بلغوا عني ولو آيه

    • عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته رضي الله عنهما قال حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

      *
      الشرح :

      عن أبي محمد الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنه وعن أبيه وأمه وهو ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الحسنين فإن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليه وقال "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين من المسلمين " , فأصلح الله بين الفئتين المتنازعتين حين تنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان فنال بذلك السيادة .

      أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "دع ما لا يريبك إلى ما لا يريبك " يعني أي اترك الذي ترتاب فيه وتشك فيه إلى الشيء الذي لا تشك فيه , وهذا يشبه الحديث السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "بينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " فالذي يريبك وتشك فيه سواء كان في أمور الدنيا أو أمور الآخرة فالأحسن أن ترتاح منه وتدعه حتى لا يكون في نفسك قلق واضطراب فيما فعلت وأتيت .

      *
      فمن فوائد هذا الحديث :

      ما دل على لفظه من ترك الإنسان للأشياء التي يرتاب فيها إلى الأشياء التي لا يرتاب فيها , ومنها أن الإنسان مأمور باجتناب ما يدعو إلى القلق .
    • عن ابي هريرة – رضي الله عنه قال- عن النبي صلى الله عليه و سلم قال - من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا و الآخرة ، ومن ستر مسلما ستره الله فى الدنيا و الآخرة ، و الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه . و من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله به طريقا الى الجنة ، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة و ذكرهم الله في من عنده ، و من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه - رواه مسلم بهذا اللفظ .

      *الشرح :

      قال النووي – رحمه الله تعالى – في الأربعين النووية الحديث السادس و الثلاثون عن أبىهريرة – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه و سلم قال -من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة -- و الكرب يعني : الشدة و الضيق و الضنك ، و التنفيس معناه : إزالة الكربة ورفعها ،وقوله -من كرب الدنيا - يعم المالية و البدنية و الأهلية والفردية و الجماعية .

      - نفس الله عنه - أي : كشف الله عنه و أزال.

      - كربة من كرب يوم القيامة - و لا شك أن كرب يوم القيامة أعظم و أشد من كرب الدنيا ، فإذا نفس عن المؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة .

      - ومن يسر على معسر- أي : سهل عليه أزال عسرته .

      -يسر الله عليه في الدنيا و الآخرة - و هنا صار الجزاء في الدنيا و الآخرة و في الكرب كربة من كرب يوم القيامة ؛ لان كرب يوم القيامة عظيمة جدا .

      -ومن ستر مسلما - أي : ستر عيبه سواء أكان خلقيا أو خلقيا أودينيا أو دنيويا إذا ستره و غطاه حتى لا يتبين للناس .

      - ستره الله في الدنيا و الآخرة - أي : حجب عيوبه عن الناس في الدنيا و الآخرة .

      ثم قال صلى الله عليه و سلم كلمة جامعه مانعة قال - و الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه - أي : ان الله تعالى يعين الإنسان على قدر معونة أخيه كما و كيفا و زمنا ، فما دام الإنسان في عون أخيه فالله في عونه ، و في حديث آخر - من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته -.

      و قوله - من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة - يعني : من دخل طريقا و صار فيه يلتمس العلم والمراد به العلم الشرعي سهل الله له به طريقاً إلى الجنة ، لأن الإنسان علم شريعة الله تيسر عليه سلوكها ، و معلوم أن الطريق الموصل إلى الله شريعته ، فإذا تعلم الإنسان شريعة الله سهل الله له به طريقا إلى الجنة .

      -و ما اجتمع قوم قي بيت من بيوت الله- المراد به المسجد فإن بيوت الله هي المساجد قال الله تعالى [ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ...][النور36] و قال تعالى [ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا][الجن18] ... و قال : [ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... ][البقرة114] ... فأضافالمساجد إليه ؛ لأنها موضع ذكره .

      قوله -يتلون كتاب الله و يتدارسونه بينهم - يتلونه : يقرءونه و يتدارسونه أي : يدرس بعضهم على بعض .

      -إلا نزلت عليهم السكينة و غشيتهم الرحمة و حفتهم الملائكة -نزلت عليهم السكينة يعني : في قلوبهم و هي الطمأنينة و الاستقرار ، و غشيتهم الرحمة : غطتهم و شملتهم

      -و حفتهم الملائكة -صارت من حولهم . - و ذكرهم الله فيمن عنده- أي : من الملائكة .

      -ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه - أي :من تأخر من أجل عمله السيئ فإن نسبه لا يغنيه و لا يرفعه و لا يقدمه و النسب هوالانتساب إلى قبيلة و نحو ذلك .

      *في هذا الحديث فوائد : الترغيب في تنفيس الكرب عن المؤمنين لقوله صلى الله عليه وسلم - من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة-.

      * ومن فوائده : الإشارة الى يوم القيامة و أنها ذات كرب وقد بين ذلك الله تعالى في قوله [يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عظيم * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ][الحج1-2]

      *و من فوائد هذا الحديث : تسمية ذلك اليوم بيوم القيامة ؛ لأنه يقوم فيه الناس من قبورهم لرب العالمين و يقام فيه العدل و يقوم الأشهاد .

      *و من فوائد الحديث : الترغيب في التيسير على المعسرين لقوله صلى الله عليه وسلم -من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا و الآخر- و التيسير علىالمعسر يكون بحسب عسرته ؛ فالمدين مثلا الذي ليس عنده مالا يوفي به يكون التيسير عليه إما بإنظاره ، و إما بإبرائه و إبراؤه أفضل من إنظاره ، و التيسير على من أصيب بنكبة أن يعان في هذه النكبة و يساعد و تهون عليه المصيبة و يعود بالأجر و الثواب وغير ذلك ، المهم أن التيسير يكون بحسب العسرة التي أصابت الإنسان .


      *ومن فوائد هذا الحديث : الترغيب في ستر المسلم لقوله صلى الله عليه و سلم - من ستر مسلما ستره الله فيالدنيا و الآخر -و المراد بالستر : هو إخفاء العيب ، و لكن الستر لا يكون محمودا إلا إذا كان فيه مصلحة و لم يتضمن مفسده ، فمثلا المجرم إذا أجرم لا نستر عليه إذا كان معروفا بالشر و الفساد ، ولكن الرجل الذي يكون مستقيما في ظاهره ثم فعل ما لا يحل فهنا قد يكون الستر مطلوبا ؛ فالستر ينظر فيه إلى المصلحة ، فالإنسانالمعروف بالشر و الفساد لا ينبغي ستره ، والإنسان المستقيم في ظاهره ولكن جرى منهما جرى هذا هو الذي يسن ستره .

      *ومن فوائد هذا الحديث : الحث على عون العبد المسلم و أن الله تعالى يعين المعين حسب إعانته لأخيه لقوله صلى الله عليه وسلم -و الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه- وهذه الكلمة يرويها بعض الناس : ما دام العبد و لكن الصواب ما كان العبد في عون أخيه كما قال صلى الله عليه وسلم .


      *ومن فوائد الحديث : الحث على طلب العلم لقوله صلى الله عليه وسلم - من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة - و قد سبق في الشرح معنى الطريق و أنه قسمان حسي و معنوي .

      *ومن فوائد الحديث : فضيلة اجتماع الناس على قراءة القرآن لقوله - و ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله .. الخ- .


      * ومن فوائد الحديث : أن حصول هذا الثواب لا يكون إلا إذا اجتمعوا في بيت الله أي : في مسجد من المساجد لينالوا بذلك شرف المكان لأن أفضل البقاع مساجدها .

      *ومن فوائد الحديث : بيان حصول هذا الأجر العظيم تنـزل عليهم السكينة و هي الطمأنينة القلبية و تغشاهم الرحمة أي : تغطيهم و تحفهم الملائكة أي :تحيط بهم من كل جانب و يذكرهم الله فيمن عنده من الملائكة لأنهم يذكرون الله تعالى عن ملأ ، و قد قال الله تعالى في الحديث القدسي -من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم- .


      *من فوائد الحديث : أن النسب لا ينفع إذا لم يكن العمل الصالح لقوله -من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه-

      *ومن فوائد الحديث : أنه ينبغي للإنسان أن لا يغتر بنفسه و أن يهتم بعمله الصالح حتى ينال به الدرجات العلى .
    • عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني قال : "لا تغضب " فردد مِرارا , قال " لا تغضب " رواه البخاري .

      *
      الشرح

      الوصية هي العهد بالأمر الهام , وهذا الرجل صبي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصيه فقال "لا تغضب " وعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصية بالتقوى التي أوصى الله عز وجل بها هذه الأمة وأوصى بها الذين أوتوا الكتاب من قبلنا إلى قوله "لا تغضب " لأنه يعلم من حال هذا الرجل والله أعلم أنه كثير الغضب ولهذا أوصاه بقوله " لا تغضب " وليس المراد النهي عن الغضب الذي هو طبيعة من طبيعة الإنسان , ولكن المراد : املك نفسك عند الغضب بحيث لا تنفذ إلى ما يقتضيه ذلك الغضب , لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم فلهذا تجده تحمر عيناه وتنتفخ أوداجه وربما يذهب شعوره بسبب الغضب ويكون أشياء لا يحمد عقباها وربما يندم ندماً عظيماً على ما حصل منه , فلهذا أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الوصية وهي وصية له ولمن كان حاله مثل حاله .

      *
      ما يؤخذ من الحديث : أنه ينبغي للمفتي والمعلم أن يراعي حال المستفتي وحال المتعلم وأن يخاطبه بما تقتضيه حاله , وإن كان لو خاطبا غيره فخاطبه بشيء اخر .
    • عن ابي العباس سهل بن سعد الساعدي – رضي الله عن – قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، دلني على عمل إذا عملته احبني الله واحبني الناس فقال : - ازهد في الدنيا يحبك الله ، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس- حديث حسن رواه ابن ماجه و غيره باسانيد حسنه .

      الشرح :

      عن ابي العباس سهل بن سعد الساعديرضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه و سلم و لم يبين اسم الرجل ؛ لانه ليس هناك ضرورة إلى معرفته إذ أن المقصود معرفة الحكم و معرفة القضية فقال :- يا رسول الله ، دلني على عمل إذا عملته احبني الله و احبني الناس - وهذا الطلب لا شك انه مطلب عالي يطلب فيه السائل ما يجلب محبة الله له و ما يجلب محبة الناس له ، فقال له النبي صلى الله عليه و سلم -ازهد في الدنيا - يعني : اترك في الدنيا ما لا ينفعك في الآخرة وهذا يتضمن انه يرغب في الآخرة ؛ لأن الدنيا و الآخرة ضرتان إذا زهد في إحداهما فهو راغب في الأخرى بل هذا يتضمن أن الإنسان يحرص على القيام بأعمال الآخرة من فعل الأوامر وترك النواهي ويدع ما لا ينفعه في الآخرة من الأمور التي تضيع و قته و لاينتفع بها إما ما يكون سببا لمحبة الناس فقال - ازهد فيما عند الناس يحبك الناس - فلا يطلب من الناس شيئا و لا يتشوق إليه و لا يستشرف لهو يكون ابعد الناس عن ذلك حتى يحبه الناس ؛ لأن الناس إذا سئل الإنسان ما في أيديهم استثقلوه و كرهوه ، و إذا كان بعيدا عن ذلك فإنهم يحبونه .

      *
      من فوائد هذا الحديث : حرص الصحابة – رضي الله عنهم – على سؤال النبي صلى الله عليه و سلم فيما ينفعهم .

      *
      و من فوائده : أن الإنسان بطبيعة الحال يحب أن يحبه الله و أن يحبه الناس ويكره أن يمقته الله و يمقته الناس فبين النبي صلى الله عليه و سلم ما يكون به ذلك .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : أن من الزهد في الدنيا احبه الله ؛ لأن الزهد في الدنيا يستلزم الرغبة في الآخرة ، وقد سبق معنى الزهد : و انه ترك ما لاينفع في الآخرة .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : إن الزهد فيما عند الناس سبب في محبة الناس لك .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : إن الطمع في الدنيا و التعلق بها سبب لبغض الله للعبد وان الطمع فيما عند الناس و الترقب له يوجب بغض الناس للإنسان ، و الزهد فيما في أيديهم هو اكبر أسباب محبتهم
    • عن ابن عباس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ و النسيان ، و ما استكرهوا عليه -حديث حسن رواه ابن ماجه و البيهقي و غيرهما.


      *
      الشرح :

      قوله - تجاوز- بمعنى : عفا ، -الخطأ - فعل الشيء عن غير قصد ، -النسيان -ذهول القلب عن شيء معلوم ، و الاستكراه إلجاء الإنسان ، وهذه ثلاثة أشياء بين فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تجاوز عن أمته هذه الأشياء الثلاثة و قد دل على ذلك القرآن قال الله تعالى [...رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ... ][البقرة286] فقال الله : قد فعلت ، وقال الله تعالى : [ ...وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ... ][الأحزاب5] و قال تعالى [مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ][النحل106 .

      *
      فيستفاد من هذا الحديث فوائد :

      منها سعة رحمة الله عز وجل و أن رحمته سبقت غضبه ، و منها أن الإنسان إذا فعل الشيء خطأ فإنه لا يؤاخذ عليه و لكن إن كان محرما فإنه لا يترتب عليه إثم و لا كفارة و لا فساد عبادة و قع فيها ، و أما إن كان ترك واجب فإنه يرتفع عنه الإثم و لكن لا بد من ترك تدارك الواجب .

      *
      ومن فوائد الحديث :
      أن من أكره على شيء قولي أو فعلي فإنه لا يؤاخذ به لقوله -وما استكرهوا عليه -و هذا عام سواء كان الإكراه على فعل أو على قول و لا دليل لمن فرق بين الإكراه على الفعل و الإكراه على القول ، ولكن إذا كان الإكراه في حق آدمي فإنه يعامل بما تقتضيه الأدلة الشرعية مثل : أن يكره شخصا على قتل شخص آخر فإنه يقتل المكره و المكره لأن الإكراه لا يبيح قتل الغير و لا يمكن و لا يجوز للإنسان أن يستبقي حياته بإتلاف غيره .
    • عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون , فقلنا يا رسول الله كأنها موعظة مودعٍ فأوصنا , قال - أوصيكم بتقوى الله عزوجل , والسمع والطاعة وإن تأمر عليك عبد , فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً . فعليكم بسنتي وسنةالخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ , وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعةضلالة - رواه أبوداود والترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

      *
      الشرح :قوله -وعظنا - الوعظ : هوالتذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب , وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة ولا يكثر عليهم مخافة السآمة , قوله - وجلت منهاالقلوب - أي خافت , -وذرفت منها العيون - أي بكتحتى ذرفت دموعها - فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودعٍفأوصنا - لأن موعظة المودع تكون موعظة بالغة قوية فأوصنا قال - أوصيكم بتقوى الله عز وجل - وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم أنهم استغلوا هذه الفرصة ليوصيهم النبي صلى الله عليه وسلم بما فيه خير , قال - أوصيكم بتقوى الله عز وجل - وتقوى الله اتخاذ وقاية من عقابه بفعل أوامره واجتناب نواهيه وهذا حق الله عز وجل -والسمعوالطاعة - يعني الأمور أي اسمعوا ما يقولون وما به يأمرون واجتنبوا ماعنه ينهون , - وإن تأمر عليكم عبد - يعني وإن كان الأميرعبداً فأسمعوا له وأطيعوه , وهذا هو مقتضى عموم الآية - يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِيالْأَمْرِ مِنْكُمْ ...-]النساء59] .

      قوله -فإنهمن يعش منكم - أي من تطول حياته فسيرى اختلافاً كثيراً ووقع ذلك كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقد حصل الاختلاف الكثير في زمن الصحابة رضي الله عنهم ثمأمر صلى الله عليه وسلم بأن نلتزم بسنته أي بطريقته وطريقة الخلفاء الراشدين المهدين والخلفاء الذين خلفوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمته علماً وعبادة ودعوة وعلى رأسهم الخلفاء الأربعة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم .

      -
      المهديين - وصف كاشف , لأن كل رشاد فهو مهدي ومعنى المهدين الذين هدوا أي هداهم الله عزوجل لطريق الحق

      -
      عضوا عليها بالنواجذ - وهي أقصى الأضراس وهو كناية عن شدة التمسك بها ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم .

      ثم حذر النبي صلى الله عليه وسلم من محدثات الأمور فقال - إياكم - أي أحذركم من محدثات الأمور وهي الأمور وهي ما أحدث في الدين بلا دليل شرعي وذلك لأنه لما لأمر بلزوم السنة والحذر من البدعة وقال -فإن كل بدعة ضلالة - رواه أبوداود والترمذي وقال حديث حسنصحيح .

      *
      وفي الحديث فوائد منها :حرص النبي صلى الله عليه وسلم على موعظة أصحابه , حيث يأتي بالمواعظ المؤثرة التي توجل لها القلوب وتذرف منها الأعين .

      *
      ومنها :أن الإنسان المودعالذي يريد أن يغادر إخوانه ينبغي له أن يعظهم موعظة تكون ذكرى لهم , موعظة مؤثرة بليغة , لأن المواعظ عند الوداع لا تنسى .

      *
      ومنها :الوصية بتقوى الله عز وجل , فهذه الوصية هي وصية الله في الأولين والآخرينلقوله تعالى - ...وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواالْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ...- ]النساء131] .

      *
      ومنها :الوصية بالسمع والطاعة لولاة الأمور وقد أمر الله بذلك في قوله - يَا أَيُّهَاالَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِمِنْكُمْ ...- ]النساء59 [... وهذا الأمر مشروط بأن لا يؤمر بمعصية الله ,فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة في معصية الله لقول النبي صلى الله عليه وسلم - إنما الطاعة في المعروف -ومن هنا نتبين الفائدة في قوله تعالى - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَوَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ...-]النساء59] ...حيث لم يعد الفعل عند ذكر طاعة أولياء الأمور بل جعلها تابعة لطاعة الله ورسوله .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث :حرص النبي صلى الله عليه وسلم على موعظة أصحابه كما أنه حريص على أن يعظهم أحياناً بتبليغهم الشرع , فهوأيضاً يعظهم مواعظ ترقق القلوب وتؤثر فيها .

      *
      ومنها :أن ينبغي للواعظ أن يأتي بموعظة مؤثرة في الأسلوب وكيفية الإلقاء ولكن بشرطألا يأتي بأحاديث ضعيفة أو موضوعة , لأن بعض الوعاظ يأتي بالأحاديث الضعيفة والموضوعة يزعم بأنها تفيد تحريك القلوب , ولكنها وإن أفادت في هذا تضر , فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - من حدث عني بحديث يرى أنهكذب فهو أحد الكذابين - .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث :أن العادة إذا أراد شخص أن يفارق أصحابه وإخوانه فإنه يعظهم موعظة بليغة ,لقوله "كأنها موعظة مودعٍ " .

      *
      ومنها :طلب الوصية من أصحاب العلم .

      *
      ومنها :أن لا وصية أفضل ولا أكمل من الوصية بتقوى الله عز وجل قال تعالى - ... وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواالْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ...-]النساء131] , وقد سبق شرحها .

      *
      ومنها :الوصية بالسمع والطاعة لولاة الأمور وإن كانوا عبيداً لقوله صلى الله عليه وسلم - والسمع والطاعة وإن تأمر عليكعبدٌ - لأن السمع والطاعة لهم تنفى به شرور كثيرة وفوضى عظيمة .

      *
      ومن فوائد الحديث :ظهور آية من آيات الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال - من يعش منكم فسيرى اختلافاًكثيراً - والذين عاشوا من الصحابة رأوا اختلافاً كثيراً كما يعلم ذلك من التاريخ .

      *
      ومن فوائد الحديث :لزوم التمسك بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام لا سيما عند الاختلاف والتفرق ولهذا قال -فعليكم بسنتي- .

      *
      ومنها :أنهينبغي التسمك الشديد حتى يعض عليها بالنواجذ , لئلا تفلت من الإنسان .

      *
      ومن فوائد الحديث :التحذير من محدثات الأمور , والمراد بهاالمحدثات في الدين , وأما ما يحدث في الدنيا فينظر فيه إذا كان فيه مصلحة فلا تحذيرمنه أما ما يحصل في الدين فإنه يجب الحذر منه لما فيه التفرق في دين الله , والتشتت وتضيع الأمة بعضها بعضاً .

      *
      ومن فوائد الحديث :أن كل بدعة ضلالة , وأنه ليس في البدع ما هو مستحسن كما زعمه بعض العلماء , بل كل البدع ضلالة فمن ظن أن البدعة حسنةفإنها لا تخلو من أحد أمرين : إما أنهاليست بدعة وظنها الناس بدعة , وإما أنها ليست حسنة وظن هو أنها حسنة , وأما أن تكون بدعة وحسنة فهذا مستحيل بقول النبي صلى الله عليه وسلم-فإنكل بدعة ضلالة- .
    • عن أبي مالك – الحارث بن عاصم - الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملأ ما بين السماء والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو مُوبقها -" رواه مسلم .

      قال الشيخ رحمه الله :-
      عن أبي مالك –الحارث بن عاصم- الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - الطهور شطر الإيمان - بضم الطاء يعني الطهارة .
      شطر الإيمان أي نصفه وذلك أن الإيمان تخلي وتحلي , أما التخلي فهو التخلي عن الإشراك ,لأن الشرك بالله نجاسة كما قال الله تعالى - إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا –]التوبة28[
      فلهذا كان الطهور شطر الإيمان , وقيل : - إن معناه أن الطهور للصلاة شطر الإيمان , لأن الصلاة إيمان ولا تتم إلا بطهور- ... لكن المعنى الأول أحسن وأعم .

      *وقال : -والحمد لله تملأ الميزان - الحمد لله تعني : وصف الله تعالى بالحامد والكمالات الذاتية والفعلية تملأ الميزان , أي ميزان الأعمال لأنها عظيمة عند الله عزوجل ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم - كلمتان خفيفتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان , سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم - .

      *وقال -سبحان الله والحمد لله - يعني الجمع بينهما - تملأ - أو قال - تملآن ما بين السماء والأرض - وذلك لعظمهما ولاشتمالهما على تنـزيه الله تعالى عن كل نقص , وعلى إثبات الكمال لله عز وجل ففي التسبيح تنـزيه الله عن كل نقص وفي الحمد وصف الله تعالى بكل كمال , فلهذا كانتا تملآن ما بين السماء والأرض .

      *ثم قال - والصلاة نور -يعني : أن الصلاة نور في القلب وإذا استنار القلب استنار الوجه , وهي كذلك نور يوم القيامة قال تعالى - يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ...-]الحديد12[
      وهي أيضاً نور بالنسبة للاهتداء والعلم وغير ذلك من كلما فيه النور .

      *وقال : - والصدقة برهان - أي دليل على صدق صاحبها , وأنه يحب التقرب إلى الله وذلك لأن المال محبب إلى النفوس ولا يصرف المحبوب إلا في محبوب أشد منه حباً وكل إنسان يبذل المحبوب من أجل الثوابالمرتجى وهو برهان على صحة إيمانه وقوة يقينه.

      *قال - والصبر ضياء - الصبر أقسامه ثلاثة : صبر على طاعة الله , وصبر على معصية الله , وصبر على أقدار الله .

      *وقال -" ضياء - نوراً مع حرارة كما قال تعالى -هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا-]يونس5].

      والشمس فيها النور والحرارة , والصبر كذلك لأنه شاق على النفس فهو يعاني كما يعاني الإنسان من الحرارة ومن الحار .

      *وقال أيضاً - والقرآن حجة لك أو عليك - والقرآن حجة لك , أي عند الله عز وجل أو حجة عليك ...

      فإن عملت به كان حجة لك , وإن أعرضت عنه كان حجة عليك , ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كل الناس يغدون أي يذهبون الصباح إلى أعمالهم .

      *وقال - فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها - كل الناس يغدون ويكدحون ويتعبون أنفسهم , فمنهم من يعتق نفسه ومنم من يوبقها أي يهلكها بحسب عمله فإن عمل بطاعة الله واستقام على شريعته فقد اعتق نفسه أي حررها من رق الشيطان

      *ففي الحديث فوائد :

      1-الحث على الطهور وبيان منزلته من الدين , وأنه شطر الإيمان .
      2-الحث على حمد الله وتسبيحه , وأن ذلك يملأ الميزان وأن الجمع بين التسبيح والحمد يملأ ما بين السماء والأرض .
      3-الحث على الصلاة , وأنها نور يتفرع علىهذه الفائدة أنها تفتح للإنسان باب العلم والفقه .
      4-الحث على الصدقة , وبيان أنها برهان ودليل على صدق إيمان صاحبها .
      5-الحث على الصبر وأنه ضياء وأنه يحصل منه مشقة على الإنسان كما تحصل المشقة بالحرارة .
      6-أن القرآن حجة للإنسان أوعليه , وليس هناك واسطة بحيث لا يكون حجة للإنسان أو حجة عليه , بل إما كذا وإما كذا , فنسأل الله أن يجعله حجة لنا نافعاً لنا .

      *ومن فوائد الحديث : أن كل الناس لا بد أن يعملوا لقوله -كل الناس يغدو - وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال - أصدق الأسماء حارث وهمام - لأن كل إنسان حارث وهمام .

      *ومن فوائد الحديث : أن العامل إما أن يعتق نفسه وإما أن يوبقها , فإن عمل بطاعة الله واجتنب معصيته فقد أعتق نفسه وحررها من رق الشيطان وإن كان الأمر بالعكس فقد أوبقها . أي أهلكها .

      *ومن فوائد الحديث : أن الحرية حقيقة هي : القيام بطاعة الله وليست إطلاق الإنسان نفسه ليعمل كل شيء أراده , قال ابن القيم رحمه الله في النونية :

      هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان

      فكل إنسان يفر من عبادة الله , فإنه سيبقى في رق الشيطان ويكون عابدا للشيطان .
    • عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كل سُلامى من الناس صدقة , كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة , وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة , والكلمة الطيبة صدقة , وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة , وتميط الأذى عن الطريق صدقة "رواه البخاري ومسلم .

      عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - كل سُلامى من الناس صدقة , كل يوم تطلع فيه الشمس .. - كل سُلامى أي كل عضو ومفصل من الناس عليه صدقة " كل يوم تطلع فيه الشمس- أي صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس فقوله - كل سُلامى - مبتدأ و -عليه صدقة -جملة خبر المبتدأ - وكل يوم- ظرف والمعنى أنه كلما جاء يوم صار على كل مفصل من مفاصل الإنسان صدقة يؤديها شكراً لله تعالى على نعمة العافية وعلى البقاء ولكن هذه الصدقة ليست صدقة المال فقط بل هي أنواع .

      - تعدل بين اثنين صدقة - أي تجد اثنين متخاصمين فتحكم بينهما بالعدل فهذه صدقة وهي أفضل الصدقات لقوله تبارك وتعالى -لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ... -]النساء114] .

      -
      وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة - وهذا أيضاً من الصدقات أن تُعين أخاك المسلم في دابته إما أن تحمله عليها إن كان لا يستطيع أن يحمل نفسه أو ترفع له على دابته متاعه يعني- عفشه - هذا أيضاً لأنها إحسان والله يحب المحسنين .

      - والكلمة الطيبة صدقة - الكلمة الطيبة , كل كلمة تقرب إلى الله كالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقراءة القرآن وتعليم العلم , وغير ذلك كل كلمة طيبة فهي صدقة .

      - وبكل خطوة تخطوها إلى الصلاة فإنها صدقة - وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن الإنسان إذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء ثم خرج من بيته إلىالمسجد لا يخرجه إلا الصلاة لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة وحط بها خطيئة .

      - وتميط الأذى عن الطريق صدقة - إماطة الأذى يعني إزالة الأذى عن الطريق , والأذى ما يؤذي المارة من ماء أو حجر أو زجاج أو شوك أوغير ذلك وسواء أكان يؤذيهم من الأرض أو يؤذيهم من فوق كما لو كان هناك أغصان شجرة متدلية تؤذي الناس فإماطها هذه صدقة .

      *وفي هذا الحديث فوائد منها :

      1-أن كل إنسان عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس على عدد مفاصله وقد قيل إن المفاصل ثلاثمائة وستون مفصلاً –والله أعلم .

      2-أن كلما يقرب إلى الله من عبادة وإحسان إلى خلقه فإنه صدقة , وما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فهو أمثلة على ذلك وقد جاء في حديث آخر - أن يجزئ عن ذلك ركعتان يركعهما من الضحى - .
    • عن أبي ذر رضي الله عنه أن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يُصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم قال - أو ليس الله جعل لكم ما تصدقون به إن لكم بكل تسبيحة صدقة , وكل تكبيرة صدقة , وكل تحميدة صدقة وكل تهليله صدقة , وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة ,وفي بُضع أحدكم صدقة - قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال - أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر -

      بالإضافة إلى
      الحديث السابق القدسي أن أناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم - يا رسول الله – وهؤلاء فقراء – قالوا : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور - يعني أهل الأموال ذهبوا بالأجور , يعني اختصموا بها .

      - يصلون كما نصلي و ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم - فهم شاركوا الفقراء في الصلاة والصوم وفضولهم في الصدقة .

      قال النبي صلى الله عليه وسلم – أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ... إلخ-

      لما اشتكى الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما يصلون ويصومون كما يصومون ويتصدقون بفضول أموالهم يعني والفقراء لا يتصدقون . بين لهم النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة التي يطيقونها فقال – أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به , إن لكم بكل تسبيحة صدقة- يعني أن يقول الإنسان سبحان الله صدقة " وبكل تكبيره صدقة - يعني إذا قال : الله أكبر فهذه صدقة - وكل تكبيرة صدقة - يعني إذا قال : الله أكبر فهذه صدقة - وكل تحميده صدقة - يعني إذا قال : الحمد لله فهذه صدقة - وكل تهليلة صدقة - يعني إذا قال : لا إله إلا الله فهذه صدقة - وأمر بالمعروف - يعني إذا أمر شخصاً أن يفعل طاعة فهذه صدقة - ونهياً عن منكر - يعني إذا نهى شخصاً عن منكر فإن ذلك صدقة "وفي بضع أحدكم صدقة - يعني إذا أتى الرجل زوجته فإن ذلك صدقة وكل له فيها أجر ، وذكروا ذلك لتقرير قوله صلى الله عليه وسلم " وفي بضع أحدكم صدقة " وليس للشك في هذا , لأنهم يعلمون أن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق لكن أرادوا أن يقرروا ذلك فقالوا : يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ ونظير ذلك قول زكريا عليه السلام - قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ... - ]ال عمران40] ... أراد أن يقرر ذلك ويثبته مع أنه مصدق به .

      قال - أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر ؟ - والجواب : نعم يكون عليه وزر قال " فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر " وهذا القياس العكس بالعكس يعني كما أن عليه وزراً في الحرام يكون له أجراً فيالحلال فقال صلى الله عليه وسلم - فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر - .

      *
      في هذا الحديث من الفوائد :

      - حرص الصحابة رضي الله عنهم على السبق إلى الخيرات .


      -
      ينبغي للإنسان إذا ذكر شيئاً أن يذكر وجهه لأن الصحابة رضي الله عنهم لما قالوا - ذهب أهل الدثور بالأجور - بينوا وجه ذلك فقالوا - يصلون كما نصلي ..الخ -

      -
      أن كل قول يقرب إلى الله تعالى فهو صدقة كالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكله صدقة .

      -
      الترغيب في الإكثار من هذه الأذكار , لأن كل كلمة منه تعتبرصدقة تقرب المرء إلى الله عز وجل .

      -
      أن الاكتفاء بالحلال والحرام يجعل الحلال قربة وصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم - وفي بضع أحدكم صدقة-

      -
      جواز الاستثبات في الخبر ولو كان صادراً من صداق لقولهم - أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ -

      -
      حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم بإيراد كلامه على سبيل الاستفهام حتى يقنع المخاطب بذلكويطمئن قلبه , ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام حين سؤل عن بيع الرطب بالتمر - أينقص إذا جف ؟ -قالوا : نعم , فنهى عن ذلك .
    • عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل دمُ امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني , والنفس بالنفس , والتارك لدينه المفارق للجماعة " رواه البخاري ومسلم .

      *الشرح :

      هذا الحديث بين فيه الرسول عليه الصلاة والسلام أن دماء المسلمين محترمة وأنها محرمة لا يحل انتهاكها إلا بإحدى ثلاث :

      -
      الأول : " الثيب الزاني " وهو الذي تزوج ثم زنى بعد أن من الله عليه بالزواج , فهذا يحل دمه , لأن حده أن يرجم بالحجارة حتى يموت .

      -
      الثاني : " النفس بالنفس " وهذا في القصاص لقوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ..."البقرة/ 178 .

      -
      الثالث :" التارك لدينه المفارق للجماعة " والمراد به من خرج على الإمام , فإنه يباح قتله حتى يرجع ويتوب إلى الله عز وجل , وهناك أشياء لم تذكر في هذا الحديث مما يحل فيها دم المسلم لكن الرسول عليه الصلاة والسلام كلامه يجمع بعضه من بعض ويكمل بعضه من بعض .

      *
      في هذا الحديث فوائد : منها احترام المسلم وأنه معصوم الدم لقوله " لا يحل دمُ امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" ومنها أنه يحل دمُ المرء بهذه الثلاث "الثيب الزاني " وهو الذي زنى بعد أن منّ الله عليه بالنكاح الصحيح وجامع زوجته فيه ثم يزني بعد ذلك فإنه يرجم حتى يموت . " والنفس بالنفس " يعني إذا قتل شخصاً وتمت شروط القصاص فإنه يُقتل به , لقوله تبارك وتعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ..." البقرة/178 ... وقال تعالى "وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ " المائدة/ ...45 " والتارك لدينه المفارق للجماعة " وهذا المرتد وإنه إذا ارتد بعد إسلامه حل دمه , لأنه صار غير معصوم الدم .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث :وجوب رجم الزاني لقوله " الثيب الزاني " .

      *
      ومن فوائده أيضا :جواز القصاص لكن الإنسان مخيّر أعني من له القصاص- بين أن يقتص أو يعفو إلى الدية أو يعفو مجاناً .

      *
      ومن فوائده أيضاً : وجوب قتل المرتد إذا لم يتب .
    • عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أخبرني عن عمل يدخلني الجنة و يباعدني عن النار ؟ قال - لقد جئت تسأل عن عظيم وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه : تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت , ثم قال : ألا أدلك على أبواب الخير ؟ الصوم جُنة والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار , وصلاة الرجل في جوف الليل ثم تلا - تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون*فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونََ - ]السجدة16-17]... ثم قال ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه ؟- قلت : بلى , يا رسول الله قال " رأسٍ الإسلام , وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد " ثم قال : ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟" فقلت بلى يارسول الله , فأخذ بلساني وقال -كف عليك هذا - فقلت : يا نبي الله , و إنا لمؤاخذون بما نتكلم ؟ فقال- ثكلتك أمك , وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال - على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟! - رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

      *الشرح:

      عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال - قلت يا رسول الله أخبرني عن عمل يدخلني الجنة و يباعدني عن النار - الجنة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لعباده المتقين , فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر , والنار هي الدار التي أعدها الله عزوجل للكافرين , وفيها من العذاب الشديد ما هومعلوم في الكتاب والسنة , سأل عن هذا الأمر لأنه أهم شيء عنده رضي الله عنه وينبغي لكل مؤمن أن يكون هذا أهم شيء عنده , أن يدخل الجنة ويباعد عن النار .

      وهذا هو غاية الفوز لقوله تعالى -... فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُالْغُرُورِ- ]ال عمران 185] فقال النبي صلى الله عليه وسلم - لقد سألت عن عظيم - أي شيء ذي عظمة وهو الفوز بالجنة والنجاة من النار ولكن قال - وإنه ليسير على من يسره الله تعالى عليه - ويحتمل أن يكون قوله - عن عظيم - عن العمل الذي يدخل الجنة ويباعده عن النار - وإنه - أي ذلك العمل - ليسير عن من يسره الله تعالى عليه - أي سهل على من سهله الله عليه ثم فصل له ذلك بقوله - تعبد الله ولا تشرك به شيئاً-وعبادة الله سبحانه وتعالى هي القيام بطاعته امتثالاً لأمره واجتناباً لنهيه مخلصاً له - لا تشرك به شيئاً - أي لا ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً , لأنه من شرط العبادة والإخلاص له عز وجل .

      والأمر الثاني : من العمل الذي يدخل الجنة ويباعد عن النار إقامة الصلاة حيث قال - وتقيم الصلاة - ومعنى إقامتها أن تأتي بها مستقيمة تامة الأركان والواجبات والشروط وتكميلها بمكملاتها .

      الأمر الثالث: -وتؤتي الزكاة - وهي المال الذي أوجبه الله عز وجل وجل يخرجه الإنسان من أموال معينة بشروط معروفة إلى أهلها المستحقين لها , وهذا معروف في كتب العلماء رحمهم الله .

      الأمر الرابع : أي شهر رمضان وهو أيضاً معلوم والصوم هو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس .

      الأمر الخامس : - وتحج البيت - أي تقصد البيت الحرام وهو الكعبة لأداء المناسك .

      وهذه أركان الإسلام الخمسة , تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت .

      وشهادة أن محمداً رسول الله داخلة في شهادة أن لا إله إلا الله إذا لم تذكر معها , لأن شهادة أن لا إله إلا الله معناها لا معبود حق إلا الله ومن عبادة الله التصديق برسوله صلى الله عليه وسلم واتباعه .

      ثم قال أي النبي صلى الله عليه وسلم - ألا أدلك على أبواب الخير؟ - يعني على ما تتوصل به إلى الخير , كأنه قال نعم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم - الصوم جُنة - يعني أنه وقاية يقي من المعاصي في حال الصوم ويقيه من النار يوم القيامة ثم قال صلى الله عليه وسلم- والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار- الصدقة هي بذل المال للفقير المحتاج تقرباً لله سبحانه وتعالى وتقرباً وإحساناً إلى الفقير وهذه الصدقة تطفئ الخطيئة , أي ما أخطأ به الإنسان من ترك واجب أو فعل محرم - كما يطفئ الماء النار - وكلنا يعرف أن إطفاء المار للنار لا يبقي من النار شيئاً , كذلك الصدقة لا تبقي من الذنوب شيئاً .

      - وصلاة الرجل في جوف الليل - أي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار , وجوف الليل وسطه وأفضل صلاة الليل النصف الثاني أو ثلث الليل بعد النصف الأول وقد كان داود عليه السلام ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ثم قرأ - تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون*فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونََ - ]السجدة16-17]... قرأها استشهاداً بها , و الاية كما هو ظاهر فيها أنها تتجافى جنوبهم عن المضاجع يعني للصلاة في الليل وينفقون مما رزقهم الله وهاتان هما الصدقة وصلاة الليل اللتان ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث .

      ثم قال صلى الله عليه وسلم - ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ - قلت بلى يا رسول الله قال-رأس الإسلام - الأمر يعني الشأن الذي هو أعظم الشؤون ورأسه الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وبالإسلام يعلو الإنسان على شرار عباد الله من الكفار والمشركين والمنافقين , وعموده – أي عمود الإسلام الصلاة , لأن عمود الشيء ما يبنى عليه الشيء ويستقيم به الشيء ولا يستقيم إلا به وإنما كانت الصلاة عمود الإسلام , لأن تركها يخرج الإنسان من الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله والسنام ما علا ظهر البعير وذروة أعلاه وإنما ذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله , لأن به يعلو المسلمون على أعدائهم .

      ثم قال صلى الله عليه وسلم - ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟- أي بما به ملاك هذا الأمر كله - فقلت بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه - وقال - كف عليك هذا - يعني لا تطلقه بالكلام لأنه خطر قلت - يا رسول الله وإنا لمؤاخذون بما نتكلم؟ - هذه جملة استفهامية والمعنى هل نحن مؤاخذون بما نتكلم به ؟ .

      فقال النبي صلى الله عليه وسلم - ثكلتك أمك - أي فقدتك حتى كانت ثكلى من فقدك , وهذه الجملة لا يراد بها معناها , وإنما يراد بها الحث والإغراء , على فهم ما يقال , فقال - ثكلتك أمك , وهل يكب الناس في النار على وجوههم- أو قال- على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟- , أوهنا للشك من الراوي هل قال النبي صلى الله عليه وسلم-على وجوههم- أو قال - على مناخرهم إلاحصائد ألسنتهم-أي إلا ما تحصد ألسنتهم من الكلام والمعنى أن اللسان إذا أطلقه الإنسان كان سبباً أن يُكب على وجهه في النار والعياذ بالله .
      *وهذا الحديث فيه فوائد كثيرة :

      حرص الصحابة رضي الله عنهم على الأعمال التي تدخلهم الجنة وتباعدهم من النار وأن هذا هو أهم شيء عندهم ولهذا سأل معاذ بن جبل رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار .

      *ومنها : إثبات الجنة والنار وهما موجودتان وهما لا يفنيان أبداً .

      *ومنها : بيان أن سؤال معاذ بن جبل رضي الله عنه عظيم لأن عوضه عظيم والعوض على قدر المعوض ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لقد سألت عن عظيم- أي سألت عن عمل عظيم بدليل ما ترتب عليه من جزاء .

      ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الشيء العظيم يسير على من يسره الله عليه ,فيستفاد من هذا أنه ينبغي للإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل في طلب تيسير الأمورو ليعلم أن من أسباب تيسير الله تقوى الله لقوله تعالى -... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا - ]الطلاق4] .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن أول شيء وأعظمه توحيد الله عزوجل والإخلاص لله لقوله - تعبد الله ولا تشرك به شيئاً - .

      ومن فوائد هذا الحديث : أهمية الصلاة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكرها بعد الإخلاص فإن قال قائل : أين الشهادة الثانية ؟ شهادة أن محمداً رسول الله , قلنا : إنها معلومة من قوله - تعبد الله لا تشرك به شيئاً -وسبق بيان ذلك .

      *ومن فوائد الحديث : تقديم الزكاة على الصوم لأنها أكد .

      *ومن فوائد الحديث: تقديم الصوم على الحج لأنه يتكرر كل عام بخلاف الحج فإنه لا يجب إلا في مرة فيالعمر .

      *ومن فوائد الحديث : الإشارة في هذه الجملة إلى أركان الإسلام الخمسة - تعبد الله لا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت - .

      *ومن فوائد الحديث : عرض المسألة على الطالب بالتشويق لقوله - ألا أدلك علىأبواب الخير ؟- .

      *ومن فوائد الحديث : أن للخير أبواباً وهذه الأبواب لها مداخل وهو يشبه قول الرسول صلى الله عليه وسلم -الإيمان بضع وسبعون شعبة -

      *ومن فوائد الحديث : أن الصوم جنة , أي مانع للصائم من اللغو والرفث ومن قول الزور والعمل به والجهل , وهو أيضاً جنة للصائم من النار يقيه النار لقوله تعالى - الصوم لي وأنا أجزي به - .

      *ومن فوائد الحديث : فضيلة الصدقة لقوله صلى الله عليه وسلم - والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار - .

      *ومن فوائد خذا الحديث : أن صلاة الرجل في جوف الليل تطفئ الخطيئة لقول النبي صلى الله عليه وسلم -والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار وصلاة الرجل في جوف الليل -

      *ومن فوائد الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم يستدل بالقرآن لأنه تلي قوله تعالى - تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُون*فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونََ- ]السجدة16-17] .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم يعرض المسائل بصيغة الاستفهام لتنبيه المخاطب كما مر في هذا الحديث .

      *ومن فوائد الحديث : أن الأمر –أي شأن الخلق – له رأس وله عمود وله ذروة سنام فرأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة يعني عمود الإسلام الصلاة , وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن تارك الصلاة كافر لقوله صلى الله عليه وسلم - وعموده – أي عمود الإسلام - الصلاة - ومعلوم أن العمود إذا سقط البنيان وهذا القول الراجح من أقوال أهل العلم بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة وقد بينا ذلك في رسالة لنا في هذا الأمر .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن الجهاد في سبيل الله فيه علو الإسلام ورفعته لقوله - ذروة سنامه الجهاد-.

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن الذي يملك هذا كله هو حفظ اللسان لقوله صلى الله عليه وسلم "ألا أخبرك بملاك ذلك كله ؟ - فقلت بلى يا رسول الله , فأخذ بلساني وقال - كف عليك هذا " .

      *ومن فوائد هذا الحديث : جواز التعليم بالإشارة , لأنه صلى الله عليه وسلم أخذ بلسان نفسه وقال : - كف عليك هذا -.

      *ومن فوائد هذا الحديث : خطر اللسان على الإنسان لقوله صلى الله عليه وسلم - ثكلتك أمك , وهل يكب الناس في النار على وجوههم - أو قال - على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ؟!- .

      *ومن فوائد هذا الحديث : تحري ما نقل في الحديث من أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال -على وجوههم أو على مناخرهم - , وهذا يدل على الأمانة التامة في نقل الحديث , والله الحمد .
    • بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله

      بارك الله فيك أخي الكريم على هذا الطرح الرائع وجعله في ميزان حسناتك
      تابع لتفيدنا أكثر

      :)
      [SIGPIC][/SIGPIC]
      اللهـــم زد من يحبني جنـــونــا بــي
      وامنــح من يكرهنـــي نعمــة العقــل
    • عن أبي هريرة –رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وان الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ..فقال تعالى " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا... " المؤمنون /51... وقال الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم ..." البقرة/172 ... ثم ذكر رجل يطيل السفر أشعث اغبر يمد يده إلىالسماء يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسة حرام وغذي بالحرام فإنى يستجاب له " رواه المسلم .

      *
      الشرح :

      "
      إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً " الطيب في ذاته طيب في صفاته طيب في أفعاله ولا يقبل إلا طيبا في ذاته وطيبا في كسبة . وأما الخبيث في ذاته كالخمر ، أو في كسبة كالمكتسب بالربا فإن الله تعالى لا يقبله "وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين " فقال تعالى "... كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُم ... " البقرة/172... فأمر الله تعالى للرسل وأمره للمؤمنين واحد أن يأكلوا من الطيبات وأما الخبائث فأنها حرام عليهم لقوله تعالى في وصف الرسول الله صلى الله عليه وسلم"...وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ... "الأعراف/157 ... ثم أن رسول الله ذكر الرجل الذي يأكل الحرام انه تبعد إجابة دعائه وان وجدت منه أسباب الإجابة يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء " يا رب يا رب ، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسة حرام وغذي بالحرام فإني يستجاب لذلك " هذا الرجل اتصف بأربع صفات :

      *
      الأولى : بأنه يطيل السفر والسفر الإجابة أي إجابة داعي

      *
      الثانية : انه أشعث أغبر والله تعالى عند المنكسر قلوبهم من أجله وهو ينظر إلى عباده يوم عرفه ويقول "أتوني شعثاً غبراً " وهذا من الأسباب الإجابة أيضا .

      *
      الثالثة : أنه يمد يديه إلى السماء ومد اليدين إلى السماء من أسباب الإجابة ، فإن الله سبحانه وتعالى يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً .

      *
      الرابعة : دعاءه إياه "يا رب يا رب " وهذا يتوسل إلى الله بربوبيته وهو من أسباب الإجابة ولكنه لا تجاب دعوته ..لأن مطعمه حرام ، وملبسه حرام و غذي بالحرام فاستبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن تجاب دعوته وقال "فأنى يستجاب لذلك "

      يستفاد من هذا الحديث فوائد:
      -
      منها وصف الله تعالى بالطيب ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً .

      -
      ومنها تنـزيه الله تعالى عن كل نقص .

      -
      ومنها أن من الأعمال ما يقبله الله ومنها ما لا يقبله .

      -
      ومنها أن الله تعالى أمر عباده الرسل والمرسل إليهم أن يأكلوا من الطيبات وأن يشكروا الله سبحانه وتعالى .

      -
      ومنها أن الشكر هو العمل الصالح لقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا... " المؤمنون/51 ... وقال للمؤمنين "... كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ... " البقرة/172... فدل هذا على أن الشكر هو العمل الصالح .

      -
      ومنها أن من شرط إجابة الدعاء اجتناب أكل الحرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم في الذي مطعمه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام " أنى يستجاب لذلك " .

      -
      ومنها أي من أسباب إجابة الدعاء كون الإنسان في سفر .

      -
      ومنها أي من أسباب إجابة الدعاء رفع اليدين إلى الله .

      -
      ومنها أي من أسباب إجابة الدعاء التوسل إلى الله بالربوبية لإنها هي التي بها الخلق والتدبير

      -
      ومنها أن الرسل مكلفون بالعبادات كما أن المؤمنين مكلفون بذلك .

      -
      ومنها وجوب الشكر لله على نعمه لقوله تعالى ".. وَاشْكُرُوا لِلَّهِ ... " البقرة/172.

      -
      ومنها أن ينبغي بل يجب على الإنسان أن يفعل الأسباب التي يحصل بها مطلوبه ويتجنب الأسباب التي يمتنع بها مطلوبه .
    • عن أبي ذر جندب بن جنادة وأبي عبد الرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اتق الله حيثما كنت , وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن " رواه الترمذي , وقال : حديث حسن وفي بعض النسخ : حسن صحيح .

      *
      الشرح :

      قوله " اتق الله " فعل أمر من التقوى وهو اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه فهذا هو التقوى وهذا هو أحسن حد قيل فيها .

      وقوله " اتق الله حيثما كنت " في أي مكان كنت , فلا تتقي الله في مكان يراك الناس فيه , ولا تتقيه في مكان لا يراك فيه أحد , فإن الله تعالى يراك حيثما كنت فأتقه حيثما كنت .

      وقوله " وأتبع السيئة الحسنة " يعني اعمل الحسنة تتبع السيئة , فإذا فعلت سيئة فأتبعها بالحسنة ومن ذلك –أي إتباع السيئة بالحسنة- أن تتوب إلى الله من السيئة فإن التوبة حسنة .

      وقوله " تمحها " يعني الحسنة إذا جاءت بعد السيئة فإنها تمح السيئة ويشهد لهذا قوله تعالى "...إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ... "هود/114 .

      *
      وفي هذا الحديث من الفوائد : حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أمته بتوجيههم لما فيه الخير والصلاح , ومنها وجوب حرص تقوى الله عزوجل في أي مكان كان ومنها وجوب التقوى في السر والعلن , لقوله صلى الله عليه وسلم " اتق الله حيثما كنت " .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : الإشارة إلى السيئة إذا اتبعتها الحسنة فإنك تمحوها وتزيلها بالكلية , وهذا عام في كل حسنة وسيئة ، وإذا كانت الحسنة هي التوبة ,لأن التوبة تهدم ما قبلها , أما إذا كانت الحسنة غير التوبة وهو أن يعمل الإنسان عملاً سيئاً ثم يعمل عملاً صالحاً فإن هذا يكون بالموازنة فإذا رجح العمل السيئ عدلهكما قال تعالى " وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ " الأنبياء/47 ... ثم قال "وخالق الناس بخلق حسن " عاملهم بالأخلاق الحسنة بالقول والعمل , فإن ذلك خير وهذا الأمر , إما على سبيل الوجوب وإما على سبيل الاستحباب .

      *
      فيستفاد منه : مشروعية مخالفة الناس بالخلق الحسن وأطلق النبي صلى الله عليه وسلم كيفية المخالقة , وهي تختلف بحسب أحوال الناس فقد تكون حسنة لشخص , ولا تكون حسنة لغيره , والإنسان العاقل يعرف ويزن.
    • عن أبيعبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم علقه مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك , ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ,ويؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه , وأجله , وعمله , وشقي أم سعيد . فوالله الذي لاإله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبقعليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار , وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكونبينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة " رواهالبخاري ومسلم

      *الشرح :

      هذا الحديث الخامسمن الأحاديث النووية وفيه بيان تطور خلق الإنسان في بطن أمه وكتابه وأجله ورزقه وغير ذلك .

      فيقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه "حدثنارسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "الصادق في قوله المصدوقفيما أوحي إليه وإنما قد عبد الله بن مسعود هذه المقدمة , لأن هذا من أمور الغيبالتي لا تعلم إلا بوحي فقال "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمهأربعين يوما ... الخ " .

      *ففي هذا الحديث منالفوائد :بيان تطور خلقة الإنسان في بطن أمه , وأنه أربعة أطوار .

      الأول :طور النطفة أربعون يوما ...والثاني :طور العلقة أربعون يوما ...والثالث :طور المضغة أربعون يوما ...والرابع :الطور الأخير بعد نفخ الروح فيه فالجنين يتطور في بطن أمه إلى هذه الأطوار .

      *ومن فوائد هذا الحديث :أن الجنين قبل أربعة أشهر لا يحكم بإنه إنسان حي , وبناء على ذلك لو سقط قبل تمام أربعة اشهر فإنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه , لأنه لم يكن إنسانا بعد .

      *ومن فوائد هذا الحديث :أنه بعد أربعة أشهر تنفخ فيه الروح ويثبت له حكم الإنسان الحي , فلو سقط بعد ذلك فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليهكلما لو كان ذلك بعد تمام تسعة أشهر .

      *ومن فوائد هذاالحديث :أن للأرحام ملكا موكلا بها لقوله : "فيبعث إليهالملك " أي الملك الموكل بالأرحام .

      *ومن فوائد هذاالحديث :أن أحوال الإنسان تكتب عليه وهو في بطن أمه .. رزقه .. عمله ..أجله .. شقي أم سعيد , ومنها بيان حكمة الله عز وجل وأن كل شيء عنده بأجل مقدروبكتاب لا يتقدم ولا يتأخر .

      *ومن فوائد هذا الحديث :أن الإنسان يجب أن يكون على خوف ورهبة , لأن رسول الله صلى الله عليه وسلمأخبر "إن الرجل يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها "

      *ومن فوائد هذا الحديث :أنه لا ينبغي لإنسان أن يقطع الرجاء فإن الإنسان قد يعمل بالمعاصي دهرا طويلا ثم يمن الله عليه بالهداية فيهتدي في آخر عمره .

      فإن قال قائل :ما الحكمة في أن الله يخذل هذا العمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار ؟

      فالجواب :إن الحكمة في ذلك هوأن هذا الذي يعمل بعمل أهل الجنة إنما يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإلافهو في الحقيقة ذو طوية خبيثة ونية فاسدة , فتغلب هذه النية الفاسدة حتى يختم لهبسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك . وعلى هذا فيكون المراد بقوله "حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع " قرب أجله لا قربه من الجنةبعمله .

    • عن أبي يعلى شداد بن أوس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء , فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ,وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته "رواه مسلم .

      *الشرح : " الإحسان " ضد الإساءة وهو معروف . " كتب " بمعنى شرع , وقوله "على كل شيء " الذي يظهر أنها بمعنى في كل شيء , يعني أن الإحسان ليس خاصاً في بني آدم بل هو عام في كل شيء "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة , وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته " وهذا من الإحسان .

      وقوله " إذا قتلتم " هذا حين القتل من بني آدم أو مما يباح قتله أو يسنُ من الحيوانات من وحوش وغيرها .

      وقوله " فأحسنوا القتلة " أن يسلك أقرب الطرق إلى حصول المقصود بغير أذية لكن يرد على هذا ما ثبت من رجم الزاني المحصن والجواب عنه أن قال : إنه مستثنى من الحديث وإما أن يقال : المراد "فأحسنوا القتلة " موافقة الشرع وقتل المحصن بالرجم موافق للشرع .

      وأما قوله " فأحسنوا الذبحة " والمراد به المذبوح من الحيوان الذي يكون ذبحه ذكاة له مثل الأنعام والصيد وغير ذلك .. فإن الإنسان يسلك أقرب الطرق التي يحصل بها المقصود الشرعي من الذكاة , ولهذا قال "وليحد أحدكم شفرته " أي سكينته , "وليرح ذبيحته " أي يفعل ما به راحتها .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن الله سبحانه وتعالى جعل الإحسان في كل شيء حتى إزهاق القتلة , وذلك بأن يسلك أسهل الطرق لإرهاق الروح و وجوب إحسان الذُبحة كذلك بأن يسلك أقرب الطرق لإزهاق الروح ولكن على الوجه المشروع .

      *ومن فوائد هذا الحديث : طلب تفقد آلات الذبح لقوله عليه الصلاة والسلام "وليحد أحدكم شفرته " .

      *ومن فوائد هذا الحديث : طلب راحة الذبيحة عند الذبح ومن ذلك أن يضجعها برفق دون أن تتعسف في إضجاعها ومن ذلك أيضا أن يضع رجله على عُنقها ويدع قوائمها الأربعة اليدين والرجلين بدون إمساك , لأن ذلك أبلغ في إراحتها وحريتها في الحركة , ولأن ذلك أبلغ في خروج الدم عنها فكان أولى .
    • عن أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليةوسلم قال : " إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وحرم أشياء فلا تنتهكوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها ". حديث حسن رواه الدارقطني وغيره .

      *الشرح :


      قوله صلى الله عليه و سلم : - ان الله فرض فرائض فلا تضيعوها - أي : أوجب إيجابا حتميا على عباده فرائض معلومة ولله الحمد كالصلوات الخمس و الزكاة و الصيام و الحج و بر الوالدين و صلة الأرحام و غيرذلك .

      - فلا تضيعوها - أي : لا تهملوها إما بترك أوبالتهاون أو ببخسها أو نقصها.

      - وحد حدودا - أي : أوجب واجبات و حددها بشروط وقيود .

      - فلا تعتدوها - أي : لا تتجاوزوها

      - وحرم أشياء فلا تنتهكوها - حرم أشياء مثل الشرك وعقوق الوالدين و قتل النفس التي حرمها الله إلا بالحق و الخمر والسرقة و أشياء كثيرة .

      - فلا تنتهكوها - أي : فلا تقعوا فيها ، فإن وقوعكم فيها انتهاك لها .

      - وسكت عن أشياء - أي : أي لم يفرضها و لم يوجبها و لم يحرمها .

      - رحمة بكم - من اجل الرحمة و التخفيف عليكم .

      - غير نسيان - فإن الله تعالى لا ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام -... لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى]-طه52] فهو تركها جل وعلا رحمة بالخلق ، و ليس نسيان لها .

      - فلا تسألوا عنها - أي : لا تبحثوا عنها .

      *فوائد هذا الحديث :

      - حسن بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث ساق الحديث بهذا التقسيم الواضح البين .

      *ومن فوائد هذا الحديث : إن الله تعالى فرض على عباده فرائض أوجبها عليهم على الحتم و اليقين ، والفرائض قال أهل العلم : أنها تنقسم الى قسمين : فرض كفاية ، و فرض عين . فأما فرض الكفاية : فإنه ما قصد فعله بقطع النظر عن فاعله ، وحكمه إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين ، و فرض العين هو : ما قصد به الفعل و الفاعل ووجب على كل أحد بعينه ، فأما الأول فمثله الآذان و الإقامة و صلاة الجنازة و غيرها .

      و أما الثاني : فمثل الصلوات الخمس و الزكاة و الصوم و الحج .

      و قوله - وحد حدودا - أي: أوجب واجبات محددة و معينة بشروطها

      *فيستفاد من هذا الحديث : انه لا يجوز للانسان ان يتعدى حدود الله ، و يتفرع من هذه الفائدة انه لا يجوز المغالاة في دين الله ، و لهذا أنكر النبي صلى الله علية وسلم على الذين قال أحدهم : - أنا أصوم و لا افطر ، وقال الثاني : أنا أقوم ولا أنام ، و قال الثالث : أنا لا أتزوج النساء - أنكر عليهم و قال : - و إما أنا فاصلي و أنام وأصوم و افطر و أتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني-

      *ومن فوائد الحديث : تحريم انتهاك المحرمات لقوله - فلا تنتهكوها - ثم ان المحرمات نوعان كبائر وصغائر

      فالكبائر : لا تغفر إلا بالتوبة ، و الصغائر : تكفرها الصلاة و الحج والذكر و ما اشبه ذلك

      *ومن فوائد الحديث : ان ماسكت الله عنه فهو عفو ، فإذا أشكل علينا حكم الشي هل هو واجب أم ليس بواجب و لمنجد له أصلا في الوجوب ؛ فهو مما عفا الله عنه ، و اذا شككنا هل هذا حرام ام ليس حراما و هو ليس اصله التحريم ؛ كان هذا أيضا مما عفا الله عنه

      *ومن فوائد الحديث : انتفاء النسيان عن الله عز زجل ، و هذا يدل على كمال علمه و ان الله عز وجل بكل شئ عليم فلا ينسى ما علم و لم يسبق علمه جهلا ،بل هو بكل شئ عليم أزلا و أبدا .

      *ومن فوائد الحديث : انه لا ينبغي في البحث و السؤال إلا ما دعت إليه الحاجة ، و هذا في عهد النبي صلى الله عليه و سلم ؛ لأنه عهد التشريع و يخشى ان أحدا يسأل عن شئ لم يجب فيوجبه من اجل مسألته أو لم يحرم فيحرم من اجل مسألته و لهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البحث عنها فقال - فلا تبحثوا عنها-.
    • عن أبى سعيد بن سعد بن سنان الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ضرر و لا ضِرار حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني و غيرهما مسندا ورواه مالك في الموطأ مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأسقط أبا سعيد ، وله طرق أخرى يقوي بعضها بعضا .

      *الشرح :


      عن أبي سعيد سعد بن سنان الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال - لا ضرر و لا ضرار - ثم تكلم المؤلف – رحمه الله – على طرق هذا الحديث .
      قوله - لا ضرر - أي : أن الضرر منفي شرعا ، - و لا ضرار - أي : مضاره و الفرق بينهما أن الضرر يحصل بلاقصد ، و الضرار يحصل بقصد فنفى النبي صلى الله عليه وسلم الأمرين ، و الضرار اشد من الضرر ؛ لأن الضرار يحصل قصدا كما قلنا .

      مثال ذلك : لو إنسانا له جار و هذا الجار يسقي شجرته فيتسرب الماء من الشجرة إلى بيت الجار لكن بلا قصد ، وربما ليعلم به فالواجب أن يزال هذا الضرر إذا علم به حتى لو قال صاحب الشجرة : أنا ما أقصد المضارة ، نقول له : إن لم تقصد ؛ لأن الضرر منفي شرعا أما الضرار فإن الجار يتعمد الإضرار بجاره فيتسرب الماء إلى بيته و ما أشبه ذلك ، و كل هذا منفي شرعا وقد أخذ العلماء من هذا الحديث مسائل كثيرة في باب الجوار و غيره ، وما أحسن أن يراجع الإنسان عليها ما ذكره العلماء في باب الصلح وحكم الجوار .
    • عن ابن عباس – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال -لو يعطى الناس بدعواهم ، لا دعى رجال أموال قوم و دماءهم لكن البينة على المدعي و اليمين على من أنكر - حديث حسن رواه البيهقي و غيره هكذا ، وبعضه في الصحيحين .

      *
      الشرح :

      قوله -لو يعطى الناس بدعواهم - أي : بما يدعونه على غيرهم ، و ليعلم أن إضافة الشيء على أوجه :

      الأول :أن يضيف لنفسهشيئا لغيره ، مثل أن يقول - لفلان علي كذا - فهذا إقرار .

      و الثاني :أن يضيف شيئا لنفسه على غيره ، مثل أن يقول - لي على فلان كذا و كذا - فهذه دعوى .

      فهذا الثالث :أن يضيف شيئا لغيره على غيره ،مثل أن يقول - لفلان على فلان كذا و كذا - فهذه شهادة .

      و الحديث الآن في الدعوى فلو ادعى شخص على آخر قال - أنا اطلب مائة درهم مثلا - فإنه لو قبلت دعواه لا ادعى رجال أموال قوم و دماءهم ، وكذلك لو قال لاخر - أنت قتلت أبي - لكان ادعى دمه وهذا يعني أنها لا تقبل دعوى إلا ببينة ولهذا قال - لكن البينة على المدعي- فإذا ادعى إنسان على آخر شيئاُ قلنا :أحضر لنا البينة والبينة كل ما بان به الحق سواء كانت شهودا أو قرائن حسية أو غيرذلك .

      و لهذا قال - لكن البينة على المدعي - فإذاادعى إنسان على آخر شيئا قلنا : احضر البينة ، و البينة كل ما بان به الحق سواء كان شهودا أو قرائن حسية أو غير ذلك .

      -
      و اليمين على من أنكر- أي : من أنكر دعوى خصمه إذا لم يكن لخصمه بينة فإذا قال زيد لعمرو - أنا اطلب مائة درهم - قال عمرو : لا ، قلنا لزيد أئت ببينة ، فإن لم يأتي بالبينة قلنا لعمرو : احلف على نفي ما ادعاه ، فإذا حلف برئ .

      *
      و هذا الحديث فيه فوائد :منها أن الشريعةالإسلامية حريصة على حفظ أموال الناس و دماءهم لقوله -لو يعطىالناس بدعواهم لا ادعى رجال أموال قوم و دماءهم -

      *
      و من فوائد هذا الحديث :أن المدعي إذا قام ببينة على دعواه حكمله بما ادعاه ، لقوله عليه الصلاة و السلام-لكن البينة علىالمدعي - و البينة كل ما بين به الحق و يتضح كما اسلفنا في الشرح ، و ليستخاصة بالشاهدين أو الشاهد بل كل ما أبان الحق فهو بينة .


      *
      ومن فوائد الحديث :أن اليمين على من أنكر أي : من أنكر دعوى المدعي .

      *
      ومن فوائده :أن لو أنكر المنكر و قال - لا أحلف - فإنه يقضي عليه بالنكول ووجه ذلك أنه إذا أبى أن يحلف فقد امتنع مما يجب عليه فيحكم عليه به .
    • عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه و ذلك أضعف الإيمان - رواه مسلم .

      *
      الشرح :

      قوله - من رأى - من هذه شرطية و هي للعموم ، قوله - رأى - يحتمل أن يكون المراد رؤية البصر، أو أن المراد رؤية القلب ، وهي العلم ، و الثاني أشمل و أعم ، و قوله - منكراً - المنكر هو : ما أنكره الشرع و ما حرمه الله عز و جل و رسوله ،

      قوله - فليغيره بيده - اللام هذه للأمر أي : يغير هذا المنكر بأن يحوله إلى معروف ، إما بمنعه مطلقا أي : بتحويله إلى شئ مباح - بيده - إن كان له قدرة اليد .

      قوله -فإن لم يستطع - أي : أن يغيره بيده

      -
      فبلسانه - بأن يقول لفاعله : اتقي الله ، اتركه ، و ما أشبه ذلك

      -
      فإن لم يستطع - باللسان بأن خاف على نفسه أو كان أخرس لا يستطيع الكلام

      -
      فبقلبه - أي : يغيره بقلبه و ذلك بكرا هته إياه .

      و قال - و ذلك أضعف الإيمان- أي : أن كونه لا يستطيع أن يغيره إلا بقلبه هو أضعف الإيمان .

      *
      ففي هذا الحديث فوائد : وجوب تغيير المنكر على هذه الدرجات والمراتب باليد أولا و هذا لا يكون غلا للسلطان و إن لم يستطع فبلسانه و هذا يكون لدعاة الخير الذين يبينون للناس المنكرات .

      *
      ومن فوائده : أن من لا يستطيع لا بيده ولا بلسانه فليغيره بقلبه .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : تيسير الشرع و تسهيله حيث رتب هذه الواجبات على الاستطاعة لقوله -فإن لم يستطع -


      *
      ومن فوائد هذا الحديث : أن الإيمان يتفاوت ، بعضه ضعيف و بعضه قوي و هذا مذهب أهل السنة والجماعة وله أدلة من القرآن و السنة على أنه يتفاوت .

      وليعلم أن المراتب ثلاث : دعوه – أمر - تغيير . فالدعوة أن يقوم الداعي في المساجد أو أماكن تجمع الناس و يبين لهم الشر و يحذرهم منه و يبين لهم الخير و يرغبهم فيه , و الآمر بالمعروف و الناهي عن المنكر : هو الذي يأمر الناس و يقول افعلوا أو ينهاهم و يقول : لا تفعلوا . و المغير : هو الذي يغير بنفسه إذا رأى الناس لم يستجيبوا لدعوته ولا لأمره و نهيه
    • عن أبى هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم - لا تحاسدوا ، و لا تناجشوا ، و لا تباغضوا و لا تدابروا ، و لا يبع بعضكم على بيع بعض ، و كونوا عباد الله إخوانا ، المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يخذله ، و لا يكذبه و لا يحقره ، التقوى ها هنا – و يشير إلى صدره ثلاث مرات – بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه - رواه مسلم .

      الشرح :

      قوله - لا تحاسدوا - هذا نهي عن الحسد ، و الحسد هو كراهية ما انعم الله على أخيك من نعمة دينية أو دنيوية سواء تمنيت زوالها أم لم تتمن ، فمتى كرهت ما أعطى الله أخاك من النعم فهذا هو الحسد .

      -
      و لاتناجشوا - قال العلماء : المناجشه أن يزيد في السلعة ، أي : في ثمنها في المناداة و هو لا يريد شراءها و إنما يريد نفع البائع أو الإضرار بالمشتري .

      -
      و لا تباغضوا - البغضاء هي الكراهه ، أي : لايكره بعضكم بعضا

      -
      و لا تدابروا - أن يولي كل واحد الآخر دبره بحيث لا يتفق الاتجاه

      -
      و لا يبع بعضكم على بيع بعض - يعني لا يبيع أحد على بيع أخيه ، مثل أن يشتري إنسان سلعه بعشرة فيذهب آخر على المشتري و يقول : أنا أبيع عليك بأقل ؛ لان هذا يفضي إلى العداوة و البغضاء .

      -
      وكونوا عباد الله إخوانا - كونوا يا عباد الله إخوانا أي : مثل الإخوان في المودة و المحبة و الألفة و عدم الاعتداء ثم أكد هذه الاخوة بقوله - المسلم أخو المسلم - للجامع بينهما و هوالإسلام و هو أقوى صله تكون بين المسلمين .

      -
      لا يظلمه - أي : لا يعتدي عليه .

      -
      ولا يخذله - في مقام أن ينتصر فيه .

      -
      و لا يكذبه - أي : يخبره بحديث كذب .

      -
      و لا يحقره - أي : يستهين به .

      -
      التقوى ها هنا - يعني : تقوى الله تعالى محلها القلب فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح - و يشير إلى صدره ثلاث مرات - يعني : يقول التقوى ها هنا ، التقوى ها هنا ، التقوى ها هنا .

      ثم قال - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم - بحسب يعني : حسب فالباء زائدة و الحسب الكفاية و المعنى لو لم يكن من الشر إلا أن يحقر أخاه لكان هذا كافيا .

      -
      المسلم على المسلم حرام دمه و ماله و عرضه - دمه فلا يجوز أن يعتدي عليه بقتل أو فيما دونه ذلك ،

      -
      وماله - لا يجوز أن يعتدي على ماله بنهب أو سرقه أو جحد أو غير ذلك .

      -
      و عرضه - أي : سمعته فلا يجوز أن يغتابه فيهتك بذلك عرضه .

      *
      فوائد الحديث : النهي عن الحسد ، والنهي للتحريم ، و الحسد له مضار كثيرة منها : انه كره لقضاء الله و قدره ، ومنها انه عدوان على أخيه ، و منها انه يوجب في القلب الحاسد حسره ؛ كلما ازدادت النعم ازدادت هذه الحسرة فيتنكد على عيشه .

      *
      ومن الفوائد : تحريم المناجشة لما فيها من العدوان على الغير و كونها سببا للتباغض وأسبابه ، فلا يجوز للإنسان أن يبغض أخاه أو أن يفعل سببا يكون جالبا للبغض .

      *
      ومن فوائد الحديث : تحريم التدابر ، و هو أن يولي أخاه ظهره و لا يأخذ منه و لا يستمع إليه ؛ لأن هذا ضد الأخوة الإيمانية .

      *
      ومن فوائده : تحريم البيع على البيع المسام و مثله الشراء على شرائه و الخطبة على خطبته و الإجارة على إجارته و غير ذلك من حقوقه .

      *
      ومنها : وجوب تنمية الاخوة الإيمانية لقوله - و كونوا عباد الله إخوانا -- و منها بيان حال المسلم مع أخيه و انه لا يظلمه و لا يخذله و لا يكذبه و لا يحقره ؛ لأن هذا ينافي الاخوة الإيمانية .

      *
      ومن فوائده : أن محل التقوى هو القلب ، فإذا اتقى القلب اتقت الجوارح و ليعلم أن هذه الكلمة يقولها بعض الناس إذا عمل معصية وأنكر عليه قال : التقوى ها هنا و هي كلمة حق لكنه أراد بها باطلا و هذا جوابه أن نقول : لو كان هنا تقوى لا تقت الجوارح لان النبي صلى الله عليه وسلم يقول -ألا إن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله و إذا فسدت فسد الجسد كله آلا وهى القلب-

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : تكرار الكلمة المهمة لبيان الاعتناء بها و فهمها ، قال - التقوى ها هنا-و أ شار إلى صدره ثلاث مرات .


      *
      ومن فوائده : عظم احتقار المسلم ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم - بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم -و ذلك لما يترتب على احتقار المسلم من المفاسد .

      *
      ومن فوائد الحديث : تحريم دم المسلم و ماله و عرضه وهذا هو الأصل ، لكن توجد أسباب تبيح ذلك ؛ ولهذا قال الله سبحانه و تعالى [إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ][الشورى42] ... وقال تعالى [ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ][الشورى41]


      *
      ومن فوائده : أن الأمة الإسلامية لو اتجهت بهذه التوجيهات لنالت سعادة الدنيا و الآخرة لأنها كلها آداب عظيمة عالية راقية ، تحصل بها المصالح و تنكف بها المفاسد .
    • عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر , لا يرى عليه أثر السفر , ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبته إلى ركبتيه ووضح كفيه على فخذيه , وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " قال صدقت فعجبا له يسأله ويصدقه , قال : أخبرني عن الإيمان قال "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدرخيره وشره " قال : صدقت , قال : فأخبرني عن الإحسان , قال " أن تعبد الله كأنك تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قال ,فأخبرني عن الساعة , قال "ما المسؤول بأعلم من السائل " قال فأخبرني عن اماراتها . قال "أن تلد الأمة ربتها وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان " . ثم انطلق فلبث مليا , ثم قال " يا عمر , أتدري من السائل ؟" , قلت : الله ورسوله أعلم , قال " فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " رواه مسلم .

      *الشرح :هذا الحديث يستفاد من فوائد :

      منها أن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مجالسة أصحابه وهذا الهدي يدل على حسن خلق النبي صلى اللهعليه وسلم , ومنها أنه ينبغي للإنسان أن يكون ذا عشرة من الناس ومجالسة وأن لاينزوي عنهم .

      *ومن فوائد الحديث : أن الخلطة مع الناس أفضل من العزلة ما لم يخش الإنسان على دينه , فإن خشي على دينه فالعزلة أفضل , لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يوشك أن يكون خير مال الرجل غنم يتبع بها شعفالجبال ومواقع القطر "

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن الملائكة عليهم الصلاة والسلام يمكن أن يظهروا للناس بأشكال البشر , لأن جبريل عليه الصلاة والسلام طلع على الصحابة على الوصف المذكور في الحديث رجل شديد سواد الشعرشديد بياض الثياب لايرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الصحابة أحد .

      *ومن فوائد هذا الحديث : حسن أدب المتعلم أما المعلم حيث جلس جبريل عليه الصلاة والسلام أمام النبي صلى الله عليه وسلم هذه الجلسة الدالة على الأدب والإصغاء والاستعداد لما يلقى إليه فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذه .

      *منها : جواز دعاء النبي صلى الله عليه وسلم باسمه لقوله "يا محمد " وهذا يحتمل أنه قبل النهي أي قبلنهي الله تعالى عن ذلك في قوله " لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا " ]النور/63[ ... على أحد التفسيرين ويحتمل أن هذا جرى على عادة الأعراب الذين يأتون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فينادونه باسمه يا محمد وهذا أقرب , لأن الأول يحتاج إلى التاريخ .

      *ومن فوائد هذا الحديث : جواز سؤال الإنسان عما يعلم من أجل تعليم من لا يعلم , لأن جبريل كان يعلم الجواب , لقوله في الحديث "صدقت " ولكن إذا قصد السائل أن يتعلم من حول المجيب فإن ذلك يعتبر تعليما لهم .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن المتسبب له حكم المباشر إذا كانت المباشرة مبنية على السبب , لقول النبي صلى الله عليه وسلم "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم " مع أن المعلم هو الرسول صلى الله عليه وسلم لكن لما كن جبريل هو السبب لسؤاله جعله الرسول عليه الصلاة والسلام هو المعلم .

      *ومن فوائد هذا الحديث :بيان أن الإسلام له خمسة أركان , لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بذلك وقال "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا "

      *ومن فوائد هذا الحديث : أنه لا بد أن يشهد الإنسان شهادة بلسانه موقنا بها بقلبه أن لا إله إلا الله فبمعنى لا إله أي لا معبود حق إلا الله فتشهد بلسانك موقنا بقلبك أنه لا معبود من الخلق من الأنبياء أو الأولياء أو الصالحين أو الشجر أو الحجر أو غير ذلك حق إلا الله وأن ما عبد من دون الله فهو باطل لقول الله تعالى "ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ " الحج/62 ...

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن هذا الدين لا يكمل إلا بشهادة أن محمدا رسول الله وهو محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي , ومن أراد تمام العلم بهذا الرسول الكريم فليقرأ القرآن وما تيسر من السنة وكتب التاريخ .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في ركن واحد , وذلك لأن العبادة لا تتم إلا بأمرين الإخلاص لله وهو ما تضمنته شهادة أن لا إله إلا الله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما تتضمنه شهادة أن محمدا رسول الله , ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنا واحدا في حديث ابن عمر حيث قال "بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله , وإقام الصلاة ..." وذكر تمام الحديث .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن لا يتم إسلام العبد حتى يقيم الصلاة , وإقامة الصلاة أن يأتي بها مستقيمة حسب ما جاء به الشريعة , ولها –أي إقامة الصلاة- إقامة واجبة و إقامة كاملة , فالواجبة أن يقتصر على أقل ما يجب فيها .

      والكاملة أن يأتي بمكملاتها على حسب ما هو معروف في الكتاب والسنة وأقوال العلماء .

      *ومن فوائد الحديث :أنه لا يتم الإسلام إلا بإيتاء الزكاة . والزكاة هي المال المفروض من الأموال الزكوية وإيتاؤها وإعطاؤها من يستحقها , وقد بين الله ذلك في سورة التوبة في قوله "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " التوبة/60 ...

      وأما صوم رمضان فهو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس , ورمضان هو الشهر الذي بين شعبان وشوال .

      وأما حج البيت فهو القصد إلى مكة لأداء المناسك , وقيد بالاستطاعة , لأن الغالب فيه المشقة وإلا فجميع الواجبات يشترط لوجوبها الاستطاعة لقوله تعالى "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ " التغابن/16

      ومن القواعد المقررة عند العلماء " أنه لا واجب مع عجز ولا محرم مع الضرورة " .

      *ومن فوائد هذا الحديث : وصف الرسول الملكي للرسول البشري محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق ولقد صدق جبريل فيما وصفه بالصدق فإن النبي صلىالله عليه وسلم أصدق الخلق .

      *ومن فوائد الحديث : ذكاء الصحابة رضي الله عنهم حيث تعجبوا كيف يصدق السائل من سأله , والأصل أن السائل جاهل والجاهل لا يمكن أن يحكم على الكلام بالصدق أو الكذب لكن هذا العجب زال حين قال النبي صلى الله عليهوسلم "هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم " .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن الإيمان يتضمن ستة أمور : وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره .

      *ومن فوائد هذا الحديث : التفريق بين الإسلام والإيمان , وهذا عند ذكرهما جميعا فإنه يقسر الإسلام بأعمال الجوارح والإيمان بأعمال القلوب ولكن عند الإطلاق يكون كل واحد منها شاملا للآخر فقوله تعالى " ..وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا .. " المائدة/3 ... وقوله "وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا .. " ال عمران/85 ... يشمل الإسلام والإيمان وقوله تبارك وتعالى "وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ... " الأنفال/19 ... وما أشبهها من الآيات يشمل الإيمان و الإسلام وكذلك قوله تعالى " .. فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ .. " النساء/92 ... يشمل الإسلام والإيمان .
      *ومن فوائد هذا الحديث العظيم : أن الإيمان بالله أهم أركان الإيمان وأعظمها ولهذا قدمه النبي صلى الله عليه وسلم فقال " أن تؤمن بالله .. " .

      والإيمان يتضمن الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ليس هو الإيمان بمجرد وجوده بل لا بد أن يتضمن الإيمان هذه الأمور الأربعة : الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .

      *ومن فوائد هذا الحديث العظيم : إثبات الملائكة والملائكة عالم غيبي وصفهم الله تعالى بأوصاف كثيرة في القرآن ووصفهم النبي صلى الله عليه وسلم في السنة وكيفية الإيمان بهم : أن نؤمن بأسماء من عينت أسماؤهم منهم ومن لم يعين لأسمائهم فإننا نؤمن بهم إجمالا ونؤمن كذلك بما ورد من أعمالهم التي يقوموه بها ما علمنا منها , ونؤمن كذلك بأوصافهم التي وصفوا بها ما علمنا بها , ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل الصلاة والسلام وله ستمائة جناح قد سد بها الأفق على خلقته التي خلق عليها .

      وواجبنا نحو الملائكة أن نصدق بهم وأن نحبهم لأنهم عباد الله قائمون بأمره كمال قال تعالى".. وَمَنْ عِنْدَهُ لَايَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ " الأنبياء19/20.

      *ومن فواد هذا الحديث : وجوب الإيمان بالكتب التي أنزلها الله عز وجل على رسله عليهم الصلاة والسلام قال تعالى " لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ .. " الحديد/25 .

      فنؤمن بكل كتاب أنزله الله على رسله لكن نؤمن إجمالا ونصدق بأنه حق . أما تفصيلا فإن الكتب السابقة جرى عليها التحريف والتبديل والتغيير فلم يكن للإنسان أن يميز من الحق منها والباطل وعلى هذا فنقول : نؤمن بما أنزله الله من الكتب على سبيل الأجمال . أما التفصيل فإننا نخشى أن يكون مما حرف وبدل وغير هذا بالنسبة للإيمان بالكتب . أما العمل بها فالعمل إنما هو بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فقط . أما ما سواه فقد نسخ بهذه الشريعة .

      *ومن فوائد هذا الحديث : وجوب الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام فنؤمن بأن كل رسول أرسله الله فهو حق أتى بالحق صادق فيما أخبر صادق بما أمر به فنؤمن بهم إجمالا فيمن لم نعرفه بعينه وتفصيلا فيمن عرفناه بعينه .

      قال تعالى " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ .. " غافر/78.. فمن قص علينا وعرفناه آمنا به بعينه ومن لم يقص علينا ولم نعرفه نؤمن به إجمالا , والرسل عليهم الصلاة والسلام أولهم نوح و آخرهم محمد صلى الله عليه وسلم , ومنهم الخمسة أولوا العزم الذين جمعهم الله في آيتين من كتاب الله فقال الله تبارك وتعالى في سورة الأحزاب " وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .. " الآية الأحزاب/7 , وقال تعالى في سورة الشورى " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا .. " الاية الشورى/13 .

      *ومن فوائد هذا الحديث : الإيمان باليوم الآخر , واليوم الآخر هو يوم القيامة وسمي آخرا , لأنه آخرالمطاف للبشر فإن للبشر أربعة دور :

      الدار الأول : بطن أمه ... الدار الثاني : هذه الدنيا ...والدار الثالث : البرزخ ...والدار الرابع : اليوم الآخر , ولا دار بعده فإما إلى جنة أو إلى نار .

      والإيمان باليوم الآخر يدخل فيه – كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- " كل ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت فيدخل في ذلك ما يكون في القبر من سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه وما يكون في القبر من نعيم أو عذاب " .

      *ومن فوائد هذا الحديث : وجوب الإيمان بالقدر خيره وشره وذلك بأن تؤمن بأمور أربعة :

      الأول : أن تؤمن أن الله محيط بكل شيء علما جملة وتفصيلا أزلا وأبدا .

      الثاني : أن تؤمن بأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة .

      الثالث : أن تؤمن بأن كل ما يحدث في الكون فإنه بمشيئة الله عزوجل لا يخرج شيء عن مشيئته .

      الرابع : أن تؤمن بأن الله خلق كل شيء , فكل شيء مخلوق لله عز وجل سواء كان من فعله الذي يختص به كإنزال المطر وإخراج النبات أو من فعل العبد وفعل المخلوقات , فإن فعل المخلوقات من خلق الله عزوجل , لأن فعل المخلوق ناشئ من إرادة وقدرة والإرادة والقدرة من صفات العبد . والعبد وصفاته مخلوقة لله عزوجل فكل ما في الكون فهو من خلق الله تعالى .

      ولقد قدر الله عزوجل ما يكون إلى يوم القيامة قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة فما قدر علىالإنسان لك يكن ليخطئه وما لم يقدر لك يكن ليصيبه . هذه أركان الإيمان الستة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتم الإيمان إلا بالإيمان بها جميعا . نسأل الله أن يجعلنا جميعا من المؤمنين بها .

      *ومن فوائد هذا الحديث : بيان الإحسان وهو أن يعبد الإنسان ربه عبادة رغبة وطلب كأنه يراه فيحب أنيصل إليه , وهذه الدرجة من الإحسان الأكمل , فأن لم يصل إلى هذه الحال فإلى الدرجة الثانية : أن يعبد الله عبادة خوف وهرب من عذابه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أي فإن لم تعبده كأنك تراه فإنه يراك .

      *ومن فوائد هذا الحديث العظيم : أن علم الساعة مكتوم لا يعلمه إلا الله عزوجل فمن ادعى علمه فهو كاذب , وهذا كان خافيا على أفضل الرسل من الملائكة جبريل عليه الصلاة السلام وأفضل الرسل من البشر محمد عليه الصلاة السلام .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن للساعة أشراطا أي علامات كمال قال تعالى " هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون" الزخرف/66 ... أي علاماتها , وقسم العلماء علامات الساعة إلى ثلاثة أقسام :

      قسم مضى وقسم لا يزال يتجدد , وقسم لا يأتي إلا قرب قيام الساعة تماما وهي الأشراط الكبرى العظمى كنزول عيسى ابن مريم عليه السلام والدجال ويأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها .

      وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من أماراتها أن تلد الأمة ربتها يعني أن تكون المرأة أمة فتلد امرأة فتكون هذه المرأة غنية تملك مثل أمها وهو كناية عن سرعة كثرة المال وانتشاره بين الناس ويؤيد ذلك المثل الذي بعده "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان " .

      *ومن فوائد هذا الحديث : حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حيث استفهم الصحابة هل يعلمون هذاالسائل أم لا ؟ من أجل أن يعلمهم به وهذا أبلغ مما لو علمهم ابتداء , لإنه إذا سألهم ثم علمهم كان ذلك أدعى لوعي ما يقول وثبوته .

      *ومن فوائد هذا الحديث العظيم : أن السائل عن العلم يعتبر معلما وسبقت الإشارة إلى هذا لكن أريد أن أبين أنه ينبغي للإنسان أن يسأل عما يحتاجه ولو كان عالما به من أجل أن ينال أجر التعليم . والله الموفق
    • عن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال "يا غلام , إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك , احفظ الله تجده تجاهك , إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله , واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك , وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك , رفعت الأقلام وجفت الصحف "رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح وفي رواية غير الترمذي " احفظ الله تجده أمامك , تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة , واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لك يكن ليخطئك , واعلم أن النصر مع الصبر , وأن الفرج مع الكرب , وأن مع العسر يسراً " .

      *
      الشرح :

      قوله " كنت خلف النبي " يحتمل أنه راكب معه , ويحتمل أنه يمشي خلفه , وأياً كان فالمهم أنه وصاه بهذه الوصايا العظيمة .

      قال : " إني أعلمك كلمات " قال ذلك من أجل أن ينتبه لها .

      الكلمة الأولى : قوله " احفظ الله يحفظك " هذه كلمة "احفظ الله" يعني احفظ حدوده وشريعته بفعل أوامره واجتناب نواهيه يحفظك في دينك وأهلك ومالك ونفسك , لأن الله سبحانه وتعالى يجزي المحسنين بإحسانهم .
      وعُلم من هذا أن من لم يحفظ الله فإنه لا يستحق أن يحفظه الله عزوجل , وفي هذا الترغيب على حفظ حدود الله عزوجل .

      الكلمة الثانية : قال "احفظ الله تجده اتجاهك "ونقول في قوله "احفظ الله" كما قلنا في الأولى , ومعنى " تجده اتجاهك " أي تجده أمامك يدلك على كل خير ويقربك إليه ويهديك إليه .

      الكلمة الثالثة : قوله " إذا سألت فاسأل الله " إذا سألت حاجة فلا تسأل إلا الله عزوجل ولا تسأل المخلوق شيئاً , وإذا قُدر أنك سألت المخلوق ما يقدر عليه , فاعلم أنه سبب من الأسباب وأن المسبب هو الله عزوجل فاعتمد على الله تعالى .

      الكلمة الرابعة : : قوله " وإذا استعنت فاستعن بالله " فإذا أردت العون وطلبته من أحد فلا تطلب إلا من الله , لأنه هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وهويعينك إذا شاء وإذا أخلصت الاستعانة وتوكلت عليه أعانك وإذا استعنت بمخلوقٍ فيما قدر عليه فاعتقد أنه سبب وأن الله هو الذي سخره لك .

      الكلمة الخامسة : : قوله " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك " الأمة كلها من أولها إلى آخرها لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وعلى هذا فإن نفع الخلق الذي يأتي للإنسان فهو من الله في الحقيقة , لأنه هو الذي كتبه له وهذا حث لنا على أن نعتمد على الله تعالى ونعلم , أن الأمة لا يجلبون لنا خيراً إلا بإذن الله عزوجل .

      الكلمة السادسة : " وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك " وعلى هذا فإن نالك ضرر من أحد فاعلم أن الله قد كتبه عليك فارض بقضاء الله وبقدره ولا حرج أن تحاول أن تدفع الضر عنك لأن الله تعالى قال " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا " الشورى/40 .

      الكلمة السابعة : " رفعت الأقلام وجفت الصحف " يعني أن ما كتبه الله تعالى قد انتهى فالأقلام رفعت والصحف جفت ولا تبديل لكلمات الله .

      *
      رواه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح ,وفي رواية غير الترمذي "احفظ الله تجده أمامك " وهذا بمعنى "احفظ الله تجده اتجاهك " .

      "
      تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة " يعني قم بحق الله عزوجل في حال الرخاء , وفي حال الصحة , وفي حال الغنى "يعرفك في الشدة" إذا زالت عنك الصحة وزال عنك الغنى واحتجت إلى الله عرفك بما سبق لك , أو بما سبق من فعل الخير الذي تعرفت به إلى الله عزوجل .

      " واعلم
      أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك , وما أصابك لم يكن ليخطئك " يعني أن ما قدر الله تعالى أن يصيبك فإنه لا يخطئك , بل لابد أن يقع , لأن الله قدره .

      وأن ما كتب الله أن يخطئك رفعه عنك فلن يصيبك أبداً فالأمر كله بيد الله وهذا يؤدي إلى أن يعتمد الإنسان على ربه اعتماداً كاملاً ثم قال " واعلم أن النصر مع الصبر " فهذه الجملة فيها الحث على الصبر , لأنه إذا كان النصر مع الصبر فإن الإنسان يصبر من أجل أن ينال النصر .

      وقوله " وأن الفرج مع الكرب , وأن مع العسر يسراً " الفجر انكشاف الشدة والكرب الشديد جمعه كروب كما قال تعالى " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا " الشرح/5-6 .

      في حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنها – فوائد :

      *
      من فوائده : ملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لمن هو دونه حيث قال "يا غلام إني أعلمك كلمات " .

      *
      ومن فوائده : أنه ينبغي لمن ألقىكلاماً ذا أهمية أن يقدم له ما يوجب لفت الانتباه حيث قال "يا غلام إني أعلمك كلمات " .

      *
      ومن فوائد الحديث : أن من حفظ الله حفظه لقوله " احفظ الله يحفظك" وسبق معنى احفظ الله يحفظك .

      *
      ومن فوائد الحديث : أن من أضاع الله – أي أضَاع دين الله - فإن الله يضيعه ولا يحفظه قال تعالى " وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " الحشر/19 .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : أن من حفظ الله عز وجل هداه ودله على ما فيه الخير وأن من لازم حفظ الله له أن يمنع عنه الشر إذ قوله " احفظ الله تجده تجاهك " كقوله في اللفظ الآخر " تجده أمامك " .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : أن الإنسان إذا احتاج إلى معونة فليستعن بالله ولكن لا مانع أن يستعين بغير الله ممن يمكنه أن يعينه لقوله النبي صلى الله عليه وسلم "وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة " .

      *
      ومن فوائد الحديث : أن الأمة لن تستطيع أن ينفعوا أحداً إلا إذا كان الله قد كتبه له ولن يستطيعوا أن يضروا أحداً إلا أن يكون الله تعالى قد كتب ذلك عليه .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : أنه يجب على المرء أن يكون معلقاً رجاؤه بالله عز وجل وأن لا يلتفت إلى المخلوقين فإن المخلوقين لا يملكون له ضراً ولا نفعاً .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : أن كل شيء مكتوب منتهى منه , فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة .

      *
      ومن فوائد الحديث : في الرواية الأخرى أن الإنسان إذا تعرف إلى الله بطاعته في الصحة والرخاء , عرفه الله تعالى في حال الشدة فلطف به وأعانه وأزال شدته .

      *
      ومن فوائده : أن الإنسان إذا كان قد كتب الله عليه شيئاً فإنه لا يخطئه , وأن الله إذا لم يكتب عليه شيء فإنه لا يصيبه .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : البشارة العظيمة للصابرين وأن النصر مقارن للصبر .

      *
      ومن فوائده : البشارة العظيمة أيضاً بأن تفريج الكربات وإزالة الشدائد مقرون بالكرب فكلما كرب الإنسان الأمر فرج الله عنه .

      *
      ومن فوائده أيضاً : البشارة العظيمة أن الإنسان إذا أصابه العسر فلينتظر اليسر وقد ذكر الله تعالى ذلك في القرآن فقال تعالى " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا " الشرح/5-6 ... فإذا عسرت بك الأمور فالتجئ إلى الله عزوجل منتظراً تيسيره مصدقاً بوعده .
    • عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة , فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى " رواه البخاري ومسلم

      *
      الشرح:

      "
      أمرت" : أي أمره الله عزوجل وأبهم الفاعل لأنه معلوم فإن الآمر والناهي هو الله تعالى .

      " أقاتل
      الناس حتى يشهدوا " هذا الحديث عام لكنه خصص بقوله تعالى " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ"التوبة/29

      وكذلك السنة جاءت بأن الناس يقاتلون حتى يسلموا و يعطوا الجزية .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث :وجوب مقاتلة الناس حتى يدخلوا في دين الله أو يعطوا الجزية لهذا الحديث وللأدلة الأخرى التي ذكرناها .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث :أن من امتنع عن دفع الزكاة فإنه يجوز قتاله ولهذا قاتل أبوبكر -رضيالله عنه- الذين امتنعوا عن الزكاة .

      *
      ومن فوائد الحديث : أن الإنسان إذا دان الإسلام ظاهرا فإن باطنه يوكل إلى الله , ولهذا قال : " فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله "

      *
      ومن فوائد الحديث : إثبات الحساب للإنسان ، حيث يحاسب على عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر قال الله تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه ) الزلزلة7-8
    • عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - إن الله تعالى قال : من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي سمع به و بصره الذي يبصر به ، و يده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها و لئن سألني لأعطينه ، و لئن استعاذني لأعيذنه -رواه البخاري .

      *الشرح :

      قوله - إن الله تعالى قال : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب - هذا الحديث حديث قدسي لأن النبي صلى الله عليه و سلم رواه عن ربه و كل حديث رواه النبي صلى الله عليه وسلم عم ربه يسمى عند العلماء حديثا قدسي . المعاداة ضد الموالاة ، و الولي ضد العدو و أولياؤه سبحانه و تعالى هم المؤمنون المتقون و دليله قوله و تعالى [ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ][يونس62-63]

      و قوله - آذنته - يعني : أعلمته أي : إني أعلنت الحرب ، فيكون من عادى و ليا من أولياء الله فقد آذن الله تعالى بالحرب وصار حربا لله ، ثم ذكر تبارك و تعالى أسباب الولاية فقال - و ماتقرب إلي عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه -يعني : ما عبدني أحد بشيء احب إلى مما افترضته عليه لأن العبادة تقرب إلى الله سبحانه و تعالى فمثلا ركعتان من الفريضة أحب إلى الله من ركعتين نفلا ، و درهم من زكاة احب إلى الله من درهم صدقة ، حج فريضة أحب إلى الله من حج تطوع ، صوم رمضان أحب إلى الله من صوم تطوع ،... ولهذا جعل الله تعالى الفرائض لازمة في العبادة مما يدل على تأكيدها و محبته لها .

      -و لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل- يعني : الفرائض و الفعل - لا يزال - يدل على الاستمرار يعني : و يستمر - عبدي يتقرب إلي بالنوافل- يعني : بعد الفرائض حتى أحبه الله ، -حتى- تحتمل هنا الغاية و تحتمل التعليل فعلى الأول يكون المعنى : أن تقرب إلى الله بالنوافل ويكون هذا التقرب سببا لمحبته و الغاية واحدة ،

      -فإذا أحببته كنت سمعه الذي سمع به - أي : سددته في كل ما يسمع فلا يسمع إلا ما فيه الخير له و ليس المعنى أن الله يكون سمع الإنسان لأن سمع الإنسان صفه من صفاته أي: صفات الإنسان محدث بعد أن لميكن ، و هو صفة فيه أي : في الإنسان و كذلك يقال في بصره الذي يبصر به أي : أن الله فيما يرى إلا ما كان فيه خير و لا ينظر إلا إلى ما كان فيه خير .

      -و يده التي يبطش بها - يقال فيها ما سبق في السمع أي : أن الله تعالى يسدده في بطشه و عمله بيده فلا يعمل إلى ما فيه الخير .

      -و لئن سألني -أي : دعاني بشيء و طلب مني شيئا لأعطينه .

      -و لئن استعاذني لأعيذنه -فذكر السؤال الذي به حصول المطلوب ، و الاستعاذة التي بها النجاة من المهروب و أخبر أنه سبحانه و تعالى يعطي هذا المتقرب إليه بالنوافل يعطيه ما سأل و يعيذه مما استعاذ .

      من فوائد الحديث : و أعني الحديث الثامن و الثلاثين فيه فوائد أولا : إثبات الولاية لله عز وجل أي : أن لله تعالى أولياء و هذا قد دل عليه القرآن الكريم قال الله تعالى : [أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ][يونس62-63] .

      *ومن فوائد الحديث : كرامة الأولياء على الله حيث كان الذي يعاديهم قد آذن الله بالحرب .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن معاداة أولياء الله من كبائر الذنوب لأن الله جعل ذلك إيذانا بالحرب .

      *ومن فوائد الحديث: أن الفريضة أحب إلى الله من النافلة لقوله - وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه - .

      *ومن فوائد الحديث : الإشارة إلى أن أوامر الله عز وجل نوعان : فرائض ، نوافل .

      *ومن فوائد الحديث : إثبات المحبة لله عز و جل لقوله - أحب إلي مما افترضته عليه - و المحبة صفة قائمة بذات الله عز وجل ومن ثمراتها الإحسان إلىالمحبوب و ثوابه و قربه من الله عز و جل .

      *ومن فوائد الحديث : أن الأعمال تتفاضل هي بنفسها .


      *ومن فوائد الحديث : الدلالة على ما ذهب إليه أهل السنة و الجماعة من أن الإيمان يزيد و ينقص لأن الأعمال من الإيمان فإذا كانت تتفاضل في محبة الله لها يلزم من هذا أن الإيمان يزيد و ينقص بحسب تفاضلها .

      *ومن فوائد الحديث أن في محبة الله عز وجل تسديد العبد في سمعه و بصره و يده و رجله مؤيدا من الله عزوجل .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أنه كلما ازداد الإنسان تقربا إلى الله بالأعمال الصالحة فإن ذلك أقرب إلى إجابة دعائه واعاذته مما يستعيذ الله منه لقوله تعالى في الحديث - و لئن سألني لأعطينه و لئن استعاذني لأعيذنه
    • عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال : -يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي , وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا , يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم , يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم , يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم , يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم , يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني , يا عبادي , لو أن أولكم و آخركم , وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً , يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً , يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر , يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه - رواه مسلم

      *الحديث الرابع والعشرون : عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل في هذا الحديث القدسي , لأنه يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل قال -"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما - فبين الله عز وجل في هذا الحديث أنه حرم الظلم على نفسه فلا يظلم أحداً لا بزيادة سيئة ولا بنقص حسنة كما قال تعالى - وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ]-طه112] .

      - وجعلته بينكم محرماً - أي جعلت الظلم بينكم محرماً , فيحرم عليكم أن يظلم بعضكم بعضاً , ولهذا قال - فلا تظالموا - والفاء للتفريع على ما سبق - يا عبادي , كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم - العباد كلهم ضال في العلم وفي العمل إلا من هداه الله عزوجل وإذا كان الأمر كذلك فالواجب طلب الهداية من الله , ولهذا قال - فاستهدوني أهدكم- أي اطلبوا مني أهدكم ,والهداية هنا تشمل هداية العلم وهداية التوفيق , - يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم - , وهذه كالتي قبلها بين سبحانه وتعالى أن العباد كلهم جياع إلا من أطعمه الله ثم يطلب من عباده أن يستطعموه ليطعمهم وذلك لأن الذي يخرج الزرع ويدر الضرع هو سبحانه وتعالى كما قال سبحانه وتعالى - أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ* أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ *لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ] -الواقعة63-64-65] ... ثم المال الذي يحصل به الحرث هو لله عزوجل .

      - يا عبادي كلكم عار- أي قد بدت عورته إلا من كساه الله ويسر له الكسوة , ولهذا قال - إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم - اطلبوا مني الكسوة أكسكم , لأن كسوة بني ادم مما أخرجه الله تعالى من الأرض , ولو شاء الله تعالى لم يتيسر ذلك .

      - يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم - وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح- كل ابن ادم خطاء وخير الخطائين التوابون - فالناس يخطؤون ليلاًونهاراً أي يرتكبون الخطأ وهو مخالفة أمر الله ورسوله بفعل المحذور أو ترك المأمور , ولكن هذا الخطأ , له دواء – ولله الحمد – وهو قوله -فاستغفروني أغفر لكم - أي اطلبوا مغفرتي أغفر لكم , والمغفرة : ستر الذنب مع التجاوز عنه .

      - يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني يا عبادي -لأن الله سبحانه وتعالىغني عن العالمين ولو كفر كل أهل الأرض فلن يضروا الله شيئاً , ولو آمن كل أهل الأرض لن ينفعوا الله شيئاً , لأنه غني بذاته عن جميع مخلوقاته .

      - يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا -لأن طاعة الطائع إنما تنفع الطائع نفسه أما الله عزوجل فلا ينتفع بها لأنه غني عنها , فلو كان الناس كلهم على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك ملك الله شيئاً .

      -يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً - وذلك لأن الله غني عنا , فلو كان الناس والجن على أفجر قلب رجل مانقص ذلك من ملك الله شيئاً .

      - يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر -وذلك لكمال جوده وكرمه وسعة ما عنده , فإنه لو أعطى كل إنسان مسألته لم ينقصه شيئاً , وقوله - إلا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر - وهذا من باب تأكيد عدم النقص , لأنه من المعلوم أن المخيط إذا دخل في البحر ثم نزع منه فإنه لا ينقص البحر شيئاً لأن البلل الذي لحق هذا المخيط ليس بشيء .

      - يا عبادي إنما أعمالكم أحصيها لكم - أي أعدها لكم وتكتب على الإنسان - ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه -ومع هذا فإنه سبحانه يجزي الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ويجزي السيئة بمثلها أو يعفو ويصفح فيما دون الشرك والله أعلم

      وهذا حديث عظيم حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربهتبارك وتعالى أنه قال- إني حرمت الظلم على نفسي ...-وقد شرحه شيخ الإسلام رحمه الله في رسالة جيدة كما شرحه ابن رجب ضمن الأحاديث الأربعين النووية .

      *وفيه من الفوائد : رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه وهو ما يسميه أهل العلم بالحديث القدسي .

      *ومن فوائده : أن الله عز وجل حرم الظلم عل نفسه لكمال عدله جل وعلا , فهو قادر على أن يظلم , قادر على أن يبخس المحسن من حسناته وأن يضيف إلىالمسيء أكثر من سيئاته ولكنه لكمال عدله حرم ذلك على نفسه جل وعلا .

      *ومن فوائده : أن الظلم بيننا محرم وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يكون في الدماء والأموال والأعراض قال عليه الصلاة والسلام في مِنى يوم - إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام محرمة كيومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا- .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن الأصل في الإنسان الضلال والجهل بقوله تعالى - وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا .....] -النحل78] ... وقوله في هذا الحديث " يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم " . والأصل فيه أيضاً الغي والظلم .

      *ومن فوائده : وجوب طلب الهداية من الله لقوله تعالى في الحديث - استهدوني أهدكم - .

      *ومن فوائد الحديث : أن الإنسان بل كل العباد جائعون مضطرون إلى الطعام إلا من أطعمه الله عز وجل , ويترتب على هذه الفائدة سؤال الإنسان ربه واستغناؤه بسؤال الله عن سؤال عباد الله , ولهذا قال -فاستطعموني أطعمكم - .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن العباد عراة إلا من كساه الله عز وجل ويسر له الكسوة وسهلها له , ولهذا قال -فاستكسوني أكسكم - أي اطلبوا مني الكسوة أكسيكم , وإنما ذكر الله عز وجل العري بعد ذكر الطعام , لأن الطعام كسوة الداخل واللباس كسوة الظاهر .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن بني ادم خطاء يخطؤون كثيراً في الليل والنهار , ولكن هذا الخطأ يقابله مغفرة الله عز وجل لكل ذنب , وأن الله يغفر الذنوب جميعاً كما قال تعالى - قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا - ]الزمر53] ,ويترتب على هذا أن الإنسان يعرف قدر نفسه , فكلما أخطأ استغفر الله عز وجل .

      *ومن فوائد هذا الحديث : أن الذنوب مهما كثرت فإن الله تعالى يغفرها إذا استغفر الله الإنسان ربه , لقوله تعالى في الحديث القدسي -"وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفرلكم -وقوله - يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولنتبلغوا نفعي فتنفعوني - وذلك لأن الله سبحانه وتعالى مستغن عن جميع خلقه , ومن أسمائه العزيز وهو الذي عز أن يناله ضرر , وكذلك هو الغني الحميد فلا حاجة إلى أن يسعى أحد لنفعه ولن يبلغ أحد ضرره لكمال غناه جل وعلا .

      -يا عبادي , لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً - وذلك لكمال غناه عز وجل فلو كان الناس كلهم من إنس وجن على أتقى قلب رجل فإن ذلك لا يزيد من ملك الله شيئاً ً .

      -يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً " وذلك لكمال غناه فلا تنفعه طاعة الطائعين , ولا تضره معصية العاصين والمقصود من هاتين الجملتين : الحث على طاعة الله عز وجل والبعد عن معصيته .

      -يا عبادي لو أن أولكم و آخركم وإنسكم وجنكم قاموا على صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر-وذلك لكمال غناه جل وعلا وسعته , فيستفاد من هذه الجملة : أن الله سبحانه وتعالى واسع الغنى والكرم وقوله - إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر -سبق لنا أن المقصود بذلك المبالغة في أن ذلك لا ينقص من الله شيئاً .

      وقوله- يا عبادي إنما أعمالكم ...الخ - فيستفاد منها الحث على العمل الصالح حتى يجد الإنسان الخير .

      *ومن فوائده أيضاً :أن الله سبحانه وتعالى لا يظلم الناس شيئاً .

      *ومن فوائده :أن العاصي سوف يلوم نفسه إذا كان في وقت لا ينفعه اللوم ولا الندم لقوله " ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه " .
    • عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي رضي الله عنه فقال - كن في الدنيا كأنك غريب , أو عابر سبيل - وكان ابن عمر رضي الله عنه يقول "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لمماتك " رواه البخاري

      *
      الشرح

      الحديث الأربعون عن ابن عمر رضي الله عنهما قال -أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي - يعني : أمسك بمهما لأجل أن يسترعي انتباهه ليحفظ ما يقول فقال له -كن في الدنيا كأنك غريب , أو عابر سبيل-الغريب : المقيم في البلد وليس من أهلها , أو عابر سبيل : هو الذي مر بالبلد , وهو ماشي مسافر , ومثلهؤلاء - أعني الغريب أو عابر سبيل - لا يتخذ هذا البلد موطناً ومستقراً , لأنه مسافر فأخذت هذه الموعظة من عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ما أخذت من قلبه ولهذا كان يقول - إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء - يعني إذا أمسيت فلا تقول : سوف أبقى إلى الصباح كم من إنسان أمسى ولم يصبح , وكذلك قوله - وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء - فكم من إنسان أصبح ولم يمسي ومراد بن عمر في ذلك : أن ينتهز الإنسان الفرصة للعمل الصالح حتى لا تضيع عليه الدنيا وهو لا يشعر , قال -وخذ من صحتك لمرضك- يعني : بادر في الصحة قبل المرض فإن الإنسان ما دام صحيحاُ يسهل عليه العمل , لأنه صحيح منشرح الصدر منبسط النفس , والمريض يضيق صدره ولا تنبسط نفسه فلا يسهل عليه العمل .

      - ومن حياتك لموتك- أي انتهز الحياة ما دمت حياُ قبل أن تموت لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله صح ذك عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال - إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا ثلاث : صدقة جارية , أو علمٍ ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له - .

      *
      ومن فوائد هذا الحديث : أنه ينبغي للإنسان أن يجعل الدنيا مقر إقامه لقوله -كن في الدنيا كأنك غريب , أو عابر سبيل - .

      *
      ومن وفوائده : أن ينبغي للعاقل مادام باقياُ والصحة متوفرة أن يحرص على العمل قبل أن يموت فينقطععمله , ومنها أن ما ينبغي للمعلم أن يفعل الأسباب التي يكون فيها انتباه المخاطب لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بمنكبي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما .

      *
      ومن وفوائد الحديث : فضيلة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث تأثر بهذه الموعظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم .