت وخربت لتنزل عليه النعمة بتعيينه وزيرا متجاوزا كل الطبقات الوظيفية والإدارية ليصبح بين ليلة وضحاها وزيرا يشار إليه بالبنان..
الشخص الأخر تدرج في مناصبه من موظف إلى مدير دائرة إلى مدير عام إلى وكيل وزارة فأصبح وزيرا،،، نعم كان هناك صراعا وهو يتقلد المنصب تلو الأخر لكن ليس صراعا ليكون وزيرا بقدر ما كان صراعا يحقق من خلاله طموحاته ليصلح ما أفسده سابقوه وما تصارعوا عليه ظانين أن كراسيهم سوف تبقى لهم للأبد...
(7)
وإذا كان الصراع حول الكراسي يتخذ أشكالا ذكرت بعضها فهناك أشكال أخرى تتمثل في الإقصاء؛ أي أن يوصي الوزير بإقصاء وكيل الوزارة – أو أحدهم – ليكون مستشارا بعدما كان هذا الوكيل ذائع الصيت، وهناك أمثلة شاهدناها وليست ببعيدة، حيث كان وكيل الوزارة ذلك من الأشخاص المشهود لهم بالعمل والتواصل مع فئات الشعب، وفجأة يتم تعيينه مستشارا سواء في وزارته أو حتى في وزارة أخرى فأصبح أنسا منسيا، وإن تم تكريمه فيتم استدعائه لافتتاح مدرسة أو حتى محل تجاري. الوزير ربما يكون قد شعر أن هذا الوكيل قد سلب منه الأضواء فأصبح الوكيل "الكل في الكل" وبالتالي يجب ألا يستمر الوكيل في منصبه. ونفس القول ينطبق على بعض المدراء العامين المشهود لهم بالحيوية والنشاط، وفجأة يتم تعيين المدير العام في منصب مستشار يتصفح الانترنت وربما يفرح عندما يجب موضوعا يهاجم وزيره!!
كما أن الإقصاء قد يتخذ أسلوب التطنيش؛ إذ يتم سحب صلاحيات المدير العام أو الوكيل من قبل الوزير، فالوزير هذا يتسم بالمركزية في كافة القرارات فلا يكون الوكيل أو المدير العام سوى ما يسمى بالانجليزية Rubber Stamper أي ختم مطاطي، أو كما نقول نحن "يبصم". ذلك ان الوزير يكون قد سحب منه "التفويض" الإداري وحتى المالي بقرار صادر منه، ولا يكون الوكيل عندئذ سوى مسئول يرفع المذكرة تلو الأخرى للوزير لاعتمادها حتى في صغائر الأمور، بعض الوزراء يفعلون ذلك من منطق الضبطية والمراقبة؛ أي يمنع التسيب الإداري والمالي والتلاعب، لكن المركزية في حد ذاتها سيئة لأنها تسحب الثقة من المسئولين الآخرين وتبطئ الإجراءات وتدخل البيروقراطية التي أسسها "ماكس ويبر" لتسهيل أو توحيد أو تقييس الإجراءات لكنها تأتي بنتائج عكسية. ذلك التطنيش قد ينجح في أن ينسحب الوكيل أو المدير العام نفسه فيطلب التقاعد أو يهتم بتجارته فيركز عليها ليهمل العمل الحكومي الذي سُلب منه أصلا، وفي كل الأحوال يكون الوزير هو الرابح….
(8)
وإذا كان الصراع في المؤسسات الحكومية وحتى الخاصة مستمرا بين أكبر مسئول وحتى أصغرهم فإن المجتمع العماني ذاته يشهد الصراعات من حين لآخر، والقارئ للتاريخ العماني لكتب عمانية مثل "تحفة الأعيان في سيرة أهل عمان" لسالم السيابي سوف يجد الصراع القبلي وحتى الأسري والذي بدوره لعب دورا كثيرا غيّر بعض مجريات ذلك التاريخ..
أما التاريخ المعاصر فيشهد صراعات كثيرة نذكر بعضها هنا؛ لعل بعض القراء لا يعرفون معنى مصطلح "ناقم جامود" كما يستخدمونه أهل الداخلية على الأقل. والمصطلح يعني أن يقدم صاحب مزرعة "مال" شكوى سواء أمام الشيخ أو الوالي لأنه وجد مسارا مبنيا من الطين يعترض مزرعته او ساقيته، وكلمة "ناقم" يقصد بها هنا الاعتراض بحسب معرفتي المتواضعة. وكم وكم من قضايا وصلت إلى "عريف الفلج" وإلى الشيخ وحتى إلى الوالي لأن الأسبقين لم يستطيعوا حل ذلك الإشكال، وهناك عدة أحداث شهدتها شخصيا أدت إلى نشوب نزاع بين اثنين بسبب حفنة من التراب بترت حبل المودة والجوار.
(9)
لم يكن "يجف" قبر المرحوم سليمان إلا ويطلب الأخ الأكبر سعيد بالاجتماع بأخوته وأخواته العشرة، فهناك إرث لا بد من تقسيمه؛ هذا الإرث عبارة عن أموال سائلة ومنقولة نقدية منها أو في شكل أصول و"رهائن" لا يعرفها إلا سعيد والذي سال لعابه عندما قام بحصرها، ولم لا فقد عاش سعيد محروما من التمتع بأمواله والده الذي كان يبخل عليهم حتى بتشغيل المكيف في الصيف مدة أطول. فالمرحوم سليمان بدأ ثروته من الصفر بعدما كان يعيش في إحدى البلدان الخليجية ويعمل فيها "كولي" أي حمال، ولما نادى صاحب الجلالة بعودة العمانيين إلى البلاد فقد عاد سليمان مع العائدين وفي جيبه بضع "روبيات" أستطاع ادخارها من ذلك العمل المضني...
على أن أبواب الرزق انفتحت لسليمان، فكان لمنزله القديم أن وقع في السوق الذي أرادت الحكومة تطويره، فضلا عن وجود "مال" أي مزرعة ورثها من والده قام بتقسيمها فيما بعد سواء ببناء بعض محلات تجارية أو بناء شقق للإيجار واجتث معظم النخيل والأشجار التي لم تصبح ذو جدوى اقتصادية. ولأن الفرصة كانت ذهبية في السبعينات والثمانينات فإن ذلك الأمي سليمان نجح في توسعة تجارته وإن كان لا يعرف "يفك الخط" بيد أنه دائما يتذكر العيش الضنك الذي عانى منه في غربته فقد كان همه هو توفير النقود إلى ما لا نهاية، حتى أن التراب لم يعد يملأ جوفه، فغدا بخيلا حارما أولاده من أساسيات الحياة، إذ أن همه هو تقليل المصاريف وزيادة الدخل، ولذا لم يكن أولاده يعيشون عيشة راضية، لأنه حرمهم من لبس العيد وزينته، حتى أنه كان يحرم أبنائه من استخدام المكيف بحجة أن "البانكة" تكفي..
ولما قال القدر كلمته فإن الحزن لم يكن باديا على أولاده كثيرا، فها هم اليوم سوف يتمتعون بما حرمهم أبوهم في حياته، خاصة أن لديهم من الالتزامات المادية ما تجعلهم غير قادرين على الانتظار لتقسيم إرثهم..
فكيف سوف يكون ذلك التقسيم؟
يتبــــــــع
المصدر : بن دارس
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions