تفاصيل الجلسة الثانية لمحاكمة الحاج والمعمري وجريدة الزمن جديد بن دارس

    • تفاصيل الجلسة الثانية لمحاكمة الحاج والمعمري وجريدة الزمن جديد بن دارس

      (1)

      المكان: محكمة الخوير الابتدائية الزمن: العاشرة والنصف صباحا التاريخ: 28 أغسطس 2011
      الحاضرون: الدكتور محمد العريمي الدكتور محمد المحروقي الدكتور أحمد الشيزاوي سعيد الهاشمي عاصم الشيدي – ممثلا عن وكالة الانباء الالمانية سليمان المعمري صالح البلوشي بدر العبري ذياب العامري ناصر المجيني محمد المحروقي من Muscat Daily
      وآخرون امتلأت بهم القاعة والذين تجاوز عددهم سعة القاعة ووصل إلى أكثر من (50) شخصا بينهم نساء أيضا. كما كان هناك عدة شباب وقد مسكوا القلم والورق يدونون ما يقال في المحكمة.. كما زاد عدد حراس الأمن هذه المرة فوصل عددهم إلى الستة. هذه المرة حاولت أن أسابق الحاضرين في الدخول فاستطعت أن أحصل على مقعد في الوسط منحني فرصة الاستماع والانصات في معظم الأحيان، وإن كانت هناك أوقات لم أسمع ما يقوله الواقف أمام فضيلة القاضي، وبالتالي ينقطع الحديث إلى مسمعي فلا أستطيع أن أكتب ما تم قيله.
      وصل فضيلة القاضي متأخر أيضا، مباشرة بعد دخوله القاعة وقف الجميع ثم قعدوا، وبدأ بتلاوة أحكام قضايا تم مداولتها سابقا؛ واحدة منها تخص باتهام موظف بسوء استخدام الوظيفة، وقد حصل على البراءة والأخرى بقضية ابعاد من البلاد. يبدو أن قضايا مخالفة قوانين الإقامة كثيرة هذه الأيام.. بعد ذلك ارتفع رقم القضية (1214) وتم ذكر اسم محمد بن زاهر الهنائي وزاهر بن عبدالله العبري، سمعت أحد الحاضرين يعلق قائلا أكيد رايحين يدخلوا علينا هذلين الاثنين، الظاهر انه تم استدعائهما.. لكن يا فرحة ما تمت.. وبالطبع نادى المنادي على هارون... وابراهيم المعمري ويوسف الحاج. كما نادى المنادي على أسماء موكلين، أحمد العجمي، وحمد، وسلطان العزيزي. وجدت تشابها في بعض الأسماء التي اقترب الأخير منها إلى ذهني اسم عبدالعزيز العزيزي وزير الخدمة المدنية السابق.. هل هناك علاقة؟

      (2)

      بدأ فضيلة القاضي بتوجيه سؤال إلى الدفاع: هل اطلعتم على ملف القضية؟ فأجاب بنعم. ثم وجه فضيلته نظره إلى منصة المتهمين. ويبدو أن ذاكرته كانت قوية فتحدث مباشرة إلى يوسف الحاج باعتباره المتهم الأول في القضية، فقال القاضي بأنه اطلع على القضية بالطبع لكنه يريد أن يعطي للمتهمين الفرصة كاملة ليقولوا ما يريدون قوله. يبدو أن ذلك الموقف من فضيلة القاضي قد أرخى أعصاب يوسف المتوترة والتي كانت مشدودة، فربما لم يذق النوم ليلة البارحة، وربما أتى إليه الشيطان يكدر مزاجه ويوهمه بأن القاضي سوف يكون قاسيا فض القلب ولن يعطيه الفرصة للحديث. لكن يوسف استدرك الأمر فوجد أنه يتحدث مع قاضي شاب يتحدث بطلاقة وأن الحديث مع فضيلته سوف يكون أشبه ما يكون وديا.. هنا انطلق يوسف في الحديث، فلم يتلعثم ولم يتردد بل كانت العبارات والجمل تخرج منطلقة وكأنه حفظ الدرس عن ظهر قلب، ولم نكن نحن "نلحق" في الكتابة من سرعة ما يتحدث به. لقد كان صوته مسموعا جدا وبدون ميكروفون!!
      كان سؤال القاضي في البداية: اخبرني يا يوسف ماذا حصل. وما هي رؤيتك في الموضوع أو القضية. كما أسلفت انطلق يوسف قائلا: لم أجد أية مفردات في مقالي بجريدة الزمن فيها اتهام أو تشهير بالوزير ولا الوكيل.. وإذا كانت هناك مفردات فليأتي بها الادعاء العام. لم يعلق الادعاء العام على ذلك سواء في تلك اللحظات أو فيما بعد، وكأن الادعاء العام وجد نفسه محاصرا في شيء بحاجة إلى إثبات. فلكي تقول أن هناك إهانة كرامة، لا بد أن تبين الكلمات التي تهين الكرامة، وليس كلاما مسترسلا. كما أن القاضي لم يدافع أو ينبس بكلمة فيها اعتراض على إفادة يوسف، وكأن القاضي مقتنع بأنه لا توجد بالفعل مرادفات "كما سماها يوسف" تدل على إهانة الكرامة.. استرسل يوسف قائلا بأن المقال لا يدعو كونه تظلما من قبل موظف يعمل في وزارة العدل..

      (2)

      واصل القاضي الشاب توجيه الأسئلة إلى يوسف الحاج والتي من بينها كيفية حصوله على المعلومات من المتهم الثاني وهو هارون – ذلك الموظف الذي يعمل في نفس الوزارة التي يعمل فيها الوزير والوكيل والقاضي. وحيث أن "الاندريالين" قد انخفض مثلما استوى الضغط لدى يوسف فقد بدأ يسرد للحضور الكرام الحدث وكأن واقف أمام أصدقائه، فقال بأن هارون قدم إلى مبنى الجريدة حاملا معه ملفا فيه كافة المراسلات اللازمة، وقد استهل هارون الحديث مع يوسف قائلا بأ، كلا من وزير العدل ووكيله ظلماه. اطلع يوسف على تلك الأوراق التي شدت انتباهه وبشكل مفصل على مخاطبات وزارة الخدمة المدنية التي تثبت استحقاق هارون للدرجة الوظيفية التي كان ينتظرها والتي سوف تعدل من أوضاعه الوظيفية وبالطبع المالية. هنا قرر يوسف تبني القضية لكن بشيء من التأني بعد دراسة الأوراق من جديد في وقت آخر. أضاف يوسف نقطة شدت انتباه الكثير من الحاضرين وهي أن قانون المطبوعات والنشر ليس فيه أية مادة تمنع الصحف تبني قضايا المواطنين أو تمنع نشر أي شيء عن الوزير، وإذا كان هناك منع فيجب تعديل قانون المطبوعات والنشر ليكون المنع صحيحا.
      سؤال آخر وجهه القاضي إلى يوسف: كيف كونت رأيك عن القضية؟ رد يوسف قائلا بأنه من خلال إطلاعه على الأوراق. كما أنه طلب من الموظف هارون مهلة أسبوع تقريبا حتى يكون على بينة من أمره. سؤال أخر سأله القاضي: هل كان هناك تواصل معه فرد عليه يوسف بأنه كان يتواصل معه، وأنه في البداية كتب الموضوع بدون عناوين وطرحه على هارون والذي وافق عليه بشكل خطي. كما أطلع الموضوع على الأستاذ إبراهيم المعمري كونه رئيس تحرير جريدة الزمن. وافق المعمري على النشر من خلال توقيعه على رسالة هارون إلى مجلس الشورى. اطلع رئيس التحرير عليه بشكل سريع..

      (4)

      لم يكن خافيا على الحضور أن فضيلة القاضي كان قد درس الأوراق جيدا، وأنه قام بالتحضير للأسئلة الاستجوابية بل وتفاعل مع الحدث. وكان فضيلته قد وجه سؤالا آخر ليوسف الحاج حول نقطة هامة نراها تتردد في المنتديات الحوارية، وهي التأكد من صحة المعلومة قبل نشرها. لكن الأمر ليس بالهيّن خاصة في ظل وجود دوائر للعلاقات العامة همها الدفاع المستميت عن الوزارات بغض النظر عن صحة المعلومات أو البيانات. ولذا أراد القاضي أن يوقع بيوسف في تلك المصيدة، فطال حواره في تلك النقطة محاصرا له في أكثر من مرة عندما طلب منه أن يجيب عما إذا كان قد تواصل مع وزارة العدل للتأكد من صحة أقوال وحتى وثائق الموظف هارون. لكن جواب يوسف لفضيلة القاضي كان منطقيا بالنسبة لنا كحاضرين وإن لم يقتنع به القاضي أول وهلة. فقد ذكر يوسف بأن القضية فرضت نفسها من خلال الوثائق المقدمة أمامه آنذاك، وأنه قرأ إقرار ووكيل الخدمة التي تدل على أن من حق الموظف كامل مخصصاته. ومع ذلك فقد كرر فضيلة القاضي السؤال على يوسف مرة أخرى:
      ما المانع من عدم الذهاب إلى وزارة العدل والتأكد؟ فكان جواب يوسف أن المؤسسات الحكومية غير متجاوبة مع الصحافة، وأضاف الحاج أنه ليس محققا جنائيا، وأن جريدة الزمن سبق أن طرحت الكثير من القضايا مثل الفساد والتجاوزات، وما يحدث أن بعض المؤسسات الحكومية تتفاعل معنا؛ إما أن تنفي أو تؤكد ما تم نشره عن طريق إرسال رد رسمي من تلك المؤسسة الحكومية، فنقوم نحن كجريدة بنشر ذلك الرد حتى ولو كان مخالفا لما اكتشفناه.

      (5)

      انتقل فضيلة القاضي إلى سؤال جديد نوعا ما، فقد أراد أن يعرف عن الشخص المسئول عن إخراج الجريدة، فرد عليه يوسف بأنه هو المسئول عن كل ذلك. عندئذ عرج القاضي إلى سؤال وكأنه يريد اصطياد يوسف بسؤاله: ألم تحسب حسابا لرؤية الجماهير لهذا الكلام والصور من خلال خبرتك للتفاسير السيئة؟ وأشار القاضي إلى صورة أرفقت في المقال كان بها ميزان ورزمة نقود. وأضاف القاضي أكثر من سؤال في شكل استفسار: ألم يكن ذلك نوع من التشهير؟ ألا تحتمل تلك الصورة أكثر من تفسير؟ ألم تأخذ ذلك بعين الاعتبار؟ كان يوسف مركزا جدا على تساؤلات القاضي، لأنه رآها أن فضيلة القاضي يريد محاصرته لإثبات التهمة عليه لكن يوسف كان يقضا، فلم يتردد في الإجابة على كل استفسار من قبل القاضي. بالطبع يفترض من فضيلة القضاة توجيه مثل تلك الأسئلة للتيقن من صحة ما ورد في مزاعم الادعاء العام أو في صحيفة التهم. فإذا أقر المتهم بها أو أنه وربما بشكل لا شعوري وقع في فخ السؤال فإنه كمن يقدم نفسه كبش فداء. فرد يوسف على الاستفسارات قائلا بأن الادعاء العام لا يستند على أي شيء، وأن الميزان مختل أثناء التحقيق معه، لكن زاوية التصوير هي التي توحي بذلك أما الموجود في الصورة فهو إشارة إلى أن القضية مالية والتفسير يحتمل كل شيء حسب رؤية الشخص.
      يبدو أن القاضي يصر على أن يؤكد مزاعم الادعاء العام على أن القضية هي إهانة كرامة لعدم صحتها، فوجه سؤالا آخر في نفس الحلقة النقاشية: هل تقومون بالنشر بدون التحقيق كمخالفة للقانون؟ هل هذا هو المعمول معكم؟ فكان جواب يوسف وكأنه شخص تمرس على الاستجوابات، لكنه أيضا كان عفويا، فقد رد على فضيلته قائلا بأن الصحفي لا يوجه التهم، وأن الصحفي لا يقول بأن الوزارة متورطة في الفساد. فقد اعتمد هو على الأوراق المقدمة أمامه من قبل هارون، وقد كانت الأوراق واضحة في مغزاها حول وجود مساومة إزاء الموظف هارون. سؤال آخر يدور في نفس الحلقة وجهه فضيلة القاضي إلى يوسف: هل ذهبت إلى الوزارة ورفض التعامل معك، فرد يوسف سلبا.

      (6)

      دار حوار كان أشبه بالجدال حول إضافة تسمية(نائب رئيس المجلس الأعلى للقضاء) بجانب وزير العدل، فقد بدا الأمر وكأن ذلك المسمى يشكل أهمية في القضية، ولا أدري شخصيا سبب جلب ذلك الاسم إلا كونه مضافا إلى اسم الوزير. أفليس لدينا وزراء يمتلكون عدة مسميات وظيفية؟ ألم يكن مكي يحمل سبعة مسميات وظيفية ابتداء من وزير الاقتصاد الوطني ونائب رئيس مجلس الشئون المالية وموارد الطاقة ورئيس مجلس إدارة الطيران العماني، الخ؟ رد يوسف الحاج قائلا بأنه وجد أن معظم مراسلات وزير العدل فيها ذلك المسمى، ويمكن الرجوع إلى تلك الوثائق للتأكد من ذلك.. كما وجه فضيلة القاضي سؤالا عما إذا كان المتهم الثاني (موظف وزارة العدل هارون) على علم بذلك المسمى فكان الرد بالإيجاب، وأنه لديه علم بالاختيار من خلال المخاطبات الرسمية الموجودة في الملف.
      بعد تلك المداولات والاستجوابات الطويلة فقد وجه فضيلة القاضي السؤال الأخير ليوسف الحاج عندما طلب منه أن يضيف أي شيء يود قوله، فكان جواب الحاج متوقعا كونه يعمل في مؤسسة تؤمن له قوته وقوت أسرته المتواضعة؛ فقد رد الحاج كالتالي: الجريدة ليست طرفا الجريدة ليست قاضيا على المواطن. الجريدة نشرت الموضوع فقط. الجريدة لم توجه التهم إلى الوزير أو الوكيل. لا يوجد لفظة واحدة في المقال فيها إهانة كرامة.
      لقد أعجبنا بدفاع يوسف الحاج، فقد قال ونحن نقول أن الصحفي يجب أن يتبنى قضايا الوطن والمواطن، وهو ليس بمحقق جنائي يبحث عن الأدلة القطعية، وإنما يقف مع الحق ويسانده ويؤازره. من حق الجهة التي نشر عنها المقال الرد على مقال أية جريدة حتى ولو في شكل تكذيب مع إرفاق مع يدعم موقفها. أما أن "تنط" تلك الجهة الحكومية ويمثلها الادعاء العام والوزير فإن الأمر غير مقبول لا قانونا ولا حتى أخلاقا..
      (7)
      بعدما انتهى استجواب القاضي للمتهم الأول وهو يوسف الحاج فقد توجهت أنظار فضيلته إلى المتهم الثاني وهو هارون.. ذلك الشاب الذي وجد ظلما في وزارة العدل – كما يبدو له – فقد آمن بمقولة: الساكت عن الحق شيطان أخرس. فالمتتبع لأركان القضية يدرك أن هارون استخدم كل السبل المتاحة للحصول على حقه الوظيفي الذي أقرته وزارة الخدمة المدنية على استحقاقه للدرجة المالية. فقد خاطب وزير العدل وخاطب محكمة القضاء الإداري وخاطب رئيس مجلس الشورى، وعندما سدت الأبواب في وجهه اتجه إلى جريدة الزمن، ولذا ومن خلال هذه الجولة التي طالب فيها بحقه القانوني فلم يكن غريبا علينا أن نسمعه يتلوا على مسامعنا قضيته من جديد وبكل ثقة واقتدار ودون خوف ولا وجل. ورغم مرور فترة سنوات على قضيته إلا أنه مازال متماسكا بل ومتمسكا بها. وبدلا من أن يبدأ فضيلة القاضي فقد كان أسرع في سؤال القاضي سؤالا بسيطا كان يدور في بال الحاضرين والمتابعين للقضية: من الذي رفع القضية عليه وعلى جريدة الزمن؟ فمن المعروف وحسب المادة السادسة من قانون الإجراءات الجزائية فإن القضايا لا تتحرك لوحدها. وهذا ما يؤكده العلم في قانون نيوتن الأول: كل جسم يبقى ثابتا مال تأتي قوة تحركه، وكل جسم يبقى متحركا ما لم تكن هناك قوة توقفه.. ربما اندهش البعض في حين كان قد "خمن" الآخرون أن وزير العدل هو الذي رفع القضية لكن الأغلب وبحسب سير الجلسة الأولى أن الادعاء العام هو الذي رفعها، فضيلة القاضي أكد أن الادعاء العام هو من حرك هذه القضية... طبعا أثار رد فضيلته استغرابا بل وجدلا قانونيا – كما سوف نجد فيما بعد حول مدى صلاحية الادعاء العام في رفع قضايا لصالح الوزراء والوكلاء ولصالح الحكومة بشكل عام!!!! استدرك فضيلة القاضي القول عندما وجد الدهشة على الوجوه قائلا بأن الادعاء العام هو ممثل المجتمع. بالفعل كلام فضيلته صائب 100% لكن هل وزير العدل جزء من المجتمع؟ أم أنه سلطة تنفيذية وتشريعية كونه أيضا نائبا لرئيس المجلس الأعلى للقضاء؟ أضاف القاضي بأن هناك حضور لوزارة العدل في الدعوة المدنية – وسوف نعرف فيما بعد أن ممثل وزارة العدل طالب بتعويضات مالية دون أن يحددها. واختتم فضيلته في ذلك الحوار الذي ابتدأه هارون بأن هذه الدعوى هي جزائية: يعني فيها سجن محتمل!! طلب القاضي من هارون أن يصف له ما حدث له؛ بدأ هارون يسرد مساره الوظيفي ابتداء من كاتب شئون إدارية إلى كاتب شئون قانونية إلى لجوئه إلى محكمة القضاء الإداري والتي قادته إلى أن تبدأ المماطلة مع وزارة العدل، خاصة مع استئنافه للقضية التي استغرقت وقتا زاد على السنة، كما كانت قضيته يتم التأجيل فيها كثيرا بحجة التسوية. يفاجأ هارون يوما ما بدخول وكيل وزارة العدل إلى مكتبه طالبا الحديث الودي معه...
      (8)
      بالطبع هناك تسلسل إداري معروف في المؤسسات الحكومية. فالوزير يكون مكتبه في الطابق الخامس عادة، ومعه أو في طابق أسفل وكيل أو وكلاء الوزارة، وهنا وهناك المستشارون، وفي الطابق الأسفل من ذلك المدراء العامون، وكلما نزلت طابقا صغر المسمى الوظيفي حتى تأتي إلى الطابق الأرضي أو ما دون ذلك لتجد صغار الموظفين ومكاتب مراجعات المواطنين. وبناء على ذلك التقسيم الهيكلي فإن هناك "عزل" بين كبار المسئولين وبين الموظفين. ذلك العزل فرضه نظام الجهاز الإداري للدولة منذ صدوره أول مرة عام 1975، وبقي هكذا: الوزير في الطابق العلوي والموظف في الطابق السفلي. لذا أصيب بالدهشة القصوى هارون عندما وجد سعادة الوكيل في مكتبه. كيف لوكيل وزارة مكتبه في الطابق العلوي يتواضع ويذهب إلى مكتبه رغم أن الخصام كان قد بدأ منذ فترة نظرا للمماطلات في حقه القانوني؟ وكما يقال باللهجة الدارجة "شافها شوفة" أي كبر الوكيل في عيون هارون، وأبدى له جل الاحترام والتقدير. ووكيل وزارة العدل طيب ويسمو في أخلاقه الشخصية، فقد التقيت به شخصيا في إحدى المراكز التجارية مع قريب لي يعمل في وزارة العدل في وظيفة رئيس قسم فقط. تفاجئت تواضع هذا الوكيل وهو يسلم علينا بيديه الاثنتين. ومن هذا المنطلق فقد غيّر هارون موقفه من سعادة الوكيل الذي أبدى حسن النية في الحديث. لذا قبل هارون أفكار الوكيل، بل وجد فيه "العشم" عندما ظن آنذاك أن سعادته سوف يبذل جل ما في وسعه لينال حقه في الدرجة المالية المستحقة. وبالفعل فقد كان الوكيل عند وعده عندما خاطب وزارة الخدمة المدنية التي أيدت استحقاق هارون لتلك الدرجة، كما أحيلت مطالباته إلى الباحث القانوني بوزارة العدل والذي أفاد باستحقاق هارون للدرجة أيضا. لكن تلك الفرحة لم تتم. اعتقد هارون أن سعادة الوكيل المتواضع قد أيده في مطلبه، لذا تولدت لديه القناعة بأنه يمكن أن "يترك الدعوى" يعني أن يسحبها من محكمة القضاء الإداري بعد وعود وكيل الوزارة له خاصة مع وجود تعهد لهارون بتسوية أوضاعه. كان الوكيل آنذاك يمثل وزير العدل في غيابه. بعدما سحب القضية يتفاجأ هارون أن سعادته غيّر رأيه في الموضوع، إذ يقول له أنك يا هارون غير مستحق. بالتأكيد يدور في هارون أفكار سوداوية قلبت موازين الود معه ومع الوكيل الذي كان يمثل الوزير. فمثله مثل أي موظف عندما يجد أن الترقية آتية لا محالة فإنه يجلس مع "الكالكيوليتر" يحسب الزيادة في الراتب فيوزع تلك الزيادة قبل أن يتسلمها. لكن مفاجأة تغيير موقف الوكيل كانت قد نزلت كالصاعقة عليه. لكنه لم ييأس، دار في باله أن يتجه إلى جلالة السلطان المعظم لكن الطريق إلى ذلك صعب وشاق فاتجه إلى رئيس مجلس الشورى من خلال خطاب يشرح فيها تفاصيل وأبعاد القضية متأملا من ذلك الرئيس التدخل بالإيجاب، ورغم قناعة هارون بأن رئيس مجلس الشورى لن يفعل شيئا لأن مجلس الشورى أصلا لا يفعل شيئا للمواطن، لكن هارون كالغريق يحاول التمسك بأي جذع في بحر هائج بعدما هاجت عواطفه ورأى أن الطريق مسدود مع اعتقاده بأن محكمة القضاء الإداري لن تقبل الدعوى من جديد بعد سحبها. فقد سأله القاضي: لماذا لم تجدد الدعوى مرة أخرى لدى محكمة القضاء الإداري فرد هارون قائلا بأنه ليس قانونيا ليعرف أن ذلك ممكنا.
      (9)
      بعدما أعيت الحيلة هارون ووجد أن الطرق مسدودة فقد فكر أن ينشر موضوعه، هناك أكثر من خيار، أسهلها المنتديات العمانية، وكان هناك خيار آخر وهو برنامج البث المباشر، لكن الخيار الذي استقر عليه هارون هو جريدة الزمن، تلك الجريدة الشابة التي تدير أقسامها وتحررها أفكار شابة من سلطنة عمان إنما كانت الخيار الأول لهارون رغم أنه فكر في جرائد أخرى لكنه رأى أن تلك الجرائد تصبغ عليها إعلانات الفحولة أكثر من قضايا المواطن. لم يخب ظنه عندما قابل يوسف الحاج وأعطاه كافة الأوراق والمستندات الثبوتية التي تدعم موقفه. بعدما شرح هارون بالتفصيل ليوسف أبعاد القضية فقد وعده يوسف بالتواصل معه وفي نفس الوقت أعطاه الأمل بتبني القضية. وكان فضيلة القاضي قد سأل هارون عما إذا كان قد اطلع على المقال قبل نشره إلا أن هارون نفى ذلك معللا أن يوسف كان ذكر أمامه أنه سوف يعرض المقال للمراجعة القانونية. ولأن فضيلة القاضي لديه قضية بحاجة إلى إثبات فإنه – وكما يبدو – يريد أن يستخلص الإثبات من فم المتهم الثاني. فوجه سؤاله المباشر عما إذا كان قد أشار في الأوراق إلى أن وزير العدل تدخل في أحكام المحاكم والسير في الدعوة، فرد هارون بكل شجاعة بنعم. كما وجه له سؤالا آخر مفاده ما إذا كان يوسف الحاج قد تحقق من مزاعمه حول التدخل في سير القضايا وتعطيلها، لكن هارون أجاب بالنفي على ذلك السؤال. واصل فضيلة القاضي طرح الأسئلة على هارون والتي من بينها أيضا: هل لديك أدلة على أن الوزير قام بالتدخل في أحكام القضاء وتعطيل القضايا؟ هل سألك يوسف عن المستندات التي تدل على ذلك. هنا تدخل أحد المحامين لكن لم يكن صوته مسموعا، وبالتالي لم أستطيع تدوين ما قاله ذلك المحامي. ومع ذلك تكلم هارون قائلا لفضيلة القاضي بأنه ناول يوسف كافة الأوراق التي كانت بيده والتي تشير إلى أن فيها دلالة على تعطيل قضيته. وكعادة القضاة خاصة الشباب منهم فقد أعطى فضيلته الفرصة لهارون بأن يضيف أي شيء يود قوله، فرد هارون مؤكدا على أن هناك كان تدخلا من قبل الوكيل في قضيته، وأن الوكيل طلب سحب القضية. انتهى الحوار مع هارون..
      (10)
      المتهم الثالث هو الأستاذ إبراهيم المعمري. تهمه هي نفس تهم يوسف الحاج مع إضافة تهمة جديدة وهي تشغيل موظف بدون ترخيص. وهنا دار جدل حول أهمية هذا الترخيص في القضية أصلا. فإذا كانت الجريدة قد خالفت التصريح من حيث عدم وجود بطاقة صحفية ليوسف الحاج فما دخل وزير العدل في ذلك؟ وما دخل الادعاء العام أصلا في ذلك؟ من المفترض أن يكون الشاكي هنا هو وزارة الأعلام كون جريدة الوطن خالفت قانون المطبوعات والنشر.. وقد كان أول سؤال من قبل فضيلة القاضي للأستاذ إبراهيم المعمري: هل عينت المتهم الأول بدون ترخيص، وهل أهنت موظف عمومي؟ رد المعمري بأن المستندات هي التي تثبت القضية وأنهم سبق أن قدموا الأوراق للحصول على ترخيص للصحفيين إلى وزارة الأعلام لكن الوزارة هي التي لم ترد عليهم حتى الآن.. بلا شك فإن القضاة يتابعون ما يدور من أحداث على المستوى الداخلي أو الخارجي، وقد فاجأ فضيلة القاضي الحضور عندما وجه بعض القول للأستاذ إبراهيم المعمري قائلا له بأن للصحافة دور قوي ومؤثر يجب أن يستخدم في كشف الحقائق والفساد، لكن يجب أن يكونوا على قدر المسئولية وبدون شكوك تحوم حوله. وقد أتى القاضي بأمثلة حول سير القضايا ابتداء من المحاكم الابتدائية وثم الاستئناف وثم الطعون لكن في كل مرحلة من مراحل التقاضي لا يتم نشر أسماء الأشخاص وإنما الوقائع والأحكام فقط والتي يتم نشرها في مجلدات معللا فضيلته بتجنب التشهير، لكن فضيلة القاضي غفل عما تم نشره مؤخرا عن أسماء رباعية لمواطنين في أحداث صحار. فلماذا يكون هنا تشهير وفي أحداث صحار غير تشهير؟
      (11)
      كرر فضيلة القاضي نفس السؤال الذي سبق أن طرحه على يوسف الحاج، وها هو الآن يطرحه على الأستاذ إبراهيم المعمري: هل تيقنتم من المستندات؟ هل ذهبتم إلى الوزير أو الوكيل؟ كان رد المعمري أيضا قريب من رد يوسف: تصرفنا من خلال الأوراق. هنا خرج الأستاذ إبراهيم من خيمة الهدوء التي لازمته، فقد قال مكررا بأنها فرصة تاريخية للتحقق من صحة القضية، وأن على عدالة المحكمة أن تتحقق من صحة الموضوع. وأضاف قائلا، نحن لا ننشر كل شيء وإنما ندقق فيها، فهناك الكثير من الأخبار تأتينا من قلب المؤسسة الحكومية وإذا لم نستطيع التيقن منها فإننا نرفضها، خاصة إذا لم يكن مصدر الخبر ذو ثقة. سؤال آخر وجهه القاضي للمعمري: كيف عن الصور؟ رد المعمري بأن يوسف هو المسئول عن الإخراج. فسألته القاضي مرة أخرى: ألست مسئولا عن الإخراج، فأجابه المعمري قائلا: أن مسئولا عن الجريدة بشكل عام ولهذا فأنا أنا. هل تريد إضافة شيئا؟ كان ذلك سؤال آخر لفضيلة القاضي طرحه للمعمري. فرد المعمري: يجب التحقق من صحة القضية والتحقيق في الظلم وليس في إهانة أو في عنوان. يبدو أن "عنوان" المقال شكل هاجسا لدى القاضي، فقد كرر نفس السؤال الذي سبق أن طرحه على يوسف أيضا ولكن بشكل آخر: هل اطلعت على العنوان؟ لم أسمع الإجابة، لكن سمعت ما قاله المعمري أنه من خلال المستندات فإن الوزير تدخل في تعطيل سير القضاء. سؤال آخر مكرر من قبل القاضي: هل طلبت منه مستند وتحققتم قبل النشر في تعطيل الدعوى؟ فكانت نفس الإجابة من قبل المعمري: تحققنا من خلال الأوراق المقدمة. يوجه القاضي سؤالا ليس جديدا أيضا: لا يوجد لديكم ترخيص لمزاولة مهنة الصحافة ليوسف. فرد المعمري قائلا بأنهم سبقوا أن خاطبوا وزارة الأعلام عن المحررين لكن لم يأتي الرد فيما يتعلق بيوسف. سؤال آخر من القاضي: هل يجيز قانون المطبوعات والنشر العمل بدون ترخيص؟ والجواب من المعمري: نحن وجهنا الرسالة إلى الأعلام. القاضي: يجب انتظار الترخيص قبل المزاولة. هل من إضافة أخرى: الأوراق بين القضية، وشكر القاضي. كان القاضي قد أشار أنه مثل وزارة القوى العاملة أو أية جهة أخرى فإنه لا يجب مزاولة أية مهنة إلا بعد الحصول على الترخيص، يعني انتظار الترخيص أولا ومن ثم المزاولة..
      (12)
      جاء دور المحامين الآن. تكلم أحدهم بصوت مسموع أبهر الحاضرين فيما بعد، فقد ذكر بأن الأوراق الموجودة لم تنطق بأن وزير العدل هو من قام برفع الشكوى، وما هي مطالبه. وهذا مخالف لقانون الإجراءات الجزائية. يجب تقديم شكوى. أضاف المحامي: ما هو السند القانوني لمخاطبة الجريدة؟ أما الشيء الذي أبهر الحاضرين من قبل ذلك المحامي فهو مطالبته باستدعاء وكيل وزارة العدل. عندئذ صفق الحاضرون في القاعة. وكان التصفيق حادا لدرجة أنه أثار حفيظة القاضي الذي خاطب الحاضرين قائلا بأنه يجب التزام الصمت وإلا أخرج الجميع وأن ذلك المكان ليس لدور العرض. كرر المحامي طلبه باستدعاء الوكيل. كان القاضي أكثر ذكاء عندما قال بأنه سوف يدرس طلبه، لكنه لم يحدد أي من الطلبات: استدعاء وكيل الوزارة؟ أم تقديم الشكوى؟ أم إيجاد سند قانوني لمخاطبة الجريدة؟ كان أحد الأشخاص واقفا، فخاطب فضيلة القاضي قائلا بأنه يمثل وزارة العدل، لكن القاضي طلب منه أن يبرز له صفته، فلم يقدر، فقال له بأن ليس له أن يتدخل في الدعوى العمومية. طلب القاضي من المحامي أن يذكر أية طلبات أخرى فرد المحامي بالنفي. قام محامي آخر بصعوبة استطعت سماعه سوى أن ذكر أن المتهمين لم يتم توجيه لهم أية تهم أثناء سير التحقيق. كما أن ذلك المحامي يصر على حضور "المجني عليهما" سواء في جلسة سرية أو جلسة علنية، وأضاف بأنه لا أحد فوق العدالة. وقد استشهد بحادثة تاريخية حديث أثناء خلافة سيدنا عمر بن الخطاب عندما كانت هناك مواجهة بين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبين يهودي. واختتم المحامي قائلا بأنه لا يضير العدالة حضور الشهود وحضور المجني عليه (ويقصد بالطبع الوزير والوكيل).
      (13)
      تحدث ممثل وزارة العدل الذي بدأ حديثه مستشهدا بالآية الكريمة: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين". ثم استرسل قائلا بأنه كان ينبغي على جريدة الزمن أن تطلع على ردود وزارة العدل التي خاطبت محكمة القضاء الإداري.
      عندما كان فضيلة القاضي يستجوب هارون فقد قالت عبارة " كقضاء احنا منزهين". تلك العبارة أثارت حفيظة العديد من الحاضرين خاصة بعدما خرجنا من القاعة وتحدثنا خارج المحكمة؛ هل هناك شخص منزه في هذا الوجود؟ التعليق من فضيلة القاضي كان على التدخل في تعطيل سير قضية هارون، لكن فضيلته يبدو أنه فهمها بأن المقصود التدخل في الأحكام، وكان هارون قد استدرك ما فهمه القاضي فرد هارون قائلا لفضيلة القاضي بأنه يقصد سير الدعوى وذلك من خلال المطالبات بالتسوية. لذا عندما أتى دور المحامين فقد تكلم محامي هارون معلقا على تلك الجزئية التي ذكرها القاضي خاصة أن فضيلته كان قد نزه وزير العدل أيضا من أن يتدخل في القضاء. عندئذ أصر ذلك المحامي على إثبات كلام القاضي في المحضر، وعلى استحياء وكما يبدو تم تثبيت ذلك أمام الحضور. وهنا يقودنا استفسار حول تنزيه قاضي لجهة حكومية أمام الحضور وعلى تنزيه وزير أيضا في قاعة المحكمة. لماذا لم يسأل القاضي نفسه حول قيام المظاهرات والمناشدات التي سبق أن طالبت بإقالة وزير العدل وحتى وكيله. ولعل من الأمور المثيرة التي نمت إلى علمي دون أن أستطيع التيقن منها لكن لا استبعد صحتها وهي أن وزير العدل استدعى هارون قائلا له بأنه لن يستطع أن يشوش أو يؤثر على منصبه، وأنه (أي الوزير) استطاع أن يفلت من إقالته جراء الاعتصامات، مشيرا إلى الخمس عشر وزيرا الذين أقيلوا أثناء الاعتصامات، وبالتالي لن تؤثر هذه القضية عليه. لكن هارون وبحسب ما أفصح لي ذلك المصدر قال بأن هارون "شيطان" أي شخص لا يستسلم ولن يتنازل عن حقه. وإن كان ذلك الكلام قابل للمداولة إلا أنه ومن خلال إصراره على إيصال شكواه إلى عدة جهات بما في ذلك جريدة الزمن يدل بأن هارون لديه من الشخصية غير الانهزامية وغير الاستسلامية تجعله محط إعجاب خاصة أنه تكلم بكل ثقة واقتدار أمام المحكمة دون تردد أو وجل.
      أتى دور الإدعاء العام. سأله القاضي: هل لديك مطالبات محددة؟ بدأ مطالباته بتأجيل الدعوة أولا، ثم أضاف بأنه طالب بمنع النشر، لكن الجريدة توجهت إلى الأدباء ومن يسموا أنفسهم مثقفين فنشرت الكثير من المقالات. هنا يشير الادعاء العام إلى عشرات المقالات التي نشرتها الزمن قبل الجلسة. وأضاف الادعاء العام قائلا بأن ذلك أدى إلى (تأليب الرأي العام). سأل القاضي الأستاذ إبراهيم المعمري: هل نشرتم؟ لا لم ننشر أبدا؟ وتحدث يوسف أيضا: لم ننشر. لكن المدعي العام تدخل ليقول بأنهم نشروا، رد عليه يوسف بأن قرار المحكمة كان يتحدث عن تفاصيل الجلسة والمقالات لم تتحدث ولم تنشر أي شيء عن التفاصيل وإنما التزمت بالمنع. وبعد جدل لم يستغرق طويلا وجه فضيلة القاضي بعدم نشر أي شيء أو أي خبر يشير إلى المحاكمة لا من قريب ولا من بعيد، لكن بالطبع لم يشير ذلك المنع إلى الصحف الأخرى سواء المحلية أو الخارجية أو المواقع الالكترونية، وكأن قرار فضيلة القاضية سوف يكتم أنفاس ما جاء في المحاكمة العلنية التي حضرها أكثر من خمسين شخص..

      (14)


      يبدو أن وزير العدل وكل محاميا دون أن يعرف الحضور في البداية. بالطبع كل محامي يذكر ما هو اسمه واسم مكتبه ومن يمثل (هل يمثل الدفاع أو المجني عليه). لقد استغربت كما استغرب غيري أن ممثل وزير العدل هو محامي شاب من مكتب "خليفة الهنائي" للمحاماة. لقد سبق أن قمت بتوكيل ذلك المكتب الذي مثلني أمام القضاء في قضيتين أحدهما تختص بشكوى رفعها ضدي الدكتور محمد الوهيبي – الرئيس التنفيذي السابق لعمانتل، والثانية من قبل مجلس الوزراء. وكما أسلفت فإن محامي الدفاع كان قد اعترض على أن يقوم ذلك المحامي بالمرافعة نظرا لعدم وجود توكيل رسمي من قبل الوزير للمحكمة، لكنه (أي محامي وزير العدل) قال بأن محامي الدفاع في الجلسة السابقة أيضا لم يكن لديه توكيل ومع ذلك قبل به القاضي. بالطبع تدخل محامي الدفاع قائلا بأن المتهم كان حاضر وأكد على توكيله للمحامي أمام القاضي لكن وزير العدل غير حاضر. لذا لم يكن لدى القاضي خيار سوى إسكات محامي الوزير، فرفض مرافعته إلا بعد إحضار توكيل رسمي.
      قبل انتهاء الجلسة أكد الادعاء العام على عدم النشر، فأيده القاضي على ذلك بل هدد بأنه في حالة النشر (تحملوا النتيجة إذا نشرتم).. عبارة شدت انتباه الحضور. وهي بمثابة رسالة قوية ظاهرها وباطنها التهديد العلني وكأن النشر في جريدة الزمن لوقائع الجلسة هي جريمة يعاقب عليها القانون. كما قال القاضي بأنه تؤجل الجلسة حتى السابع من سبتمبر ليقوم الدفاع بتقديم مذكرة. هنا تدخل محامي الدفاع سائلا فضيلة القاضي عما إذا كان سيتم استدعاء وزير العدل ووكيل العدل، لكن القاضي لم يجب على ذلك وإنما قال: هذا هو القرار. ثم اختتم: رفعت الجلسة، فخرج الجميع. كان هناك استنكار خارج المحكمة في عدة أمور: (1) لماذا كان هناك تقليل في المحكمة بشأن المثقفين؟ (2) لماذا نزه القاضي القضاء والوزير؟ (3) لماذا لم يوجه القاضي باستدعاء وزير العدل ووكيله؟ (4) لماذا الإصرار على عدم النشر؟
      استغرقت المحكمة ساعة و45 دقيقة صاحبها هدوء في معظم الأوقات باستثناء التصفيق الحاد للحضور واستنكار القاضي لذلك قائلا بأن ذلك ليس مسرحا للعرض، وقد تجمع الشباب خارج القاعة ووقفوا لأكثر من ربع ساعة يتداولون ما جرى، كما ذكر أحدهم بأنه سوف يصدر بيان يستنكر فيه التقليل من شأن المثقفين الذين بادروا في الوقوف مع إخوانهم في هذه القضية التي اعتبرها الكثير على أنها مسيسة من قبل وزير العدل الذي عجل بسيرها رغم أن هذه الفترة هي استراحة قضائية، وأن وزير العدل لا يفكر في الآثار المباشرة وغير المباشرة على سمعة السلطنة خاصة خارج السلطنة باعتبارها قضية تهم الرأي العام وتهم حرية الصحافة، وتبعث رسالة مفادها أن من يكتب عن ظلم أو التظلم، أو من يكتب عن فساد فسوف يتم محاسبته، وأن القضاء العماني نزيه من أي خطأ رغم وجود مستندات تدل على التدخل في تعطيل سير الدعوى..
      شخصيا، آمل من فضيلة القاضي أن يراعي ضميره قبل أن يراعي القانون. فالضمير والرحمة والمصلحة العامة فوق كل اعتبار قانوني. هي قضية نعتبرها وطنية لأنها ترسل رسالة مفادها واحد من أمرين:- أ‌) حرية التعبير مكفولة للصحافة في حالة البراءة، أو:- أ‌) لا يجوز الكتابة عن أي وزير ولا عن أي فساد في حالة الإدانة.
      وفي انتظار جلسة السابع من سبتمبر 2011م.
      انتهــــــــــــــى



      المصدر : بن دارس


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions