الجُزء الرّابِع [.......] - جديد بدرية العامري

    • الجُزء الرّابِع [.......] - جديد بدرية العامري

      تطرقُ رأسها هنيهة.. وتتذكّر كيف كان حالها عندما رحلَ وليد من عالمِها .. كان رحيلهُ قاسيا على روحها.. رحلَ تارِكا فراغا شاسِعا يصلُ داخِلها بالمدى الفسيح..تفتحُ نافِذتها كلّ صباحٍ ؛ لتُخبرَ الشّمسَ عن وجعِ روحِها.. تُطيِّرُ أسراب الذِّكرياتِ.. لكن أنّى لذلِكَ السّرب أن يبتعِد عنها..
      كُلُّ صباحٍ يعتصرُ قلبها حنينٌ كافِرٌ يوقضُ جذوةَ الأشواق.. تشعرُ أنّ الصُّباح أعمى .. و أنّ الحياة كدرةٌ لا مُبهِج فيها .. وأنّها عائِمةٌ في فضاءِ الله!

      حمّلت تلك الإحاسيس روحها الكثير من العناء ..رفعت رأسها بـ اتِّجاه السّقفِ الّذي تشعرُ بِهِ يحدُّ من حرّيتها...مُحاوِلةً طرد أسراب الذِّكريات الّتي بدأت تطيرُ في سماواتِ فِكرِها!
      استشعرت بالسّقفِ قريبا من رأسِها .. تمنّتهُ أبعد بكثير لـ يحتمِل ما يتوافد لها من أدغال الماضي!
      تلتفتُ للدّاخِلِ .. فوضى .. فوضى .. فوضى ...كأنّ إعصارا ما مرّ عليها وخلّف فوضى عارِمة .. !
      تمدُّ بصرها في البياض الماثِل أمامها تشعرُ بخوفٍ حقيقيٍّ تتكوّمُ على السّريرِ كـ طفلةٍ خشيت من شئٍ ما .. و لا شعوريّا تبكي!
      تتساءل هل طُغيان البياضِ وامتدادِهِ لـ مساحاتٍ شاسِعة مُخيف ...؟!..
      حتّى الجمالُ عندما يكونُ مُبالغا فيهِ يبدو مروِّعا ...وما الرّوعة إلّا جمالٌ من فرطِهِ يغدو مرِّوعا!

      تُتمتمُ بينها ونفسِها :
      فوضى تُحاصِرُني من الدّاخِلِ والخارِج...آآآآآه... أؤمنُ دائِما .. متى ما كنتُ أعيش فوضى داخِلي .. فذلِك ينعكِسُ على كهفي ...
      اتساءلُ الآن .... هل يا تُرى أنا مُستعدِّة لـ ترتيبِ فوضاي الدّاخليّة.. أم أنّني مستسلمةٌ راضِخةٌ لـ تمرُّد الذّاتِ.. ومُسيّرةٌ من قِبلِ قلبي السّاذج..؟!.. أظن بـ أنّني قادِرة .. فمن استطاعت أن تنجو من الموتِ رُغم كلِّ تِلك الكوارِثِ .. لا شكّ أنّها قويّة ..فانهياراتٌ عصبيّةٌ .. و انعزالٌ عن العالمِ .. وفُقدانٌ للوزنِ والشّهيّة .. لا يُعدُّ شيئا أمام هولِ الأحداث..
      ويأتيها من أغوارٍ سحيقةٍ.. من عُمقِ عُمقها ذلِكَ الصُّوتُ الّذي لا يُخطِئ :

      تستطيعين ترتيبَ نفسكِ إن آمنتِ أنّكِ تستطيعين .. أمّا إن رضختِ لـ صوتِ الضُّعفِ في داخلكِ .. و حرّكتكِ الوساوِس .. فـ ثِقِ أنّكِ سـ تبقين على ما أنتِ عليهِ ... أعلمُ أنّهُ لـ تناقضٌ كبيرٌ بين دعواكِ هذِهِ .. و بين ضُعفكِ .. و هذا ما يجعلكِ دوما في ضيقٍ من نفسكِ ... فقط يا رُوح.. آمنِي أنّك أقوى من كُلِّ شئ .
      تسبحُ بفكرِها في ذلِك الهاجِس ، تقعُ عيناها على كومة أوراقٍ أرسلها أحمد ، تُحاول جاهِدةً أن لا تقترِب منها .. لا تُريدُ لأحمد أن يتمثل لها الآن..فذكراهُ تُدلِعُ حربا ودمارا داخِلها ، لا تُريد لهُ أن يأتي هذِهِ اللحظة ..تودُّ أن تُرتِب استدعاءاتِها ...لكنّ الذِّكرى كطفلٍ عنيدٍ تندفِع...!

      ******
      تُساءِلُ نفسها بعد اندلاعِ الذِّكرياتِ بهذا الشّكل الموجِع للرُّوح..يا تُرى .. أين كنتُ أنا...؟
      تتذكّر حالها قبل أن تتلبّسها الحمّى المجنونة ..تسترجع ما الّذي كان!
      وكنصلٍ حادٍّ ينغرزُ في القلبِ تعودُ الذِّكرى.. نعم..حالما رفض أخيها الأكبر فِكرة سفرِها لإكمالِ دِراستِها!

      توجِعها الذِّكرى ، فتُغمض عينيها لكأنّما باشتدادِ أعصابهما تطرُدُ وجع الرُّوح!
      تفتحهما على ورقةٍ صفراء.. تُهيّج أوجاع القلبِ المطمورة..تتذكّرُ مع أوّلِ جُملةٍ كيف مرّت أعيادها وهي تستصرِخ في الذِّكرى وفي من أحبّت..تتمنّى الموت.. لكنّهُ أبعد من أن يأتي!
      تُمسك ما كتبت :
      أبكيك شوقا يا حبيبي..تبكيك روحي .. يبكيك سمعا عشِق ضحكتك الملائِكيّة ... يبكيك صوتا لا مسامِع لهُ إلّاك .. يبكيك كُلِّي يا حبيبي .. لا زمان ولا مكان يُمكِنُ أن يحتضِن حُزني.. ويُتمي.. أيُّ يُتمٍ هذا الّذي يتقاطرُ مع دمعي .. أينك عنِّي أيا حُلمي المُزهر .. منذُ أن قرّرت الخُروج من صومعة الحِداد.. وأنا أرى موتك أكثرُ إيلاما لـ روحي .. حاولتُ الخُروج إلى الحياة .. لكنّها كانت أقسى من أيِّ وقتٍ مضى ..شاحِبٌ هذا الفضاء الّذي لوّنتهُ بوجودِك..كلّ شئٍ مُختلِف..وآهٍ من هذا المغيب الّذي أهرُبُ منهُ دوما .. رحلتَ إلى عالمٍ آخر .. رحلت إلى حيثُ لا عودة ..وأنا الّتي ما تخيّلت الوجود دونك..كيف لي أنا أحيا...؟!
      ما أقسى القدر .. أهكذا يفعلُ بروحٍ ثمِلت حبّا .. و ذابت شوقا ..؟!...
      أبكيك أيا من رحلت و تركتني .. و رحل برحيلك معنى الحياة .. ما عاد لـ الكونِ لونٌ .. ولا لـ الحياةِ طعم .. ما عاد لـ التّفوّقِ أو النّجاحِ فرحٌ ولا لـ الطُقوسِ معنىً ..أبكيك ولا حقّ لي في البُكاء .. أواري دمعي عن عيونِ الرُّقباء ...فـ أزيدُ الرُّوح إيلاما بـ سرِّ موتِكَ ...وأزيدُ الرُّوح جِراحا بـ سرِّ حُزني...أبكيك.. وتبكيك حروفٌ ردّدناها سويّا .. وصباحاتٍ استشعرناها عن بُعد..أبكيك.. وتبكيك كلّ ذرّةٍ ونبضٍ وثانيّةٍ شهدت على حبِّي..
      أبكيك وِجدا .. حنينا .. شوقا .. كمدا.. أبكيك ولن أُواري دمعي .. لن اُكفكف حُزني هذِه المرّة ... ولـ يشهد الملأ على ما حدث .. ولـ ينهش في عُمري البائِس من أراد أن ينهش ... ولـ يتغامز ويتلامز من أراد .. لن أُخفي حُزني .. لن اُكفكف دمعي .. وإن سألوني سـ اصرخ في وجههم هذِه المرّة بحزمٍ أكبرٍ . و بـ تبيانٍ أكثر ...رحلت أعيادُ حياتي فـ لمَ أفرح...غادرني الأُنسُ فـ لم ابتهِج ...سـ أقولُ الحقيقة لكلِّ من تساءل من قبل ..أنّك رحلت وأنّ عُمري أجدبٌ دونك..!
      أبكيك يا روحي ..وصِدقا نُزعت روحي بـ رحيلك..ما عادت الأشياءُ هي الأشياء ... وما عاد لـ أيِّ شئٍ معنى ..أيُّ عيدٍ هذا الّذي يأتي ولم يمضِ على رحيلك الكثير .. لم يتآمر عليّ القدرُ بهذِه الطّريقة .. يغتالني بيدٍ ، ويُهديني العيد بيدٍ أُخرى .. أوتراني احتملُ كلّ هذا ..؟!
      آهٍ من اجتماعُ الحُزنِ ، والفرحِ في آن .. أرجوك يا من أرجو ارحمني ... فـ ما عدتُ احتمل!
      بداخِلي صرخةٌ لو كان لي طاقتها لزلزلت هذِه المدينة..بداخِلي ما يُفجِرُ شراييني ويُقطِّعُ أوردتي..لكن يعود القدر ويتآمرُ عليَّ.. فلا هو يُرسلني حيثُ أنت.. ولا هو يرأف بحالي ..ويُخفّف من وطأتِه عليّ.
      أبكيك!

      تذكّرت كم كانت تُرسلُ دمعها وتمتماتِها المخنوقة في هجيعِ كلِّ فرح.. تكتُبُ بحُرقةِ الثكالى.. ويُتمِ المحرومين تبكي عُمرها الّذي لم يكتمِل .. تبكي عيدها.. تبكيهِ..يبكيهِ نبضُها .. وكُلُّ لحظاتِ عُمُرها .. تصرُخُ في ذِكراه دوما!
      تسترجعُ حالها مع أولى أيّام الفقد.. وحالِها بعد غيابِ وليد.. كيف أنّها بعدما استوعبت الانكسار ، حاولت تشتيت الذِّكرى ، فأثّثت عالمها بالكثيرِ مما يُشغلها .. لكنّها في أعماقٍ سحيقةٍ داخِلها تنتظرُ وليد.. رُغم يقينها أنّه مات مُذ آخر عهدِها بِه..
      توقِنُ ندى أنّ وليد أصبح شيئا مُختلِفا تماما عن وليد الّذي كان.. وليد الآن يُشعرُها بالقرفُ لمُجردِ أن ترى ظلّهُ في ممرٍّ ما.. وهي الّتي كانت تُغرِّدُ منتشيةً لمجرّد أن تستنشِقَ عطر حضورِه..وليد اليومِ إنسانٌ مُختلِفٌ تماما بالنّسبةِ لها.. كائِنٌ بشريٌّ كغيرِه.. أمّا وليدها الّذي كان فلا وطنَ على هذِه الأرض يحتويه اليوم.. وليدُها كائِنٌ لاأرضي لا يُمكنُ أن يعيشَ بين البشرِ ، أو يحتمِل قرفِهم..!
      وليدُها رحلَ مع آخرِ قطرة دمعٍ نزفاها معا.. وليدُها حلّق لسماءٍ أُخرى.. ووليدُ اليومِ كائِنٌ بشريٌّ قد يكونُ مُقرفا في الواقِعِ!
      وفجأة يختلطُ وليد بـ أحمد..فتتساءل أتِلك الهواجس تحكي وليدا أم أحمد...؟...
      أوليد هو الراضِخُ لـ صوتِ المُجتمع ، والمُضحِي بحبِّهِ لأجلِ المُجتمع أم أحمد؟
      تُدرِك أنّ صورة أحمد هي المُسيطرة في ذلِك.. أحمد الّذي رُغم جنونِهِ لم يستطع حسم أمرِه.. كان يصلى بنارِ امرأتين..هُما الأقرب له..أُمّه.. و زوجتِه!
      لا تذكُرُ من أحمد لحظتها إلّا جُبنهُ..وضُعفَ شخصيته..فـ تقرف من نفسِها كيف أحبت شخصا كـ أحمد ، بل وكيف ارتبطت بـ شخصٍ مُذاب !
      استدعت لحظتها أحمد بكلِّ عيوبِ الرِّجال.. لعنت ذِكراه..وهربت لكومةٍ تتربّصُ بِها ، مُتجاهِلةً أوراق كثيرة قد تُثيرُ وجعها ، ومُتجاهلةً عزمها على مواجهة الماضي .. وحسم أمرِه .

      *******



      أزاحت أكوام الورق المصنّفِ حسب المراحِل .. لـتستخرِجَ رسائِلها الّتي استسخفتها بعد عُمر!
      تبتسم لسذاجتِها آنذاك ، تتردّد في إخراجِ الرّسائِلِ من المِلف.. لكنّها تذهبُ بفكرِها قليلا ، وتسترجع كيف كانت تنتشي كلّما كتبت رسالة لفارسِ أحلامِها المُرتقب ، تضحك لسذاجةِ أحلامِها ،تتجهُ يدها ناحِية الملِف البنفسجِّي المُزهّر الحالِم ، الّذي رتّبت فيهِ شوقها رسائِل ؛ لحينِ ظهور سيّد الأحلام من ذلِك الورق رجُلا !
      قلّبت المِلف بنفسِ التّرتيب الّذي هو عليه ، لم تشأ بعثرة الأوراق ، قرأت مُقدِّمة الملف الّذي كتبت فيه :
      سيِّدي الجميل .. هذا أنتَ بكلِّ ما تمنّيتُك عليه ..كوّنتُكَ رجُلا لا وجود له ..انتظرتُكَ كثيرا ، وياااه كم حلمت أن يختفي كلّ من في الأرض ؛ لأبقى وحدي .. فيرأفُ الله بي .. ويخلُقَ من ضِلعي رجُلا لي ، رجُلا يُكملني ، ليس شبيها بي..بل مُكمِّلا لي .. لكنّ البشر لم يختفوا ، والله لم يرأف بي..وأنت لم تظهر .. فـ استميحك إذ كوّنتك ووأدتُك على ورق..
      شوقي لرجلٍ لن يكون!
      ابتسمت .. استرجعت أيّامها الّتي كانت.. فتاة في العشرينيّات بتلك البراءةِ والطُّهر ، تحضُنُ نفسها لكأنّها تحتوي تِلك الرُّوح الّتي عادت مع الذِّكريات ، تعودُ لملفّها ، تقرأ أولى الرّسائِل :
      مساءاتُ البياضِ تُغلِّف روحك الحبيبة .. و أغانٍ أثيرة تعبثُ بذكرياتٍ مركونة بين أنقاضِ قلبِك المُنشغل ... وبعد ...
      سيّدي ..
      ثمّة فرحٍ ينبعثُ من عمقِ العُمق في روحي .. لا أعلم مصدره..قد يكون طيفك الّذي لم يُفارقني اليوم ..أو قد يكون شيئا آخر وحدي أعلمه ؛) .. قد يكون!
      فرحٌ يا سيِّدي لو تعلم يحملني على سحائِبَ بيضاء كأحلامي البريئة ..فرحٌ يجعلني أتنفّسُ بِعُمقٍ منتشٍ .. فرحٌ يجعلُني أُنجِزُ عملي لكأنّ شيئا ما ينتظرُني ..فرحٌ آآآهٍ يا سيِّدي فرحٌ حالِمٌ كـ أنا ... لكنِّي يا سيّد الغيابِ اتساءل :
      هل يجوزُ لي أن افرح دونك..؟!
      قلبي يقولُ أنّك يا سيّد الغياب المُخيف تُحبّني فرِحة .. لذا وجِبَ عليّ أن أفرح لأجلِ نفسي أولا .. ولأجلِكَ ..
      فارِسي .. أما زال القدرُ يُقصيك خلفَ الشّمس .. أما اكتفيت؟!
      أوتعلم..ما عدتُ انتظرِكَ سيّدي .. لك أن تغيبَ إلى الأبد .. لكنّني لن أنسى قلبِكَ الّذي طرّزتهُ خيالاتي بـ الياسمينِ و النّقاء ..
      فإليكَ يا سيّدا لم يشأ لي أن انتظره..تحيّةُ قلبٍ كـ أنت!
      ثِق ..مهما امتهنت الغِياب سـ تبقى أنتَ أنت... وسـ أبقى أنا كما أنا يحلو لي العبث بأحلامٍ لم تُلامِس واقعي ذات يوم .. ولم يُعايشها قلبٌ ثمُلَ من الخيالات ..
      فارِس أحلامي .. أتُراك سـ تخرُج ذات يومٍ من قُمقم الخيالاتِ إليّ واقِعا؟!
      تحيّة يا سيّد القدرِ المجهول!
      16:20 الشّمس
      وما أن قرأت "الشّمس" حتّى ابتسمت..نست ما أثارتهُ الرِّسالة من شوقٍ دفينٍ لفارِسِ أحلامِها ، والعالم الّذي أرسلتها لهُ الرِّسالة .. حاولت استرجاع معنى كلمة الشّمس .. ولم تستطع!
      منّت نفسها باكتشافِ سرِّ كلمة الشّمس ربّما في الأوراق المُقبلة ، وسريعا انتقلت للرِّسالةِ التّالية:
      مساؤكَ سُكّر سيّدي ..أراني هذِه الأيّام امتهنتُ الكِتابة إليك .. يا سيّدا أجهلهُ وأعرفهُ في آن ..أوتعلم .. أشعرُ بـ أنّ روحي تعرِفُك جيّدا رُغم أنّني صِدقا لا أعرِفُك .. سـ أكتبُ إليك سيّدي علّ العُمر ينتظرُني لـ أقرأ عليكَ ما كتبت ..واقرأ معها ملامِحك الّتي سـ تُسافِر بِها حروفي ..
      " مُعجزتي"..
      ما أن سمحتُ لـ يديّ لـ تعبث بالكيبورد حتّى فقدتُ رغبتي بالكتابة ، هل لأنّ الكتابة لك / عنكَ / فيكَ أشبهُ بالحُلم ..أم لأنّ مثلك من نحياهم خيالا وحُلما تكون الكِتابة لهم ضربٌ من الجُنون .. أم أنّها مُحاولة بائِسة لـ اصطيادِ فرحٍ شارِد .. ومعايشةِ حُلمٍ واهِن ..؟!امممممممم لا عليّ من كلِّ ما تُمليهِ هذِه الذّاكرة المثقوبة من مُفردات البؤس .. لا عليّ من أيّ/ كلّ شئ .. نوبة الفرح الّتي بدأت منذُ الأمس ما زالَ مفعولها سارٍ في روحي .. فرحٌ خجول لا يتراءى إلّا لي ..فرحٌ يتوارى عن المجالِس وما أن أخلُد إلى نفسي حتّى أراهُ ينبعِثُ لي مع الخيالاتِ الجميلة.. فـ أتساءل .. ربّاهُ بعد الحمد ما مصدر هذا الفرح ..؟! ..
      أُغنيتي ..أهو أنتَ تأتيني عِطرا تنتشي معهُ روحي ..وطيفا رسمتهُ خيالاتي من أبطالِ الرِّوايات الّتي أدمنتها الذّاكِرة ..؟!آآآهٍ يا مُعجزتي _ أوتذكُر أحببتُ أن أمنحكَ نداءاتٍ مُختلِفة_لو تُصدِّق كم اقتبستُ لكَ من كلِّ بطلٍ صِفة ..مع يقيني أنّك ستكونُ مُختلِفا تماما عمّا رسمت ..ومع يقينِ من حولي أنّني لن أجد كـ من رسمت .. وقد لا أجد أبدا من يتوافق وما أُريد .. أرأيتَ سيّدي كيف أنّهم يؤكِّدون غيابك..؟!... و رُغم ذلِكَ فـ أنا مؤمِنةٌ أنّكَ مُختلِفٌ حقّا كـ إيماني أنّك مُطابِقٌ لي في الجنون / الحُلم .. لا أُريدُك نُسخةً منِّي لكنّي أُريدُك نصفي الآخر ..أووه نسيتُ أنّك تعلم كلّ هذا .. أولا تذكُر ..؟! .. كُنّا قد اتّفقنا أنّك تجوب خيالاتي .. لكن .............!
      فقدتُ الرّغبة في الكِتابة ..لا اعلم لِمَ ..سـ أترُكُ لك رسالة أُخرى ..قد نقرأها معا ذات مساءٍ أو ذات صباح ..وقد تأخُذنا الحياة ولن نلتقِ ..سـ اُحاول النّوم لأستيقِظَ باكِرا واُنجز ما عليّ ..
      دمتَ في روحي!
      23:06 مساء القلم
      صدمتها أنّ الخاتِمة هذِه المرّة "القلم" ، قطّبت جبينها مُحاولةً استدعاء الذِّكرى ؛ لتُخبرها بهذِه التذييلات الغريبة.. وفجأة طردت الفِكرة .. وفضّلت أن تعيش أجواء الحُب في الرّسائِل... علّها تُخفِّفُ شيئا من قلقِ روحِها !
      كتبت ندى رسائِلَ كثيرة لسيِّدٍ خلقتهُ سدّا لهوّة خلّفها غيابُ وليد ..كانت في كلِّ استيقاظٍ للحنين تكتُبُ لسيِّدها المجهول.. ترسمهُ كما أرادت.. معوِّضةً ما كانت تتمنّى في وليد ،توالت رسائِل كثيرة لسيِّدها المجهول تحكي لهُ ما يحدُث في حياتِها .. وفي كلِّ رسالةٍ ينبعثُ وليد رُغم محاولاتها سدَّ جميع المنافِذ ، وقبره بأرضيّةٍ جديدةٍ لسيِّدها المجهول.. تقولُ في رسالةٍ أُخرى :

      سيّد الأحلام ...
      أيا سيّد القدر المجهول .. يا رجلا أعرفهُ واجهلهُ في آن... اُثرثر لهُ وأؤمن أنّهُ لا يقرؤني.. رجلٌ لشدّة ما عايشتُ آلام النِّساءِ لا أودُّ ظهورِه.. لأنّني موقِنة أنّني لن أجده كما تمنّيت لذلك لا أودُّ ظهوره..
      أتُراك يا سيّد الغياب .. سـ تتحمّلني ..؟!.. هل سـ تتحمّل فتاة نزعة التّمرُّد تجري في أوصالِها ..؟... لا لا تفهم تمرُّدي خطأ ..أقصُد بـ تمرُّدي على المألوف .. تمرُّدي الفِكري ..هل سـ تتحمّل فتاة كـ أنا مِزاجيّة مستقلّة...أو يا تُرى هل تستحق فتاة كـ أنا لها روحٌ سخيّة .. ولها طاقاتٌ لا انتهاء لها من الحبِّ والوفاءِ والإخلاصِ والاهتمام ...؟!... هل سـ تتحمّل كلّ مشاعِري .. ؟!... أخشى أنّك لا تستطيع...
      أخشى ظهورك سيّد الغياب ... بقدرِ ما أنا في شوقٍ لـ حضورك... لـ وحدي أترقّب أفضل من ظهورِك الّذي قد يكسر آمالي وأُمنياتي ... لا أودُّ نصفا يُثقلني .. أودُّ نِصفا يحرِّر روحي من آخر معاقِل القلق لـ نُغرِّد معا .. فـ حقّا السّماوات رحِبةٌ .. !
      سيّد الغياب ..
      أتراك تُدرِك إحساس من ينتظر شيئا ما لفترةٍ طويلة .. وفجأة يأتي ذلِك الشّئ مُخيّبا لآمالِهِ و مطامِحه.. ربّاااه أيُّ انكسارٍ سيحياهُ ذلِك القلب ..؟!
      أُفضّل أن أحيا الانتظار على أن أواجه الإنكسار ...لن اُسلم روحي لمن لا تستحق حتى وإن كان أنتَ سيّد الغياب ...!
      13:54 مساء الماء
      "الماء"...؟... ربّاااه سـ أُجن .. لا شعوريّا تُمسكُ رأسها تارِكةٍ الملف يسقُطُ على حِجرِها ..الماء .. القلم .. أممممممممم وماذا بعد.. تعود لأولى الرّسائِل " الياسمين".. يا تُرى ما هذِه الطّلاسم الّتي كتبتُها يومها!!!
      تُحاول تذكُّر ما كان ، ولا تفلح...وتعودُ ثانيةً تقرأ ما كتبت..تتجاهل بعض الرّسائِل ، تقرأ التّذييل فقط (الحُلم) ، (الرّبيع)...تستوقفها رسالةٌ تُذكِّرها بالياسمين :
      سيُّدُ الغياب ...منذُ أيّام وأنا أحلمُ بالياسمين ... وأرتدي في معصمي وعنقي عقدا من اللؤلؤ ..لا أعلم ما الّذي يجعلني متعلِّقة جدّا بالياسمينِ واللؤلؤ ..فـ ما أن أحلُمُ بـ صباحٍ إلّا ومعه نسيماتٌ بارِدة محمّلة بشذى الياسمين .. وما أن أتخيّلُ رقّة يدٍ إلّا واللؤلؤ يُزيّنها ... أُفكّر في اقتناء عقدا ، وإسوارة يد أُخرى من اللؤلؤ ...البياض يا سيّدُ البياضِ والغياب شئٌ جميل..أحلُمُ بِك بياضا ناصِعا .. ملاكا كتبتُ عنهُ ولهُ ذات يوم " روحي حالمةٌ بملاكٍ ببياضِ الطُّهرِ .. ونقاءِ الضِّياء .. و بهجةِ الرّبيع ..بملاكٍ ينتشلني مما أنا فيهِ .. و يُحلِّقُ بي حيثٌ نهوى..ملاك يستحقُّ روحي..ملاكٌ بمعنى الملاك..ملاكٌ لا يخذُل أو يتخلّى ..ملاك يبقى لي..و.. معي ..و ..بي..ملاكٌ أتهجّى معهُ الوجود.. أُخبرُ معهُ الحياةَ كما لم أُخبرها من قبل ..ملاكٌ يُنيرُ عتمة الأيّامِ ..ويُشعلُ فوانيسَ الحياة في روحي .. ملاكُ يُطيّرُ في سماواتي أمنياتِهِ .. ويحرثُ في روحي الأملَ لتُزهِر .. ملاكٍ يحنو على قلبي .. يُهدهد روحي .. ويمسحُ دمعي ..ملاكٌ يقرأُني أبجديّةً مُختلِفة .. يغمرُني لُطفا .. و طيبا .. فـ أتناثرُ ربيعا في حياتِه..أُلوِّنُ أيّامهُ .. و اُعيدُ حساباتِه.. نقرأُ الموجودات معا..نُغيّر فلسفاتنا..نبتدعُ حياة أُخرى ..ملاكٌ يرسمُني في ذاكرتِهِ مائيّة التّكوينِ .. شفّافة الرُّوح حالمةَ ..!"
      لكن يبقى أنّني حالِمة .. فكثيرةٌ هي الأشياء الّتي نحياها في الخيالِ أكثر من الواقِع وقد قلتُ يوما "البحرُ من ضمن ما أهوى .. والرّبيعُ ... والماءُ .. والرُّوحُ .. والطُّفولة..عوالِم أعشقها .. لكن ثمّة ما لانستشعرهُ فيما نهوى .. فـ الرّبيعُ المرسومُ في خيالاتي شئٌ لا مثيلَ لهُ في الرُّوح هو من ضمن العوالِم الّتي استشعرها دونما إيجاد شبيه .. مثلهُ مثل الرُّوح الّتي اعشقُ ... ولا وجود لها ... اممممممممم هي أشبهُ بالسّفرِ الأثيري...شئٌ هُلاميٌّ تُحيطهُ هالاتٌ من الغُموضِ كلّما فكّرتُ في فكِّ شفرتِه.. عالمٌ أشبه بما وصفهُ واسيني الأعرج في ( طوق الياسمين) .. أو فلأقُل هو شئٌ يجعلُ الرُّوح تتحرّرُ من معقلِها... وتنسلُّ من بين الضُّلوعِ البائِسة.. فتُسافِرُ بخفّةٍ مجنونة .. حيثُ النّسيمُ العليلُ.. والحياة الّتي لا يُشبهُها إلّا حياةٌ أكادُ أُجنُّ حينما استحضرها لـ فرطِ تناغٌمِها .. و شوق روحي إليها ...شئٌ جميلٌ لكنّهُ مجهول .. شئٌ يُضفي على الرُّوحِ عذوبةٌ فيجعلُها تتصعّدُ...شعورٌ جميل لكنّه باتَ يُثقلني .. وبتُّ لا أودُّ حتى استحضارِه.. فـ الواقِع دوما مُختلِف ونحنُ نحيا في " زمنٍ بائِسٍ يسرُقُ الأحلام .. و يوأدُ الأمنيات في رحمِ الخيال..زمنٌ يلفظُ الحُبَّ كما يلفظُ البحرالجُثث .. زمنٌ لا يعرفُ التّضحية في ظلِّ قوانين مجتمعٍ غريب.. "ويبقى أنّ الرُّوح تحلُم مع يقينها أن لا وجود لمثلِ هذا.. هو هروبٌ يجعل الرُّوح تنتشي..وقد يكون " تخديرا" لها لـ تستمرَّ بـ ألقِها وجمالِها ..فـ طاقة روحي أجزُم أنّها تستمدها من مثلِ هذِه الأحلام الّتي تصقلها وترتقي بِها...
      9:01 صباح الشّمس
      تتجاهل هذِه المرّة التّذييل ، وتعجبُ لحُلمِ روحِها آنذاك ، ربّااه كيف تغيّرت.. كيف طمرت تِلك الرُّوح ، كيف تغرّبت عن ذاتِها...؟
      كانت أقرب لروحِها ، كيف غيّر أحمد وما صاحب وجودهُ ورحيلهُ روحها ، كيف أنّها غدت مشوّهة الرُّوح والفِكر ، كيف أنّها لم تعتنِ بروحٍ كانت شيئا غير ما هي عليهِ الآن...؟..
      تحسّرت كثيرا.. في وقتٍ لم يكُن في روحِها مجالٌ للحسرةِ أكثر ..يُخالجها النّدم على إهمالِ روحِها ، وبنفسٍ مُتجاهِل تُقلِّب الورقة ؛لتقرأ :
      سيّد الغياب ...
      بي رغبةٌ لـ الكتابةِ عن شئٍ يسرقُني منِّي لـ استيقظ في صحراء الوجع..أهو الحنينُ.. أم الشّوق ..؟!
      أم أنّ ثمّة تغيّر فسيولوجي يُثير كلّ هذا القرف في المِزاج ..؟!
      الحياة يا سيّد الغياب مدرسةٌ كُبرى .. كلّنا يتعلّمُ فيها بطريقتِه الخاصّة .. أنا تعلّمتُ فيما عشتُ الكثير.. من مجلس العائِلة المتنوِّع ...ومن الأصدقاء .. ومن الكُتب الكثير .. تعلّمتُ وتعلّمتُ ومازلتُ أتعلّم .. لكن هل تعلم أنّ ثمّة مواقِف تمرُّ عليّ لا أستفيد من خبراتي السّابقة .. ولا من كلِّ ما تعلّمته..؟... أهي حماقة .. أم تهوّر ... أم أنّني ممن يؤمنُ بـ أنّ لا شئ يُشبهُ شئ..؟!
      سيّد الغياب ..
      توقّفتُ عن الكتابةِ لك.. خوفي من أتعلّق بِك أكثر .. أتعلّق بـ سيِّدٍ رسمتهُ ذاكرتي الحالِمة ..لكنّني عدتُ أكتبُ لك.. فقد تُشفي الكِتابة جُرحا غائِرا.. قد تُحاولُ لملمة شظايا قلبٍ تهشّم.. قد تفعل الكِتابة الكثير ..
      أيا سيِّدا لا يُقلقني غيابه.. موقنةٌ أنّك لي .. فـ أنا صنعتُك من بناتِ أفكاري سيّدا كما شِئت لك ..تمتطي صهوة الحُلمِ ..تعرُج لي وبتعاويذِ الطُّهر تلتقيني ..
      سيّدا يُحاكي النُّور..لا يُمكنُ لـ مُخيّلةِ أيِّ أُنثى أن تحتويك.. سيّدُ الغِياب والبياضِ والضِّياء ..سيّدا يقتاتُ من روحي فـ تفيضُ خيراتها أكثر ..سيّدا صُنِع عرش قصر القلبِ لهُ .. فلا يليقُ بغيرِه مهما مكثوا..سيّدا يخرُجُ من أحلامي ليمثُل أمامي سيّدا لـ الحضورِ و الحياة..
      سيّد الغياب ..
      حقّا اشتقتُ للكتابةِ لك ..ألم أُخبرك من قبل أنّني أضع فيك يا سيّد الغياب كلّ ما أتمنى من صِفات.. مع يقيني أنّ بي من العُيوب ما يجعلك قد تضيقُ ذِرعا بي ..ثمّة أصوات يا سيّد الغياب ربيعيّة أمممممم لا أعلم كيف أصفها فقط هي ربيعيّة تُثير في الرُّوح إحساسا بالنّظارةِ والحياة... وصوتك كذلِك سيّدي ..صوتك يستمدُّ طاقتهُ الرّبيعيّة من جمالِ روحك..صوتك هو ذاك الحسُّ الملائِكي الّذي يستطيعُ في ثوانٍ الانتقال بي من جوٍّ جنائِزي إلى آخرٍ تباشيرُ الرّبيع فيهِ بادية .. فـ أنت يا سيّد الغياب مخلوقٌ استثنائيٌّ تُسافِر بي حيثُ الحياة!
      سيّد الغياب ..
      يبدو أنّني أسرفتُ كثيرا في الحديثِ عنك ..وقد تتمنّاك إحداهنّ فـ تسرقك منِّي وأنا كما تعلم امرأةٌ تفترسُها الغيرة..سـ اتوقّف عن الحديث عنك هذِه اللّيلة .. سأُكملُ ثرثرتي عنكَ بيني والظّلام والوِسادة .. فـ أنت في الخيالِ أجمل .. أولا تعلم كم من المرّات أتمنّى أن اكتبك كما اتخيّل لكنّ الحُروف عادةً ما تخذلني كما هي الفُرص في كثيرٍ من الأحيان!
      مساؤكَ يأُخذُ من ضيائِك.. وألقِك... مساؤكَ أنت سيّد الرُّوح!
      23:29 مساء الياسمين
      تُعجبُ ندى بذاكِرتها الخلّاقة ، كيف لها أن ترسُم رجُلا بهذا الجمال.. تتساءل هل انطفأت الآن تِلك الرُّوح ، وجفّت كما جفّ الحُلم بعد سنين عِجاف...أم ما زالت ينابيعُها تجري ..؟
      تسترجعُ الكثير من الإحساس ، تستدعي اللّحظات .. والأحلام ، تُخالجها رغبة عارِمة في تمثُّل تِلك اللّحظات ، لتوغِل أكثر في الحُلم مع كلِّ رسالةٍ تقرؤها.. تُقلّب بنشوى الحالِم الورقة لتقرأ :
      سيّد الغياب...
      ألا تعلم كم أنّ روحي بحاجة لـ وجودِك الآن..؟..مع أنّني اُصدقك القول بـ أنّني كرهتُ "البشر" جميعا ..بـ نسائِهم و رجالِهم .. كرهتهم ..أُريدُ روحك تقفُ لـ جانبي .. أُريدُك فقط أن تسمعني وتخفِّف عنِّي حملا ثقيلا بات يُثقِلُ كاهِلي .. لا تلمني أنِّي مُسرِفةٌ في تفكيري بالأمر .. لكنّني لم أتوقّع كلّ ما يحدُث .. سيِّدي وربِّي أنِّي بحاجة لـ وجودِ روحك معي روحك الصّديقة الّتي يجمعني بها الطُّهرُ و النّقاء ..
      روحي واهِنة .. متعبةٌ يا سيِّدي كلّما فكرتُ بالأمر اشعرُ بـ أنّ الدُّموع تخنقني ..نعم لا شئ يستحق .. لكنّني ما كنتُ أتوقّع أن تكون الحياة هكذا.. أحقّا نظرتي ساذجة..؟.. أحقّا أنا نشازٌ عندما أولي اهتمامي الكبير بـ الرُّوح..؟.. الأمور المادِّيّة والحسِّيَّة طغت..يا سيِّدي .. متعبةٌ حدّ تمنِّي نومة أهل الكهف لأنّ نومي أصبح جحيميّا ..متعبةٌ حدَّ اللّا حد.. بتُّ أهربُ من التّفكيرِ حتّى في الرُّوح .. ما أسوأ أن تعيش ما أعيشه ..مشكلتي تكمنُ في نظرتي للأشياء .. و ظنُّي أنّ الكُل سـ يأخذُ الأمور بمنظوري ..

      لا شئ آخر .. اليوم يمرُّ وأنا في ساعاتٍ كثيرة لا أُطيقُ شيئا .. ولا أُطيقُ أحدا ..يُراودني شعور أنّني لن أجد من يفهمني .. تعبتُ حقّا من كلِّ شئ .. استطيع أن اُغيِّر من نفسيتي إن كان الأمرُ يعنيني فـ أغلبُ وساوسي وهواجسي تخصُّ قلبي "الطّيِّب" لكن عندما يكونُ الهمُّ همّ أحدِهم .. حينها أنّى لي أن ارتاح..؟!
      تعبتُ يا سيّد الغِياب..فقط لو يمضي العالم كلّه .. و أقفُ فقط لحظات وحدي أصمُّ آذاني لـ الموجودات ..وأعيشُ لـ روحي..فـ هي أولى من كلِّ هؤلاء...تعبتُ يا سيِّدي .. وعتمةٌ مُخيفة تسكنني .. و ظلامٌ دامِسٌ يُغلِّفُ صُبحي ..حتى عقد اللؤلؤ حاولتُ نزعهُ من عنقي ..بودِّي لو ابتسم .. لكن كلّ ابتساماتي باهِتة .. آهٍ يا سيِّدي لو تعلّم كم أنا بحاجة إلى متنفّس يعبرُ لـ روحي ..مع ثقتي الآن أنّك من المُستحيلات..
      كتبتُ إليكَ يا سيّد المستحيل فقط لإيماني أنّ الكِتابة _ بالنسبةِ لي_ تُنفِّسُ بعضا من كُربي ..روحي تتمرّغُ في رملِ العذاب مُعفّرةٌ بالضِّيقِ والقلق..فقط أرفعُ يدي لـ من تقدّس أرجوه أن يُخفِّف على روحي كلّ هذا الوجع الّذي يفوق الموقِف ويفوقُ احتمالَ جسدي..
      وربِّي تعبت!
      تُصبح على اطمئنان سيّد الغِياب
      22:16 مساء الماء
      تشعرُ بالاختناقِ ما أن تُنهي قِراءة تِلك الرِّسالة ، أيُّ قُدرةٍ على ذِهنها لاستدعاءِ تِلك اللّحظات ، كيف لذاكرتِها أن تتذكّر جيّدا الأحداث ، وهي الّتي حاولت فيها واستعصت..تؤمن أنّ ما كُتِبَ بحُرقة تخلِّده الذّاكِرة كما كان ، فأحداثُ تِلك الليلة تمثّلت أمامها لكأنّها واقِع !
      تتجاهل الكثير من الرّسائِل الّتي تخصُّ تِلك الأحداث ، وتِلك الفترة ، فلا طاقة لها بمزيدٍ من الأوجاع الآن.. لا تُريدُ تذكُّر القرف الّذي كان ، توقّعت أن تكون روحها قد تعدّت تِلك المرحلة لكنّها على ما يبدو بالفعل أهملت روحها ، وألتهت بالماديّات!
      استوقفتها رسالةٌ كتبتها تدوِّنُ فيها أقسى فترات حياتِها بعد رحيلِ وليد ، فترة المرض الّتي أسلمتها للفِراش ، تقرأ :
      سيّد الغياب..
      كم مضى منذُ أن تركت لك رسالتي الأخيرة...؟..ياااه مضى الكثير سيِّدي .. مرّت عليّ أيّامٌ سيِّد البياض كانت من أحلكِ أيّام حياتي .. وحتّى البارِحة كنتُ أُفكِّر في الموت .. كنتُ أتأمّلُ سقف غُرفتي بمزيدٍ من الأُمنيات...كلّ شئٍ باتَ مُختلِفا..كلّ شئ..ثمّة فراغاتٍ أراها بين كلِّ الموجودات حولي.. هل يا تُرى القادِم مُعتم..أخبرني سيّد الغياب؟!
      سيِّد الغياب...
      نعمةٌ هم الأصدقاء أمثال من أملُك..لكنّ وجودك يا سيِّدي أجزم أنّ لهُ طعما مُختلِفا..أمممممم سيِّدي .. هل تذكُر.. كنتُ قد رسمتُكَ مجنونا يُمطرني بالرّسائِلِ الطّويلة المعبِّرة..ياااه كم أعشق الكِتابة..وكم أعشق نميمة الحُروف..!
      أوتعلم سيِّدي يُقلقني القادِم.. يُقلقني أنّ ثمّة خيارات محدودة.. وأنّني قد أتنازل عن الكثير .. يُقلقني يا سيِّد الغياب غيابُك.. أخشى أنّني لن أنتظرك كثيرا.. فعلى ما يبدو أنّك يا سيّد الغياب سيّد المُستحيلات.. هل يا تُرى تستطيع العيش مع كائِنٍ كـ أنا..؟..كائِنٌ يفنى من أجل الآخر .. كالشّمعِ يذوب لـ يُضئ .. لكنّه في المُقابِلِ يقسو يجرح يتحوّل لـ كائِنٍ شرِس عندما يتعلّق بالآخر ويلمس جُحودا...كائِنٌ يجمع المُتناقِضات..يُقدِّسُ الوقت ..ويُدينُ بالكلِمة.. كائِنٌ هشٌّ جدّا.. من كلِمة ينهار..لكنّهُ يتصنّع القوّة.. فـ يبدو ما هو عليهِ من شموخٍ و آنفة...كائِنٌ متمرِّدٌ..يغضُّ الطّرف كثيرا عن مساوئ الدُّنيا ليحتفظ بالنّقاء..كائِنٌ لا يُمكن التّنبؤ حيال ردّات فِعلِه..أخشى أنّك سـ تتعب.. فـ ما يُرضي اليوم قد يُسخط غدا..سيِّد الغياب.. هل تستطيع..؟.
      لا أملك ما أبوح بِه لك هنا..فقط سئِمتُ الحياة..حتّى الأحلام ما عادت تنصاعُ لي.. فأحلامُ المنامِ " كوابيس" وأحلامُ اليقظةِ قلقٌ من ضغطِ القادِم..ياااه لو كان بالإمكان أن أقتطع جزءا من عُمري .. إن كان ليس بالإمكان الإبتعاد .. فـ أنا أطمح في نومةِ أهل الكهفِ .. ومنها أعيشُ حياةً مفرّغةً من الضُّغوطات الّتي تُثقل روحي..أطيرُ كملاكٍ أبيضٍ على شاطئٍ أزرق..أحطُّ على الرِّمال.. أُداعِبُ الأمواج.. أنسى كلّ شئ.. أركضُ كثيرا.. و أقفزُ أكثر..أتحرّر.. أكون كما أتمنى في الأحلام...يااااه سيّد الغياب.. هل ستكون الجنّة كذلِك...؟...هل سـ أركضُ في الجنّة على الرِّمال.. وسـ يُداعبُ الهواء شعري.. وأدخُل لـ البحرِ كـ طفلة...؟.. هل سـ أبني قصرا على الرِّمال.. و أجمعُ الأصداف كـ كلِّ الأطفال...أمممممممم لكنّني لم أعتد ذلِك في الحقيقة.. أعتدتُ أمام البحر .. الهيام فيهِ ..الوقوفُ بقُدسيّة. والحديث معه كـ هائِم... يااااااه لو أنّ في الجنّة كلّ هذا...ولو كنتَ معي كما رسمتُك...ياااااه... سـ أتوقُ حقّا لها...!
      أوووه سيّد الغياب...تعبتُ حقّا... أعذرني سـ أبتر رسالتي لك...
      23:21 مساء الياسمين
      تبتسمُ ندى لسذاجةِ أحلامِها الّتي كانت ، ما أصفى روحها .. وما أبسط أحلامِها ...تتراجع قليلا.. تنكسرُ الابتسامةُ على شفاهِها ..تُفكِّر هل حقّا أحلامِها كانت ساذِجة ...تهزُّ رأسها نافيةً السّذاجة ، مؤكِّدة الاستحالة ... أحلامُها كانت مُستحيلة.. لا يوجدُ سيِّدٌ كالّذي رسمت ألبتّة...لا يوجدُ رجُل بالنّقاء الّذي خلقتهُ هي!
      تُقلِّبُ الورقة .. لتقرأ جُملةً تتواطئ مع تفكيرها :
      سيِّد الغياب .. أتُراك وهما ... أتُراني أظلمُ نفسي بِك...؟!
      مساءاتُ الحبِّ سيّد الغياب..يبدو أنّني اشتقتُ إليكَ كثيرا. .سيّد البياض..عالمي المُختلِف.. ..لا أعلم ما الّذي يحدُث يبدو أنّك أصبحت "تميمة" لـ قلبي ، فلا يُمكنهُ تقبُّل غيرك ..منذُ أن رسمتُكَ ها هُنا .. وأنا أرفض دونما مُبرِّر.. أخشى أنّني وصلتُ لـ المرحلةِ الّتي حُذِّرت منها

      المصدر : مدونة بدرية العامري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions