* نشر هذا المقال عبر ملحق شرفات الثقافي في حلقتين يومي 9 و 16 أكتوبر 2012م .
الجزء الأول من المقال :
كانت الوثائق المتعلقة بالشأن العماني في دور الوثائق البرتغالية حديث الساحات العلمية والثقافية خلال العشرين سنة الماضية ، وكان الحديث عنها يدوردائماً حول ما يمكن أن تضيفه لمصادر التاريخ العماني فيما لو كشف عنها من سد لبعض الثغرات ، أو إضاءة لزوايا معتمة في تاريخنا ، خاصة و أن الحقبة التي سبقت قيام الدولة اليعربية والتي تعني عملياً سنوات الاحتلال البرتغالي للساحل ،وهي تنوف على المائة و العشرين سنة ،فهذه الحقبة كانت غامضة و شبه مبهمة ، و قلما تعرضت لها كتب التاريخ العماني ، خاصة فيما يتعلق بعملية الاحتلال نفسها ثم الاستعمار و البقاء في أمهات المدن الساحلية ؛بل إن الثورات و عمليات المقاومة التي واجه بها العمانيون الاحتلال البرتغالي قبل قيام الدولة اليعربية قلما كشفت عنها كتب التاريخ العماني أو الدراسات العربية إلا ما ندر من إشارات قليلة أوردتها مراجع غير عمانية ، و إن نقل منها بعد ذلك باحثون عمانيون و عرب ، إلى حد أن هذه الفجوات تصنع صورة خادعة بأن هذا الساحل سقط في قبضة البرتغاليين دونما مقاومة تذكر ، و لربما نبه صدور كتاب مذكرات البوكيرك بترجمة: عبدالرحمن عبدالله في عام 1420هـ/2000م نبه مرة أخرى إلى الأهمية الهائلة التي تنطوي عليها الوثائق البرتغالية في هذا الصدد ، فقد أبانت مذكرات هذا الغازي البرتغالي أن الساحل العماني اشتعل بالمقاومة الضارية لموجات الغزو من سقطرى إلى جلفار، و لم تسقط المدن العمانية الساحلية إلا بصعوبة بالغة ، و هو ما يفسر صور الانتقام الوحشي الذي قام به "أفونسو دا البوكيرك" لهذه المدن.
لكن سنوات متطاولة من الاستعمار طوال القرن الـ 16م والربع الأول من القرن الـ 17م بقيت غامضة أشد ما يكون الغموض ، الذي ما كان له أن يزاح ، وما كان لحلقاته المفقودة أن تكتمل إلا بالكشف عن هذه الوثائق ، بجمعها و تصنيفها و طباعتها ، ثم ترجمتها و نشرها ، هذا إضافة إلى ما تكشفه من رؤية البرتغاليين لسنوات الصراع بينهم و بين العمانيين الذي استوعب القرن الـ 17م بأكمله تقريباً.
لا شك أن هذا المشروع كانت دونه من المكابدات و التحديات الشيء الكثير ، خاصة في الوصول إلى الوثائق و في تمييز ما يتعلق بالشأن العماني منها ، إذ هي مهمة عسيرة للغاية في حالة دولة كالبرتغال لها تاريخ استعماري واسع زمنياً و جغرافيا، تمددت بين قارات ثلاث: أمريكا الجنوبية ،و إفريقيا ،و آسيا حيث مقر البرتغاليين في "جوا" الهندية و إلى ساحل الخليج العربي ؛أقول هذا تمهيداً لاستحضار أمرين مهمين للغاية ،أولهما: الأهمية الكبرى لهذه الوثائق في تغطية حقبة لا تقل عن مائتي عام من التاريخ العماني ، و من وجة نظر معادية حينها ؛ و ثانيهما :مدى المشقة في معالجة شأن هذه الوثائق سواء من الناحية الإجرائية أو العملية ،أو من ناحية اللغة التي تتعدد في البرتغالية بين برتغالية قديمة و حديثة ،أو من ناحية تشتت هذه الوثائق بين أراشيف برتغالية عدة و ربما أراشيف المستعمرات البرتغالية كذلك .
و بوسعنا اليوم أن نشعر بالاطمئنان و نحن نرى صدور الكتاب المعنون بــ " البرتغال في بحر عمان ، الدين و السياسة ، بحث في الوثائق " و هو عمل كبير في 16 مجلداً فاخراً اعتمدت على الجمع و التصوير و التصنيف ، و ضمت هذه المجلدات 1500 وثيقة برتغالية تتعلق بعمان ، و قد عمل على تحقيقه و إعداد مادته كل من:الدكتور عبد الرحمن السالمي و الدكتور مايكل يانسن ، و قد طبع من قبل دار "فيليب فان زيبرين" ، و قد كشف عنه النقاب لأول مرة في
مؤتمر الفكر الإباضي الثالث الذي انعقد في مدينة نابولي الإيطالية خلال شهر مايو الماضي .
* العمانيون و ثنائية الممانعة و التواصل :
في تصديرهما للكتاب يؤكد كل من صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث و الثقافة و معالي الشيخ عبدالله بن محمد السالمي وزيرالأوقاف و الشؤون الدينية أن هذا الكشف الكبير ونشر هذه الوثائق سوف "يكشف غوامض كثيرة ما جلت أسرارها أقلام الباحثين بعد" و أنه سيمد الباحثين بمعلومات مذهلة تكشف عن بعدها المعرفي و التاريخي،و تضيء زوايا ظلت مظلمة خاصة في الجوانب التالية :
ــ الأحداث التاريخية التي تخللت تلك العلاقة من وجهة نظر البرتغاليين .
ــ عمليات التنافس و الصراع بين القوى الأوربية على المحيط الهندي ، و سواحل عمان والخليج .
ــ المعلومات الجغرافية و الثقافية و الدينية التي تعرضها التقارير البرتغالية عن عمان وسواحلها و جوارها.
ــ الانطباعات و التصريحات و الرؤى التي تنم عن الدوافع و الأهداف من وراء الصراع على عمان و المحيط.
و في رأيهما أن الصمود العماني في المواجهة و في تحرير الأرض في تلك المرحلة يرد إلى عاملين اثنين هما : " الريادة البحرية العمانية القديمة في المحيط الهندي،والقيم الدينية الإسلامية السمحة التي شكلت ثنائيتي الممانعة و التواصل في آن واحد " و هذان العاملان ونتائجهما هما أيضاً اللذان دفعا إلى إنتاج هذا العمل الوثائقي الضخم كما يبين ذلك التقديم.
الجزء الأول من المقال :
كانت الوثائق المتعلقة بالشأن العماني في دور الوثائق البرتغالية حديث الساحات العلمية والثقافية خلال العشرين سنة الماضية ، وكان الحديث عنها يدوردائماً حول ما يمكن أن تضيفه لمصادر التاريخ العماني فيما لو كشف عنها من سد لبعض الثغرات ، أو إضاءة لزوايا معتمة في تاريخنا ، خاصة و أن الحقبة التي سبقت قيام الدولة اليعربية والتي تعني عملياً سنوات الاحتلال البرتغالي للساحل ،وهي تنوف على المائة و العشرين سنة ،فهذه الحقبة كانت غامضة و شبه مبهمة ، و قلما تعرضت لها كتب التاريخ العماني ، خاصة فيما يتعلق بعملية الاحتلال نفسها ثم الاستعمار و البقاء في أمهات المدن الساحلية ؛بل إن الثورات و عمليات المقاومة التي واجه بها العمانيون الاحتلال البرتغالي قبل قيام الدولة اليعربية قلما كشفت عنها كتب التاريخ العماني أو الدراسات العربية إلا ما ندر من إشارات قليلة أوردتها مراجع غير عمانية ، و إن نقل منها بعد ذلك باحثون عمانيون و عرب ، إلى حد أن هذه الفجوات تصنع صورة خادعة بأن هذا الساحل سقط في قبضة البرتغاليين دونما مقاومة تذكر ، و لربما نبه صدور كتاب مذكرات البوكيرك بترجمة: عبدالرحمن عبدالله في عام 1420هـ/2000م نبه مرة أخرى إلى الأهمية الهائلة التي تنطوي عليها الوثائق البرتغالية في هذا الصدد ، فقد أبانت مذكرات هذا الغازي البرتغالي أن الساحل العماني اشتعل بالمقاومة الضارية لموجات الغزو من سقطرى إلى جلفار، و لم تسقط المدن العمانية الساحلية إلا بصعوبة بالغة ، و هو ما يفسر صور الانتقام الوحشي الذي قام به "أفونسو دا البوكيرك" لهذه المدن.
لا شك أن هذا المشروع كانت دونه من المكابدات و التحديات الشيء الكثير ، خاصة في الوصول إلى الوثائق و في تمييز ما يتعلق بالشأن العماني منها ، إذ هي مهمة عسيرة للغاية في حالة دولة كالبرتغال لها تاريخ استعماري واسع زمنياً و جغرافيا، تمددت بين قارات ثلاث: أمريكا الجنوبية ،و إفريقيا ،و آسيا حيث مقر البرتغاليين في "جوا" الهندية و إلى ساحل الخليج العربي ؛أقول هذا تمهيداً لاستحضار أمرين مهمين للغاية ،أولهما: الأهمية الكبرى لهذه الوثائق في تغطية حقبة لا تقل عن مائتي عام من التاريخ العماني ، و من وجة نظر معادية حينها ؛ و ثانيهما :مدى المشقة في معالجة شأن هذه الوثائق سواء من الناحية الإجرائية أو العملية ،أو من ناحية اللغة التي تتعدد في البرتغالية بين برتغالية قديمة و حديثة ،أو من ناحية تشتت هذه الوثائق بين أراشيف برتغالية عدة و ربما أراشيف المستعمرات البرتغالية كذلك .
و بوسعنا اليوم أن نشعر بالاطمئنان و نحن نرى صدور الكتاب المعنون بــ " البرتغال في بحر عمان ، الدين و السياسة ، بحث في الوثائق " و هو عمل كبير في 16 مجلداً فاخراً اعتمدت على الجمع و التصوير و التصنيف ، و ضمت هذه المجلدات 1500 وثيقة برتغالية تتعلق بعمان ، و قد عمل على تحقيقه و إعداد مادته كل من:الدكتور عبد الرحمن السالمي و الدكتور مايكل يانسن ، و قد طبع من قبل دار "فيليب فان زيبرين" ، و قد كشف عنه النقاب لأول مرة في
مؤتمر الفكر الإباضي الثالث الذي انعقد في مدينة نابولي الإيطالية خلال شهر مايو الماضي .
* العمانيون و ثنائية الممانعة و التواصل :
في تصديرهما للكتاب يؤكد كل من صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث و الثقافة و معالي الشيخ عبدالله بن محمد السالمي وزيرالأوقاف و الشؤون الدينية أن هذا الكشف الكبير ونشر هذه الوثائق سوف "يكشف غوامض كثيرة ما جلت أسرارها أقلام الباحثين بعد" و أنه سيمد الباحثين بمعلومات مذهلة تكشف عن بعدها المعرفي و التاريخي،و تضيء زوايا ظلت مظلمة خاصة في الجوانب التالية :
ــ الأحداث التاريخية التي تخللت تلك العلاقة من وجهة نظر البرتغاليين .
ــ عمليات التنافس و الصراع بين القوى الأوربية على المحيط الهندي ، و سواحل عمان والخليج .
ــ المعلومات الجغرافية و الثقافية و الدينية التي تعرضها التقارير البرتغالية عن عمان وسواحلها و جوارها.
ــ الانطباعات و التصريحات و الرؤى التي تنم عن الدوافع و الأهداف من وراء الصراع على عمان و المحيط.
و في رأيهما أن الصمود العماني في المواجهة و في تحرير الأرض في تلك المرحلة يرد إلى عاملين اثنين هما : " الريادة البحرية العمانية القديمة في المحيط الهندي،والقيم الدينية الإسلامية السمحة التي شكلت ثنائيتي الممانعة و التواصل في آن واحد " و هذان العاملان ونتائجهما هما أيضاً اللذان دفعا إلى إنتاج هذا العمل الوثائقي الضخم كما يبين ذلك التقديم.