* الاختيار الذي تواجهه دول الربيع العربي عند هذه النقطة من الزمن ليس اختيارا بين الحكومة الدينية والحكومة العلمانية هو اختيار بين الديمقراطية التي تشمل كل الأطراف- دينية وعلمانية- ونظام حكم يفرض مذهبا علمانيا حصريا متشددا صلبا.
دانييل فيلبوت
منذ أن بدأ الربيع العربي في ديسمبر الفائت، والمحللون الغربيون يعربون عن مخاوف متكررة من ألا يحل محل عهد الاستقرار العربي الطويل ديمقراطيات علمانية، بل يحل محل ذلك العهد ثيوقراطيات اسلامية.
وفي حالة مصر، يحذر هؤلاء من أن تغلب "الاخوان المسلمون" النشطاء العلمانيون الشباب الذين أسقطوا بشجاعة النظام القديم. وفي حالة سوريا، يقول هؤلاء المحللون إنه ربما يكون نظام الحكم الحالي فيه بعض الطغيان، لكنه على الأقل أخف شرا من أغلبية سنية تضطهد المسيحيين والشيعة والمرأة.
لكن مثل هذه المخاوف والخيارات الزائفة يجب أن تقابل بمقاومة وصد ورفض لها. فشرق أوسط مستقر لن يكون الطريق اليه هو قمع الدين، بل الطريق اليه هو الإدراج القوي للدين في السياسة.
والاختيار الذي تواجهه دول الربيع العربي عند هذه النقطة من الزمن ليس اختيارا بين الحكومة الدينية والحكومة العلمانية. هو اختيار بين الديمقراطية التي تشمل كل الأطراف- دينية وعلمانية- ونظام حكم يفرض مذهبا علمانيا حصريا متشددا صلبا.
لكن هل بالسماح للأحزاب الدينية أن يكون لها مشاركة سياسية، هل سيكون هناك خطر أن تفوز هذه الجماعات ببعض الأصوات وتحقق لنفسها بعض القوة السياسية؟ نعم، لكن على الرغم من هذا، ليس السؤال هو ما إذا كانت هذه الجماعات تعارض الديمقراطية الليبرالية وتهدد الاستقرار أم لا- فبعضها أكيد كذلك- لكن السؤال هو أي نوع من المناخ السياسي يخفف من التوجهات المتطرفة لهذه الجماعات، وأي نوع من المناخ السياسي يكثف من هذه التوجهات.
إن الخوف الانعكاسي من جماعات دينية نشطة سياسيا يضرب بجذوره في أيديولوجيا علمانية تسري بين النخبة من صناع السياسة الخارجية الأمريكيين. والآن، إن كانت العلمانية تعني التمييز والتفرقة الجيدين بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، فهي إذن ضرورية للديمقراطية. وهذه هي العلمانية الإيجابية.
وعلى النقيض من ذلك، تفترض العلمانية السلبية أن الدين غير منطقي ويتسم بالعنف ومصيره الفناء- وليس له مكان في السياسات الديمقراطية. وتربط العلمانية السلبية على نحو خطأ المشاركة السياسية للاحزاب الدينية بالاستيلاء على السلطة وباضطهاد الديمقراطية.
وخلال فترة الحرب الباردة، قوضت العلمانية السلبية سياسة أمريكا في الشرق الأوسط. فلقد كان الهاجس المسيطر على أمريكا حينها هو إيجاد حلفاء موثوقين يقفون بجانبها ضد السوفييت. وفي حالات قليلة، كان هؤلاء الحلفاء شديدي الالتزام بالدين، مثل باكستان. ، حيث كانوا في أغلب الحالات نظما قامت على القومية والتحديث الاجتماعي والاقتصادي- والاحتواء العلماني للاسلام الشعبي.
وسعت مثل هذه الأنظمة الى السيطرة على الاسلام من خلال تحويله الى شأن خاص وليس عاما، وأيضا من خلال إعادة تنظيمه بشكل موسع. وأعطت هذه الأنظمة الدعم المالي والقانوني لمن يثبت أنهم مسلمون معتدلون؛ واعتقلت وعذبت من ثبت أنهم من من المتشددين.
وعندما استفسر ليبراليون غربيون عن سبب حبس الرئيس المصري السابق مبارك 20 ألفا من المواطنين المصريين، أجاب مبارك:" إما أنا أو الاخوان المسلمون" وبلعت أمريكا هذا الجواب. ومثل هذا التفكير يوضح جزئيا لماذا كانت إدارة أوباما بطيئة في تخليها عن مبارك. فحتى قبل أيام قليلة من تنحيه، كان الرئيس المصري مايزال يقول نفس العبارة.
على الرغم من هذا، وفي نهاية المطاف قوضت السياسة الأمريكية بدعم الديكتاتوريات العلمانية في الوقت نفسه الديمقراطية والاستقرار وشجعت على التطرف الديني. وكان ممكنا لأمريكا أن تدفع مصالحها طويلة المدى للأمام أفضل دفع من خلال تشجيع نظم الحكم الإنتقالية في الشرق الأوسط على أن تدعو كل الجماعات الدينية التي لا تتوسل بالعنف الى دخول الساحة السياسية.
وعلى الرغم من أن هناك بعض الجماعات الدينية المتشددة جدا في منطقة الشرق الأوسط- وبعضها يساند شكلا متشددا من أشكال الشريعة حتى أنهم ينكرون على المرأة والأقليات حقوقهم- على الرغم من هذا، يكون نمو الجماعات الدينية أقل احتمالا داخل بنية سياسية تشمل هذه الجماعات بدلا من أن تقصيها.
لقد جسد صديق أمريكا لأمد بعيد، شاه ايران، تلك العلاقة الخطيرة بين العلمانية الاضطهادية والراديكالية الاسلامية. وقد ساعد أيضا اضطهاد الشاه الشديد وخداعه لكبار رجال الدين الايرانيين، ساعد في تحويل هؤلاء من أصحاب اختلافات سياسية محدودة الى أصحاب توجهات متشددة، وهذه التوجهات ولدت ثورة العام 1979 وكل التحديات المتواصلة التي مثلتها الجمهورية الاسلامية للمصالح الأمريكية. والديناميكية هي نفسها أو مقاربة فيما يتعلق بالجماعات الارهابية الدينية التي انتشرت خلال السنوات التي تلت ذلك.
على العكس من ذلك، نجد أن الجماعات الدينية أكثر احتمالا أن تكون مسالمة ومساندة للديمقراطية عندما تعيش هذه الجماعات تحت أنظمة حكم تحترم استقلالها. وتبين الدول الاسلامية المختلفة كبنجلاديش وأندونيسيا و ماليزيا ومالي والسنغال وتركيا، تبين لنا أنه عندما تشارك الأحزاب الاسلامية في السياسات، هي ليست فقط تنصاع لقوانين اللعبة الديمقراطية، لكنها أيضا، وبمرور الوقت، تصبح أكثر اعتدالا.
والاسلام المعتدل موجود أيضا في الشرق الأوسط اليوم. فبينما وقعت مشاحنات بين المسلمين والأقباط في مصر، كان هناك الكثير من المسلمين يحمون دور العبادة المسيحية. كما أن هناك واحدا من جماعة الاخوان المسلمون يرشح نفسه لرئاسة البلاد كمرشح مستقل عن الجماعة.
أكثر...
دانييل فيلبوت
منذ أن بدأ الربيع العربي في ديسمبر الفائت، والمحللون الغربيون يعربون عن مخاوف متكررة من ألا يحل محل عهد الاستقرار العربي الطويل ديمقراطيات علمانية، بل يحل محل ذلك العهد ثيوقراطيات اسلامية.
وفي حالة مصر، يحذر هؤلاء من أن تغلب "الاخوان المسلمون" النشطاء العلمانيون الشباب الذين أسقطوا بشجاعة النظام القديم. وفي حالة سوريا، يقول هؤلاء المحللون إنه ربما يكون نظام الحكم الحالي فيه بعض الطغيان، لكنه على الأقل أخف شرا من أغلبية سنية تضطهد المسيحيين والشيعة والمرأة.
لكن مثل هذه المخاوف والخيارات الزائفة يجب أن تقابل بمقاومة وصد ورفض لها. فشرق أوسط مستقر لن يكون الطريق اليه هو قمع الدين، بل الطريق اليه هو الإدراج القوي للدين في السياسة.
والاختيار الذي تواجهه دول الربيع العربي عند هذه النقطة من الزمن ليس اختيارا بين الحكومة الدينية والحكومة العلمانية. هو اختيار بين الديمقراطية التي تشمل كل الأطراف- دينية وعلمانية- ونظام حكم يفرض مذهبا علمانيا حصريا متشددا صلبا.
لكن هل بالسماح للأحزاب الدينية أن يكون لها مشاركة سياسية، هل سيكون هناك خطر أن تفوز هذه الجماعات ببعض الأصوات وتحقق لنفسها بعض القوة السياسية؟ نعم، لكن على الرغم من هذا، ليس السؤال هو ما إذا كانت هذه الجماعات تعارض الديمقراطية الليبرالية وتهدد الاستقرار أم لا- فبعضها أكيد كذلك- لكن السؤال هو أي نوع من المناخ السياسي يخفف من التوجهات المتطرفة لهذه الجماعات، وأي نوع من المناخ السياسي يكثف من هذه التوجهات.
إن الخوف الانعكاسي من جماعات دينية نشطة سياسيا يضرب بجذوره في أيديولوجيا علمانية تسري بين النخبة من صناع السياسة الخارجية الأمريكيين. والآن، إن كانت العلمانية تعني التمييز والتفرقة الجيدين بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، فهي إذن ضرورية للديمقراطية. وهذه هي العلمانية الإيجابية.
وعلى النقيض من ذلك، تفترض العلمانية السلبية أن الدين غير منطقي ويتسم بالعنف ومصيره الفناء- وليس له مكان في السياسات الديمقراطية. وتربط العلمانية السلبية على نحو خطأ المشاركة السياسية للاحزاب الدينية بالاستيلاء على السلطة وباضطهاد الديمقراطية.
وخلال فترة الحرب الباردة، قوضت العلمانية السلبية سياسة أمريكا في الشرق الأوسط. فلقد كان الهاجس المسيطر على أمريكا حينها هو إيجاد حلفاء موثوقين يقفون بجانبها ضد السوفييت. وفي حالات قليلة، كان هؤلاء الحلفاء شديدي الالتزام بالدين، مثل باكستان. ، حيث كانوا في أغلب الحالات نظما قامت على القومية والتحديث الاجتماعي والاقتصادي- والاحتواء العلماني للاسلام الشعبي.
وسعت مثل هذه الأنظمة الى السيطرة على الاسلام من خلال تحويله الى شأن خاص وليس عاما، وأيضا من خلال إعادة تنظيمه بشكل موسع. وأعطت هذه الأنظمة الدعم المالي والقانوني لمن يثبت أنهم مسلمون معتدلون؛ واعتقلت وعذبت من ثبت أنهم من من المتشددين.
وعندما استفسر ليبراليون غربيون عن سبب حبس الرئيس المصري السابق مبارك 20 ألفا من المواطنين المصريين، أجاب مبارك:" إما أنا أو الاخوان المسلمون" وبلعت أمريكا هذا الجواب. ومثل هذا التفكير يوضح جزئيا لماذا كانت إدارة أوباما بطيئة في تخليها عن مبارك. فحتى قبل أيام قليلة من تنحيه، كان الرئيس المصري مايزال يقول نفس العبارة.
على الرغم من هذا، وفي نهاية المطاف قوضت السياسة الأمريكية بدعم الديكتاتوريات العلمانية في الوقت نفسه الديمقراطية والاستقرار وشجعت على التطرف الديني. وكان ممكنا لأمريكا أن تدفع مصالحها طويلة المدى للأمام أفضل دفع من خلال تشجيع نظم الحكم الإنتقالية في الشرق الأوسط على أن تدعو كل الجماعات الدينية التي لا تتوسل بالعنف الى دخول الساحة السياسية.
وعلى الرغم من أن هناك بعض الجماعات الدينية المتشددة جدا في منطقة الشرق الأوسط- وبعضها يساند شكلا متشددا من أشكال الشريعة حتى أنهم ينكرون على المرأة والأقليات حقوقهم- على الرغم من هذا، يكون نمو الجماعات الدينية أقل احتمالا داخل بنية سياسية تشمل هذه الجماعات بدلا من أن تقصيها.
لقد جسد صديق أمريكا لأمد بعيد، شاه ايران، تلك العلاقة الخطيرة بين العلمانية الاضطهادية والراديكالية الاسلامية. وقد ساعد أيضا اضطهاد الشاه الشديد وخداعه لكبار رجال الدين الايرانيين، ساعد في تحويل هؤلاء من أصحاب اختلافات سياسية محدودة الى أصحاب توجهات متشددة، وهذه التوجهات ولدت ثورة العام 1979 وكل التحديات المتواصلة التي مثلتها الجمهورية الاسلامية للمصالح الأمريكية. والديناميكية هي نفسها أو مقاربة فيما يتعلق بالجماعات الارهابية الدينية التي انتشرت خلال السنوات التي تلت ذلك.
على العكس من ذلك، نجد أن الجماعات الدينية أكثر احتمالا أن تكون مسالمة ومساندة للديمقراطية عندما تعيش هذه الجماعات تحت أنظمة حكم تحترم استقلالها. وتبين الدول الاسلامية المختلفة كبنجلاديش وأندونيسيا و ماليزيا ومالي والسنغال وتركيا، تبين لنا أنه عندما تشارك الأحزاب الاسلامية في السياسات، هي ليست فقط تنصاع لقوانين اللعبة الديمقراطية، لكنها أيضا، وبمرور الوقت، تصبح أكثر اعتدالا.
والاسلام المعتدل موجود أيضا في الشرق الأوسط اليوم. فبينما وقعت مشاحنات بين المسلمين والأقباط في مصر، كان هناك الكثير من المسلمين يحمون دور العبادة المسيحية. كما أن هناك واحدا من جماعة الاخوان المسلمون يرشح نفسه لرئاسة البلاد كمرشح مستقل عن الجماعة.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية