عائشة بنت علوي باعبود
-
يسرا الطفلة البالغة من العمر 7 سنوات والتي مازالت في نعومة أظفارها، خلقت بإعاقة حركية بسبب خلل وراثي. أقعدها وحرمها من أن تحيا كسائر الأطفال الأسوياء، ولطالما حلمت أن تتلمس أقدامها تراب الأرض، ولطالما حلمت أن تركض على ذرات رمل الشاطئ الفضيّة، وتتنفس الهواء الطلق برفقة إخوانها وأقرانها. ظلت تعاني من عدم القدرة على المشي وضعف البنية وإنحناء في ساقيها وإلتواء في قدمها الأيسر مما أدى إلى خلل في التوازن وعدم القدرة على الحركة.
ولكن شاءت الأقدار أن تغير من مأساة هذه الطفلة، حيث جاءت الأيادي البيضاء التي امتدت لتقدم يد العون والتي أبت إلا أن تنتشل يسرا وإخوانها عبدالله البالغ من العمر 24 عاما وحسين ذا الخمسة عشر عاما، من ظلال الإعاقة والعزلة لتشرق شمس الأمل ولتحلم بغد مبهر منير. تلك الأيادي متمثلة في الاختصاصية الدنماركية لون سورنسون، مدير عام المعهد العالمي لعلاج التمبرانا الإنعكاسي في برشلونة في مملكة أسبانيا ومصممة علاج التمبرانا الانعكاسي، ومجموعة دعم أسر الأطفال لذوي الإعاقة التابعة لجمعية التدخل المبكر لذوي الإعاقة وبالتعاون مع مركز "همس الأثير" للتأهيل.
وفي صباح الأربعاء الموافق 4 من أبريل 2012 زارت الاختصاصية وفريقها وأعضاء مجموعة دعم أسر الأطفال ذوي الإعاقة وصاحب مركز همس الأثير الطفلة يسرا وأسرتها في إحدى قرى الصيادين في ضيان البوسعيد، بولاية السويق بعد أن تعرفت على إعاقتها وإخوانها الذكور خلال زيارتهم لمركز الوفاء الاجتماعي في ولاية السويق لعمل محاضرة توعية لأسر الأطفال ذوي الإعاقة، وذلك لتفعيل دور أفراد المجتمع في المساهمة في نشر الوعي.
لذا قررت الاختصاصية أن تتبرع بعلاج يسرا وإخوانها ذوي الإعاقة مجانًا بحيث يتكفل المعهد العالمي لعلاج التمبرانا الانعكاسي برسوم العلاج التي تبلغ 7500 ريال عماني. وقد تم إبلاغ الأسرة مسبقا بالزيارة وكان جميع أفراد الأسرة في استقبال حافلة مركز همس الأثير للتأهيل.
عند وصولنا وقت الظهيرة، كان الهدوء يخيّم على القرية. لم نكن نسمع سوى نسمات الهواء ولم نر سوى طيور النورس محلقة في السماء بكبرياء. وكنت أستمتع جدًا بمشاهدة أمواج البحر تتهادى وتتسابق لتلمس حبّات الرمل الجافة لتعيد إليها الحياة.
وهنا كانت المفاجأة.. أسرة مكونة من 16 من الأبناء 3 منهم ذوي إعاقة. يعيشون في منزل في حالة مزرية. لا يغطي جدرانه سوى طلاء قاتم يوحي بالكآبة والأسى، وبداخل كل حجرة منه أغطية ومخدات رثة تنبعث منها روائح، ولا توجد سوى دورتي مياه على الطراز التقليدي ولا تتناسب مع الأطفال الثلاثة المقعدين. في منتصف المنزل، توجد ساحة تم ردمها بالحصى وكرسي مدولب أكله الصدأ وعاف عليه الزمن. وبالطبع لم يستخدم من قبل الأبناء ذوي الإعاقة وذلك لعدم تهيئة المنزل لاستخدام الكرسي. وعندما كنا نستكشف البيت بعد الاستئذان من صاحبه، كانت الاختصاصيّة وطاقمها قد بدأ بتدريب الأخوات على كيفية تطبيق العلاج الانعكاسي على يسرا وإخوانها. لم يستغرق الأمر أكثر من 4 ساعات من التدريب المتواصل. وكان أعضاء مجموعة الدعم يقومون بترجمة ما يقوله الفريق المعالج لأفراد الأسرة المتلقين للتدريب، بعدها ودعتنا الأسرة مهللة وفرحة آملة أن يتمكن أبناؤها من الاستفادة من علاج التمبرانا الانعكاسي.
بعد 8 أسابيع، وبعد وصول الاختصاصية لون سورنسون لمحافظة مسقط مباشرة، أبلغت مجموعة دعم أسر الأطفال ذوي الإعاقة عن رغبتها في زيارة الأسرة في محافظة السويق لتتابع حالة يسرا وإخوانها بعد تلقي علاج التمبرانا الانعكاسي؛ لذا قمنا بمرافقتها وفريقها إلى ولاية السويق في صباح الخميس السابع من يونيو 2012. وعند وصولنا لمنزل يسرا، لم نكن نعلم ما تخبئه جدران البيت العتيقة. ولم تتوقع أعيننا أن تشهد تلك اللحظات الحاسمة والعظيمة التي تقشعر لها الأبدان وأننا قد أوشكنا أن نرى أحداث فيلم درامي تقوم فيه يسرا وإخوانها بدور البطولة.
يسرا لم تعد الطفلة التي شلّت أرجلها فأقعدتها في سن غض!!! بل كانت تقف وتتلمس الأرض لتشق طريقها نحو درب الحرية بعيدة عن ذل الإعاقة. كانت ترحب بالحياة وتعبر عن امتنانها بابتسامات وقبلات لتعبر لنا عن سعادتها بعد سنوات من الحرمان. وكم كانت سعادة الأسرة وخاصة والدها المتقاعد الذي امتهن الزراعة حتى يعيل أسرته، وكم انهالت دموع الفرحة عند رؤيتنا ليسرا وأخيها حسين يقف محاولا المشي ويستند على والده محاولا وبفخر أن يرينا ما وصل إليه من تقدم.
أمّا عبد الله، الذي كان يسحب على الأرض لينتقل من غرفة إلى أخرى فقد دخل علينا يحبو كطفل في السنة الأولى من عمره، لقد كان مشهدًا تاريخيا سنتذكره في قلوبنا للأبد. مشهدًا ستذكره الأسرة وسيطبع في ذاكرة الزمن.
وهنا لنا وقفة، هناك الآلاف من الأطفال ذوي الإعاقة مازالوا يرزحون تحت نير الإعاقة والجهل والفقر والعزلة، ينتظرون أن يُمنحوا فرصة ليعيشوا بكرامة ينتظرون وبلهفة يدا بيضاء تنتشلهم من براثن الإعاقة التي خيّمت على حياتهم فأقعدتهم!! فلنفق ونتأمل.. لنتعلم أنّ بالمثابرة والعزيمة والإصرار ستنكسر قيود الإعاقة إذا منحت فرصة لتغير واقعها المأساوي، وأنّه لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.
* أم لطفل ذي إعاقة،،،
-
يسرا الطفلة البالغة من العمر 7 سنوات والتي مازالت في نعومة أظفارها، خلقت بإعاقة حركية بسبب خلل وراثي. أقعدها وحرمها من أن تحيا كسائر الأطفال الأسوياء، ولطالما حلمت أن تتلمس أقدامها تراب الأرض، ولطالما حلمت أن تركض على ذرات رمل الشاطئ الفضيّة، وتتنفس الهواء الطلق برفقة إخوانها وأقرانها. ظلت تعاني من عدم القدرة على المشي وضعف البنية وإنحناء في ساقيها وإلتواء في قدمها الأيسر مما أدى إلى خلل في التوازن وعدم القدرة على الحركة.
ولكن شاءت الأقدار أن تغير من مأساة هذه الطفلة، حيث جاءت الأيادي البيضاء التي امتدت لتقدم يد العون والتي أبت إلا أن تنتشل يسرا وإخوانها عبدالله البالغ من العمر 24 عاما وحسين ذا الخمسة عشر عاما، من ظلال الإعاقة والعزلة لتشرق شمس الأمل ولتحلم بغد مبهر منير. تلك الأيادي متمثلة في الاختصاصية الدنماركية لون سورنسون، مدير عام المعهد العالمي لعلاج التمبرانا الإنعكاسي في برشلونة في مملكة أسبانيا ومصممة علاج التمبرانا الانعكاسي، ومجموعة دعم أسر الأطفال لذوي الإعاقة التابعة لجمعية التدخل المبكر لذوي الإعاقة وبالتعاون مع مركز "همس الأثير" للتأهيل.
وفي صباح الأربعاء الموافق 4 من أبريل 2012 زارت الاختصاصية وفريقها وأعضاء مجموعة دعم أسر الأطفال ذوي الإعاقة وصاحب مركز همس الأثير الطفلة يسرا وأسرتها في إحدى قرى الصيادين في ضيان البوسعيد، بولاية السويق بعد أن تعرفت على إعاقتها وإخوانها الذكور خلال زيارتهم لمركز الوفاء الاجتماعي في ولاية السويق لعمل محاضرة توعية لأسر الأطفال ذوي الإعاقة، وذلك لتفعيل دور أفراد المجتمع في المساهمة في نشر الوعي.
لذا قررت الاختصاصية أن تتبرع بعلاج يسرا وإخوانها ذوي الإعاقة مجانًا بحيث يتكفل المعهد العالمي لعلاج التمبرانا الانعكاسي برسوم العلاج التي تبلغ 7500 ريال عماني. وقد تم إبلاغ الأسرة مسبقا بالزيارة وكان جميع أفراد الأسرة في استقبال حافلة مركز همس الأثير للتأهيل.
عند وصولنا وقت الظهيرة، كان الهدوء يخيّم على القرية. لم نكن نسمع سوى نسمات الهواء ولم نر سوى طيور النورس محلقة في السماء بكبرياء. وكنت أستمتع جدًا بمشاهدة أمواج البحر تتهادى وتتسابق لتلمس حبّات الرمل الجافة لتعيد إليها الحياة.
وهنا كانت المفاجأة.. أسرة مكونة من 16 من الأبناء 3 منهم ذوي إعاقة. يعيشون في منزل في حالة مزرية. لا يغطي جدرانه سوى طلاء قاتم يوحي بالكآبة والأسى، وبداخل كل حجرة منه أغطية ومخدات رثة تنبعث منها روائح، ولا توجد سوى دورتي مياه على الطراز التقليدي ولا تتناسب مع الأطفال الثلاثة المقعدين. في منتصف المنزل، توجد ساحة تم ردمها بالحصى وكرسي مدولب أكله الصدأ وعاف عليه الزمن. وبالطبع لم يستخدم من قبل الأبناء ذوي الإعاقة وذلك لعدم تهيئة المنزل لاستخدام الكرسي. وعندما كنا نستكشف البيت بعد الاستئذان من صاحبه، كانت الاختصاصيّة وطاقمها قد بدأ بتدريب الأخوات على كيفية تطبيق العلاج الانعكاسي على يسرا وإخوانها. لم يستغرق الأمر أكثر من 4 ساعات من التدريب المتواصل. وكان أعضاء مجموعة الدعم يقومون بترجمة ما يقوله الفريق المعالج لأفراد الأسرة المتلقين للتدريب، بعدها ودعتنا الأسرة مهللة وفرحة آملة أن يتمكن أبناؤها من الاستفادة من علاج التمبرانا الانعكاسي.
بعد 8 أسابيع، وبعد وصول الاختصاصية لون سورنسون لمحافظة مسقط مباشرة، أبلغت مجموعة دعم أسر الأطفال ذوي الإعاقة عن رغبتها في زيارة الأسرة في محافظة السويق لتتابع حالة يسرا وإخوانها بعد تلقي علاج التمبرانا الانعكاسي؛ لذا قمنا بمرافقتها وفريقها إلى ولاية السويق في صباح الخميس السابع من يونيو 2012. وعند وصولنا لمنزل يسرا، لم نكن نعلم ما تخبئه جدران البيت العتيقة. ولم تتوقع أعيننا أن تشهد تلك اللحظات الحاسمة والعظيمة التي تقشعر لها الأبدان وأننا قد أوشكنا أن نرى أحداث فيلم درامي تقوم فيه يسرا وإخوانها بدور البطولة.
يسرا لم تعد الطفلة التي شلّت أرجلها فأقعدتها في سن غض!!! بل كانت تقف وتتلمس الأرض لتشق طريقها نحو درب الحرية بعيدة عن ذل الإعاقة. كانت ترحب بالحياة وتعبر عن امتنانها بابتسامات وقبلات لتعبر لنا عن سعادتها بعد سنوات من الحرمان. وكم كانت سعادة الأسرة وخاصة والدها المتقاعد الذي امتهن الزراعة حتى يعيل أسرته، وكم انهالت دموع الفرحة عند رؤيتنا ليسرا وأخيها حسين يقف محاولا المشي ويستند على والده محاولا وبفخر أن يرينا ما وصل إليه من تقدم.
أمّا عبد الله، الذي كان يسحب على الأرض لينتقل من غرفة إلى أخرى فقد دخل علينا يحبو كطفل في السنة الأولى من عمره، لقد كان مشهدًا تاريخيا سنتذكره في قلوبنا للأبد. مشهدًا ستذكره الأسرة وسيطبع في ذاكرة الزمن.
وهنا لنا وقفة، هناك الآلاف من الأطفال ذوي الإعاقة مازالوا يرزحون تحت نير الإعاقة والجهل والفقر والعزلة، ينتظرون أن يُمنحوا فرصة ليعيشوا بكرامة ينتظرون وبلهفة يدا بيضاء تنتشلهم من براثن الإعاقة التي خيّمت على حياتهم فأقعدتهم!! فلنفق ونتأمل.. لنتعلم أنّ بالمثابرة والعزيمة والإصرار ستنكسر قيود الإعاقة إذا منحت فرصة لتغير واقعها المأساوي، وأنّه لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.
* أم لطفل ذي إعاقة،،،