ليس مصادفة أن أبريل كان أيضا هو الوقت الذي دخلت فيه أزمة اليورو مرحلة جديدة وعرة بعيدا عن اليونان والذي يعد اقتصادها بالنسبة لأوروبا كاقتصاد ميامي بالنسبة لأمريكا
بول كروجمان
هل يمكن إنقاذ اليورو؟ قبل فترة ليست بعيدة، قيل لنا إن النتيجة المحتملة الأسوأ هي تخلف اليونان عن سداد ديونها. لكن الآن، هناك كارثة أوسع بكثير محتمل جدا أن تقع.
وحقيقي أن الضغط خف قليلا يوم الأربعاء الفائت بعدما أصدرت بعض البنوك المركزية بيانات متذبذبة عن خطوط ائتمان موسعة (والتي هي في حقيقة الأمر بالكاد يمكن أن تصنع اختلافا حقيقيا)، لكن حتى المتفائلين يرون أوروبا الآن تتجه نحو الركود، بينما يحذر المتشائمون من أن اليورو قد يكون مركز زلزلال أزمة مالية عالمية أخرى.
كيف أصبحت الأمور بهذا السوء؟ الجواب الذي نسمعه دائما هو أن أزمة اليورو كانت نتيجة اللامسؤولية المالية. أدر جهاز التلفزيون ومحتمل جدا أن تشاهد البعض يقول إنه إن لم تخفض أمريكا الإنفاق سنصبح في نهاية المآل كاليونان.
لكن الحقيقة تقريبا عكس ذلك. فرغم أن قادة أوروبا يواصلون إصرارهم على أن المشكلة هي الإنفاق الكثير جدا في الأمم المدينة، المشكلة الحقيقية هي الإنفاق القليل جدا في أوروبا ككل.
وتسير الحكاية كالتالي: في السنوات المفضية لأزمة العام 2008، كان في أوروبا، كما كان في أمريكا، نظام مصرفي مفلس وتراكم سريع للديون. مع هذا، في حالة أوروبا، كانت أغلب القروض عابرة للحدود، مع تدفق التمويل من ألمانيا إلى الجنوب الأوروبي. وكانت عملية الإقراض هذه يُنظر لها على أنها منخفضة المخاطر. كانت كل العمليات تتم باليورو، فما هي الأمور التي قد تسوء؟
لكن القروض تلك، في معظمها، ذهبت إلى القطاع الخاص، وليس إلى الحكومات. وكانت اليونان فقط هي التي بها عجوزات موازنة ضخمة خلال سنوات الرخاء؛ بل إن أسبانيا كانت تدير فائضا عشية وقوع الأزمة.
ثم انفجرت الفقاعة، وانخفض الإنفاق الخاص في الدول المدينة بحدة. والسؤال الذي كان يجدر بالقادة الأوروبيين أن يطرحوه هو كيف يمنعوا خفض الإنفاق من دون أن يتسبب ذلك في ركود اقتصادي؟
لكنهم، بدلا من هذا، استجابوا للزيادة الحتمية، المدفوعة بالركود، في مستوى العجوزات عن طريق مطالبة كل الحكومات- وليس حكومات الدول المدينة وحسب- بخفض الإنفاق وزيادة الضرائب.
وتلاشت التحذيرات بأن هذا سيعمق الانهيار الاقتصادي. وأعلن جان كلود تريشيه، محافظ المركزي الأوروبي وقتها، أن فكرة "تسبب التدابير التقشفية في انكماش اقتصادي فكرة خاطئة". لماذا؟ لأن "السياسات الملهمة للثقة ستعزز التعافي الاقتصادي وليست تقوضه"، بحسب تريشيه. لكن جنية الثقة المسحورة لم يكن لها وجود.
لكن انتظروا، فهناك المزيد. فخلال سنوات المال السهل، ارتفعت الأجور والأسعار في جنوبي أوروبا أسرع بكثير مما فعلت في شمالها. وهذا الأمر بحاجة إلى السير في المسار المعاكس الآن، سواء عن طريق خفض الأسعار في الجنوب أو زيادتها في الشمال. واختيار أي من الخيارين له أهمية كبيرة: فإذا اضطر الجنوب الأوروبي إلى الحد من قدرته التنافسية، سيدفع ثمنا باهظا من حيث معدلات البحث عن عمل، كما ستزداد مشاكل الدين خاصته سوءا. لذا، ستكون فرص النجاح أكبر بكثير إذا تم سد الفجوة عن طريق زيادة الأسعار في الشمال.
لكن لكي يسدوا الفجوة من خلال رفع الأسعار في الشمال، سيضطر صناع السياسة إلى أن يقبلوا بشكل مؤقت وجود معدلات تضخم أعلى لمنطقة اليورو ككل. وهم أوضحوا تماما أنهم لن يقبلوا ذلك. وفي أبريل الفائت، بدأ البنك المركزي الأوروبي في زيادة معدلات أسعار الفائدة، حتى رغم أنه كان واضحا لأغلب المراقبين أن التضخم الضمني كان منخفضا جدا.
ومن المحتمل أنه ليس مصادفة أن أبريل كان أيضا هو الوقت الذي دخلت فيه أزمة اليورو مرحلة جديدة وعرة. هذا بعيدا عن اليونان والذي يعد اقتصادها بالنسبة لأوروبا كاقتصاد ميامي بالنسبة لأمريكا. عند هذه النقطة من الزمن، فقدت الأسواق إيمانها باليورو ككل، ما رفع أسعار الفائدة حتى في دول كالنمسا وفنلندا، وهما بالكاد عرف عنهما التبذير. وليس صعبا أن نعرف السبب. فهذا الجمع بين "التقشف للجميع" وبنك مركزي سقيم يسيطر عليه هاجس التضخم، هذا الجمع يجعل هرب الدول المدينة من فخ ديونها أمرا مستحيلا ولابد، وهو، من ثم، وصفة لعمليات تخلف عن سداد الديون، واسعة النطاق، ولإفلاس بنوك، ولانهيار مالي عام.
وأنا آمل، لمصلحتنا ولمصلحتهم، أن يغير الأوروبيون المسار قبل أن يفوت الآوان. لكن، للأمانة، لا أعتقد أنهم سيفعلون هذا. ففي الواقع، الأمر الذي هو أكثر احتمالا أن يحدث هو أن نتبعهم نحن على الطريق إلى الخراب.
لأنه في أمريكا، كما هو في أوروبا، يسوء حال الاقتصاد على يد المدينين الغارقين في مشكلات- في حالتنا، ملاك المنازل على نحو رئيسي هم في صدارة المشهد. وفي هذا، نحن أيضا بحاجة شديدة إلى سياسات نقدية ومالية توسعية لدعم الاقتصاد، مع نضال المدينين من أجل العودة مرة أخرى إلى الصحة المالية. مع هذا، كما هو في أوروبا، يهيمن على الخطاب العام حديث سليط عن العجوزات والتضخم.
لذا، في المرة المقبلة التي تسمعون فيها شخص يزعم أننا سنصبح كاليونان إن لم نخفض الإنفاق، يجدر بردكم عليه أن يكون: إذا خفضنا الإنفاق بينما الاقتصاد مازال في ركود، سنصبح كأوروبا. وفي الحقيقة، نحن قطعنا شوطا في هذا الطريق.
نيويورك تايمز - ش
أكثر...
بول كروجمان
هل يمكن إنقاذ اليورو؟ قبل فترة ليست بعيدة، قيل لنا إن النتيجة المحتملة الأسوأ هي تخلف اليونان عن سداد ديونها. لكن الآن، هناك كارثة أوسع بكثير محتمل جدا أن تقع.
وحقيقي أن الضغط خف قليلا يوم الأربعاء الفائت بعدما أصدرت بعض البنوك المركزية بيانات متذبذبة عن خطوط ائتمان موسعة (والتي هي في حقيقة الأمر بالكاد يمكن أن تصنع اختلافا حقيقيا)، لكن حتى المتفائلين يرون أوروبا الآن تتجه نحو الركود، بينما يحذر المتشائمون من أن اليورو قد يكون مركز زلزلال أزمة مالية عالمية أخرى.
كيف أصبحت الأمور بهذا السوء؟ الجواب الذي نسمعه دائما هو أن أزمة اليورو كانت نتيجة اللامسؤولية المالية. أدر جهاز التلفزيون ومحتمل جدا أن تشاهد البعض يقول إنه إن لم تخفض أمريكا الإنفاق سنصبح في نهاية المآل كاليونان.
لكن الحقيقة تقريبا عكس ذلك. فرغم أن قادة أوروبا يواصلون إصرارهم على أن المشكلة هي الإنفاق الكثير جدا في الأمم المدينة، المشكلة الحقيقية هي الإنفاق القليل جدا في أوروبا ككل.
وتسير الحكاية كالتالي: في السنوات المفضية لأزمة العام 2008، كان في أوروبا، كما كان في أمريكا، نظام مصرفي مفلس وتراكم سريع للديون. مع هذا، في حالة أوروبا، كانت أغلب القروض عابرة للحدود، مع تدفق التمويل من ألمانيا إلى الجنوب الأوروبي. وكانت عملية الإقراض هذه يُنظر لها على أنها منخفضة المخاطر. كانت كل العمليات تتم باليورو، فما هي الأمور التي قد تسوء؟
لكن القروض تلك، في معظمها، ذهبت إلى القطاع الخاص، وليس إلى الحكومات. وكانت اليونان فقط هي التي بها عجوزات موازنة ضخمة خلال سنوات الرخاء؛ بل إن أسبانيا كانت تدير فائضا عشية وقوع الأزمة.
ثم انفجرت الفقاعة، وانخفض الإنفاق الخاص في الدول المدينة بحدة. والسؤال الذي كان يجدر بالقادة الأوروبيين أن يطرحوه هو كيف يمنعوا خفض الإنفاق من دون أن يتسبب ذلك في ركود اقتصادي؟
لكنهم، بدلا من هذا، استجابوا للزيادة الحتمية، المدفوعة بالركود، في مستوى العجوزات عن طريق مطالبة كل الحكومات- وليس حكومات الدول المدينة وحسب- بخفض الإنفاق وزيادة الضرائب.
وتلاشت التحذيرات بأن هذا سيعمق الانهيار الاقتصادي. وأعلن جان كلود تريشيه، محافظ المركزي الأوروبي وقتها، أن فكرة "تسبب التدابير التقشفية في انكماش اقتصادي فكرة خاطئة". لماذا؟ لأن "السياسات الملهمة للثقة ستعزز التعافي الاقتصادي وليست تقوضه"، بحسب تريشيه. لكن جنية الثقة المسحورة لم يكن لها وجود.
لكن انتظروا، فهناك المزيد. فخلال سنوات المال السهل، ارتفعت الأجور والأسعار في جنوبي أوروبا أسرع بكثير مما فعلت في شمالها. وهذا الأمر بحاجة إلى السير في المسار المعاكس الآن، سواء عن طريق خفض الأسعار في الجنوب أو زيادتها في الشمال. واختيار أي من الخيارين له أهمية كبيرة: فإذا اضطر الجنوب الأوروبي إلى الحد من قدرته التنافسية، سيدفع ثمنا باهظا من حيث معدلات البحث عن عمل، كما ستزداد مشاكل الدين خاصته سوءا. لذا، ستكون فرص النجاح أكبر بكثير إذا تم سد الفجوة عن طريق زيادة الأسعار في الشمال.
لكن لكي يسدوا الفجوة من خلال رفع الأسعار في الشمال، سيضطر صناع السياسة إلى أن يقبلوا بشكل مؤقت وجود معدلات تضخم أعلى لمنطقة اليورو ككل. وهم أوضحوا تماما أنهم لن يقبلوا ذلك. وفي أبريل الفائت، بدأ البنك المركزي الأوروبي في زيادة معدلات أسعار الفائدة، حتى رغم أنه كان واضحا لأغلب المراقبين أن التضخم الضمني كان منخفضا جدا.
ومن المحتمل أنه ليس مصادفة أن أبريل كان أيضا هو الوقت الذي دخلت فيه أزمة اليورو مرحلة جديدة وعرة. هذا بعيدا عن اليونان والذي يعد اقتصادها بالنسبة لأوروبا كاقتصاد ميامي بالنسبة لأمريكا. عند هذه النقطة من الزمن، فقدت الأسواق إيمانها باليورو ككل، ما رفع أسعار الفائدة حتى في دول كالنمسا وفنلندا، وهما بالكاد عرف عنهما التبذير. وليس صعبا أن نعرف السبب. فهذا الجمع بين "التقشف للجميع" وبنك مركزي سقيم يسيطر عليه هاجس التضخم، هذا الجمع يجعل هرب الدول المدينة من فخ ديونها أمرا مستحيلا ولابد، وهو، من ثم، وصفة لعمليات تخلف عن سداد الديون، واسعة النطاق، ولإفلاس بنوك، ولانهيار مالي عام.
وأنا آمل، لمصلحتنا ولمصلحتهم، أن يغير الأوروبيون المسار قبل أن يفوت الآوان. لكن، للأمانة، لا أعتقد أنهم سيفعلون هذا. ففي الواقع، الأمر الذي هو أكثر احتمالا أن يحدث هو أن نتبعهم نحن على الطريق إلى الخراب.
لأنه في أمريكا، كما هو في أوروبا، يسوء حال الاقتصاد على يد المدينين الغارقين في مشكلات- في حالتنا، ملاك المنازل على نحو رئيسي هم في صدارة المشهد. وفي هذا، نحن أيضا بحاجة شديدة إلى سياسات نقدية ومالية توسعية لدعم الاقتصاد، مع نضال المدينين من أجل العودة مرة أخرى إلى الصحة المالية. مع هذا، كما هو في أوروبا، يهيمن على الخطاب العام حديث سليط عن العجوزات والتضخم.
لذا، في المرة المقبلة التي تسمعون فيها شخص يزعم أننا سنصبح كاليونان إن لم نخفض الإنفاق، يجدر بردكم عليه أن يكون: إذا خفضنا الإنفاق بينما الاقتصاد مازال في ركود، سنصبح كأوروبا. وفي الحقيقة، نحن قطعنا شوطا في هذا الطريق.
نيويورك تايمز - ش
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية