الجُزء الأخير من بوحٍ لن يكتمل ...[.......] - جديد بدرية العامري

    • الجُزء الأخير من بوحٍ لن يكتمل ...[.......] - جديد بدرية العامري


      تُحاولُ ندى أن تبتعد عن الذِّكرى الأمر في حياتِها ، الذِّكرى الّتي أتلفتها ، وجعلت منها كائِنا مُفرّغا من الإنسانيّةِ ومن كلِّ شئ ..كائِنا ممسوخ..لا يلوي على شئ!
      أحمد..ذلِك الحُلمُ الّذي سبح بها بسُرعةٍ ضوئيّة عابِرا سماوات الجِنانِ..محلِّقا بِها إلى فراديس الحياة ،اصطدم بقدرِ سُرعتِهِ بالواقِع.. فـ انفجر!
      تُحاوِلُ أن تطرُد ذِكرى أحمد ، فتُقلِّبُ الأوراق ..مُتجهةً لأوراقِها الدِّراسيّة .. تصطدِمُ بوليد..ترمي بالأوراق ؛ لتعود إلى مخدعِها كارِهةً ما آل إليهِ حالها!

      تتذكّر عزيمتها على مواجهة الماضي ..تُساءِلُ نفسها .. تُدرِكُ أنّها أضعف من أن تحتمِل ثِقل الماضي .. لكنّها تقومُ لدُرجٍ جانبي.. تفتحهُ ..تستخرِج ورقة "طلاقِها" !

      تبتلعُ غصّةً بدأت تخنُقها ..لا تودُّ أن تبكي أكثر هذِه الليلة ، تودُّ أن تحسِم معركتها بهُدوءٍ واتّزانٍ، تُدرِكُ الآن أنّها إذا ما استدعت الماضي للحاضِر ، وواجهتهُ بما هي عليهِ الآن من أفكارٍ ، ومستجدّات فبلا شك ستنتصر عليه ، أمّا إن ذهبت هي للماضي ، وتخلّت عن حاضِرها وما كسبته..فالمعركةُ ستكون محسومة للماضي !
      ترفعُ رأسها باتِّجاهِ السّاعة ..ربّاه إنّها الثّالِثة إلّا دقائِق.. كم من السّاعاتِ مضى منذُ أفقت من حمّاي..؟
      تتذكّر أنّها على هذا الحال منذُ الحادية عشرمساءً!


      مُطلّقة!
      أبشعُ وصفٍ وُصفت بِهِ منذُ أن خُلقت ... لم تكُن بكامِل قواها العقليّة حالما فكّرت بالطّلاق ، وخطّطت لهُ.. تشعرُ بالنّدمِ في اليومِ ألف مرّة ..ليتها كانت أعقل!
      هكذا مرّ ذلِك الخاطِر عليها.
      يتلبّسها النّدم.. كيف لم تُفكِّر جيِّدا قبل كلّ ما أقدمت عليه ، تتأكّد أنّها لم تكُن تنظُر أبعد من أنفِها ، تُقرِّع نفسها ، وتقسو في جلدِ ذاتِها !
      مطلّقة أي فقدت ذلِك الجدار الّي يحميها من الرّذيلة ، ويُبعدها عن الشُّبهات .. مُطلّقة عاهِر يصعُب إثبات طُهرها..مطلّقة ما أسهل أن تُكال لها التُّهم ، وما أسهل إثباتها!

      كيف لم تُفكّر أنّ ذلِك الجدار كان يحميها ، ويمنح لها مزيدا من الحُريّة... لم يكُن يُقيّدها كما قرأت.. كان يمنحها حُريّةً مؤقّتة .. ففور ما يُكتشف أنّه اُستبيح ساعتها ستُنحر بلا شك.. وإن لم يُصرّح بذلِك التّهديد فهي تُدركهُ تماما ، وكان نصب عينِها!
      الآن فقط أدركت فائِدته.. بعدما قُيّدت لمجرد أنّه اُستبيح!
      تنظُرُ للسّقفِ كمن يستجدي شيئا ما ، تُغمضُ عينان فاضتا بالدُّموع ، تتناولُ دفترها المركونُ منذُ فترة في أعلى المكتبة!
      دوّنت في دفترِها ذاك ، بعض ما تقرأ ..مما يتناسب وحالتِها ..وبعض ما تبادلتهُ في حواراتٍ هاتفيّةٍ أو رسائِلَ نصيّة !
      تتناولُ الدّفتر ، لكنّها لا تفتحهُ تركنهُ لجانبِها ..شارِدةً بفكرِها إلى ما قبلِ أحمد ، وما بعدَ وليد !
      وليد رحلَ مخلِّفا تلفا روحيّا وتصدُّعاتٍ استطاعت تجاوزها ظاهريّا بعد زمنٍ ظنّته لن ينتهي ..أحمد إعصارٌ وزلازل.. لم يُبقِ على شئٍ فيها!
      رحيلهُ أتلفها..أتلفَ روحها .. وجسدها ، وفِكرها... قيّد حرِّيتها !
      تلعنُ الموجودات حولها نادِمةً تُتمتم : ليتك لم تدخُل حياتي يا أحمد.. ليتني لم أتحامق ، ليتني عالجتُ الأمور بعقلانيّةٍ أكبر ، وسايرتُ أُمّك !
      منذُ البِدء ندى متمرِّدة ، ومنذُ البدء كان ثمّة ما يُقصقصُ أجنحة تمرُّدها ..بدءً بالأهلِ ..انتهاءً بقيدِ الطّلاق!
      بعد وليد .. تمرّدت ندى .. انفلتت من مداراتِ المُجتمع..حرّرت فِكرها أكثر مما كان عليه..نقمتها على الرّجل والمُجتمع دفعا بِها للتمرُّدِ غيرِ المدروس ، لم تُطق الرِّجال بعد وليد ، كانت تُشيّدُ الحواجِز بينها وعوالِم الرّجل ، كفرت بكلِّ شئ .. انتقمت من الرّجل والمُجتمع .. وحتّى من الله!
      كان تشعرُ أنّ الله خذلها ..هي الّتي كانت لا تُفوّتُ فرضا أو نافِلةً ليرضى عنها الرّب ، ويُحقِّق أُمنياتها ..كيف بِهِ يرمي كلّ تلك التّوسلات .. ويُسلمها لليأسِ..؟
      أهذا هو العدل الّذي تسمّى بِه...؟
      تمرّدت على أيِّ أمرٍ لا يُناسِبها ويفرضهُ الرّب ، لم تكُن تكترِث بأيِّ شئ .. لكنّها لم تتخلّى عن صلاتِها ليس اقتناعا بقدرِ خوفِها من أن تقطع كلّ الصّلات الّتي كانت قد تُعيدها إلى كنفِ الله!
      تتنفّسُ بعُمقِ اليائِسِ ..طارِدةً الأحاسيس الّتي تتزامن مع استقرائِها لوضعِها .. هي المرأةُ العائِمة الآن!
      في أسوأ حالاتِها.. في أسوأ علاقاتِها .. في أسوأ وضعٍ يُمكن أن يكون لامرأةٍ شرقيّةً متمرِّدةٍ!
      علاقتها بربِّها متوتِّرةٌ تماما .. علاقتِها بمن حولِها كذلِك إلّا من رحِم ربِّي أو من جاملتهُ خشية العزلةِ!
      علاقتِها مع نفسِها أسوأ عِلاقة!
      تتذكّر ما وجّهه أحد الأطباء النّفسانيين ذات يومٍ في إحدى المجلّات ردّا على تساؤُلٍ يُشبهُ بعض ما تُعانيه.. تتساءل .. هل حقّا ثمّة جُزء من ذاتِها يودُّ إنزال العِقابِ بالجُزءِ الآخر ..؟..
      هل حقّا ثمّة جُزء يتربّص بالآخر ، ويُريد تدميره...؟
      ربّاه.. أحقّا هي لم تتصالح مع نفسِها بعد..؟..
      تزفرُ نفسا عميقا.. يُتعبها التّفكير..لكنّها تتذكّر رغبتها.. تتذكّر أنّها دائِما كانت تهرُب ما أن تصل إلى المُنتصف تتوقّف.. ويبدو أنْ آن الآوان لاستعادةِ نفسِها!
      الحُمّى الّتي تلبّستها لأسبوع.. كانت بعد رفضِ أخيها لفكرةِ سفرِها للدِّراسةِ..إذ ضاق الوجودُ عليها ، تذكُر فِكرة زيارة الطّبيب النّفسي الّتي تُراودها دوما ، وتسخرُ منها..مُفتعِلةً القوّة .. أهي مجنونة لتُراجع طبيب المجانين..؟!
      لكنّها بعد حينٍ .. شعرت أنّها حقّا بحاجة لزيارةِ طبيبٍ نفسي..بحثت ولم يطُل بحثها .. أخذت موعِدا مع الطّبيب ، وثلاث جلسات فقط من نبشِ الماضي أسلمتها لتِلك الحمّى!
      تذكُرُ أن طبيبها أرسل لها مُستفسِرا عن عدم إلتزامِها بالجلسةِ الرّابِعة ، وحالما أخبرته أنّ الحمّى تتلبّسها ، وساعات إغفاءتِها أكثر من إفاقتِها .. فضّل أن تتوقّف إذن عن نبشِ الماضي..ونصحها بالتراجع عن مواجهة نفسِها قليلا.. بدا لهُ أنّ داخِلها صِراعٌ محتدِم أسلمها للحمّى ، فإيذاءهُ لها لهذا الحد يعني أنّها لم تُشفَ قط منه بل ربّما هي تهرُب منه ، ويبدو أنّها أولى المُكاشفات الحقيقيّة !
      تذكّرت طبيبها ، وكيف أنّه بالإمكان أن تُعالج نفسها بنفسِها .. فهي تملُك الكثير من الأدوات ..أصبح عزمها على مواجهة الماضي أكبر ، وراحت تستدعي الذِكرى الأمر الّتي تُحاول تجاهلها ، والّتي قصمت ظهرَ الصّبرِ في روحِها!
      طردت الذِّكرى السّيئة الّتي فصلتها عن أحمد ، وحاولت أن تستدعى أولى اللحظات الجميلة بينهما ،تذكّرت لحظة باغتها ذات يومٍ ذلِكَ المسكونُ بالصّمتِ بتحيّةٍ خجلى ..وكيف حيّته كما يليقُ بالصّامتين..بادرها بسؤالٍ عن واسيني الأعرج!
      تُزاحمها مشاعِر شتّى ..بين الحنقِ على أحمد ، والحنينِ له.. أحمد الّذي أمطرها حبّا ووردا وشِعرا!
      أحمد الّذي احتواها إلى آخرِ دمعة!
      أحمد الممتلئ بِها حدّ الجنون ..كيف خسرتهُ لمجرّدِ كبرياء وعِناد ، كيف لم تتفهّم له!
      أحمد.. الحُلم الجميل الّذي لم يستطع للواقعِ احتمالِ بهجة ألوانِه.. أحمد الطّيِّب الّذي أغوتهُ النِّساء!
      بين أُمِّه وزوجِه كان أحمد في صِراع ، أينما وجّه وجههُ يجدُ الصّلادة!
      أُمّه الّتي لم تستسِغ أفكار ندى ، وترفُّعِها عن مُجالستهن ، أو تجمُّعاتهن.. وهُم العائِلةُ العريقةُ المُتجذِرة!
      ندى الّتي لم تكُن تكترِث بحكايا النِّساءِ ومجالسهن ، والّتي تُثقلها تِلك الجلسات الفارِغة ، وتلك البهارِج الخاوية ، تُحاول قدر المُستطاع إيجاد أيّ سببٍ يمنعها من تلبية دعوةِ عمّتِها [أُم أحمد] ...
      أحمد الّذي لم يكُن يستطع إجبار ندى على حضورِ تِلك المجالِس ، فوعودهُ لها تُقيّده ، وحبِّه يمنعهُ من إجبارِها ، لكنّ حديث أُمِّه الدّائِم ..وإلحاحِها المُستمر ، وتقريعها له.. يُحرجه!
      أُم أحمد ترى في ندى ترفُّعٍ من نوعٍ غريب..يستفزّها جدّا أن تخرُج إحدى بناتِها أو زوجاتِ أبنائِها عن طاعتِها ، ترى في تِلك التجمُّعات أُبّهةٍ اجتماعيّةٍ تزيدُ من مكانةِ العائِلة ، وهذِه الـ نّدى تكسُرُ هيبتها بالمُخالفةِ ، وتُضيّع وقتها في سهراتٍ لا تظنُّ أنّها ذات فائِدة ، بل تجلُبُ السُّمعة السّيئة لأحمد ، إذ كيف تعودُ زوجتهُ بعد العاشِرةِ مساءً وحدها!

      تُحاولُ ندى أن تطرُدَ أُم أحمد من ذاكِرتها تِلك اللّحظة ، فقد تذكّرت ما جمعها بأحمد ، وأرادت أن تنعم بتِلك اللحظات!
      حاولت جرّ الذِّكرى ، لكنّها على ما يبدو أهالت عليها الكثير من المشاعِر الحانِقة ، فكان الاستدعاءُ مُضنيا..!
      تُحاول تذكُّر البِدايات بصعوبة ، وكـ صوتٍ من أعماقٍ سحيقة يأتي ، بعدما اصطدم بالجِبالِ ، والأشجار... مبحوحا مكسورا يأتي!
      تذكّرت فعاليّة ذلِك المساء على شرفِ كتاباتِ واسيني الأعرج وتجرُبتِهِ الأدبيّة..
      تذكّرت وهي المسكونة بأدبِ واسيني الأعرج ، المعروفة بهوسِها بلغتِه..ملامِح أحمد وهو يُبادرها بسؤالٍ عفويٍّ يحمِلُ تعطُّشا عن معرفةِ واسيني الأعرج..
      تُخالِجها مشاعِرُ الارتياح حيال أحمد فجأة.. أيكون لاقتران ذِكرهِ بالأعرج..؟
      تذكُرُ أنّهم كانوا بين جمعٍ من الأصدقاء ، وحوارات تتشعّبُ وتتعالى الأصوات، لم يُرحها الجوُّ تماما ..إذ كيف ستحكي عن أديبها المُبجّل وسط تِلك الفوضى ..أجابتهُ بعفويّتِها المعروفة:
      *كيف يُمكن لي أن أحكي لك عن أديبٍ كواسيني الأعرج ، في فوضى كهذِهِ.. ونحنُ وقوف.. ؟..
      يعودُ لها وجهُ أحمد..وتتضحُ رؤيا تِلك اللّحظة بعدما فرغت روحها من مشاعِر الحنقِ والغضبِ والكُره.. تتمثّل لها تِلك اللحظات، فينقشعُ الضّباب ، ويعودُ الفيلمُ السّينمائي ينعرضُ ثالِثةً بعدما عرضهُ القدر في الأولى ، والحُمّى في الحُلم ، والآن الذِّكرى في اليقظة!
      تذكُرُ كيف لملم أحمد ملامِح الخجل.. و دعاها لركنٍ قصيٍّ هادِئ..هي المسكونة بأدبِ واسيني الأعرج .. لا تحتاجُ لأسئِلةٍ تُجيب عليها.. أخرجت ما في روحها دُفعةً واحِدة..وبلهفةِ عاشِق سردت أدبه ، وما قيلَ عنه!
      تذكرُ التّفاصيل.. تذكرُ البدايات الّتي انطبعت في الرُّوح.. فما ينطبعُ في الرُوح يصعبُ محوِه...تذكرُ صوت أحمد الرّبيعي الّذي سرد لها حالهُ ليصل لقلبِها.. تذكرُ كلّ ذلِكَ دُفعةً واحِدة!
      بعدما عادت من الجلسة الأدبيّة.. وصلتها رِسالةٌ نصيّة من أحدِ الأصدقاء ، يُزوِّدها ببريدِ أحمد ، ورغبتِهِ ببعضِ الأوراق الّتي أعدتها عن واسيني الأعرج!
      لم تُهمل ندى الأمر ، بعثت لهُ بعض ما عندها ، وسريعا ردّ عليها بالشُّكرِ والإعجابِ بما قدّمت!
      لم تكُن ندى تتوقّع أنّ واسيني الأعرج الأديب الّذي يكتُبُ بحروفٍ تأسرها سيكونُ جِسر عبورٍ لميلادِ نبضٍ جديد!
      أحمد الّذي دخلَ عالم ندى كمهتمٍّ بكتاباتِ واسيني ..لم تتوقّف رسائِلِه البريديّة..تعمّد فتح أبوابٍ شتّى يُدرِكُ أنّ فضول ندى سيجرُّها للدّاخِلِ.. تواصلت رسائِلهُ بدءً بواسيني الأعرج.. موغِلا في عالمِه .. مستفزّا ندى لتحكي عنهُ.. متنقِّلا بخفّةٍ لا متناهية لكتاباتِ ندى .. ومتابعتِهِ لها... إلى أن وصلَ إلى عرضِ كتاباتِهِ عليها..
      توالت الرّسائِل.. تبادلت ندى معهُ الأفكار .. والمُلاحظات..تعجّبت من فِكرِه.. وهو الدّائِمُ الصّمتِ في كلِّ جلسةٍ ثقافيّةٍ..
      تتذكّر ندى خطاباتهُ لسيِّدته ، تِلك الخطابات الّتي ملأ بِها بريدها..أعجبتها جدّا لُغته .. هي المسكونة باللُّغة ، المجنونة بالمُفردةِ ، المفتونةُ بالشِّعر!
      تذكر الرّسائِل الّتي تبادلاها بالبريدِ يتناقشونَ في الأدبِ .. والكتابةِ .. والحُلمِ..!
      تذكُر جرأته..تستدعي تِلك اللّحظات الّتي علاها غُبارُ النِّسيان..تنتشِلُها بصعوبةِ من بين خيوطِ الغضبِ والحنق الّتي سيطرت على ذِكرى أحمد!
      تذكُر بضبابيّةٍ موجِعة ذلِك اللِّقاء الّذي أدهشها فيهِ ..سلّمها ملفّا مليئا بالأوراق..لم تسألهُ عمّا يحوي.. شكرتهُ.. وأخذت الملف.. ما أن تصفّحتهُ حتّى وجدت كلّ رسائِلِه لسيّدته الّتي كتب لها .. مجموعةً في ذلِكَ الملف.. لم تفهم لمَ... لكن ما أن وصلت لآخِرِ صفحةٍ في الملف.. حتّى فُجعت!
      كانت هي السّيدة الّتي يكتُب لها أحمد...لم تستوعِب ندى ذلِك.. انقطعت فجأة عن التّواصُلِ معه..توالت رسائِله البريديّة لها مستفقِدةً ردودها.. ومعتذِرة عمّا بدر منه..هي في عالمِها تتلبّسها حمى الصّدمةِ.. لكأنّها لم تُجرِّب الحُبّ من قبل..!
      تعيشُ تِلك اللحظات...تعيشُ دهشتها بما قرأت عن سيِّدته.. لم يخطُر ببالِها أبدا أن تكون هي المقصودة.. فقد آمنت أنّ قلبها ما عادَ يصلُحُ لشئ.. فتوقّفت عن أحلامِ الحُبِّ.. تتلبّسها الحيرة ..
      أكلُّ ما كانت تقرأ كُتِبَ لها..؟..
      تُغمضُ عينيها كمن يُحاولُ التّشبّث باللّحظة كيلا تهرب..تتذكّر بعضا من جنون الحبِّ في نصوصِه الّتي أدهشتها ، وكيف أنّه فضح في نُصوصِه تلصًّصه لأحلامِها!
      توجِعُها الذِّكرى .. وكغيمٍ يبدأُ بالتكثُّفِ .. تتوافدُ ، لتُدخِلها في عُمقِ اللّحظات!
      تتجاهل كومة الأوراق التي أرسل ، تُحاول جاهِدةً أن لا تقترِب منها ،تذكُر في إحدى نصوصه كم ردّد أنّهُ منذُ زمنٍ كان يحلُم بِها .. ويُتعبهُ ما هي عليهِ من حيرةٍ .. يتمنّى لو يستطيع أن يصل لقلبِها ..حينها نذر أن يفرش روحه لـ خُطاها.. يتبعُ ظلّها.. يتلصّصُ على أحلامِها .. يُسائِلُها عن آمالِها .. يُحاولُ كثيرا قولبت نفسِهِ لتلتفِت إليه.. ييأس .. يتراجع.. ثمّ يعودُ ممتلئا أملا أنّه سـ يحظى بِها ذات ذات.. يؤمنُ بحُلمِه..
      أبهرها أنّهُ يتحامل على نفسِهِ لأجلِها .. وهي اللا مُبالية واللاملتفِتة .. واللامُدرِكة... ألهذا الحدّ وصل بِها جمود القلب..؟
      ..تتماهى الأشياءُ في ذهنِها .. تتداخلُ الحيوات .. فـ لا يغدو لأيِّ شئٍ طعمٌ أو معنى!
      تستفيقُ من رحلتِها تِلك.. ترنو للسّقفِ بدمعٍ غزير..تساءلُ ربّها إلامَ كلّ هذا التّعذيب...؟.. أخلقتنا لتتلاعب بِنا الأحزان يا ربّ...؟
      سنين حاولتُ أن أتمثّل أوامِرك مثلما يدّعون ..فلم تهبني ما طلبت!
      وسنين تمرّدتُ على أوامِركَ .. فما شُفي غليلي مما حُرمت!
      أيارب.. أما يكفيني..؟
      يُرهقها أن لا شئ ينطبِعُ على روحها .. يُرهقها أن كلّ الأعراف لا تُناسِبُها ، وأن كُلّ من عرفت لا يتّفقون معها!
      في تمرُّدها وخنوعِها لم تجد الرّاحة ، سماؤها على الدّوامِ ملبّدة ..مع وليد كانت خانِعةً مُستسلِمةً رُغم التّمرُّد ..فما أجدى ذلِكَ شيئا!
      مع أحمد .. كانت ثائِرةً متمرِّدة رغم الخُنوع الدّاخِلي .. وما أجدى ذلِك شيئا!
      مع أهلِها كانت مُطيعةً مُستسلمة .. فأُذيبت شخصيّتها ، ومع أهلِ أحمد كانت عنجهيّةً تحيا لنفسِها ..فخسرت مُستقبلها!
      لم تكُن في يومٍ مُعتدِلة .. كانت تذهب لأقصى اليمين أو لأقصى اليسارِ في كلِّ حالاتِها ، كانت متطرِّفةً لا ترضى بالوسطيّةِ والاعتِدال!
      تُرتِبُ أفكارها.. تضحكُ من نفسِها على نفسِها ، كثيرا ما كتبت نصائِح.. وكثيرا ما سردت نصائِح .. ليتها تستفيدُ منها!
      لم تفهم نفسها أبدا .. فما فهمها من حولها !
      لم تُحاول أن تستوعِب تمرُّدها اللاشعوري بعد وليد ، بل سلّمتهُ زمام القيادةِ ، فبالغ في غيِّهِ!
      تُدرك الآن أنّها لو كانت متفهِّمة لتمرُّدها لكانت حياتها أفضل ، تسترجع حواراتِها مع الطّبيبِ ، أوجعتها الحقيقة يومها ، أوجعها تصريحهُ أنّها لـ ثلاثةِ عُقود لم تكُن هي!
      ربّاه .. ثلاثة عُقود وأنا لستُ أنا..؟...
      ما أقسى ما كنتُ عليه!

      تهربُ مما أوجعها لأحمد ..تتذكّر البدايات ، كيف أحست عندما صرّح بحبّه ، كانت مترنِّحة بين هولِ الصّدمة والوفاء للماضي ..فلم تستشعِر ذلِك الإحساس الّذي أحسّتهُ لأوّل مرّة عندما انفجرَ وِجدا قلبٌ أدمنتهُ لفرطِ الأماني الجميلة .. لم تستطع بعد أن تعتق روحها من عبوديّة الماضي.. أتعبها الرّكضُ خلفَ أطيافِ الغمامِ عُمرا .. ولم تنعم بغيثِهِ أبدا !

      ينتشلها من تِلك اللّحظات صوتُ المؤذِّن.. تنتبِه للسّاعة .. كيف مرّ الوقت!
      تتجاهل صوتُ الأذان ، بعدما تُرددهُ بلا استشعار، مُعقبةً إيّاه بالدُّعاء!
      تتوقّف بعدما تنتهي من ترديد الأذانِ ودُعائِهِ في أقلّ من دقيقة ، وقبل حتّى أن يُنهي المؤذِّن من نِداءِ ( الله أكبر الله أكبر)!
      لمَ ما عادت تستشعِر هيبة الدُّعاء ..؟..
      تُتعبها هذِه الأسئِلة فتهرُبُ منها متشبِّثةً بأيِّ خاطِرٍ يُبعدها عن فِكرة التّجديف، تشعرُ أنّ كلّ شئٍ يتواطئ ليُغرقها أكثر في دوامة الضّياع حيثُ لا قرارٌ ولا مستقر ، وأنّها في حُلمٍ طال أمده!
      تشعرُ أنّ العودة لذِكرى أحمد أفضل من التّفكير في أمرِ الإيمانِ ، والتّذبذُبِ الّذي تحياه ، فلا طاقة لها بأيِّ هاجِسٍ يُحمّلها الإحساس بالذّنب ، يكفيها أنّها ما عادت تؤمِن بشئ!

      تستدعي أحمد من بين رُكام الذِّكريات ، أحمدُ البدايات ذلِك الحالِمُ جميلُ الحرفِ والقلب!
      تُحاولُ أن تعودُ لفِكرةِ استدعاءِ البدايات ، بداياتها مع أحمد .. تذكّرت كيف أتعبها اعترافهُ.. فـ انقطعت عنه ، تتذكّر أنّه حكى لها أحداث الّذي كان .. أخبرها أنّه لم يجروء على مُهاتفتِها.. وهو الّذي تلصّص على كلِّ حياتِها .. وخبر ماضيها وحاضِرها..خشي أن لا تكون قد تقبّلتهُ.. أرسل بريدهُ الأخير مُعتذِرا عن اعترافِهِ بالحبِّ.. طالِبا العفو..!
      تذكُر أنّها تحت وطأةِ الدّهشة.. دهشةُ القلبِ والحُبِّ.. عاشت أسابيع مُشتّتة.. أيُعقل أن ينبُض القلبُ بعد كلِّ تِلك السِّنين العِجاف..؟!
      أيُعقلُ أن يقودها كاتِبها المُفضّل إلى فِردوسِ الحُبِّ..؟!
      أيُعقل أنِّها من كتب لها أحمد كلّ ذلِكَ الجنون...؟!
      أيُعقل أنّها بليدةٌ وقاحِلة لدرجةِ ما استنتجت أنّها المعنيّة...؟..
      ربّاااااه.. أيُعقلُ ما يحدُث..؟
      لم تستطع ندى أن تقيس الأمر كما توقّعت .. بعقلانيّةٍ وهدوء.. فالأمرُشتّتها لدرجةِ انقطاعِها عن عوالِمَ أحبّتها.. لم تحضِر أوّل جلسةٍ أدبيّةٍ بعدما استلمت ملفُ حبِّ أحمد..
      تتذكّر ما سردهُ أحمد لها بعدما قُدِّر لحبّهِ مُباركة السّماء !
      ليلتها وحدهُ أحمد حضر بتوجُّسِ عاشِقٍ يخشى فقد حبيبِه..وكم كانت صدمتهُ موجِعة.. لم تتخلّف ندى أبدا عن الجلساتِ الأدبيّة منذُ أوّل مرّةٍ رآها فيه..وبعد سنةٍ من ذلِك..ها هي تتخلّفُ عن مجلِسها المُفضّل.. استاء أحمد كثيرا من نفسِه.. إذ كيف لهُ أن يحرِم من يُحب..بسببِ تسرُّعِه...؟
      لم يستطع أحمد يومها أن يتماسك أكثر.. فالشّوقُ.. وجلدُ الذّاتِ كان أقوى من تحمُّلِه.. وبلا وعيٍ..ضغطَ على رقمِ هاتِفها الّذي لم يستخدمهُ قط!
      وبقلبٍ يملؤهُ القلق انتظرَ أحمد صوت ندى.. إلّا أنّ آمالهُ رُدّت إليهِ خاسِئة.. فصوتُ التّسجيلِ أن " تعذّر الحصول على المُشتركِ المطلوب ، الرّجاء الاتِّصال فيما بعد" كان يرنُّ في أُذنه!
      عالج قلقهُ بالشّاي.. والقِراءةِ.. وكتابةِ ما يعتملهُ.. مُرسلا لها بريدهُ مُعتذِرا منها إذ تسبّب في تخلُّفِها عن مجلسٍ لطالما داومت على حضورِه...
      أرسل أحمد بريدهُ .. ولم يكُن يُمنِّي النّفس بردٍّ مِنها .. كان فقط يودُّ أن يعرِف ما إذا كانت بخير.. ليس إلّا..
      هواجِس شتّى توافدت لذِهنه.. ماذا لو مسّها مكروهٌ ما .. أما كان من الأجدى لو سأل عنها المقرّبين الّذين يعرفون أخبارها..؟..لم استعجلَ الرّحيل ما أن انتهى المجلِس...!

      خطر له خاطِر أن يطلُبها صباحا من هاتِفِ العمل.. علّها تردُّ عليه.. استعجل الصُّبح في الانبلاجِ.. وأضناهُ الانتِظار .. كان يعُدّ الدقائِق حتّى تصل الثّامِنة والنِّصف..وقبلها بقليلٍ داهمه أحدُ الأصدقاءِ .. وبتملُّلٍ بادٍ عليه استقبله.. لم يكُن على عادتِهِ بشوشا مرِحا.. استنكر صاحبهُ ذلِك..وسألهُ عن ربكتِهِ وتغيُّرِهِ.. فعلّل ذلِك بالأرق الّذي استحوذ عليه ليلة البارِحة .. نصحهُ صاحبهُ بالاستئذانِ ما دامَ مُتعبا ، فعملهُ يتطلّبُ انشراح بالٍ.. وعدهُ أنّهُ سيفعل ذلك إن وجد أنّهُ لن يستطيع المواصلة ..
      في حدودِ التّاسِعة إلا دقائِق.. ودّع الصّديق أحمد.. وبوجلٍ بادٍ جدّا.. ضغط أحمد على رقمِ ندى.. ويبدو أنّهُ أخطأ في أحدِ الأرقامِ.. فأتاهُ الصّوت رجاليّا ناعِسا.. أعتذر بربكةٍ باديةٍ ويأس.. راجع نفسهُ.. تردّد خشيةً من أن يرُد عليهِ الرّجل ذاتِه.. تجاهلَ كلّ تلك الهواجس .. وبثقةٍ أكبر ضغط على الأرقام!

      طويلا كان انتظارهُ هذِه المرة .. وقبل أن ييأسِ بنبضات.. جاءهُ صوت ندى حامِلا سِربَ أحلام..تلعثم أحمد.. تردّد.. خشيَ أن يُفصح عن نفسِه.. لكنّه كابَرَ ليكون واثِقا.. حيّاها مستفسِرا عن أخبارِها .. وبعدها عرّف بنفسِه.. اعتذرت لهُ أنّها منشغِلة قليلا.. وحالما تفرُغ ستتحدّث إليهِ.. أعطاها رقم هاتِفهِ الخاص.. وودّعها في انتظارِ مكالمتِها!
      انغمست ندى بكلِّها في الماضي.. عايشتهُ كأنّه اللحظة ، تذكُر أنّها ادّعت الإنشغال ، في حين أنّها لم تكُن منشغِلة ألبتّة.. بل لم تكُن في مقرِّ عملِها.. كانت قد طلبت إجازة لمدّة أُسبوع.. ذهنها في تِلك الفترة لم يكُن صافيا لأيِّ شئ..
      وفي الجهةِ الأُخرى عاشِقٌ يتحرّقُ شوقا وقلقا!
      تتذكّر تفاصيلَ الحِكاية .. تتعجّب أنّها تستطيع استدعاء سردِهِ ، بتفاصيلَ دقيقه..انتظر أحمد مُكالمتِها طويلا.. استأذن من عملِه.. مُمسِكا بهاتِفه.. راجع إعدادت الهاتِف.. وضع مستوى الرّنين أعلى ما يكون..وفي كلِّ مرّة يتأكّد أنّهُ لم يضعه في وضعية الصّامِت..يتفقّد هاتِفهُ كلّ ثانية.. وكـ صورةٍ يتأمّل هاتفهُ..مرّت السّاعة ، والثّانية ، والثّالِثة .. وما أن حانت السّاعة الواحِدة .. حتّى قرّر أحمد الاتِّصال بندى..
      ضغط على الأرقام.. صُعِق أنّ " تعذّر الحصول على المُشتركِ المطلوب ، الرّجاء الاتِّصال فيما بعد" .. شعر بالمهانةِ والإذلال.. كيف بِها تعده أن ستحدِّثه بعدما تفرُغ من إنشغالِها ، فتتجاهله بتِلكَ الطّريقة ، بل وتُغلق هاتِفها!!
      لم يتمالك أعصابهُ .. فـ أرسل لها رسالةً نصيّةً..ما زالت محفوظة في هاتِفها
      " لم أتوقّع أنّني مُزعِج إلى هذا الحد"..
      تتذكّر صوتهُ بذلِك الحنوِّ الرُّوحاني ، وهو يسرِدُ لها تفاصيلَ البِداية وكيف ضاقت بِهِ الأرضُ بما رحُبت..عندما عاملتهُ بتِلك الطّريقة!

      وسريعا تتداخلُ الأصواتُ في ذهنِها.. أحمد .. وليد .. الطّبيب!
      تستغفرُ ربّها .. وتقومُ لصلاةِ الفجر!
      تُتوضأ كيفما اتّفق ، تفرُشُ سجّادتها ، وترتدي لباس الصّلاة..تُحاولُ السّيطرة على ذِهنها ؛ليكون حاضِرا تماما .. مُستشعِرا هيبة الوقوفِ للصّلاة.. تقفزُ لذهنها مقولة سويسا عندما ابتهل لربِّهِ مستجديا "يا إلهي أُحبُّك كثيرا ، ولكنّني لا أخشاكَ خشيةً كافية ، فدعني أقفُ متخشِّعا لك مِثل ملاكٍ من ملائِكتكَ الّذين يتخلّلهم اسمك المُترع بالخشوع"..تسرحُ بفكرِها في المقولة ، ولا تنتبِه إلّا في التشهّد .. مُنهيةً صلاة الفجر!
      يُربكها هذا التشتُّت في الصّلاة ، وأنّها كلّما حاولت استجماع ذِهنها تغرقُ أكثر في فِكرة اللّملمة.. وتعودُ لدوّامةِ اللاخشوع!
      تمتمت بأدعية حفظتها منذُ زمن ، لا تستشعرها .. لكنّ لسانها يلهجُ بِها دونما روح!
      تجلسُ على سجّادتِها.. تسجُدُ لربِّها فجأة ...توقِنُ أنّها الوضعيّة الوحيدة الّتي تستشعِرُ فيها هيبة الله!
      دوما تلهجُ بالحمدِ فقط..تشعرُ أنّه الدُّعاء الوحيد الّذي يخرُجُ من حناياها صادِقا ، لحظتها أحسّت بجوٍّ روحانيٍّ.. شعرت بروحِها انسلّت منها ، وارتقت..تنفّست بعُمقٍ أفسد اللحظة!
      طوت سجّادتها ..وضعتها بهدوءٍ مُفتعل ، توجّهت إلى دفترِها المركون على زاويةٍ في السّرير بعدما تناولته من المكتبةِ ، تقع عينها على جُملةٍ مخطوطة بقلمِ رُصاص :
      "العقل الّذي هو بركةُ الإنسان ، هو لعنتهُ أيضا"..P.75
      تزمُّ شفتيها ، وتُقطِب حاجبيها مُحاولةً تفنيد المقولة على ضوءِ تجرُبتِها ..تبتسمُ بسُخرية مؤمنةً أنّ عقلها كان لعنتها كما هو قلبها!
      قلبها الّذي تطرّف في تعلُّقه بالحُبِّ كان لعنتها الأبديّة!
      وعقلها الّذي بات يُفنِّدُ كلّ شئ ، ويُحلِّل كلّ طقس ..هو ما أفقدها الإحساس بما حولها ، وبقدسيّة أي شئ!
      عقلها الّذي انفلت على مصراعيهِ ، ولم يعُد يؤمن بشئ ..يااه محظوظين أولئِكَ الّذين يخشون الله .. كم يشعرون بالاستقرار ..تستفز لفظة الاستقرار ذِهنها..تتذكّر تِلك المقولة الّتي دوّنتها في دفترِها ، راحت تُقلّبهُ بسُرعة.. تتذكّر منها ما يُفيد أنّ عدم الاستقرار مُفيد ، تجدها " ليس هُناك أفضل من عدم الاستقرار لتحريض الفِكر .. وهو مكروهٌ لأجلِ ذلِكَ أيضا " أليير كامو .
      عدم الاستقرار؟ .. تتساءل ..هي في وضعيّة اللامُستقر ، لكنّها ضربت فِكرها بعرضِ الحائِط ، تتراجع عن اعترافِها ذلك ..وتُصحِّح لنفسِها بعدما تذكّرمُلاحظة الطّبيب في أمرِ تقديرِ الذّات.
      منذُ أن لفتَ الطبيبُ انتباهها لأمرِ تقديرِ الذّات ، إلتفتت ندى لعينيها.. توقِنُ أنّ العيون هي الجُزء الّذي لا يكذِب في المرء ،فللعيونِ سِحرٌ يشي بالذّكاءِ والحِس ينبعُ من أقاصٍ عميقة في الرُّوح..هو إشعاعاتٌ لقوّةِ وطاقةٍ خلّاقة في الرُّوح...ينفدُ من خِلالِ معابِر عدّة إحداها العيون..تجذُّبها العيون المائيّة الّتي تلمعُ بماءٍ جذّاب ، عيونٌ تشي بالنّظارةِ والحياة ، أمّا العيون المنطفأة فلا تجذبُها بل على ما يبدو تخشاها .. تخشى ذلِك الإنطفاء الّذي تشي بِه..تشعر بِه يدٌ تعترِضُ الحياة..لا عُمق.. لا جاذبيّة..... خامِلة يائِسة سطحيّة لكأنّ ثمّة ما يُقيّدها إلى درجة الاستسلام بل الوهن..!
      ويُحيِّرها سؤالٌ آخر فثمّة عيونٌ تلتمعُ في حالةِ الفرحِ فقط.. في حالةِ الانفعال...فهل يعني ذلِكَ أنّها اعتزلت الحياة..ولا تلجها إلّا لسبب...؟
      تتذكّرُ ندى تِلك اللّمعة الّتي ميّزت بِها أحمد ، تِلك اللّمعة الّتي أيقظت القلبَ من سُباتِهِ ذات لِقاء.. لأحمدَ عينانِ وقّادتان.. وحدهُ أحمد مع البحرِ استطاع إهداء ندى فرحا تتوقّدُ له عيناها ، وحدهُ أحمد بعد طولِ انتظارٍ استطاع أن يُلامِسَ شغاف قلبِها ، وينتشِلها من مخلّفاتِ الماضي ليُغرِّدا بخفّةِ أرواحِهما في سماواتِ الغرام.
      أحمد بعد وليد استطاع بحبِّهِ أن يُجري ينابيع الرُّوحِ فيها.. فيغتسلُ الشّوقُ منها ، ويُصلِّي الحبُّ فيها قِبلةً من طُهر!
      وأحمد بعد وليد جعل منها منطفِئة القلبِ.. منطفِئة الشّوقِ.. منطفِئة الوِجد.. لم يجذُبها بعدهما شئ ، وإن جذبها فبشكلٍ لحظي توقِنُ أنّهُ لن ينطبِعَ على الرُّوح!
      أحمد المُمتلئ بِها ..لم يستطع أن يقف كثيرا أمام رغبتِها بالانفِصال ، وهي الّتي وظّفت كل كيدِ النِّساء لتُبعدهُ ،..أحمد الّذي قال كلمتهُ الفصل!
      تُحاولُ طمر ذنبِها ، تُحاولُ تناسي جريمتها ، تُحاولُ كثيرا أن تبعُدَ عمّا اقترفت ، تؤكِّدُ لنفسِها أنّها إنّما ارتكبت الإثم ..لكي لا تكون سببا في شقاءِ روح!
      يُسيطر عليها الموقِف ، تُحاصرها الذِّكرى.. تقرِّع نفسها أن كيف سمحت لنفسِها بتذكُّرِ أحمد ، أما كانت ذِكرى وليد أجدى!
      تخشى مواجهة نفسِها ، تخشى مُكاشفة روحها .. لذلِك أهملت روحها بعد أحمد ..تُدرِكُ أنّها دُنِّست ..تُدرِكُ أنّها لوِّثت.. تُدرِكُ أنّها فقدت إنسانيتها بأبشعِ الصُور!
      تُبالِغُ في تقريعِ نفسِها ، تقسو في جلدِ ذاتِها...تذكرُ ما دعاها لاقترافِ تِلكَ الكبيرة..
      تذكُرُ كذِبها.. تدليسها..مراوغاتِها.. تذكُرُ أنّها بعد تِلكَ الحادِثة..لم يعُد يُهمُّها الصِّدق.. فقدت قيمة نفسها أمام نفسِها.. إذ كيف تجروء...وهي الشفافةُ الصادِقةُ الطّاهِرة...؟
      ترمي باللّومِ على أحمد .. وأُمه.. هُما ما دفعاها لاقترافِ الإثم .. لولاهُما ..لكانت مثلما هي .. طاهِرةٌ مطهّرة..تُجاهِدُ في دفعِ التُّهمِ عنها ، لكنّها توقِنُ أنّها مُدانة بجريمةٍ لن يغسُلها شئ!
      ترنو للسّماء.. ربّاااااه لم أسلمتني لنفسي...؟
      ربّااااه.. فقدتُ روحي .. فقدتُ فوق كلِّ ما فقدتُ قيمة ذاتي بجُرمي..!
      تبكي بحُرقةٍ جُرمها العالِقُ فيها كاسمِها ، تُدرِكُ أن لا أحد يعرِف عنها إلّا اثنين على وجهِ البسيطة .. تُدرِكُ أنّ الأمر مضى لكأنّهُ حدثٌ عادي .. لكنّ تِلك السِّكين من يومِها وهي منتصِبةٌ ..تجرِّح الرُّوح في اليومِ ألف طعنة..وندى تتجاهل!
      حشرت نفسها بين آلافِ المشاغِل .. لتخنُق ذلِك العواء الّذي يتعالى داخِلها ، تخشى أن يشي بجُرمِها ، تشعُرُ بِه يخرُجُ مع كلماتِها.. لزمنٍ تلبّسها ذلِك الرُّعب.. خشيت أن ينفضِح أمرها...
      تخنُقها الذِّكرى..يخنُّقها استدعاء ذلِك الموقِف.. هو الموقِفُ الّذي تُدرِكُ أنّها لن تنساه ما عاشت..!
      بخطىً وئيدة كانت تدخُلُ لبيتِها في ذلِك المساءُ البارِد..مشرّعةٌ كانت النّوافِذ..وصوتُ أحمد وأُمِّه يتناهى لسمعِها منذُ أن دخلت لساحةِ المنزِل..ما أن اقتربت لبوابةِ المنزِلِ الدّاخليّة..حتّى سمِعت أُمُّ أحمد تذكُر اسمها.. تملّكها الفضول لتتنصّت على الحديث.. ظلّت واقِفة..وأُمُّ أحمد تُحرِّضه على وجوبِ التصرُّفِ بحزمٍ مع زوجتِهِ..تُعيدُ عليه قائِمةِ اللامرغوب بِهِ في عُرف المُجتمع من المرأة المتزوِّجة.. وأن يجب أن تلتزِم بيتها.. وتُشارِك النِّساء بدل مُشاركة الجلسات المُختلطة الّتي كانت تراها بلا فائِدة ..تُهيلُ عليهِ أرطالا من الوصايا.. وأوصتهُ إن لم تستجِب لهُ زوجتهُ..يُهدِّدها بالطّلاق. وأخذت تُزيّن له العمل..ما أن سمعت ندى الأمر حتّى دارت بِها الأرض.. وبقلبٍ منقبِض كانت تتمنّى سماع ردِّ أحمد..كالصّاعقة جاءها ردّه!
      لم يكُن ردُّ أحمد إلّا هروب من تلبيةِ رغبةِ أُمّه.. لكنّ ندى ثار بِها العِنادُ والكِبرياء.. وعوى ردّه في أُذُنها كثيرا..
      يومها لم تستطع ندى أن تدخُل..لم تقوى قدماها على حملِها للدّاخِل.. حاولت التّماسُك.. دخلت مُتجاهِلةً وجودهم مدّعيةً عدم إلتفاتِها ما إذا كان ثمّة أحد في غُرفة المعيشة أم لا.. وبخفّةٍ انسلت لغُرفتِها..!
      كانت تمشي والعالمُ من أمامِها عُتمة ..وصلت لغُرفتِها.. أغلقت عليها باب الحمّامِ.. وأجهشت بالبُكاء!
      أحمد ليلتها لم يعُد لغُرفتِه.. لم تذُق ندى للنّومِ طعما.. أيُعقل أنّها تعيش مع رجُلٍ لا يربُطها بِه إلّا الطِّفل الّذي بدأ بالتّكوّن منذُ شهرين فقط؟..
      أيُعقل أنّ قيمتها عند أحمد لا تُساوي شيئا...؟
      ألهذا الحد انطلت عليها لُعبة المشاعِر...؟
      ودخلت ثانيةً في نوبةِ بُكاء!
      لم تحتمِل ندى ثِقل ما سمِعت.. فـ دخلت في حالةٍ نفسيّةٍ سيّئة..لزمت فيها فراشها لمدّة يومين.. أحمد لم يكُن يستطيع أن يرى وجهِ ندى.. كان يُحاولُ لملمة مشاعِرهِ ، والتّماسُك كلّما اقترب مِنها ، مُحاولا معرِفة ما ألمّ بِها..
      جنّدت ندى كلّ أفكارِها لتعزيزِ مارِد الكبرياءِ والعِنادِ الّذي انتصب بين حناياها ، تذكّرت صاحبتها الطّبيبة ..اتّصلت بِها .. وأخبرتها أنّها حامِل بطفلٍ مشوّهٍ .. ولأنّها لا تودُّ أن تشقى بِهِ ..ترجو منها مساعدتِها في التخلُّص منه..أيّدت الطّبيبة ذلِك التّصرُّف..أوصتها ببعضِ الأدوية .. ومراجعتِها إن لزِم الأمر!
      بعدها بأيّام.. استفاقت ندى في عيادة صاحِبتها..بعدما عدّت مرحلةً خطيرة .. كانت فيها على مشارِفِ الموت!
      أجهضت طِفلها الأوّل .. وهو بعد لم يُكمِل شهرهُ الثّالِث !
      أجهضت تِلك الثّمرة الّتي سمعت أحمد ذات يومٍ يُعلِّق عِلاقتهما عليها!
      أجهضت روحا كانت تسكُنها!
      وكم خالجها الشُّعورُ بالنّدمِ في ساعاتِ الألم تِلك ، وكم لعنت اللّحظة الّتي دفعت بِها للتّنصُّت على حديثِ أحمد وأُمّه ...
      آلمها أحمد وهو يتألمُ لجانِبها ، آلمها بُكاءهُ عليها ، وخوفِه!
      آلمها أنّها نسفت ما كان يربُطهما ؛ لتُرضي غُرور كبريائِها.. وتُفسح المجال لأمِّ أحمد!
      آلمتها الذِكريات.. وانتبهت لنفسِها فجأة أنّها تغرقٌ في البُكاءِ مجدّدا!
      تُساءِلُ نفسها .. أين كانت..بعد كلِّ تِلك الآلام .. والأحاسيس...؟
      لمَ لم تتعظُ..؟..
      لمَ سعت لإشعالِ الحرائِقِ ، وتأجيجِ الخِلافِ بينها وأُمّ أحمد .. وبينها وبين أحمد..؟
      تغضبُ من نفسِها .. تُكيلُ الكثيرَ عليها ، تقسو ..وتُجرِّد نفسها من الإنسانيّة!
      لكن أليسَ هو السّبب..؟..
      ألم يُصرِّح برغبتِه في الانفصال لولا وجود طِفل بين أحشائي...؟
      ربّااااه كلهم دفعوا بي .. وأنت أعلمُ بي منِّي!
      ربّااااه تقبّلني كيفما أنا...تهتُ .. وشقيتُ ..وفنيت.. لم يبقى بي شئٌ منِّي...
      تشوّه الدّاخِلُ...لكنّهم من دفعوا بي!
      أفكارٌ أينما ولّيتُ لا أتّفق معها..

      تنتبِه إلى أنّ السّاعة تُقارِب الثّامِنة ، وأنّها لم تنم منذُ أن أفاقت مساء الأمس.. تُرسِلُ رِسالة نصِّيّة للطّبيب :
      صباحُ الخير دكتور
      هل يُمكنني مراجعتك اليوم؟
      تقومُ تُلملمِ ما بعثرت على أرضيّةِ الغُرفة...يصلُها ردّ الطّبيب .. تتجاهلهُ متمّةً ترتيبَ ماضيها...تعودُ لهاتِفها تقرأ :
      صباح النّور ندى
      أرجو أن تكون صحتك على ما يُرام
      موعدك في تمام الثانية عشر.
      تضبِّطُ منبّه الهاتِف على السّاعةِ العاشِرة والنِّصف.. وتستسلم للنّوم!

      تمّت
      9 يناير 2011


      المصدر : مدونة بدرية العامري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions