أوروبا ووحدتها الهشة أراء الكتاب الشبيبة

    • أوروبا ووحدتها الهشة أراء الكتاب الشبيبة

      * ليس اليونانيون فقط هم الغاضبون. فمواطنو دول شمال أوروبا الأكثر ثراء والمحافظة ماليا قد ضاقوا ذرعا بصب البلايين من أموال ضرائبهم في خزائن دول جنوب أوروبا التي يرون أنها تتسم باللامسؤولية وتنفق أكثر مما ينبغي وبلا داعٍ.

      فريدا جيتيس

      في غضون أشهر قليلة ستحل على الأوروبيين -ولكن لن يحتفلوا بها- الذكرى العاشرة لليورو، وهو العملة الأوروبية المشتركة. ومنذ عشر سنوات مضت، وقبل أن يفكر أي أحد في أن مستويات الدين اليوناني أو الميزان المالي البرتغالي يمكن أن يصبحا موضوعات محل اهتمام كبير بالنسبة للناخبين الأوروبيين، كنت أرقب الوضع في الوقت الذي كانت فيه العملة الهولندية الأسطورية، الجلدر، تتلاشى من المشهد العام.

      وعبر الهواء المليء بالدخان في مقاهي أمستردام كنت أرى رجالا ونساء يحتسون الكابتشينو وهم يتفحصون العملات المعدنية الجديدة غير المألوفة لهم. وفي البنوك المحلية كان الناس يقفون في طوابير طويلة لاستبدال أموالهم بعملة الجيلدر إلى عملة اليورو، مودعين، كما كان يفعل كل الناس في مختلف أنحاء القارة، العملة التي كانت قد أصبحت رمزا لدولهم بعد مئات السنوات من الانتشار.

      لقد كانت العملات قد أصبحت روابط ملموسة بالتاريخ: الدراخما اليونانية، أقدم عملة أوروبية، كانت عملة العالم في أيام الإسكندر الأكبر. وكان الفرنك الفرنسي قد احتفل لتوه بعيد ميلاده الحادي والأربعين بعد الستمائة. ثم كان هناك المارك الألماني العظيم أو البيزيتا الإسبانية المعتزة بنفسها أو الإسكودو البرتغالي الذي تم سكه أول مرة العام 1523.

      في اليوم الأول من العام 2002، رفع الناس عملات اليورو إلى الضوء، وأخذوا يناقشون العلامات الأمنية بها. وكانت العملات الورقية منها تفتقد الجمال الذي ميز العملات القديمة. وقد تم الأمر في نهاية المطاف.

      في ذلك الوقت، ووسط تنبؤات من المسؤولين بأن اليورو لن يجلب سوى الرخاء، تعجب بعضنا بشكل معلن ماذا عسى أن يحدث إن تحركت مناطق منفصلة من الاقتصاد الأوروبي في اتجاهات مختلفة، فأصبحت تنمو بمعدلات مختلفة وتتطلب سياسات نقدية متعارضة. ماذا لو أن دولة شهدت تضخما وأخرى شهدت انكماشا، ودولة تدعو إلى أسعار فائدة أعلى وأخرى أقل؟

      واليوم أصبح كثيرون يفحصون العملة مرة أخرى، متعجبين إن كانت مؤهلة للبقاء بعد أزمة الديون التي تهز منطقة اليورو. وبحلول العام 2002 كان الأوروبيون يشعرون بالأسى والحزن على عملاتهم القديمة المحبوبة. لقد تم اتخاذ قرار تطوير العملة الموحدة منذ عقد سبق على يد قادة سياسيين بقليل من التشاور مع الجماهير. وقد تم إدخال العملة الموحدة ببطء، ولكن ليس بدون معارضة. فعندما أطلقت بورصة أمستردام المعاملات الورقية باليورو في الرابع من يونيو العام 1999 انفجر المحتجون وألقوا بفطائر الكاسترد في وجه وزير المالية.

      وعلى مدى سنوات بدا أن الخطة تعمل بشكل جيد، حيث إن بعض الدول انضمت إلى منطقة اليورو، وكان يبدو أنها ستتبع قواعدها المالية الصارمة، والتي منها ألا يزيد عجز الموازنة عن نسبة 3 %. وكان اليورو سيساعد على إزالة الحدود وتسهيل التجارة وجعل السفر أسهل. وتحت السطح لم تكن الأرقام تعكس الواقع، وكان الخطر كامنا خلف تباطؤ اقتصادي مقبل. وفي النهاية، كشف الركود العميق حقيقة عجز الموازنات الضخم والنفقات التي لا يمكن تحملها والأنظمة الضريبية المعيبة.

      والآن يحتج المواطنون اليونانيون بمئات الآلاف غاضبين على تدابير التقشف المؤلمة التي تطلبها الدول الأغنى في أوروبا.

      وكشرط لعملية إنقاذ أخرى، تطالب كل من ألمانيا وفرنسا والبنك الأوروبي بإجراء تخفيضات حتى النخاع، مصممة لإنقاذ اقتصاد اليونان ومنع تفكك اقتصاي لمنطقة اليورو بأكملها – مع احتمال تبعات أليمة على معظم العالم.

      ولكن ليس اليونانيون فقط هم الغاضبون. فمواطنو دول شمال أوروبا الأكثر ثراء والمحافظة ماليا قد ضاقوا ذرعا بصب البلايين من أموال ضرائبهم في خزائن دول جنوب أوروبا التي يرون أنها تتسم باللامسؤولية وتنفق أكثر مما ينبغي وبلا داعٍ ولديها نظام تقاعد مبكر أكثر من اللازم ولا تدخر بما يكفي. ويمكن أن ينتهي المطاف باليورو منقسما إلى عملتين، إن لم يختفي بالكلية.

      وفي حالة أن كان اليورو لم يوجد منذ البداية لم يكن اليونانيون ليواجهوا اليوم هذه المعاناة. فبدلا من إجراء تخفيضات لإرضاء بروكسل وبرلين وباريس كان بإمكان الحكومة في أثينا خفض قيمة الدراخما بشكل حاد.

      وأخيرا فإن حل مشكلات منطقة اليورو ربما يكمن في تقليص الاتحاد، ومن ثم الاحتفاظ بالعملة المشتركة للدول التي بها أمور مشتركة أكثر من مجرد جانب مشترك من المحيط، وذلك ربما ينشء يورو جنوبي ويورو شمالي.

      منذ عقد مضى، وعندما كنت أشاهد الهولنديين يلعبون مسرورين بعملاتهم المعدنية الجديدة، كتبت: "إن الشعور بالإثارة المشتركة سيتحول إلى إعادة تقييم لهذه المغامرة النقدية الكبيرة في اليوم الذي يتم فيه اكتشاف أن دواء إحدى الدول هو سم جارتها".

      وكتبت أيضا في ذلك الوقت أنه سيأتي يوم "يجد فيه القادة الأوروبيون من الصعوبة صياغة سياسة تساعد دولة ما دون أن تضر بدولة أخرى. فماذا بعد؟ في الوقت الراهن يركز الجميع على العملات المعدنية الجديدة التي تجلجل في جيوبهم. ولكن الاختبار الحقيقي سيأتي لاحقا. وإلى أن يأتي ذلك اليوم ربما تكون فكرة جيدة الإبقاء على بعض هذه الفرنكات أو الدراخمات والجيلدرات، حتى وإن كان الكابتشيوين مسعرون باليورو".

      وقد جاء يوم هذا الاختبار، بعد عقد كامل تقريبا من إطلاق اليورو.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية