شخصية إسلامية ،،، فلنشارك جميعا ولكم الأجر،،

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • بلال بن رباح رضي الله عنه

      بلال بن رباح رضي الله عنه


      ‎ مولده ونشأته:

      ولد بلال بن رباح رضي الله عنه بمكة المكرمة قبل الهجرة بنحو 43 عاما.
      نشأ بلال رضي الله عنه في مكة وكان عبدا مملوكا لأيتام من بني عبد الدار كانوا تحت رعاية أمية بن خلف.
      لما بُعِث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء الإسلام، كان بلال من السابقين الأولين للدخول في الإسلام، فقد أسلم ولم يكن على ظهر الأرض إلا قلة قليلة من الذين أسلموا هم خديجة بنت خويلد وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب وعمار ابن ياسر وأمه سمية وصهيب الرومي والمقداد بن الأسود.

      صبره على الإيذاء:

      وكان لبلال الحظ الأكبر من التعذيب والقسوة والبطش وعانى ما لم يعانه غيره من أذى المشركين، فقد كان لمعظمهم عصبية تمنعهم إلا هو وعمار بن ياسر وأباه وأمه وصهيب، فنكلت بهم قريش أشد التنكيل.
      فقد كان أمية بن خلف وجماعة من المشركين إذا توسطت الشمس كبد السماء والتهبت رمال مكة من شدة الحر نزعوا ثيابه ثم يُلبِسونه درعًا من الحديد ويصهرونه بأشعة الشمس المتقده والرمال الملتهبة ويضربونه بالسياط، ويأمرونه بسب محمد صلى الله عليه وسلم.
      وكان بلال رضي الله عنه مع كل هذا التعذيب لا ينطق شيئا إلا: أَحَدٌ أحَد. وكان أمية بن خلف إذا مل من تعذيبه طوق عنقه بحبل غليظ ويعطيه للسفهاء والولدان ويأمرهم بأن يطوفوا به في شعاب مكة ويجروه في أباطحها.
      ثم أعتقه أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حيث اشتراه من أمية بن خلف بتسع أواق من الذهب، يغالى في ثمنه يظن أن يتركه أبو بكر وهو يقول في نفسه لو أبى أخذه إلا بأوقية لبعته. وأبو بكر يقول: لو أبى إلا بمائة أوقية لاشتريته.
      فرح بلال رضي الله عنه بذلك وبدأ عهدا جديدا من الحياة الحرة لم يعهده من قبل، فهاجر إلى المدينة رضوان الله عليه في جملة من هاجر.

      مناقبه:

      كان بلال هو مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم طول حياته، فلما مات الرسول صلى الله عليه وسلم أذن بلال فلما بلغ: أشهد أن محمد رسول الله. بكى بكاء شديدا وطلب من أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن يعفيه من الأذان فقد أصبح لا يحتمله بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم.
      ثم رحل رضوان الله عليه في أول بعث من بعوث المسلمين وأقام في (داريا) قرب دمشق حتى قدم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه دمشق فأمره بالأذان مرة أخرى وكان عمر يحبه حبًا شديدًا ويجله، وكان يقول: (إن أبا بكر سيدنا وأعتق سيدنا) يقصد بلالا رضي الله عنه. فلما انطلق صوته بالأذان بكى عمر وبكى كل من حضر من الصحابة الذين كانوا يسمعون هذا الصوت على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فهاجت أشواقهم ورقت مشاعرهم وبكوا جميعا.

      وفاته:

      مات بلال رضوان الله عليه وهو يردد في مرض موته: (غدا نلقى الأحبة .. محمدًا وصحبه). رضي الله عنه وجزاه عن الإسلام خيرًا.
    • فكرة ممتازة يا اخت مناهل ... بس هناك مشكلة صغيرة ..

      المشكلة في العنوان .. يعين العنوان يكون عن بلال بن رباح وبعدين في داخل الموضوع يكون عن صحابه اخرين
      اللي دخل في المرة الاولي يمكن ما يدخل مرة اخري وبالتالي سوف يحرم من قراءة المواضيع التي تتكلم عن الصحابه :) :)
    • شخصية اليوم هو ( أبن الهيثم )

      ابن الهيثم
      (354 430هـ / 965 1039م)


      مولده ونشأته:

      هو الحسن أبو علي محمد بن الحسن بن الهيثم.
      ولد بالبصرة بالعراق.
      من أعظم علماء الرياضيات والفيزياء.
      مؤسس علم البصريات.
      عمل موظفًا في الديوان الحكومي بالعراق.
      عكف ابن الهيثم على مواصلة البحث والدراسة.
      درس الفلسفة والتشريح، وبلغ في التشريح مكانة عالية، لاسيما العين.

      قدومه إلى مصر:

      استدعاه حاكم مصر الفاطمي عندما بلغه قوله: (لو كنت بمصر لعملت في نيلها عملا يحصل به النفع في كل حالة من حالاته من زيادة أو نقص)، فاستجاب ابن الهيثم وسافر إلى مصر وعندما رأى أعالي النيل بعينيه تحقق له أن الذي كان يقصده ليس بممكن، فعاد حزينًا وعمل بالديوان المصري فترة.
      عاش ابن الهيثم بقية حياته في القاهرة واهتم بالتأليف والنسخ، فكان ينسخ كتاب الأصول لإقليدس في الهندسة وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك في كل سنة، فيأتيه من أقاصي البلاد من يشتريهما منه بثمن معلوم، ويجعل ثمنهما مؤونة عامة.
      بلغت شهرة ابن الهيثم الآفاق، وعُرف بغزارة علمه وإنتاجه الضخم.

      برع في فنون شتى منها:

      الهندسة - الفلسفة - المنطق - الطب - الفلك .

      وأهم ما يشتهر به ابن الهيثم من الإنجازات إنجازه في علم البصريات؛ فهو أول من وصف أجزاء العين وعملية الرؤية فيها بشكل دقيق وسليم علميًا، مبطلا الرأي الإغريقي السائد آنذاك بأن الرؤية تتم بخروج شعاع من العين وسقوطه على الأشياء التي تتم رؤيتها، فبيَّن ابن الهيثم أن النشور الضوئي يمر من الأشياء إلى العين خلال القرنية وفتحة القزحية وأجزاء العين الأخرى ليصل إلى الشبكية.
      اكتشف ابن الهيثم أيضا قوانين انكسار الضوء وانعكاسه والعلاقة بين زاوية سقوط الضوء وانكساره.
      قام ابن الهيثم أيضا ببعض التجارب العلمية على تحلل الضوء إلى ألوانه المعروفة بألوان الطيف.
      كما درس ابن الهيثم طبيعة الضوء وقوس قزح والظلال والخسوف.
      كما درس المرايا بأنواعها الكرية والمكافئة ودرس الانحراف الكروي.
      كما درس ابن الهيثم نظريات التجارب بين الكتل وتسارع الأجسام الساقطة بفضل الجاذبية
      كما أشار ابن الهيثم إلى القانون الأول في الميكانيكا.
      ترك ابن الهيثم مؤلفات ضخمة في شتى المجالات، في الرياضيات والفلك والبصريات والطب والتشريح.

      من أشهر مؤلفاته:

      - كتاب المناظر (سبعة أجزاء).
      - كتاب مصادرات إقليدس.
      - كتاب حل شكوك إقليدس.
      - كتاب تقويم الصناعة الطبية.
      - كتاب تشريح العين وكيفية الإبصار.

      كما ترك عدة رسائل ومقالات منها:

      - مساحة المجسم المكافئ العدد والمجسم.
      - مقدمة ضلع المسبع.
      - تربيع الدائرة.
      - استخراج أضلع المكعب.
      - علل الحساب الهندي.
      - التحليل والتركيب.

      من أقواله:

      (وأنا ما دامت لي الحياة باذل جهدي ومستفرغ قوتي في مثل ذلك، متوخيًا منه أمورًا ثلاثة:
      أحدها: إفادة من يطلب الحق ويؤثره في حياتي وبعد مماتي.
      والثاني: أني جعلتُ ذلك ارتياضًا لي بهذه الأمور في إثبات ما تصوره وأتقنه فكري من تلك العلوم.
      والثالث: أني صيرته ذخيرة وعدة لزمان الشيخوخة وأوان الهرم).
    • شخصية اليوم هو ( عمرو بن العاص رضي الله عنه )

      مولده:

      ولد عمرو بن العاص رضي الله عنه قبل الهجرة بحوالي نصف قرن.

      صفاته:

      كان عمرو رضي الله عنه أحد دهاة العرب المعدودين وواحدًا من عباقرتهم الأفذاذ النادرين.
      كان عمرو بن العاص رضي الله عنه من أحسن الناس بيانا وأفصحهم لسانا.
      وكان عمرو رضوان الله عليه يتمتع بطاقات فذة من رجاحة العقل وبُعد النظر.
      أما أبوه فهو (العاص بن وائل) سيد من سادات العرب وأحد حكامهم في الجاهلية.
      ولقد ترك عمرو بن العاص رضي الله عنه للمسلمين سيرة ضخمة ملأت الدنيا وشغلت الناس دهرًا طويلا.
      وعندما هاجر بعض المسلمين بإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة عند ملكها النجاشي وأرادت قريش أن تستعيدهم وتغري بهم النجاشي لم تجد أفضل من عمرو بن العاص للقيام بهذه المهمة لدهائه ولما تعرف من أواصر المودة التي كانت بينه وبين النجاشي. ولكن النجاشي لما سمع من عمرو والمهاجرين إليه امتلأ قلبه يقينًا واطمئنانًا وفهم عقيدتهم وتعلق قلبه بالإسلام فأسلم بعد ذلك.

      إسلامه:

      لما أراد عمرو الرجوع دعاه النجاشي إلى الدخول في الإسلام وبيَّن له عظيم فضل الله عليهم بإرسال محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت لهذه النصيحة من ملك عظيم كالنجاشي أثرها على عمرو حيث وقع الإسلام في قلبه وشرح الله صدره للإسلام عام 8 هـ.
      عزم عمرو على السفر لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وفي طريقه التقى بخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة ووجدهما يقصدان نفس ما يقصد.
      لما قدم الثلاثة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعه خالد وعثمان وقبض عمرو يده، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (مالك يا عمرو؟!) فقال: أبايعك على أن يغفر الله لي ما تقدم من ذنبي. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الإسلام والهجرة يجُبَّان ما قبلهما) فبايعه عمرو رضي الله عنه. ولما كان يعرفه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عبقرية وشهامة؛ أمَّره على المسلمين في غزوة ذات السلاسل.

      جهاده في سبيل الله:

      بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم كان لعمرو رضي الله عنه دور مهم في حروب الردة في عهد الصديق.
      وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تمكَّن البطل عمرو بن العاص من فتح فلسطين ومصر ولا يخفى ما في هذا العمل من أهمية؛ فقد أمَّن ساحل الشام أمام المسلمين وفتح بفتح مصر أبواب أفريقية وبلاد المغرب ثم أسبانيا فيما بعد.
      ولقد برز دهاء عمرو وعبقريته في فتح مصر بما أعجب المؤرخين حتى من غير المسلمين وأبهرهم حسن خطته وحكمته.

      من مأثور كلامه وبلاغته:

      (الرجال ثلاثة: رجل تام، ونصف رجل، ولا شيء. أما الرجل التام فهو الذي كَمُل دينه وعقله، فإذا أراد أن يقضي أمرًا استشار أهل الرأي، فلا يزال موفقًا. وأما نصف الرجل فهو الذي لم يكمل الله له دينه وعقله، فإذا أراد أن يقضي أمرَا لم يستشر فيه أحدًا وقال: أي الناس اتبعه وأترك رأيي لرأيه، فيصيب ويخطئ. وأما الذي لا شيء، فهو من لا دين له ولا عقل فلا يزال مخطئًا مدبرًا. والله إني لأستشير في الأمر حتى خدمي).
      وكان يقول آخر أيامه: (كنت على ثلاث حالات عرفت نفسي فيها: كنت أول شيء كافرًا، فلو مت حينئذ لوجبت لي النار، فلما بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم كنت أشد الناس حياء منه حتى إني ما ملأت عيني منه قط، فلو مت حينئذ لقال الناس: هنيئا لعمرو؛ أسلم على خير، ومات على خير، ثم تلبست بعد ذلك بأشياء فلا أدري أعليَّ أم لي؟)

      مناقبه:

      روى الإمام أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص).

      وفاته:

      مات رحمه الله عام 43 من الهجرة بعد عمر طويل حافل بالأحداث الجسام :) :)
    • سلمان الفارسي رضي الله عنه

      سلمان الفارسي رضي الله عنه
      مولده ونشأته:
      ولد سلمان الفارسي رضي الله عنه بقرية يقال لها (جيان) تقع في أصبهان، وأصبهان مدينة في جمهورية إيران الحالية، تقع بين طهران وشيراز.
      ترك سلمان رضي الله عنه فارس وهاجر يبحث عن الرسول صلى الله عليه وسلم بمجرد أن علم بمبعثه ليعتنق الإسلام .
      يروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قص قصته فقال: " كنت فتى فارسيًا من أهل أصبهان من قرية يقال لها (جيان)، وكان أبي دهقان القرية (أي رئيسها) وأغنى أهلها غنى، وأعلاهم منزلة، وكنت أحب خلق الله إليه منذ ولدت، ثم ما زال حبه لي يشتد ويزداد على الأيام حتى حبسني في البيت خشية لي كما تحبس الفتيات. وقد اجتهدت في المجوسية حتى غدوت قيم النار التي كنا نعبدها، وأنيط بي أمر إضرامها حتى لا تخبو ساعة من ليل أو نهار. وكان لأبي ضيعة عظيمة تدر علينا غلة كبيرة، وكان أبي يقوم عليها، ويجني غلتها.
      وفي ذات مرة شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل، فقال: يا بني إني قد شغلت عن الضيعة بما ترى، فاذهب إليها وتول اليوم عني شأنها. فخرجت أقصد ضيعتنا، وفيما أنا في بعض الطريق مررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون فلفت ذلك انتباهي، ولم أكن أعرف شيئًا من أمر النصارى أو أمر غيرهم من أصحاب الأديان لطول ما حجبني أبي عن الناس في بيتنا، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم لأنظر ما يصنعون.
      فلما تأملتهم أعجبني صلاتهم، ورغبت في دينهم وقلت: والله هذا خير من الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس ولم أذهب إلى ضيعة أبي، ثم إني سألتهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: في بلاد الشام.
      ولما أقبل الليل عدت إلى بيتنا فتلقاني أبي يسألني عما صنعت، فقلت: يا أبتي إني مررت بأناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، وما زلت عندهم حتى غربت الشمس. فذعر أبي مما صنعت وقال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه.
      قلت: كلا والله إن دينهم لخير من ديننا. فخاف أبي مما أقول وخشي أن أرتد عن ديني، وحبسني بالبيت، ووضع قيدًا في رجلي.

      ذهابه للشام:
      لما أتيحت لي فرصة بعثت إلى النصارى أقول لهم: إذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب إلى بلاد الشام فأعلموني. فما هو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب متجه إلى الشام.
      فأخبروني به، فاحتلت على قيدي حتى حللته، وخرجت معهم متخفيًا حتى بلغنا بلاد الشام. فلما نزلنا فيها، قلت: من أفضل رجل من أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة، فجئته فقلت: إني قد رغبت في النصرانية، وأحببت أن ألزمك وأخدمك وأتعلم منك وأصلي معك. فقال: ادخل. فدخلت عنده وجعلت أخدمه.
      ثم ما لبثت أن عرفت أن الرجل رجل سوء؛ فقد كان يأمر أتباعه بالصدقه ويرغبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئًا لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه ولم يعط الفقراء والمساكين منها شيئًا، حتى جمع سبع قلال من الذهب، فأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته منه، ثم ما لبث أن مات فاجتمعت النصارى لدفنه، فقلت لهم:
      إن صاحبكم كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئًا. قالوا: من أين عرفت ذلك؟!.
      قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: نعم دلنا عليه. فأريتهم موضعه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وفضة، فلما رأوها قالوا:
      والله لا ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة. ثم إنه لم يمض غير قليل حتى نصبوا رجلا آخر مكانه، فلزمته، فما رأيت رجلا أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه في الآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلا ونهارًا، فأحببته حبًا جمًا، وأقمت معه زمانًا، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إلى من توصي بي ومع من تنصحني أن أكون من بعدك؟
      فقال: أي بني لا أعلم أحدًا على ما كنت عليه إلا رجلا بالموصل هو فلان، لم يحرف ولم يبدل فألحق به.
      فلما مات صاحبي لحقت بالرجل في الموصل، فلما قدمت عليه قصصت عليه خبري وقلت له: إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك مستمسك بما كان عليه من الحق. فقال: أقم عندي. فأقمت عنده فوجدته على خير حال.
      ثم إنه لم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان لقد جاءك من أمر الله ما ترى، وأنت تعلم من أمري ما تعلم فإلى من توصي بي؟ ومن تأمرني بالإلحاق به؟
      فقال: أي بني، والله ما أعلم أن رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به. فلما غيب الرجل في لحده لحقت بصاحب نصيبين وأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي فقال لي: أقم عندنا. فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضرته الوفاة قلت له: لقد عرفت من أمري ما عرفت فإلى من توصي بي؟
      فقال: أي بني، والله إني ما أعلم أحدًا بقي على أمرنا إلا رجلا بعمورية هو فلان، فالحق به. فلحقت به وأخبرته خبري فقال: أقم عندي. فأقمت عند رجل كان والله على هدي أصحابه، وقد اكتسبت وأنا عنده بقرات وغنيمة.

      راهب ينصح سلمان باتباع النبي:
      ثم ما لبث أن نزل به ما نزل بأصحابه من أمر الله، فلما حضرته الوفاة قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي، وما تأمرني أن أفعل؟
      فقال: يا بني والله ما أعلم أن هناك أحدًا من الناس بقي على ظهر الأرض مستمسكًا بما كنا عليه، ولكنه قد أظل زمان يخرج فيه بأرض العرب نبي يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين، وله علامات لا تخفى؛ فهو يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل. ثم وافاه الأجل، ومكثت بعده بعمورية زمنًا .

      قدومه الجزيرة العربية:
      مر بعمورية نفر من تجار العرب من قبيلة (كلب) فقلت لهم: إن حملتموني معكم إلى أرض العرب أعطيتكم بقراتي هذه وغنيمتي. فقالوا: نعم نحملك. فأعطيتهم إياها وحملوني معهم حتى إذا بلغنا وادي القرى غدروا بي وباعوني لرجل من اليهود فالتحقت بخدمته، ثم ما لبث أن زاره ابن عم له من بني قريظة فاشتراني منه ونقلني معه إلى يثرب، فرأيت النخل الذي ذكر لي صاحبي بعمورية وعرفت المدينة بالوصف الذي نعتها به، فأقمت بها معه.
      وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يدعو قومه في مكة، لكنني لم أسمع له بذكر لانشغالي بما يوجبه علي الرق.

      إسلامه:
      ثم ما لبث أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يثرب فو الله إني لفي رأس نخلة لسيدي أعمل فيها بعض العمل، وسيدي جالس تحتها إذ أقبل عليه ابن عم له وقال له: قاتل الله بني قيلة والله إنهم الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم اليوم من مكة يزعم أنه نبي.
      فما إن سمعت مقالته حتى مسني ما يشبه الحمى، واضطربت اضطرابًا شديدًا حتى خشيت أن أسقط على سيدي، وبادرت إلى النزول على النخلة وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول؟ أعد علي الخبر. فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدة، وقال لي: ما لك ولهذا؟ عد إلى ما كنت فيه من عملك.
      ولما كان المساء أخذت شيئًا من تمر كنت جمعته، وتوجهت به إلى حيث ينزل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق من غيركم، ثم قربته إليه، فقال لأصحابه: كلوا. وأمسك يده فلم يأكل، فقلت في نفسي: هذه واحدة.
      ثم انصرفت وأخذت أجمع بعض التمر، فلما تحول الرسول صلى الله عليه وسلم من قباء إلى المدينة جئته فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذه هدية أكرمتك بها. فأكل منها وأمر أصحابه فأكلوا معه.
      فقلت في نفسي: هذه الثانية.
      ثم جئت الرسول صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد حيث كان يواري أحد أصحابه، فرأيته جالسًا وعليه شملتان، فسلمت عليه ثم استدرت أنظر إلى ظهره لعلي أرى الخاتم الذي وصفه لي صاحبي في عمورية، فلما رآني النبي صلى الله عليه وسلم أنظر إلى ظهره عرف غرضي، فألقى رداءه عن ظهره، فنظرت الخاتم فعرفته فانكببت عليه أقبله وأبكي.
      فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما خبرك؟! فقصصت عليه قصتي، فأعجب بها، وسره أن يسمعها أصحابه مني فأسمعتهم إياها، فعجبوا منها أشد العجب، وسروا بها أعظم السرور.
      أسلم سلمان وأُعتق وصار من أجَلِّ الصحابة وتولّى الإمارة في عهد الخلفاء الراشدين على بعض البلاد. رضي الله عنه.

      مناقبه:
      يروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وضع يده يومًا على سلمان وقال: " لو كان الإيمان بالثريا لتناوله رجال من هؤلاء " وأشار إلى سلمان رضي الله عنه
    • شخصية اليوم ( زيد بن حارثة رضي الله عنه )

      زيد بن حارثة رضي الله عنه


      نشأته:

      اسمه زيد بن حارثة بن شراحيل الكعبي.
      عندما كان زيد غلامًا في الثامنة من عمره، خرجت به أمه سعدى بنت ثعلبة لزيارة قومها بني (معن)، وبينما كانت في طريقها بالقرب من قومها، أغارت عليهم خيل لبني (القين) فأخذوا المال واستاقوا الإبل وسبوا الذراري.
      ظلت أمه بفقده لا تجف لها دمعة ولا تنتهي لها عبرة ولا تهدأ لها لوعة ولا يطمئن لها بال.

      قصة بيعه:

      عُرض زيد للبيع في سوق عكاظ وكان سوقًا تقيمه العرب في مكة في الأشهر الحرم للبيع والشراء وتتناشد الأشعار به، واشتراه واحد من سادة قريش هو حكيم بن حزام بن خويلد ابن أخي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد.
      وهبه حكيم لعمته خديجة، ولما نالت خديجة رضي الله عنها شرف الزواج برسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته زيدًا، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بُعث آنذاك.
      سعد زيد بالإقامة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه حبًا شديدًا وأحبه رسول الله حبًا شديدًا كذلك.

      اختياره البقاء مع رسول الله ورفضه العودة مع والده:

      علم أبوه حارثة بن شراحيل بوجوده في مكة، فسافر إلى مكة وأخذ معه أموالا ليفتدي بها زيدًا، وصحب معه أخاه كعبًا.
      ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ مالا ولا غيره وقال لهما: (هل لكما فيما هو خير من الفداء؟) قالا: ما هو؟ قال: (نخيره، فإن اختاركم فهو لكم بغير مال وإن اختارني فما أنا والله بالذي يرغب عمن يختاره) فقالا: أنصفت وبالغت في الإنصاف. ولكن زيدًا اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعجب منه أبوه وعمه، وقال أبوه: ويحك يا زيد أتختار العبودية على أبيك وأمك؟! فقال: إني رأيت من هذا الرجل شيئًا وما أنا بالذي يفارقه أبدًا. فلما قال ذلك، أخذه الرسول صلى الله عليه وسلم بيده وخرج إلى البيت الحرام ووقف به بالحِجر وقال على ملأ من قريش: (يا معشر قريش، اشهدوا أن هذا ابني يرثني وأرثه) فطابت عندئذ نفس أبيه وعمه وتركاه عند الرسول صلى الله عليه وسلم وعادا مطمئني النفس مرتاحي البال، وظل زيد يُعرف بعد ذلك بزيد بن محمد، حتى جاء الإسلام وحرَّم التبني ونزل قول الله تعالى: (ادعوهم لآبائهم) فأصبح يُدعى زيد بن حارثة.

      جهاده في سبيل الله:

      ولما بُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان زيد من السابقين إلى الإسلام وصار قائدًا لبعض بعوثه وسراياه وممن كان يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم على المدينة في بعض الغزوات.

      وفاته:

      وفي السنة الثامنة للهجرة، خرج زيد بن حارثة رضي الله عنه قائدًا للجيش الإسلامي إلى (مؤتة)، يقود جيشًا قوامه ثلاثة آلاف مقاتل، وما إن وصل الجيش إلى معان (بالأردن الآن) حتى هب هرقل ملك الروم على رأس مائة ألف مقاتل وانضم إليه مائة ألف مقاتل من مشركي العرب، وقُتل زيد رضي الله عنه، فتولى قيادة الجيش بعده جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه فقُتل، فتولى قيادة الجيش عبد الله بن رواحة فقُتل، فاختار المسلمون خالد بن الوليد الذي انحاز بالجيش وأنقذه من الفناء.
      حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لموت زيد ورفاقه حزنًا شديدًا، وبكى لفقد حِبِّه زيد بكاءً شديدًا.
    • أبو هريرة رضي الله عنه

      أبو هريرة رضي الله عنه

      مولده ونشأته:

      اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
      نشأ يتيمًا، وكان يعمل أجيرًا عند بسرة بنت غزوان.
      ولد باليمن وكان من بيت فقير وليس له من الناس أحد إلا أمه.
      كان اسمه في الجاهلية (عبد شمس).

      إسلامه:

      أسلم أبو هريرة على يد الطفيل بن عمرو الدوسي، وظل باليمن في قومه (دوس) ولم يهاجر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة إلا بعد الهجرة بست سنين.
      أسماه الرسول صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن، وكان يناديه كثيرًا: (يا أبا هِر)
      وكان سبب كنيته ب(أبي هريرة) أنه كانت له في طفولته هِرَّة صغيرة يلعب بها فجعل قرناؤه ينادونه: أبا هريرة.

      تشرفه بخدمة النبي:

      انقطع أبو هريرة بعد دخوله في الإسلام إلى صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وخدمته.
      ودعا أمه للإسلام فدخلت بعد دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لها، وكان بارًا بها أشد البر.
      لزم أبو هريرة الصُّفَّة(وهي مكان في مسجد الرسول كان مخصصًا لسكن فقراء الصحابة)، وكان يتبع الرسول صلى الله عليه وسلم في كل حركاته فلا يكاد يفارقه حتى حفظ عنه أحاديث كثيرة جدًا، لاسيما بعد أن دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له بعدم نسيان العلم.
      حفظ أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من ألف وستمائة حديث، وكان يقول: أحفظ حيث ينشغل إخواني المهاجرين بتجارتهم وإخواني الأنصار بزراعتهم.

      شغفه بالعلم:

      كان أبو هريرة رضي الله عنه محبًا للعلم، وكان يحبه لغيره لدرجة أنه كان يذهب إلى أهل السوق بالمدينة ويقول لهم: أنتم هنا قاعدون وميراث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بالمسجد، ما أعجزكم. فيذهب الناس فلا يجدون شيئًا سوى القائمين في صلاة أو القارئين لكتاب الله أو الجالسين في دروس العلم، فيتعجبون من أبي هريرة. فيقول لهم: ذلك ميراث النبي صلى الله عليه وسلم.
      ولما كثر المال وفاضت الخيرات وجاءت غنائم الفتح، صار لأبي هريرة رضي الله عنه مال ومنزل ومتاع وزوج وأولاد، ولم يغير ذلك من شغفه بالعلم ولا تواضعه وشدة عبادته واجتهاده وطاعته.

      ورعه وتقواه:

      وفي خلافة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، صار أبو هريرة واليًا على المدينة، فلم يفت ذلك في ورعه وتقواه؛ فكان يصوم النهار ويقوم الليل.
      وكان رضي الله عنه يُكثر من قوله: ( نشأت يتيمًا، وهاجرت مسكينًا، وكنت أجيرًا لبسرة بنت غزوان بطعام بطني، فكنت أخدم القوم إذا نزلوا، وأحدو لهم إذا ركبوا، فزوجنيها الله تعالى (يعني بسرة بنت غزوان)، فالحمد لله الذي جعل الدين قوامًا وصيَّر أبا هريرة إمامًا).
    • ابن يونس
      399هـ / 1009م



      مولده ونشأته:

      هو أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن يونس بن عبد الأعلى.
      ولد في مصر في أسرة عرفت بالعلم،فقد كان جده يونس من أصحاب الشافعي رحمه الله، وكان أبوه من أكبر المؤرخين في مصر ومن أشهر علمائها.
      نهل ابن يونس من العلوم منذ الصغر، ونبغ في علم الفلك فشجعه العزيز بالله الفاطمي وابنه الحاكم بأمر الله على البحث في علم الفلك والرياضيات، فبنوا له مرصدًا على صخرة أعلى جبل المقطم قرب القاهرة، وجهزوه بأفضل آلات وأدوات الرصد.
      رصد ابن يونس بكل نجاح كسوف الشمس وخسوف القمر عام (368هـ / 978م)
      كما وصل ابن يونس لنفس النتائج التي وصل إليها فلكيو بغداد في مراصدهم، وتعتبر أرصاده أول سجل أرصاد دُوِّن بدقة علمية ملحوظة، فاتخذها كل من جاءوا بعده مرجعًا لهم.

      أهم إنجازاته:

      * رصد كسوف الشمس لعامي (368هـ / 977م)، (369هـ / 978م) فكانا أول كسوفين سجلا بدقة متناهية وبطريقة علمية بحتة.
      * أثبت أن حركة القمر في تزايد في السرعة.
      * صحح ميل دائرة البروج وزاوية اختلاف المنظر للشمس ومبادرة الاعتدالين.
      * حل الكثير من المسائل الصعبة في علم الفلك الكروي.
      * أول من فكر في حساب الأقواس الثانوية التي تصبح بها القوانين بسيطة فتغني عن الجذور التربيعية التي تجعل الحسابات صعبة.
      * أسهم في استقلالية علم حساب المثلثات عن الفلك.
      * أوجد جداول للظلال وظلال التمام.
      * كما ابتكر طريقة جديدة سهَّل بها كل العمليات الحسابية.
      * وأهم إنجازاته على الإطلاق هو اختراعه (البندول).
      أفنى ابن يونس حياته في دراسة حركة الكواكب ورصدها.


      ترك ابن يونس عددًا من المؤلفات في الفلك والرياضيات من أهمها:

      * الزيج الحاكمي (أربعة مجلدات).
      * كتاب الظل.
      * غاية الانتفاع.
      * كتاب الميل.
      * التعديل المحكم.
      * الرقاص.
      * تاريخ أعيان مصر.
    • الإمام نور الدين السالمي

      هو الشيخ العلامة المحقق الإمام نور الدين عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي رضي الله عنه .
      ولد بقرية الحوقين سنة (1286) للهجرة على أقرب تقدير ، من امرأة فاضلة من بني كاسب ، تزوَّج بها والده المغفور له الشيخ حميد بن سلوم السالمي ، من البادية الواقعة ما بين بركاء والمصنعة – شمال الباطنة ، حيث كانت للشيخ حميد بن سلوم السالمي مقاطن بتلك البادية أيضاً ، وكانت له بها ثروة من الإبل ، فكان يتردد إلى تلك المقاطن بين الفينة والأخرى .
      نشأ الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه في حجر أبيه بقرية الحوقين ، وترعرع بها ، وتعلم القرآن الكريم على يد أبيه رضي الله عنهما ، حيث كان والده متصفاً بالفضل والزهد والتعـبُّد ، وفي السنة الثانية عشر من عمره كُفَّ بصره على أثر مرض الجدري الذي أصابه رضي الله عنه ، فمنحه الله ذاكرة قوية في الحفظ ، حيث أنه لا يكاد يسمع شيئاً إلاَّ وعاه ، فكان في منتهى الذكاء والفطنة .
      ومن أجل طلب العلم خرج الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه من الحوقين إلى الرستاق ، فتتلمذ للشيخ العلامة راشد بن سيف اللمكي ، عالم الرستاق ونواحيها آنذاك ، كما تتلمذ على يد الشيخ العلامة عبد الله بن محمد الهاشمي ، فكان أحد شيوخه الفضلاء ، كما تتلمذ على يد الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري ، أثناء إقامة الشيخ العبري بالرستاق ، كما زار الشيخ محمد بن خميس السيفي في (نزوى ) ، وأخذ عنه علوم الأوراد – (الأسرار ) – ويعد كذلك أحد أشياخه .
      انتقل الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه من الرستاق إلى المنطقة الشرقية من عمان سنة ( 1308 ) للهجرة ، وذلك لما سمع من أخبار الشيخ الصالح / صالح بن علي الحارثي ، فعرض عليه الشيخ الصالح أن يستوطن القابل بجواره ، فامتثل له ، فلازمه ، فكان أحد شيوخه الذين أخذ عنهم العلم ، وكان يقول رضي الله عنه بأن الشيخ صالح بن علي الحارثي أعلم أهل زمانه بالحلال والحرام .
      ولما نزل الإمام نور الدين السالمي القابل ، واستوطنها ، أقام بها مدرسة لطلبة العلم ، فتوافد إلى مدرسته عدد من شباب آنذاك ، لأخذ العلم عنه ، وكرس رضي الله عنه جهده للتدريس والتأليف ، فتخرج من مدرسته عدد من العلماء الأجلاء والقضاة الفضلاء ، ولا مغالاة إذا قلنا أن أغلبية علماء عمان في القرن الرابع عشر للهجرة ، من ثمار غرس ذلك الحبر الجليل .
      انتشر العلم في ربوع عمان من مدرسة الإمام نور الدين السالمي ، فلا يرى مجلسُه إلا عامراً بالعلماء وأهل الخير والفضل ، وضربت إليه رضي الله عنه أكباد الإبل من شرق البلاد وغربها ، ووردت إليه الفتاوي من كثير من البلاد الإسلامية ، فيجيب على تلك المسائل والرسائل بالجواب الفصل المستلهم من ثنايا الكتاب والسنَّة ، حيث كان رضي الله عنه إماماً في القرآن وتفسيره ، إماماً في علم الحديث ، إماماً في الفقه ، إماماً في علوم اللغة والبيان والبديع ، إماماً في الأصول كلها ، إماماً في النحو ، إماماً في الفرائض ، إماماً في كل فن وعلم .
      ولما توفي شيخه الصالح ، لم يحل له المقام بالقابل بعده ، فاتفق مع الشيخ جمعة بن سعيد المغيري المسكري رحمه الله ، فأنشئا قرية سمَّياها ( الظاهر ) بعلاية بدية ، فتجاورا فيها ، ونقل النور السالمي مدرسته إليها ، ويعد الشيخ جمعة بن سعيد المغيري أحد أشياخه كذلك .
      يعتبر الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه أحد أقطاب الأمة المجتهدين ، محققاً جليلاً للمنقول والمعقول ، معروفاً بغزارة العلم والإجتهاد ، وإليه انتهت رئاسة العلم بعمان ، كالشرع والفقه واللغة والأدب والتاريخ وغيرها .
      بدأ في التأليف بالرستاق سنة ( 1305 ) للهجرة ، وكان سنه في ذلك الوقت سبع عشرة سنة ، وكانت أولى مؤلفاته (بلوغ الأمل في المفردات والجمل ) .
      قدم إليه الأخيار للنهل من فيضه ، والتزود بالمعرفة والعلم ، فوفد إليه طلبة العلم من سائر الأرجاء ، وقد تنوعت مدرسته رضي الله عنه في تقديم المادة العلمية ، فلم تقتصر على منهجٍ معين أو مادة واحدة ، بل تعددت وتشبعت المناهج بها ، وتعددت المواد ، فشملت سائر فنون العلم ، فكان على المتعلم أن يستسقي منها ما تمليه عليه رغبته ومقدرته واستعداداته .
      تخرج على يديه علماء أتقياء كانت لهم مواقف مذكورة ودور كبير في نشر العلم في أرجاء عمان ، فكان هو القلب النابض الذي ينفخ فيهم روح المعرفة ، فأصبحوا شعلة من نور ، أضاءت عمان . وردَّت إليها الحياة بعد أن كانت تعجُّفي دياجير الجهل والظلام ، ومن أشهر من تخرَّج على يديه :
      - الإمام سالم بن راشد الخروصي .
      - الإمام محمد بن عبد الله الخليلي .
      - الشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي .
      - الشيخ عامر بن خميس المالكي .
      - الشيخ الزاهد أبو زيد عبد الله بن محمد بن رزيق الريامي .
      - القاضي أبو الوليد سعود بن حميد . والذي كان يكتب عنه الكثير من مؤلفاته وفتاويه وأحكامه .
      لم تقتصر همَّة الإمام نور الدين السالمي على التدريس والتأليف ، بل تعدت ذلك ، فقام بالاتصال بالعلماء من خارج عمان ، كالمغرب ومصر وغيرهما ، وكانت بينه وبينهم مراسلات واستفتاءات ، ولا سيَّما الإمام القطب محمد بن يوسف أطفيش رضي الله عنه ، وكان الإمام القطب يدرس تلاميذه مؤلفات الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه ، وقد أعجب بها وأثنى عليها .
      وقد حكى رضي الله عنه ، نفسه في مؤلفه التاريخي (( تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان )) لقاءه مع العلماء بمكة المكرمة أثناء حجه بيت الله الحرام ، فقال : وكنت قد اجتمعت في مكة برجال من علماء قومنا ، وكان رجل منهم يقال له الزبير بن علي الأصغر ، من أهل عظيم أباد من أرض الهند ، وقد سبقني إلى مكة ، ولمَّا سمع بوصولي أتى إليَّ في بيت الرباط ، وسألني عن أصول المذهب وفروعه وأهله ومحله ، فشرحت له ذلك شرحاً وافياً كافياً ، وطلب مني بعض كتب المذهب ، فدفعت إليه مشارق الأنوار ، وكان لم يحضر غيرها ، والكلام في ذكر ما سأل عنه يطول به الكتاب ، ثم بقي يتردد عليَّ مراراً ويناظرني في الخلاف الواقع بيننا وبينهم ، وكان أديباً حسن الجدال ، ذا ذكاء وفطنة ، لا يكابر الحجة إذا رآها ، وكان هو سبب في الإجتماع بعلماء الآفاق في ذلك العام .
      وقد منَّ الله عليَّ بإظهار الحجة عليهم ، واعترف بعضهم بالحق الذي في أيدينا ، فمنهم من قال – إن الأباضية أقرب الفرق إلى الحق ، قال ذلك عبد الرزاق البغدادي ، ومنهم من قال – أعلم أن الأصلح والأسلم ما أنتم عليه ، وقائل ذلك الزبير ، وكان يكنَّى أبا عبد الله ، فقلت له – حاشاك أبا عبد الله أن تترك الأصلح والأسلم ، فسكت ولم يجب ، ولم يكن بعد هذه المقابلة بيني وبينهم مناظرة .. انتهى .
      أما مؤلفاته رضي الله عنه كثيرة ، فقد عمرت المكتبة الإسلامية بها ، واستفاد منها طلبة العلم من المسلمين في كافة أرجاء المعمورة ، ولا تزال منبعاً صافياً يرده طلبة الحق من المسلمين ، ولو أنه رضي الله عنه طال به العمر ، لكانت مؤلفاته أجم عدداً ، وأوسع تحقيقاً ، إنما هي مشيئة الباري جلَّت قدرته ، فأخذه إليه وهو في العقد الرابع من عمره .
      وهنا نحن نورد جميع مؤلفاته رضي الله عنه تسهيلاً لطالب العلم في البحث عنها ، وهي :
      1) بلوغ الأمل في المفردات والجمل .
      2) أنوار العقول في الأصول .
      3) بهجة الأنوار .
      4) مشارق أنوار العقول .
      5) صواب العقيدة .
      6) كشف الحقيقة .
      7) شمس الأنوار في أصول الفقه .
      8) غاية المراد في الاعتقاد .
      9) غاية الحقيقة لمن جهل الطريقة .
      10) طلعة الشمس في أصول الفقه ((في جزأين )).
      11) شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع بن حبيب (( ثلاثة أجزاء )) .
      12) مدارج الكمال نظم مختصر الخصال .
      13) معارج الآمال شرح مدارج الكمال (( ثمانية أجزاء )) .
      14) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام (( أربعة أجزاء )) .
      15) تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (( جزئان )) .
      16) تلقين الصبيان فيما يلزم الإنسان .
      17) المنهل الصافي في العروض والقوافي .
      18) شرح العمريطية .
      19) الحجج المقنعة في صلاة الجمعة .
      20) الحجج الواضحة في الردِّ على التلفيقات الفاضحة .
      21) بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود .
      22) اللمعة المرضية في أشعة الأباضية .
      23) الحق الجلي في سيرة صالح بن علي .
      24) روض البيان على فيض المنَّان في الرد على من ادعى قدم القرآن .
      25) ديوان شعر تتضمن قصائده دعوة المسلمين إلى الحق وبعض قصائده مراثي في بعض الفضلاء .
      26) كتاب المناظيم .
      27) كتاب الشرف التام شرح دعائم الإسلام .
      28) إيضاح البيان في أحكام نكاح الصبيان .
      29) أجوبة جمَّة نثراً ونظماً ، جمع ما ظفر به فضيلة الشيخ العلامة سالم بن حمد بن سليمان الحارثي ، وسمَّى ما جمعه (( العقد الثمين في فتاوي نور الدين )) يقع في أربعة مجلدات .
      30) القول المفتوح في نجاسة الدم المسفوح .

      انتقل الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه إلى الرفيق الأعلى ، في الثامن عشر من شهر صفر عام (1332) للهجرة ، في ظل ظرف غامض ، عبَّر عنه المؤرخون – بأن ركنة أمبا صدعته من على راحلته ، وذلك بقرية بني صبح من ولاية حمراء العبريين ، حيث كان رضي الله عنه في طريقه لزيارة شيخه ماجد بن خميس العبري ، للتشاور معه في مسألة اختلفا فيها ، وهي مسألة وقوفات قراءة القرآن على المقابر .
      نقل الإمام نور الدين السالمي رضي الله عنه بعد إصابته من حمراء العبريين إلى قرية تنوف ، فتوفي بها ، ودفن بها في مقبرة بني نبهان على سفح الجبل الأخضر ، وذلك بناء على رغبة صديقه ومعاضده الشيخ حمير بن ناصر النبهاني شيخ بني ريام ، حيث دفن بدوره إلى جانبه ، ورمسيهما ( رحمهما الله ) معروفان بهذا المكان ، وكان ذلك دليل حسن خاتمته وقبول عمله حيث توفي ودفن في المكان الذي نصب فيه إماماً لعمان هو سالم بن راشد الخروصي رضي الله عنهما .
    • محمد بن سيرين

      محمد بن سيرين

      مــولده ونشــأته:

      ولد محمد بن سيرين رحمه الله في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه.
      كان أبوه (سيرين) مملوكًا لأنس بن مالك الصحابي الجليل، وكان من نصيبه بعد معركة (عين التمر) وهي بلدة غربي الكوفة افتتحها خالد بن الوليد في خلافة أبي بكرالصديق رضي الله عنه، فأعتقه أنس.
      وأمه اسمها (صفية) وكانت أمة لأبي بكر الصديق رضي الله عنه فأعتقها أيضًا.
      عرف أبوه وأمه بالصلاح وحُسن السيرة.

      طلبه للــعلم:

      نشأ محمد بن سيرين في بيت تحوطه التقوى والورع واتصل بمجموعة كبيرة من الصحابة رضي الله عنهم مثل:
      * زيد بن ثابت
      * عمران بن الحصين
      * أنس بن مالك
      * أبو هريرة
      * عبد الله بن الزبير
      * عبد الله بن عباس
      * عبد الله بن عمر
      أقبل محمد بن سيرين على هؤلاء الصحب الكرام ينهل من علمهم وفقههم وروايتهم لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

      شهـرته:

      اشتهر محمد بن سيرين وذاع صيته وعلت شهرته في البلاد وعُرف بالعلم والورع
      وقد كانت له مواقف مشهورة مع ولاة بني أمية صدع فيها بكلمة الحق وأخلص النصح لله ولرسوله؛ منها: سأله مرة عمر بن هبيرة والي بني أمية على (العراقين): كيف تركت أهل مصرك يا أبا بكر (كنية ابن سيرين)؟! فقال محمد بن سيرين: تركتهم والظلم فيهم فاش وأنت عنهم لاهٍ. فغمزه ابن أخيه بمنكبه، فالتفت إليه قائلا: إنك لست الذي تُسأل عنهم وإنما أنا الذي أسأل وإنها لشهادة (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه) فأجزل ابن هبيرة له العطاء فلم يقبل، فعاتبه ابن أخيه قائلا: ما يمنعك أن تقبل هبة الأمير؟ فقال: إنما أعطاني لخير ظنه بي، فإن كنت من أهل الخير كما ظن، فما ينبغي لي أن أقبل، وإن لم أكن كما ظن، فأحرى بي ألا استبيح قبول ذلك.

      ورعـــه:

      ومن ورع محمد بن سيرين رحمه الله أنه سمع أحد الناس يسب الحجاج بن يوسف بعد وفاته فقال له:" صه يا ابن أخي، فإن الحجاج مضى إلى ربه، وإنك حين تقدم على الله عز وجل ستجد أن أحقر ذنب ارتكبته في الدنيا أشد على نفسك من أعظم ذنب اجترحه الحجاج، فلكل منكما يومئذ شأن يغنيه، واعلم يا ابن أخي أن الله عز وجل سوف يقتص من الحجاج لمن ظلمهم كما سيقتص للحجاج ممن يظلمونه، فلا تشغلن نفسك بعد اليوم بسب أحد" .
      منح الله سبحانه وتعالى ابن سيرين سمتًا صالحًا وقبولا في قلوب الناس، فكان الناس إذا رأوه في السوق وهم غارقون في غفلتهم انتبهوا وذكروا الله وهللوا وكبَّروا.
      وكانت له تجارة وله بيع وشراء في السوق فإذا رجع إلى بيته بالليل أخذ في القيام يتلو القرآن ويبكي.
      وكان في تجارته ورعًا لدرجة أنه ذات مرة اشترى زيتًا بأربعين ألفًا مؤجلة، فلما فتح أحد زقاق الزيت وجد فيه فأرًا ميتًا متفسخًا فقال في نفسه: إن الزيت كله كان في المعصرة في مكان واحد وإن النجاسة ليست خاصة بهذا الزق دون سواه، وإن رددته للبائع بالعيب فربما باعه للناس. فأراق الزيت كله.

      ثناء العلمـــاء عليه:

      قال مورق العجلي: " ما رأيت رجلا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين" .

      وفـــاته:

      توفي محمد بن سيرين بعد أن عمَّر حتى بلغ السابعة والسبعين عامًا، رحمه الله .
    • شخصية اليوم ( عمر بن عبد العزيز رحمه الله )

      مكانته:

      تابعي جليل من التابعين ، لقِّب بخامس الخلفاء الراشدين لسيره في خلافته سير الخلفاء الراشدين .
      تولى الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك. قال عنه محمد بن علي بن الحسين رحمه الله: " أما علمت أن لكل قوم نجيبًا، وأن نجيب بني أمية عمر بن عبد العزيز، وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده " .

      طلبه للعلم:

      طلب عمر بن عبد العزيز العلم صغيرًا، وصار يجالس كبار الفقهاء والعلماء، وتولى إمارة المدينة المنورة فترة من عمره.

      مبايعته بالخلافة:

      بويع بالخلافة بعد وفاة سليمان بن عبد الملك وهو لها كاره فأمر فنودي في الناس بالصلاة، فاجتمع الناس إلى المسجد، فلما اكتملت جموعهم، قام فيهم خطيبًا، فحمد الله ثم أثنى عليه وصلى على نبيه ثم قال: أيها الناس إني قد ابتليت بهذا الأمر على غير رأي مني فيه ولا طلب له... ولا مشورة من المسلمين، وإني خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم خليفة ترضونه. فصاح الناس صيحة واحدة: قد اخترناك يا أمير المؤمنين ورضينا بك، فَلِ أمرنا باليمن والبركة. فأخذ يحض الناس على التقوى ويزهدهم في الدنيا ويرغبهم في الآخرة، ثم قال لهم: " أيها الناس من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له على أحد، أيها الناس أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم " ثم نزل عن المنبر.

      ما دار بينه وبين ابنه بعد توليه الخلافة:

      اتجه عمرإلى بيته وآوى إلى فراشه، فما كاد يسلم جنبه إلى مضجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك وكان عمره آنذاك سبعة عشر عامًا، وقال: ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين؟ فرد عمر: أي بني أريد أن أغفو قليلا، فلم تبق في جسدي طاقة. قال عبد الملك: أتغفو قبل أن ترد المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: أي بني إني قد سهرت البارحة في عمك سليمان، وإني إذا حان الظهر صليت في الناس ورددت المظالم إلى أهلها إن شاء الله. فقال عبد الملك: ومن لك يا أمير المؤمنين بأن تعيش إلى الظهر؟! فقام عمر وقبَّل ابنه وضمه إليه، ثم قال: الحمد لله الذي أخرج من صلبي من يعينني على ديني. ثم قال وأمر أن ينادى في الناس: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها. وأخذ عمر رحمه الله يرد المظالم إلى أهلها.

      عـدله:

      كان عمر رحمه الله قد جمع جماعة من الفقهاء والعلماء وقال لهم: " إني قد دعوتكم لأمر هذه المظالم التي في أيدي أهل بيتي، فما ترون فيها؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين: إن ذلك أمرًا كان في غير ولايتك، وإن وزر هذه المظالم على من غصبها " ، فلم يرتح عمر إلى قولهم وأخذ بقول جماعة آخرين منهم ابنه عبد الملك الذي قال له: أرى أن تردها إلى أصحابها ما دمت قد عرفت أمرها، وإنك إن لم تفعل كنت شريكا للذين أخذوها ظلما. فاستراح عمر لهذا الرأي وقام يرد المظالم إلى أهلها.

      وفـاته:

      استمرت خلافته فترة قصيرة جدا، فلم يل الخلافة سوى عامين ونصف ثم حضره أجله ولاقى ربه عادلا في الرعية قائما فيها بأمر الله تعالى.
    • الرازي ،،،

      الرازي
      (251-313هـ / 865-936م)
      - هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي.
      - ولد في مدينة الري في خرسان (شرقي مدينة طهران الحالية)
      - اهتم الرازي في بداية حياته بالدراسات الفلسفية واللغوية والرياضية.
      - رحل الرازي بعد أن بلغ الثلاثين من عمره إلى بغداد وبدأ فيها بدراسة الطب بعزم وإصرار شديد.
      - ترأس بعد ذلك الرازي البيمارستان العضدي في بغداد.
      - عاد بعد فترة إلى الري مرة أخرى واحتل منصب رئيس الأطباء في البيمارستان الملكي فيها.
      - ثم اشتهر بعد ذلك الرازي وذاعت شهرته في طول البلاد.
      - توصل الرازي إلى عدد من الابتكارات والاختراعات في مجال الطب والكيمياء منها:
      * ابتكار خيوط القصاب من أمعاء القطط.
      > * ابتكار استعمال فتائل للجروح.
      * وهو أول من فرق بين الجدري والحصبة.
      * تركيب مراهم الزئبق.
      * معالجة السل بالتغذية بالحليب المحلى بالسكر.
      > * أول من قال بفصل الصيدلة عن الطب.
      * وأول من جعل الكيمياء في خدمة الطب.


      - كما فتح باب الصيدلة الكيمائية فهو:

      * أول من حضر مادة الكحول من مخمرات محاليل سكرية.

      * أول من حضر حمض الكبريتيك بتقطير كبريتات الحديد


      - فقد الرازي بصره في آخر عمره حيث كان يكثر القراءة ليلا.
      - ومن طريف ما يحكى أنه جاء إليه يوما طبيب كي يجري له عملية في عينيه إنقاذا لبصره, وقبل أن يشرع الطبيب في عمليته سأله الرازي عن عدد طبقات أنسجة العين, فاضطرب الطبيب عند ذلك وصمت, فقال له الرازي: إن من يجهل جواب هذا السؤال عليه أن لا يمسك بآلة يعبث بها في عيني).
      - ترك الرازي مؤلفات عديدة وصلت إلى 230 مؤلفا في شتى العلوم.
      - ومن أشهر الكتب التي تركها الرازي كتاب (الحاوي في الطب) وكتاب (المنصوري في الطب) وكتاب (الجدري والحصبة) وكتاب (برء الساعة) وكتاب (من لا يحضره طبيب) وكتاب (سر الأسرار) في الكيمياء وكتاب (التدبير) فيها أيضا.
      من أقواله:

      * (عالج أول العلة بما لا يسقط القوة, وما اجتمع عليه الأطباء وشهد عليه الناس وعضدته التجربة وليكن أمامك).
      * (إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة)
      * (ينبغي للمريض أن يقتصر على واحد ممن يوثق به من الأطباء فخطؤه في جنب صوابه يسير جدا).
      * (العمر يقصر عن الوقوف على فعل كل نبات في الأرض فعليك بالأشهر مما أجمع عليه ودع الشاذ واقتصر على ما جربت).
      * (الحقيقة في الطب غاية لا تدرك والعلاج بما تنصه الكتب دون إعمال الماهر الحكيم برأيه خطر).
    • الحسن البصري رحمه الله

      الحسن البصري رحمه الله


      ‎ مولده ونشأته:

      ‎ اسمه الحسن بن يسار، وكان (يسار) مولى للصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه، واسم أمه (خيرة) وكانت مولاة لأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم.
      ولد الحسن بالمدينة عام 30 هـ تقريبا ونشأ في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبصفة خاصة بيت أم سلمة رضي الله عنها فقد ربي في حجرها وقد كانت أم سلمة رضي الله عنها من أكمل نساء العرب عقلا، وأوفرهن فضلا وحكمة، كما كانت من أوسع زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم علما وأكثرهن رواية عنه، وقد كانت من النساء القليلات اللواتي يكتبن في الجاهلية.
      كما نال الحسن أيضا شرف الرضاعة من أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها حيث كانت أمه تخرج لقضاء بعض الحاجات فكان الطفل الرضيع يبكي من جوعه فتأخذه أم سلمة رضي الله عنها إلى حجرها وتلقمه ثديها لتصبره به وتعلله عن غياب أمه، ولشدة حبها له فقد كان ثديها يدر لبنا بقدرة الله فيرضع الصبي ويسكت عن البكاء.
      ظل الحسن في طفولته يتنقل بين بيوت أمهات المؤمنين وينهل من هذا الجو النقي من الأخلاق الطيبة والدين والأدب والعلم.

      طلبه للعلم:

      تتلمذ الحسن على يدي كبارالصحابة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مثل: عثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعلي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري ، وأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمر.
      ثم انتقل الحسن إلى البصرة مع والديه عندما بلغ أربعة عشر عاما واستقر بالبصرة مع أسرته وكانت البصرة آنذاك من أكبر قلاع العلم وكان مسجدها العظيم يموج بمن دخلها من كبار الصحابة رضي الله عنهم لا سيما عبد الله بن عباس الذي لازمه الحسن وأخذ عنه التفسير والحديث والقراءات.
      أخذ الحسن عن غير عبد الله بن عباس من الصحابة الفقه واللغة والأدب حتى صار من أعلم أهل زمانه.
      التف الناس حوله وذاع صيته وعلت شهرته وأحبه الناس حبا شديدا.

      ثناء العلماء عليه:

      وصفه أحد المقربين منه وهو خالد بن صفوان فقال: " إنه امرؤ سريرته كعلانيته، وقوله كفعله، إذا أمر بمعروف كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن منكر كان أترك الناس له، ولقد رأيته مستغنيا عن الناس، زاهدا بما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه، طالبين ما عنده "
      وقال عنه مسلمة بن عبد الملك: " كيف يضل قوم فيهم مثل الحسن البصري؟! "

      نصحه أولي الأمر:

      وكان الحسن البصري لا يترك نصيحة أولي الأمر بما يراه حقا ولو كان قاسيا عليهم، لدرجة أنه لما طلب عمر بن هبيرة منه النصيحة في أمور يأمره بها الخليفة يزيد بن عبد الملك ولا يطمئن إليها عمر بن هبيرة قال له: " يا ابن هبيرة خف الله في يزيد ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله جل وعز يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله. يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد. يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفك بائقة يزيد ابن عبد الملك في الدنيا والآخرة، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى، فإن الله يكلك إلى يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائنا من كان في معصية الخالق عز وجل " فبكى ابن هبيرة حتى بللت دموعه لحيته.

      من مواعظه:

      وكانت مواعظ الحسن تهز القلوب وتنبه الغافلين وتستدر دموع السامعين؛ فمن مواعظه: " إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب، متى ازددت من إحداهما قربا ازددت من الآخرة بعدا، الدنيا دار أولها عناء وآخرها فناء، وفي حلالها حساب وفي حرامها عقاب، من استغنى فيها فتن ومن افتقر فيها حزن " .

      وفاته:

      مات الحسن رحمه الله عام 110 هـ وخرج أهل البصرة جميعا لجنازته يوم الجمعة غرة رجب، رحمه الله رحمة واسعة.
    • أسماء بنت أبي بكر

      أسماء بنت أبي بكر


      ( عمرت أسماء مائة عام ولم يسقط لها سن ولا ضرس ولم يغب من عقلها شيء ).


      نسبها:

      صحابيتنا هذه جمعت المجد من أطرافه كلها … فأبوها صحابي وجدها صحابي وأختها صحابية وزوجها صحابي وابنها صحابي .. وحسبها بذلك شرفاً وفخراً .. أما أبوها فالصديق خليل الرسول الكريم في حياته وخليفته من بعد مماته . وأما جدها فأبوعتيق والد أبي بكر . وأما أختها فأم المؤمنين عائشة الطاهرة المبراة . وأما زوجها فحواري رسول الله الزبير بن العوام وأما ابنها فعبد الله بن الزبير رضي الله عنه وعنهم أجمعين .. إنها - بإيجاز أسماء بنت أبي بكر الصديق … وكفي …


      إسلامها:

      كانت أسماء من السابقات إلى الإسلام إذ لم يتقدم عليها في هذا . وقد لقبت بذات النطاقين لأنها صنعت للرسول صلوات الله عليه ولأبيها يوم هاجرا إلى المدينة زادا وأعدت لهما سقاء فلما لم تجد ما تربطهما به شقت نطاقها شقين فربطت بأحدهما المزود وبالثاني السقاء فدعا لها النبي عليه الصلاة والسلام أن يبدلها الله منها بنطاقين في الجنة فلقبت لذلك بذات النطاقين . تزوج بها الزبير بن العوام.


      هجرتها للمدينة:

      ولما أتيح لها أن تهاجر إلى المدينة فراراً بدينها إلى الله ورسوله كانت قد أتمت حملها بابنها عبد الله بن الزبير فلم يمنعها ذلك من تحمل مشاق الرحلة الطويلة فما إن بلغت قباء حتى وضعت وليدها .فكبر المسلمون وهللوا لأنه كان أول مولود يولد للمهاجرين في المدينة . فحملته إلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ووضعته في حجره فأخذ شيئاً من ريقه وجعله في فم الصبي ثم حنكه ودعا له.


      صفاتها:

      فقد كانت من الجود بحيث يضرب بجودها المثل حدث ابنها عبد الله قال : ما رأيت امراتين قط أجود من خالتي عائشة وأمي أسماء لكن جودهما مختلف . أما خالتي فكانت تجمع الشيء إلى الشيء حتى إذا اجتمع عندها ما يكفي قسمته بين ذوي الحاجات.وأما أمي فكانت لاتمسك شيئاً إلى الغد. وقد ماتت عن عمر يناهز المائة عام ولم يسقط لها سن وضرس ولم يغب من عقلها شيء
    • أم حرام بنت ملحان الأنصارية

      أم حرام بنت ملحان الأنصارية


      55-27 هـ
      قالت أم حرام إنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
      "أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا"

      قالت أم حرام:
      يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: "أنت فيهم ".


      ماذا ينقص أم حرام حتى تكون من تلك الأسرة المؤمنة المجاهدة؟

      إن من البطولة أن تذهب المرأة للجهاد وفي سبيل الله، ومن البطولة أن تموت غازية في أرض بعيدة، ثم تدفن فيها. فالثبات على المبدأ، والخروج للجهاد في سبيل نشره، والموت دفاعا عنه، يعتبر من النوادر بالنسبة للرجال فكيف الأمر بامرأة كأم حرام؟ أمران هما العجيبان في أمر أم حرام: أولهما أنها امرأة مصرة على الجهاد في سبيل الله، شابة وكهلة. فقد طلبت من رسول الله في شبابها أن يدعو لها بأن تكون من المجاهدين مع الرجال. وقد جاهدت فعلا في كهولتها. وثانيهما أن تكون منيتها في قبرص، في وسط البحر الأبيض المتوسط، بعد أن جاهدت مع الرجال وهي في سن الكهولة.

      كان من الممكن أن تصبر كما صبرت سمية، فتموت من وقع الأذى والاضطهاد في سبيل الدين. وكان من الممكن أن تحارب في المعارك القريبة أو البعيدة، في جزيرة العرب كما فعلت أم عمارة.

      يمكنها أن تنال الكثير وهي في جزيرة العرب، يكفيها الرجال مؤونة الخروج للفتح ونشر الدين في بقاع الأرض.

      لكن ما يزيل عجبنا، أن أم حرام نبعت من أسرة أساسها الإيمان، وهدفها الجنة، ووسيلتها الجهاد في سبيل الله. فأخوها حرام بن ملحان هو القائل يوم بئر معونة فزت ورب الكعبة وأختها أم سليم، كانت ندا للرجال في المعارك. وابن أختها أنس بن مالك، معروف في ملازمته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاركته له في كل الغزوات. وزوجها عبادة بن الصامت هو الصحابي الورع المناضل المجاهد.

      فماذا ينقص أم حرام حتى تكون فردا من أفراد تلك الأسرة المؤمنة المجاهدة .

      أليست من آل النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

      بشارة رسول الله ترافقها أينما حلت وأينما ارتحلت، الإيمان بالدين يدفعها، والقدوة من أفراد أسرتها تسيرها، والطمع في جنة الخلد هدفها.

      فمن هي أم حرام؟

      نسبها:

      أم حرام بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر ابن غنم بن عدي بن النجار. الأنصارية النجارية المدنية.

      فهي من بني النجار أخوال رسول الله صلى الله عليه وسلم . لأن آمنة بنت وهب من بني النجار.

      أمها:

      مليكة بنت مالك بن عدي بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار.

      فهي من بني النجار من ناحيتي الأب والأم

      أخوها:

      حرام بن ملحان، الشهيد الذي قال يوم بئر معونة: (فزت ورب الكعبة) وذلك حين طعنه المشركون من ظهره غدرا، بحربة خرجت من صدره رضي الله عنه. وقصة بئر معونة مسجلة في كتب السيرة والبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم .

      أختها:

      أم سليم بنت ملحان زوجة الصحابي الجليل أبي طلحة وأم

      أنس بن مالك وهي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم : دخلت الجنة فسمعت خشفة بين يدي فإذا أنا بالغميصاء بنت ملحان (أي أم سليم) وأم سليم هي التي كانت تحمل خنجرا يوم بدر ويوم حنين تحارب به.

      قال تعالى: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم )) التوبة:100

      زوجها:

      عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي: يكنى أبا الوليد وأمه قرة العين بنت عبادة بن نضلة بن العجلان. كان نقيبا من نقباء العقبة الأولى والثانية والثالثة. شهد بدرا والمشاهد كلها، آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وكان ممن جمع القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي القرطبي أن عبادة بن الصامت حفظ القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي عهد عمر بن الخطاب وجهه إلى الشام قاضيا ومعلما، بناء على طلب من يزيد بن أبي سفيان، الذي طلب من عمر رضي الله عنه أن يرسل لأهل الشام من يفقههم في دينهم؟ فأرسل عبادة ومعاذا وأبا الدرداء. أقام عبادة في حمص ثم انتقل إلى فلسطين. وجرت بينه وبين معاوية بن أبي سفيان مواقف وقصص، ينكر فيها على معاوية أشياء كثيرة . يرجع في بعضها معاوية لعبادة وفي بعضها يشكوه إلى عثمان بن عفان روى 181 حديثا وكان من سادات الصحابة.



      وروى ابن سعد في ترجمته أنه كان طوالا جسيما جميلا .

      مات ببيت المقدس على بعض الروايات، ومنهم من قال إنه مات بالرملة. والمشهور أنه مات بقبرص بالشام، وقبره يزار بها، وكان واليا عليها من قبل عمر بن الخطاب . وفي وفاته أقوال كثيرة وقيل إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين.

      إسلامها:

      في مكة وبالتحديد في موسم الحج، عرض الرسول نفسه على القبائل القادمة من أنحاء الجزيرة العربية. وكان من بين الذين لقيهم من أهل يثرب، ومن بني أخواله بني النجار حرام بن ملحان أخو أم حرام، وعبادة بن الصامت، زوجها. فشرح الله صدورهم له وتشبعوا بروح القرآن، وآمنوا بالله ربا وبمحمد نبيا، وكلما قرأ عليهم رسول الله آية أو سورة، صادفت في نفوسهم هوى وفي أفئدتهم تجاوبا، وصاروا يرددونه في مجالسهم، وينشرونه في أهل المدينة بعد عودتهم إلى ديارهم. وصادفت آيات القرآن وسوره من أم حرام وأختها أم سليم تجاوبا، فكانتا من أوائل المسلمات في المدينة.

      وفي العام المقبل وافى إلى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلا فلقوا رسول الله في العقبة وهي العقبة الأولى.

      كان من بين النقباء الاثنى عشر عبادة بن الصامت، الذي عاد مع بقية صحبه ينشرون الدين في كل أنحاء المدينة، حتى لم يبق بيت فيها إلا وفيه من يقرأ القرآن. واعتنقت الأختان أم حرام وأم سليم الدين الإسلامي، لأنه صادف ما فطرتا عليه من فضائل، فاستجابتا بسرعة وشرعتا بتطبيق مبادئه وتعاليمه.

      وجلس عبادة وحرام بن ملحان معلمين للزوجة والأخت؟ يسردان على مسامعهما ما لقيه رسول الله من عناء في سبيل نشر الدعوة، والأذى الذي كان لحق به من كفار مكة. ثم يلقنان الأختين آيات القرآن الكريم، وتعاليم دينهما، حتى أصبح الإسلام جزءا من حياتهما وصارت تعاليمه أساس سلوكهما. ومضت الأيام والليالي الطوال وهم يرتلون ويحفظون، وينتظرون هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بفارغ الصبر ولا سيما أنه سينزل في ضاحية قباء قبل وصوله المدينة، لأنها في طريق هجرته من مكة. وما دامت الأختان تسكنان في قباء فسوف يكون شرف استضافة رسول الله لهما.

      وكلما مضت الأيام يزداد الشوق للقاء رسول الله ، والتطلع إلى طلعته البهية. وكان حظ أم حرام وأم سليم من استقباله حظا كبيرا، فهن بنات أخواله من جهة وبيتها وبيت أختها في قباء على طريق هجرته.

      وآن الأوان وأذن الله لرسوله بالهجرة، وكانت قباء أول مكان ينزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضواحي المدينة، وهي سكن لبني عمرو بن عوف. وعبادة بن الصامت منهم وزوجته أم حرام من بني النجار أخوال رسول الله.

      ووصل عليه الصلاة والسلام إلى قباء، فاستقبله أهلها بالأفراح والأناشيد. واستضافت قباء رسول الله وأصحابه أربعة أيام هي الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وخرج من بينهم يوم الجمعة.

      ولعل أسعد أيام أم حرام، كانت الأيام التي استضافت فيها قباء رسول الله وصحبه، فقد سمعت عن كثب أقواله عليه الصلاة والسلام، ورأت كثيرا مما غمض عليها من أمور دينها. وبايع الناس رسول الله، وبايعت النساء، وذلك بأن يقررن بأنفسهن بألا يشركن بالله شيئا فإذا قلن ذلك بألسنتهن، قال عليه الصلاة والسلام أقد بايعتكن، وعلى رأسهن بايعت أم حرام وأم سليم أختها.



      أم حرام في الحرب:

      لم يكد رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقر في المدينة، حتى بدأ نشاطه وأصحابه لنشر الدين في الجزيرة العربية، وشرعت الغزوات تتوالى الواحدة تلو الأخرى ضد لمشركين " بدئت ببدر وختمت بتبوك. فهل كان للنساء دور في تلك ا.لغزوات؟ الجواب أن للنساء دورا كبيرا، عرفناه عند أمهات المؤمنين ولدى الصحابيات الجليلات بدءا من صفية بنت عبد المطلب، وأم عمارة وأم سليم، وأم أيمن وغيرهن و غيرهن.
      ولا أعتقد أن أم حرام بنت ملحان ستبقى حبيسة بيتها، قعيدة في
      زاويته مستسلمة مستكينة، والمسلمون يغزون في كل مكان، لا بد أنها كانت مع أختها أم سليم ومثيلاتها من النساء، يرافقن الرجال إلى الغزوات والمعارك، لهن أعمال كثيرة محددة وأدوار هامة يقمن بها ومنها تشجيع المحاربين وبث الحماس في نفوسهم، وتذكيرهم بأجر المجاهدين في الدنيا والآخرة، وبمنزلة الشهداء عند رب العالمين. بالإضافة إلى أنهن يساعدن في خدمة من يحتاج إلى مساعدة من المقاتلين، ويحملن الماء يروين ظمأ الجرحى الظامئين، ويضمدن الجراح ويداوين المرضى ويسهرن على راحتهم أثناء المعركة وبعد انتهائها. فهذه كلها أعمال تحصل في الخطوط الخلفية من المعارك لإحراز النصر، إنها أعمال الجندي المجهول وأم حرام جاهدت في أواخر حياتها فكيف لا تكون مجاهدة في شباب؟

      فقد ساهمت في معارك أحد وحنين والخندق والفتح والطائف مع زوجها عبادة رضي الله عنه.



      أم حرام في السلم:

      كانت أم حرام داعية للدين، تعلم النساء حولها، وتتلقط من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما تسمعه منه، لتعيه ذاكرتها، ثم تسرده على مسامع لداتها وأترابها، فتروي ذلك عن رسول الله. وحديثها في جميع الدواوين. ويقول عنها كتاب سير أعلام النبلاء إنها كانت من علية القوم. وقد حدث عنها ابن أختها أنس بن مالك وغيره.

      وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم زيارات منظمة لقباء. وبسبب المسافة التي تبعدها عن المدينة- وهي ضاحيتها- كان يبقى فيها ضيفا عند عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام، أو عند أنس بن مالك وأمه أم سليم، وكلتا الأختين في دار واحدة- فيطعم عندها أو لدى أختها ثم يقيل هناك. حتى، يقوم إلى شأنه وحاجته من لقاء الأصحاب والصلاة بهم وتعليمهم شؤون دينهم.

      وقد حدث أنس بن مالك قال:

      دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو إلا أنا وأمي، وخالتي أم حرامبنت ملحان فقال: قوموا فلأصل بكم فصلى بنا في غير وقت صلاة .

      وهذا الحديث يدل على أنه عليه الصلاة والسلام، يدخل بيت آل ملحان وكأنه بيته، يدخله في أي وقت شاء.

      بشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم :

      حدث أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . كان يدخل على أم حرام

      بنت ملحمان فتطعمه، وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها رسول الله يوما . ثم جلست تفلي رأسه، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، يركبون ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة قالت: فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. ثم وضع رأسه، فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله، كالملوك على الأسرة- كما قال في الأولى- قالت: فقلت يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين.

      وهكذا بشرها رسول! الله صلى الله عليه وسلم أنها ستغزو في البحر، وستكون من الأولين الذين يغزون في البحر، وربما كانت من الشهداء في تلك ا لغزوات.


      كيف تحققت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم

      قبض عليه الصلاة والسلام، ونبوءته عن أم حرام لم تتحقق في حياته.
      وفي خلافة أبي بكر اتجهت الفتوحات إلى العراق أولا ثم إلى بلاد الشام ثانيا، وكلها جيوش متدفقة نحو اليابسة، إذ لم يفكر أحد أثناء خلافته رضي الله عنه أن يغزو في البحر.
      وأتم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما بدأه الصديق، فلم يفكر في غزو البحر مطلقا لولا أن جاءته رسالة من معاوية بن أبي سفيان، وكان واليه على الشام. جاء في تاريخ الطبري .
      (ألح معاوية وهو والٍ على الشام من قبل عمر، أن يذهب لغزو قبرص ولج عليه حتى قال: إن قرية من قرى حمص يسمع أهلها نباح كلابهم، وصياح دجاجهم . حتى كاد يأخذ بقلب عمر). والروم كانوا قد جعلوا من قبرص مركزا لهم، لغزو المسلمين في الشام فكان لا بد من تحريرها وتطهيرها من سيطرتهم. ولم يكن للمسلمين عهد بغزو البحر؟ لذلك فوجىء عمر بإلحاح معاوية. وجعل يفكر في غزو البحر وصعوبته، فلم يجد أعرف بذلك الأمر من عمرو بن العاص، فكتب إلى عمرو يقول: (صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه) فرد عليه عمرو بن العاص قائلا : (إني رأيت خلقا كبيرا، يركبه خلق صغير. ليس إلا السماء والماء، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول. يزداد في اليقين قلة والشك كثرة، هم فيه كدود على عود، إن مال غرق وإن نجا برق).

      فلما قرأ عمر الكتاب كتب إلى معاوية: (والذي بعث محمدا بالحق، لا أحمل فيه مسلما أبدا، وقد بلغني أن بحر الشام يشرف على أطول شيء من الأرض، فيستأذن الله في كل يوم وليلة أن يغرق الأرض؟ فكيف أحمل بالجنود على هذا الكافر المستصعب. وبالله لمسلم واحد أحب إلي مما حوت الروم).

      وبقيت فكرة غزو البحر تراود معاوية، إلى أن، قتل عمر بن الخطاب وتولى عثمان بن عفان فكتب إلى عثمان رضي الله عنه، ولم يزل به حتى وافقه على ركوب البحر.

      ومنذ ذلك اليوم بدأ غزو البحار، فكان معاوية أول من بدأ بذلك حين وافق عثمان على عرض معاوية، كتب له: ( لا تنتخب الناس ولا تقرع بينهم خيرهم، فمن اختار الغزو طائعا فاحمله وأعنه). ففعل معاوية. واستعمل على البحر (عبد الله بن قيس الجاسي) حليف بني فزارة. فغزا خمسين غزاة بين شاتية وصائفة في البحر، ولم يغرق فيه أحد، ولم ينكب . وربما كانت هذه الغزوات الناجحة هي التي شجعت معاوية على ركوب البحر.

      ترامى إلى مسامع أم حرام، وهي في قباء، استئذان معاوية من عثمان أن يغزو في البحر وموافقة عثمان على ذلك. فتذكرت نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وكانت قد وصلت إلى خريف العمر، وبلغت من الكبر مرحلة لا تستطيع أن تجاهد فيها. لكنها تلهـفت لركوب البحر والجهاد في سبيل الله. ألم يقل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنت من الأولين "؟ إنها لا تطمع بمغنم ولا تتوق لفوز، ولكن رغبتها في الجهاد هي التي كانت تدفعها. وطلبت من عبادة زوجها أن يستأذن لها عثمان بن عفان، وألحت في طلبها، حتى وافق لهما عثمان بمرافقة الجيش. كما أذن لغيرهما من كبار الصحابة أمثال أبي ذر الغفاري وأبي الدرداء وغيرهما.

      اتجهت أم حرام مع زوجها إلى حمص، حيث أقامت فترة، ريثما تعبأ الجيوش، وتنظم الفرق. وجلست هناك تحدث خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف بشرها بالغزو بالبحر، وأنها من الأولين السابقين في ذلك الغزو. وتفاءلت إلى أبعد حد، أنها ستجاهد مع جيش معاوية فتتحقق نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

      وآن وقت التنفيذ وجهزت السفن أسطولا لغزو قبرص. فركبت أم حرام مع زوجها عبادة إحدى السفن، مع الفاتحين المسلمين، وجلست تتأمل البحر وما حولها: إنهم فعلا كالملوك على الأسرة، وإذا بنبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتردد في أذنيها: كالملوك على الأسرة، أنت من الأولين. وتحس فعلا أنهم كالملوك على الأسرة مع يقينها أنها من الأولين. وشرعت تحدث من حولها بنبأ تلك النبوءة وتفخر وتسعد بذلك.

      وغزا معاوية وجنوده قبرص، ومعهم عبادة وزوجته أم حرام، واشتد القتال بين المسلمين وأهل قبرص في البر والبحر، حتى استسلموا للمسلمين وطلبوا الصلح. فصالحهم معاوية على جزية سبعة آلاف دينار، يؤدونها للمسلمين في كل سنة، ويؤدون للروم مثلها، ليس للمسلمين أن يحولوا بينهم وبين ذلك، على ألا يغزوهم ولا يقاتلوا من وراءهم. ثم عليهم أن يخبروا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم.

      وعن الواقدي في فتوح البلدان غزا معاوية سنة ثمان وعشرين قبرص وغزاها أهل مصر وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي السرح حتى لقوا معاوية فكان على الناس .

      وانتهت المعركة واستعدت الجيوش للعودة من حيث جاءت وقد غنمت وما غرمت . وبدأت ترجع إلى الشام على سفنها، كالملوك على الأسرة. وتهيأت أم حرام للعودة، متوكلة على الله. ولكنها كانت قد أسنت وضعف جسدها، ووهنت قوتها، فقربوا لها بغلة تمتطيها، لتوصلها إلى السفينة المعدة لها. فزلت قدمها وسقطت على الأرض، لا تقوى على النهوض. أسرع إليها زوجها عبادة رضي الله عنه، وعدد من كبار الصحابة يساعدونها ويسعفونها لكنها كانت قد لفظت أنفاسها الأخيرة. مطمئنة النفس باسمة الثغر مشرقة المحيا. فنقلوها إلى حيث قاموا بتجهيزها ثم دفنها وذلك في العام السابع والعشرين من الهجرة. ولنستمع إلى الروايات التي قيلت عن أم حرام

      جاء في الحلية ج/2/61-62:

      عن أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه. وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت فدخل عليها يوما فأطعمته وجلست تفلي رأسه. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ يضحك. قالت: فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله عز وجل يركبون ثبج هذا البحر ملوك على الأسرة (أو مثل الملوك على الأسرة) قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها. ثم وضع رأسه فنام ثم استيقظ وهو يضحك فقلت ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله... " قالت: فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين.

      قال فركبت البحر في زمن معاوية فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فماتت.

      وفي رواية: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما أضحكك قال: "رأيت قوما من أمتي يركبون هذا البحر كالملوك على الأسرة... " قال فتزوجها عبادة بن الصامت فركب البحر وركبت معه فلما قدمت إليها البغلة وقعت فاندقت عنقها.

      وفي سند عن عمير بن الأسود العنسي أنه حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو بساحل حمص وهو في بناء له، ومعه امرأته أم حرام قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام: يا رسول الله، أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم. قال ثور سمعتها تحدث به وهي في البحر. وقال هشام: رأيت قبرها ووقفت عليه بالساحل (بقاقيس). وعن هشام بن الغاز قال: قبر أم حرام بنت ملحان بقبرص وهو يقول: هذا قبر المرأة الصالحة.

      وفي طبقات ابن سعد ج 8/ 434 و 435.

      أنها غزت مع زوجها عبادة بن الصامت فوقعتها راحلتها فماتت.

      أو قال: قربت لها بغلة لتركبها فصرعتها فاندقت عنقها فماتت.

      وبعد:

      فإن قبر أم حرام في قبرص لواء يسترشد به السارون ومنارة تنير سبيل السالكين. وقدوة لكل من يريد الجهاد في سبيل الله. وأهل قبرص المسلمون منهم وغير المسلمين حين يمرون بقبرها يقولون: هذا قبر المرأة الصالحة.

      ونحن إذ نعيد ذكراها وننفض الغبار عن تاريخها، لا يسعنا إلا أن نقف إجلالا لسيرتها الزكية، وحديثها العطر، وأن ندعو لها رضي الله عنها، وأن نجعل منها رائدة وقدوة في سيرتها وجهادها، وعطائها الذي لا ينضب من شبابها حتى شيخوختها.

      فهي رائدة في سبقها للإسلام والالتزام بمبادئه.
      رائدة في المشاركة بغزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم .
      رائدة في نقل أحاديثه عليه الصلاة والسلام وحفظها وروايتها.
      رائدة في شبابها.
      رائدة في شيخوختها وفي استشهادها.
      رائدة في كل أمورها.

      وأكثر من ذلك كله. فإن نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجعلها في منزلة الشهداء الصديقين وحسن أولئك رفيقا.

      رضي الله عن أم حرام فهي بحق مثل أعلى يقتدى به.

      :)
    • الزبير بن العوام

      حواريّ رسول الله

      " إن لكل نبي حواريّاً ، وحواريّ الزبير بن العوام " حديث شريف


      الزبير بن العوام يلتقي نسبه مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-في ( قصي بن كلاب )
      كما أن أمه ( صفية ) عمة رسول الله ، وزوجته أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين ، كان
      رفيع الخصال عظيم الشمائل ، يدير تجارة ناجحة وثراؤه عريضا لكنه أنفقه في الإسلام حتى
      مات مدينا


      الزبير وطلحة

      يرتبط ذكرالزبيـر دوما مع طلحة بن عبيد الله ، فهما الاثنان متشابهان في النشأة والثراء والسخاء والشجاعة وقوة الدين ، وحتى مصيرهما كان متشابها فهما من العشرة المبشرين بالجنة وآخى بينهما الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ويجتمعان بالنسب والقرابة معه ، وتحدث عنهما الرسول قائلا :( طلحة والزبيـر جاراي في الجنة ) ، و كانا من أصحاب الشورى الستة الذين اختارهم عمر بن الخطاب لإختيار خليفته 000



      أول سيف شهر في الإسلام

      أسلم الزبير بن العوام وعمره خمس عشرة سنة ، وكان من السبعة الأوائل الذين سارعوا بالإسلام ، وقد كان فارسا مقداما ، وإن سيفه هو أول سيف شهر بالإسلام ، ففي أيام الإسلام الأولى سرت شائعة بأن الرسول الكريم قد قتل ، فما كان من الزبير إلا أن استل سيفه وامتشقه ، وسار في شوارع مكة كالإعصار ،وفي أعلى مكة لقيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فسأله ماذا به ؟000فأخبره النبأ000 فصلى عليه الرسول ودعا له بالخير ولسيفه بالغلب


      إيمانه وصبره

      كان للزبير -رضي الله عنه- نصيبا من العذاب على يد عمه ، فقد كان يلفه في حصير ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه ، ويناديه :( اكفر برب محمد أدرأ عنك هذا العذاب )000فيجيب الفتى الغض :( لا والله ، لا أعود للكفر أبدا )000ويهاجر الزبير الى الحبشة الهجرتين ، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم-000


      غزوة أحد

      في غزوة أحد وبعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكة ، ندب الرسول -صلى الله عليه وسلم- الزبير وأبوبكر لتعقب جيش المشركين ومطاردته ، فقاد أبوبكر والزبير -رضي الله عنهما- سبعين من المسلمين قيادة ذكية ، أبرزا فيها قوة جيش المسلمين ، حتى أن قريش ظنت أنهم مقدمة لجيش الرسول القادم لمطاردتهم فأسرعوا خطاهم لمكة هاربين000


      حصار بني قريظة

      حين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، أرسل الرسول الزبيـر وعلي بن أبي طالب فوقفا أمام الحصن يرددان:( والله لنذوقن ماذاق حمزة ، أو لنفتحن عليهم حصنهم )000ثم ألقيا بنفسيهما داخل الحصن وبقوة أعصابهما أحكما وأنزلا الرعب في أفئدة المتحصـنين داخله وفتحا للمسلمين أبوابه000


      يوم حنين

      وفي يوم حنين أبصر الزبيـر ( مالك بن عوف ) زعيم هوازن وقائد جيوش الشرك في تلك الغزوة ، أبصره واقفا وسط فيلق من أصحابه وجيشه المنهزم ، فاقتحم حشدهم وحده ، وشتت شملهم وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض المسلمين العائدين من المعركة000


      حبه للشهادة

      كان الزبير بن العوام شديد الولع بالشهادة ، فهاهو يقول :( إن طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء ، وقد علم ألا نبي بعد محمد ، وإني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون )000
      وهكذا سمى ولده عبد الله تيمنا بالشهيد عبد الله بن جحش
      وسمى ولده المنذر تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو
      وسمى ولده عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو
      وسمى ولده حمزة تيمنا بالشهيد حمزة بن عبد المطلب
      وسمى ولده جعفرا تيمنا بالشهيد جعفر بن أبي طالب
      وسمى ولده مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير
      وسمى ولده خالدا تيمنا بالشهيد خالد بن سعيد
      وهكذا أسماهم راجيا أن ينالوا الشهادة في يوم ما000


      وصيته

      كان توكله على الله منطلق جوده وشجاعته وفدائيته ، وحين كان يجود بروحه أوصى ولده عبد الله بقضاء ديونه قائلا :( إذا أعجزك دين ، فاستعن بمولاي )000وسأله عبد الله :( أي مولى تعني ؟)000 فأجابه :( الله ، نعم المولى ونعم النصير )000يقول عبدالله فيما بعد :( فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت : يا مولى الزبير اقضي دينه ، فيقضيه )000


      موقعة الجمل والشهادة

      بعد استشهاد عثمان بن عفان أتم المبايعة الزبير و طلحة لعلي -رضي الله عنهم جميعا- وخرجوا الى مكة معتمرين ، ومن هناك الى البصرة للأخذ بثأر عثمان ، وكانت ( وقعة الجمل ) عام 36 هجري طلحة والزبير في فريق وعلي في الفريق الآخر ، وانهمرت دموع علي -رضي الله عنه- عندما رأى أم المؤمنين ( عائشة ) في هودجها بأرض المعركة ، وصاح بطلحة :( يا طلحة ، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها ، وخبأت عرسك في البيت ؟)0ثم قال للزبير :( يا زبير : نشدتك الله ، أتذكر يوم مر بك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن بمكان كذا ، فقال لك : يا زبير ، الا تحب عليا ؟؟0فقلت : ألا أحب ابن خالي ، وابن عمي ، ومن هو على ديني ؟فقال لك : يا زبير ، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم فقال الزبير :( نعم أذكر الآن ، وكنت قد نسيته ، والله لاأقاتلك )
      وأقلع طلحة و الزبير -رضي الله عنهما- عن الاشتراك في هذه الحرب ، ولكن دفعا حياتهما ثمنا لانسحابهما ، و لكن لقيا ربهما قريرة أعينهما بما قررا فالزبير تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غدرا وهو يصلي ، وطلحة رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته
      وقد سارع قاتل الزبير الى علي يبشره بعدوانه على الزبير ويضع سيفه الذي استلبه بين يديه ، لكن عليا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن وأمر بطرده قائلا :( بشر قاتل ابن صفية بالنار )000وحين أدخلوا عليه سيف الزبير قبله الإمام وأمعن في البكاء وهو يقول :( سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله )000
      وبعد أن انتهى علي -رضي الله عنه- من دفنهما ودعهما بكلمات انهاها قائلا :( اني لأرجو أن أكون أنا وطلحـة والزبيـر وعثمان من الذين قال الله فيهم :( ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين )000ثم نظر الى قبريهما وقال :( سمعت أذناي هاتان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول :( طلحة و الزبير ، جاراي في الجنة )
    • خديجة بنت خويلد


      (أول نساء الرسول صلى الله عليه وسلم)

      سيدة نساء العالمين في زمانها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية الملقبة بالطاهرة، وهي أول نساء النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من آمن به وهي التي آزرته وصدقته عندما كذبته قريش وعادته.

      مواقفها العظيمة إلى جانب الرسول صلى الله عليه وسلم لنصر دين الله أكثر من أن تعد أو تحتويها نبذة كهذه وأكتفي هنا بذكر موقفها عندما أخبرها الرسول صلى الله عليه وسلم بما حدث له في الغار عندما أوحي إليه أول مرة.

      روى الإمام البخاري في صحيحه وغيره عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنه عندما رجع رسول الله صلى الله وسلم أول ما أوحي إليه من غار حراء (فدخل على خديجة بنت خويلد- رضي الله عنها- فقال: زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد - ابن عم خديجة- وكان امرأ تنصر في الجاهلية فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال لها: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبر الرسول صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى (أي في الغار). فقال ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا) .

      ولنسمع من المصطفى صلى الله عليه وسلم كيف كانت زوجته خديجة في نصرته ونصرة دين الله قال صلى الله عليه وسلم: (آمنت إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس).

      (فكانت أول من آمن بالله ورسوله، وصدق بما جاء به فخفف الله بذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لا يسمع شيئا يكرهه من الرد عليه فيرجع إليها إلا تثبته وتهون عليه أمر الناس).

      تزوجها رسول الله في أول شبابه وكان عمره خمسا وعشرين سنة وعمرها أربعين وعاشت مع الرسول خمسا وعشرين سنة ورزقت منه ابنين وأربع بنات هما القاسم، عبد الله، زينب، رقية، أم كلثوم، فاطمة. وأتى جبريل عليه السلام رسول الله فقال: هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من نصب لا صخب فيه ولا نصب.

      فلما جاءت خديجة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها:إن الله يقرأ على خديجة السلام. قالت: خديجة بنت خويلد إن الله هو السلام وعلى جبريل السلام.

      وقفت إلى جانب رسول الله تنصره وتعينه على احتمال الشدائد وأقسى ضروب الأذى.

      ولما ماتت خديجة وعمه أبو طالب تتابعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم المصائب فقد كانت خديجة له وزير صدق على الإسلام. توفيت بمكة المكرمة قبل الهجرة بثلاث سنين بعد أن بلغت من العمر خمسة وستين عاما. فقد كانت- رضي الله عنها- مثالا عظيما للزوجة الصالحة المؤمنة.
    • فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

      (سيدة النساء أهل الجنة)

      فاطمة الزهراء أصغر بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه ولدت قبل البعثة عام تجديد الكعبة وكانت تعرف بأم أبيها ترعرعت فاطمة في بيت نبوي رحيم. يكلؤها بالرعاية، ومما تتمتع به أمها خديجة بنت خويلد من صفات زكية وسجايا حميدة.

      قال صلى الله عليه وسلم: (أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسيا بنت مزاحم). وقد ورد أيضا أنه قال: إن ملكا استأذن الله تعالى في زيارتي وبشرني بأن فاطمة سيدة نساء أمتي.. وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة.

      تقدم علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- ليخطب إلى رسول الله ابنته فاطمة فقال رضي الله عنه: أردت أن أخطب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة، فقلت: والله ما لي من شيء، ثم ذكرت صلته، وعائدته فخطبتها إليه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم (وهل عندك شيء؟).

      فقلت: لا يارسول الله.

      فقال صلى الله عليه وسلم: (فأين درعك الخطيمة التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟).

      فقلت :هي عندي يا رسول الله .

      فقال صلى الله عليه وسلم: (فأعطها إياها).

      فأصدقها.. وتزوجها. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم بارك فيهما وبارك لهما في نسلهما) .

      ولقد آثر الله فاطمة الزهراء بالنعمة الكبرى، فحصر في ولدها ذرية نبيه صلى الله عليه وسلم. ولقد بلغ من حب رسول الله لابنته فاطمة أنه كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيصلي ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه.

      تقول عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها، ورحب بها، وكذلك كانت هي تصنع به) صحيح مسلم (2424).

      لقد مرت السيدة فاطمة- رضي الله عنها- بأحداث كثيرة ومتشابكة وقاسية للغاية وذلك منذ نعومة أظفارها حيث شهدت وفاة أمها، ومن ثم أختها رقية وتلتها أختها زينب ثم أختها أم كلثوم.واحتملت حياة الفقر وكابدت بل كانت مثال الفتاة الصابرة المرابطة المهاجرة ولما حج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع. مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما إن سمعت فاطمة بذلك حتى هرعت لتوهما لتطمئن عليه وهو عند أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. فلما رآها هش للقائها قائلا: مرحبا يا بنيتي، ثم قبلها وأجلسها على يمينه أو عن شماله- ثم سارها فبكت بكاء شديدا، فلما رأى جزعها سارها الثانية فضحكت . فقلت لها - أي عائشة - خصك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين سائر نسائه بالسرار، ثم أنت تبكين؟ فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها: ما قال لك رسول الله؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله سره.

      قالت: فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليك بمالي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله.

      قالت: أما الآن فنعم. أما حين سارني في المرة الأولى. فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضه الآن مرتين وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك. قالت فبكيت بكائي الذي رأيت: فلما رأى جزعي سارني الثانية، فقال: يا فاطمة، أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة؟ وأنك أول أهلي لحوقا بي؟ فضحكت .

      واشتد الوجع على رسول الله واشتد حزن فاطمة فلما دفن عليه السلام قالت يا أنسي كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب.

      وبكت الزهراء أبيها، وبكى المسلمون جميعا نبيهم ورسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وذكروا قول الله (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) [آل عمران: 144].

      ولم تمض على وفاة رسول الله حوالي ستة أشهر حتى مرضت وانتقلت إلى جوار ربها ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وهي بنت سبع وعشرين سنة، لقد ضربت لنا الزهراء نموذجا فريدا ومثلا أعلى في حياتها.




      :D :D :D
    • حفصة بنت عمر



      (حارسة القرآن)

      حفصة بنت عمر بن الخطاب أخوها عبد الله بن عمر لأبيها ولدت حفصة وقريش تبني البيت قبل مبعث النبي عليه الصلاة والسلام بخمس سنين تزوجت خنيس بن حذافة السهمي أسلم وهاجر إلى الحبشة الهجرتين وهاجرت حفصة معه إلى المدينة فشهدا بدرا وخرج يوم أحد فأصابته جراحة فمات. ولما رأى عمر أن ابنته تأيمت لقي عثمان بن عفان فعرضها عليه فقال عثمان: مالي في النساء حاجة.

      فلقي عمر رضي الله عنه أبا بكر الصديق فعرضها عليه فسكت. فغضب عمر ووجد على أبي بكر. وانطلق عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكا إليه عثمان بن عفان، وكشف عما كان من أبي بكر بن أبي قحافة فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هو خير من حفصة. ثم خطب رسول الله حفصة فلقي أبو بكر عمر بن الخطاب فقال له: لا تجد علي في نفسك فإن رسول الله كان ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها لتزوجتها.

      وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وزواج النبي على حفصة سنة ثلاث من الهجرة. وحفصة وعائشة رضي الله عنهما هما اللتان تظاهرتا على النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيها (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل).

      وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة تطليقة، وقت حادثة التظاهر، ثم راجعها بأمر جبريل عليه السلام له بذلك، وقالت: (إنها صوامة قوامة وهي زوجتك في الجنة) .

      ثم عادت إلى الأمن والسكينة والاطمئنان بعد أن عفا رسول صلى الله عليه وسلم عنها، وعندما انتقل الرسول الكريم إلى الرفيق الأعلى وخلفه أبو بكر الصديق، كانت حفصة هي التي اختيرت من أمهات المؤمنين جميعا لتحفظ أول مصحف خطي للقرآن الكريم .

      أقامت أم المؤمنين حفصة عاكفة على العبادة قوامة صوامة حتى ماتت في عهد معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنه- فصلى عليها مم بن الحكم وهو يومئذ عامل المدينة وتبعها مروان إلى البقيع حتى فرغ دفنها مع أمهات المؤمنين.
    • أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب


      (حفيدة رسول الله)

      أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- وهي جارية لم تبلغ فلم تزل عنده إلى أن قتل وولدت زيد بن عمر ورقية، ثم خلف على أم كلثوم بعد عمر عون بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم فتوفي عنها فخلف عليها أخوه عبد الله بن جعفر- رضي الله عنهما- بعد أختها زينب بنت علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- فقالت أم كلثوم إني لاستحيي من أسماء بنت عميس أن ابنيها ماتا عندي وإني لأتخوف على هذا الثالث فتوفيت عنده، ولم تلد لأحد منهم شيئا. وعندما خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم رضي الله عنها. فقال علي- رضي الله عنه- إنما حبست بناتي على بني جعفر فقال عمر رضي الله عنه أنكحنيها يا علي فو الله ما على وجه الأرض رجل يرصد من حسن صحبتها ما أرصد فقال علي قد فعلت فجاء عمر- رضي الله عنه- إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر

      وكانوا يجلسون فإذا كان الشيء يأتي عمر من الآفاق فجاءهم فأخبرهم بذلك واستشارهم فيه فجاءهم عمر- رضي الله عنه- فقال رفيؤوني فرفئوه فقالوا- رضي الله عنهم- بمن يا أمير المؤمنين قال بابنة علي بن أبي طالب ثم أنشأ يخبرهم فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، وكنت قد صحبته فأحببت أن يكون هذا أيضا وأمهر أم كلثوم- رضي الله عنها- أربعين ألفا.

      وقال محمد بن عمر وغيره لما خطب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم قال: يا أمير المؤمنين إنها صبية.

      قال إنك والله ما بك ذلك ولكن علمنا ما بك، فأمر علي- رضي الله عنه- فصنعت ثم أمر ببرد فطواه ثم قال انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين فقولي: أرسلني أبي يقرئك السلام ويقول: إن رضيت البرد فأمسكه وإن سخطته فرده فلما أتت عمر- رضي الله عنه- قال: بارك الله فيك وفي أبيك قد رضينا قال: فرجعت إلى أبيها- رضي الله عنه- فقالت: ما نشر البرد ولا نظر إلا إلي فزوجها إياه فولدت غلاما يقال له زيد.

      وأخبر وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال: مات زيد بن عمر وأم كلثوم فصلى عليهما عبد الله بن عمر رضي الله عنه فجعل زيدا مما يليه وأم كلثوم مما يلي القبلة .
    • عمار بن ياسر بن عمار بن مالك

      عمار بن ياسر بن عمار بن مالك




      إسلامه:

      وأمه سمية . أسلم قديما وكان من المستضعفين الذين يعذبون بمكة ليرجعوا عن دينهم . أحرقه المشركون بالنار وشهد بدرا ولم يشهدها ابن مؤمنين غيره. وشهد أحد والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه الطيب المطيب .


      صفاته:

      عن عمرو بن ميمون قال : أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمر به ويمرر يده على رأسه ويقول : يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم عليه السلام. وعن عثمان بن عفان قال : أقبلت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بيدي نتماشى في البطحاء حتى أتينا على أبي عمار وعمار وأمه وهم يعذبون . فقال ياسر : الدهر هكذا . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : اصبر اللهم أغفر لآل ياسر . قال : وقد فعلت .عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار قال : أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير . فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما وراءك ؟ قال شر يا رسول الله ، ما تركت ، حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف تجد قلبك ؟ قال أجد قلبي مطمئنا بالإيمان . قال : فان عادوا فعد . وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن عمار ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه .
      وعن علي قال : جاء عمار يستأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ائذنوا له ، مرحبا بالطيب المطيب .وعن أنس بن مالك قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان ، وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح .وعن خالد بن سمير قال : كان عمار بن ياسر طويل الصمت ، طويل الحزن والكآبة ، وكان عامة كلامه عائذا بالله من فتنة .


      صفاته:

      وعن عامر قال : سئل عمار عن مسألة فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا. قال : فدعونا حتى يكون ، فإذا كان تجشمناها لكم . وعن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن عمار ابن ياسر أنه قال : وهو يسر إلى صفين إلى جنب الفرات : اللهم لو علم أنه أرضى لك عني أن أرمي بنفسي من هذا الجبل فأتردى فأسقط فعلت ، ولو اعلم أنه أرضى لك عني أن ألقي نفسي في الماء فأغرق نفسي فعلت ، وإني لا أقاتل إلا أريد وجهك وأنا أرجو أن لا تخيبني وأنا أريد وجهك .


      وفاته:

      وعن عبد الله بن سلمة قال : رأيت عمار بن ياسر يوم صفين شيخا آدم في يده الحربة وإنها لترعد ، فنظر إلى عمرو بن العاصي معه الراية فقال : إن هذه الراية قد قاتلتها مع الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات وهذه الرابعة ، والله لو ضربونا حتى يبلغونا شعاف هجر لعرفت أن صاحبنا على الحق وأنهم على الضلالة .وعن أبي سنان الدؤلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : رأيت عمار بن ياسر دعا بشراب فأني بقدح من لبن فشرب منه ثم قال : صدق الله ورسوله ، اليوم ألقى الأحبة محمدا وحزبه ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن آخر شئ يرويه من الدنيا صبحة لبن ثم قال : والله لو هزمونا حتى يبلغونا شعاف هجر لعلمنا أنا على حق وأنهم على باطل .قال أهل السير : قتل عمار بصفين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنهم ، قتله أبو الغادية ، ودفن في سنة سبع وثلاثين وهو ابن ثلاث ، وقبل أربع وتسعين سنة .
    • رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

      (المهاجرة المجاهدة)

      قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر أبو العباس محمد بن إسحاق السراج. قال سمعت عبد الله بن محمد يقول: ولدت رقية بنت محمد صلى الله عليه وسلم ورسول الله ابن ثلاث وثلاثين، وكانت رقية عند عتبة بن أبي لهب، وأختها أم كلثوم عند عتيبة بن أبي لهب. فلما نزلت السورة (تبت يدا أبي لهب وتب) السورة.

      قال لهما أبوهما أبو لهب وأمهما أم جميل بنت حرب بن أمية، حمال الحطب: فارقا ابنتي محمد، وقال أبو لهب: رأسي من رأسيكما حرام إن لم تفارقا ابنتي محمد، ففارقاهما فتزوج عثمان بن عفان رقية بمكة وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وولدت له هناك ابنا فسماه عبد الله وبه كان يكنى، فبلغ الغلام ست سنين، فنقر عينه ديك، وتورم وجهه ، فمرض ومات، وماتت رقية- رضي الله عنها- في شهر رمضان، على رأس تسعة عشر شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر.

      ودفنت عند وصول زيد بن حارثة بالبشارة بوقعة بدر، وكانت قد أصابتها الحصبة، وتخلف عثمان بن عفان- رضي الله عنه- عن غزوة بدر بسبب مرضها، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمها الله رحمة واسعة وأسكنها فسيح جناته .
    • مارية القبطية


      (أم إبراهيم عليه السلام)

      هي مارية بنت شمعون القبطية، أم إبراهيم ولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. لم تحظ بلقب أم المؤمنين لكنها حظيت بشرف أمومتها لإبراهيم وبالزواج والصحبة.

      ولدت في بلدة جفن القريبة من (أرضنا) بصعيد مصر. أمها نصرانية رومية.

      انتقلت مارية مع أختها سيرين وقيل شيرين إلى قصر المقوقس عظيم القبط في مطلع شبابها الباكر.

      وعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى المقوقس ملك مصر، مع حاطب بن أبي بلتعة قرأ المقوقس الكتاب في عناية وتوقير، ثم التفت إلى (حاطب) وأخذ يسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم و أوصافه.. لم يعلن المقوقس إسلامه، خوفا على ضياع ملكه. ولكنه بعث مع حاطب بجاريتين (وهما مارية وأختها سيرين)، وعبد خصي يقال له مابور، وألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا، وبعث ببغلته الشهباء (دلدل) وحماره عفير، وبعسل من بنها، وببعض العود والند والمسك. وعندما عاد حاطب بكتاب المقوقس وهديته، أعجب النبي صلى الله عليه وسلم بمارية، و اتخذها سرية، ووهب أختها لشاعره حسان بن ثابت الأنصاري وسرعان ما سرت البشرى في أنحاء المدينة أن النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر مولودا له من مارية القبطية.

      ثم ولد إبراهيم وفرح به أبوه، فلما كان سابع عق عنه صلى الله عليه وسلم لكن مارية لم تنج من غيرة ضرائرها. قالت عائشة رضي الله عنها. (ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على مارية، وذلك أنها كانت جميلة جعدة، فأعجب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أنزلها أول ما قدم بها في بيت الحارثة ابن النعمان الأنصاري، فكانت جارتنا، فكان عامة الليل والنهار عندها. فجزعت فحولها إلى العالية . وكان يختلف إليها هناك، فكان ذلك أشد علينا، ثم رزقها الله الولد وحرمناه منه). وعندما مرض إبراهيم قبل بلوغه العامين وقيل كان عمره ستة عشر شهرا . فجزع أبواه. ثم انطفأت جذوة الحياة فيه، فحمله النبي صلى الله عليه وسلم ووضعه في حجره، كانت وفاة إبراهيم في شهر ربيع الأول سنة عشر في بني ، وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه في البقيع.

      ثم وفاة أمه مارية- رضي الله عنها- في المحرم سنة ست عشرة من الهجرة رحمها الله رحمة واسعة .
    • أبو أيوب الأنصاري



      ( اذهبوا بجثماني بعيدا بعيدا في أرض الروم ثم ادفننوني هناك ) أبو أيوب الأنصاري



      انه أبو أيوب النصاري - خالد بن زيد ، حفيد مالك بن النجار ، خرج مع وفد المدينة
      لمبايعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مكة ( بيعة العقبة الثانية ) فكان من السبعين
      مؤمنا الذين شدوا أيمانهم على يمين الرسول مبايعين مناصرين000


      أول دار يسكنها الرسول بالمدينة

      قدم الرسول -صلى الله عليه وسلم- المدينة يوم الجمعة ، وسار وسط جموع المسلمين وكل منهم يريد أن أن ينزل الرسول الكريم عنده ، فيجيبهم باسما شاكرا لهم :" خلوا سبيلها فانها مأمورة "000حتى وصلت ناقته الى دار بني مالك بن النجار فبركت ، فلم ينزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوثبت الناقة ثانية ، فسارت غير بعيد ثم التفتت الى خلفها فرجعت وبركت مكانها الأول ، فنزل الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، وتقدم أبو أيوب الأنصاري فرحا مبتهجا ، وحمل رحل الرسول -صلى الله عليه وسلم- فوضعه في بيته ، فأقام الرسول الكريم في بيت أبي أيوب الأنصاري حتى بني له مسجده ومسكنه ، وحين نزل الرسول - صلى الله عليه وسلم - بيت أبي أيوب الأنصاري نزل في السفل ، وأبو أيوب في العلو ، فوجدها أبو أيوب لعظيمة فقال :( يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، اني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي ، فاظهر أنت فكن في العلو ، وننزل نحن فنكون في السفل )0 وألح على الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى قبل000


      جهاده

      أصبح أبو أيوب الأنصاري مجاهدا قويا بائعا نفسه في سبيل الله ، فشهد المشاهد كلها مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، ولم يتخلف عن أي معركة كتب على المسلمين خوضها بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وكان شعاره دوما

      قوله تعالى :"( انفروا خفافا وثقالا ")000
      الا مرة واحدة تخلف عن جيش أعطى الخليفة امارته لشاب من المسلمين لم يقتنع أبو أيوب بامارته ، ومع هذا بقي الندم ملازما له دوما ، فيقول :( ما علي من استعمل علي ؟)000


      موقفه من الفتنة

      ولما وقع الخلاف بين علي ومعاوية وقف أبو أيوب -رضي الله عنه- مع علي لأنه الامام الذي أعطي بيعة المسلمين ، ولما استشهد علي -رضي الله عنه- وقف أبو أيوب بنفسه الزاهدة الصامدة لايرجو من الدنيا الا أن يظل له مكان فوق أرض الوغى مع المجاهدين 000


      استشهاده

      وجاء فتح القسطنطينية ، فسارع أبو أيوب الأنصاري الى ركوب فرسه وحمل سيفه ، فأصيب في هذه المعركة ، وجاء قائد الجيش - يزيد بن معاوية - يعوده فسأله :( ما حاجتك يا أبا أيوب ؟)000فيا له من مطلب نفذه يزيد بناءا على هذه الوصية ، فقد طلب أن يحمل جثمانه فوق فرسه ، ويمضي به أطول مسافة ممكنة في أرض العدو ، وهنالك يدفنه ، ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق ، حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره ، فيدرك آنئذ ، أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز !!000وفي قلب القسطنطينية وفي (اسطنبول) ثوي جثمانه -رضي الله عنه- ،حتى أصبح قبره لأهل قسطنطينية وقبل أن يصل لهم الاسلام قبر قديس يتعاهدونه ويزورونه ويستسقون به اذا قحطوا !!
    • جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه

      جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه
      سبقه إلى الإسلام:
      اسمه جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب وكان يلقب بأبي المساكين؛ لحبه الشديد للفقراء وعطفه عليهم وبره بهم.
      وهو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم.
      أسلم جعفر بن أبي طالب مع الرعيل الأول وكان من السابقين إلى الإسلام.

      هجرته للحبشة:
      لقي جعفر رضي الله عنه وزوجه أسماء بنت عميس من المشركين أذى كثيرًا فأذن لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة إلى الحبشة عند النجاشي مع من هاجر.
      ولما بعثت قريش عمرو بن العاص قبل أن يسلم وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي بالهدايا له ولبطارقته كي يرسل معهما المهاجرين إليه من المسلمين ظهر دور جعفر في الحديث مع النجاشي، تقول أم سلمة رضي الله عنها وكانت من المهاجرين إلى الحبشة: " ... ثم أرسل النجاشي يدعونا للقائه، فاجتمعنا قبل الذهاب إليه، وقال بعضهم لبعض: إن الملك سيسألكم عن دينكم فاصدعوا بما تؤمنون به وليتكلم عنكم جعفر بن أبي طالب ولا يتكلم أحد غيره " .
      قالت: ثم ذهبنا إلى النجاشي فوجدناه قد دعا بطارقته فجلسوا عن يمينه وشماله وقد لبسوا طيالستهم واعتمروا قلانسهم ونشروا كتبهم بين أيديهم، ووجدنا عنده عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، فلما استقر بنا المجلس التفت إلينا النجاشي وقال: ما هذا الدين الذي استحدثتموه لأنفسكم وفارقتم بسببه دين قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أي من هذه الملل؟ فتقدم منه جعفر بن أبي طالب وقال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف ، وبقينا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وقد أمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم، وحقن الدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا، وأن نقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، ونصوم رمضان، فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله فحللنا ما أحل لنا، وحرمنا ما حرم علينا.
      فما كان من قومنا أيها الملك إلا أن عدوا علينا، فعذبونا أشد العذاب ليفتنونا عن ديننا ويردونا إلى عبادة الأوثان، فلما ظلمونا وقهرونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نُظلم عندك.
      فالتفت النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وقال: هل معك شيء مما جاء به نبيكم عن الله؟
      قال: نعم. قال: فاقرأه علي. فقرأ عليه: (كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ) حتى أتم صدرًا من السورة.
      قالت أم سلمة: فبكى النجاشي حتى أخضلت لحيته بالدموع وبكى أساقفته حتى بللوا كتبهم؛ لما سمعوه من كلام الله، وهنا قال لنا النجاشي : إن هذا الذي جاء به نبيكم والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. ثم التفت إلى عمرو وصاحبه وقال لهما: انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما أبدًا.

      عمرو يحاول الوقيعة بين النجاشي والمسلمين وجعفر يرد:
      قالت أم سلمة: فلما خرجنا من عند النجاشي توعدنا عمرو بن العاص وقال لصاحبه: والله لآتين الملك غدًا، ولأذكرن له من أمرهم ما يملأ صدره غيظًا منهم، ويشحن فؤاده كرهًا لهم، ولأحملنه على أن يستأصلهم من جذورهم.
      فقال له عبد الله بن أبي ربيعة: لا تفعل يا عمرو، فإنهم من ذوي قربانا، وإن كانوا قد خالفونا.
      فقال عمرو: دع عنك هذا، والله لأخبرنه بما يزلزل أقدامهم، والله لأقولن له: إنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. فلما كان الغد دخل عمرو على النجاشي وقال له: أيها الملك، إن هؤلاء الذين آويتهم وحميتهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيمًا، فأرسل إليهم وسلهم عما يقولون فيه.
      قالت أم سلمة: فلما عرفنا ذلك نزل بنا من الهم والغم ما لم نتعرض لمثله قط، وقال بعضنا لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه الملك؟
      فقلنا: والله لا نقول فيه إلا ما قال الله، ولا نخرج في أمره قيد أنملة عما جاءنا به نبينا، وليكن بسبب ذلك ما يكون. ثم اتفقنا على أن يتولى الكلام عنا جعفر بن أبي طالب أيضًا.
      فلما دعانا النجاشي دخلنا عليه فوجدنا عنده بطارقته على الهيئة التي رأيناهم عليها من قبل، ووجدنا عنده عمرو بن العاص وصاحبه، فلما صرنا بين يديه بادرنا بقوله: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟
      فقال له جعفر بن أبي طالب:
      إنما نقول فيه ما جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم. فقال النجاشي: وما الذي يقوله فيه؟ فأجاب جعفر: يقول عنه: إنه عبد الله ورسوله، وروحه وكلمته التي ألقاها إلى مريم العذراء البتول. فما إن سمع النجاشي قول جعفر حتى ضرب بيده الأرض وقال: والله ما خرج ابن مريم عما جاء به نبيكم مقدار شعرة. فتناخرت البطارقة من حول النجاشي استنكارًا لما سمعوا منه، فقال: وإن نخرتم.
      ثم التفت وقال: اذهبوا فأنتم آمنون، من سبّكم غرم، ومن تعرض لكم عوقب، ووالله ما أحب أن يكون لي جبل من ذهب، وأن يصاب أحد منكم بسوء. ثم نظر إلى عمرو وصاحبه وقال: ردوا على هذين الرجلين هداياهما؛ فلا حاجة لي بها.
      قالت أم سلمة: فخرج عمرو وصاحبه مكسورين مقهورين يجران أذيال الخيبة، أما نحن فقد أقمنا عند النجاشي بخير دار مع أكرم جار.
      رجع جعفر ومعه نفر من أصحابه مغادرين الحبشة متجهين إلى المدينة في العام السابع للهجرة بعد عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من (خيبر) بعد أن فتحها الله تعالى له، ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومه فرحًا شديدًا.

      وفاته:
      استشهد جعفر رضي الله عنه في موقعة مؤتة مع زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة. فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه حزنًا شديدًا.