الرد على اسكندر جديد في عصمة التوراة والإنجيل

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • الرد على اسكندر جديد في عصمة التوراة والإنجيل

      ج1


      بسم الله الرحمن الرحيم


      الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام ديناً، ونصب لنا الدلالة على صحته برهاناً مبيناً، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقاً يقيناً، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجراً جسيماً، وذخر لمن وافاه به ثوابا جزيلا وفوزاً عظيماً، وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه وأركانه، والاعتصام بعراه وأسبابه.

      أما بعد،

      لقد اشتمل بحث النصراني اسكندر جديد على محاولة يائسة في إثبات عصمة التوراة والإنجيل من القرآن الكريم، وقال إن القرآن قد شهد للأسفار بالصحة، وقد أستدل بعدد من الآيات, منها:

      {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَّانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} (المائدة:44)

      {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} (المائدة:46)

      {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} (المائدة:48)

      وقال بأن في الآية 44 من سورة المائدة يشهد القرآن الكريم لصحة التوراة، وأنها هدى من الضلالة، ونور لبيان الأمور التي يحكم بها النبيون بموجب ما استحفظهم الله من كتابه، وكانوا شهوداً أنه حق, أما في الآية 46 من سورة المائدة بيان أن المسيح صدَّق على التوراة أنها حق, وكذلك إنجيله، الذي فيه هدى ونور وموعظة جاء مصدقاً لما قبله من الكتب, وأخيراً، في الآية 48 من سورة المائدة يؤكد القرآن أنه أُنزل إلى محمد مصدِّقاً لما بين يديه من الكتاب, وأنه مُعيَّن حارساً له, وأنه يوصيه بأن يحكم بموجب ما أنزل الله فيه من تأييد للتوراة والإنجيل.

      كما قال بأن القرآن فيه تأييد للتوراة والإنجيل والحضّ على إقامة ما جاء فيهما من تعاليم، وأستدل بعدد من آيات, وهي:

      {قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ والإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} (المائدة:68)

      {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}(المائدة:47)

      {يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ والكِتَابِ الذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ والكِتَابِ الذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً} (النساء:136)
    • ونقول؛ إن الرد على هذه الشبة من أوجه ثلاثة، وهي:

      1) أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال تعالى {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة:44) ونشدد هنا على قوله تعالى {لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ} فمن هم الذين هادوا، هم الذين مالوا عن الإسلام وعن دين موسى عليه السلام فمن صور المنهج الرفيع في القرآن الكريم، استعمال اسمين عند التحدث عن العبرانيين: فهم تارة "اليهود"، وتارة "بنو إسرائيل". وتقوم عبارة "الذين هادوا" في بعض المواضع مقام لفظ "اليــهود". والقرآن الكريم حينما يستعمل الاسمين لا يفعل لأنهما مترادفان – كما هو الحال مثلاً: المسيح، وعيسى بن مريم – بل يطلق عليهم: اليهود، والذين "هادوا" في موضع السخط أو التنديد بشيء أعمالهم، أو عند حكاية ما أصابهم من الذل والعبودية لفساد طويتهم وسوء نيتهم أما إذا جاءت مواضع في القرآن الكريم تذكر بفضل الله على هؤلاء القوم ذاتهم أو اصطفاء الله لهم وإسناد الرسالة إلى رجال منهم وإسباغ الحكمة والنبوءة عليهم. إذاً، فالله سبحانه وتعالى قد انزل التوراة فيها هدى من الضلالة، ونور من العمى {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ} الذين أسلموا من لدن موسى عليه السلام إلى الذين هادوا أي مالوا عن دين موسى عليه السلام من الربانيون والأحبار الذين احتكموا أيضاً بالتوراة، فالميلان عن دين لا يتم إلا حرف الدين أصلاً، فالظل لا يستقيم إذا كان العود أعوج، والتوراة شاهدة على ما حصل بها من تحريف. فالتوراة التي بأيدي النصارى، تخالف التوراة التي بأيدي اليهود، والتي بأيدي السامرة، تخالف هذه وهذه، حتى إن هذه التوراة التي بأيدي اليهود فيها من الزيادة والتحريف والنقصان ما لا يخفى على الراسخين في العلم، وهم يعلمون قطعاً إن ذلك ليس في التوراة التي أنزلها الله على موسى.
    • 2) قال تعالى {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} (المائدة:46) {وَقَفَّيْنَا} أي اتبعنا على آثارهم يعني أنبياء بني إسرائيل {بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي مؤمنا بها حاكماً بما فيها، {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} أي هدى إلى الحق ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات {وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} أي مصدقاً لما في التوراة من نبوة عيسى عليه السلام الذي هو متبعاً للتوراة غير مخالف لما فيها إلا في القليل مما بين لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه، كما قال تعالى إخباراً عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ}، ولهذا كان المشهور من قولي العلماء أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة وقوله تعالى: {وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي وجعلنا الإنجيل هدى يهتدى به، وموعظة أي زاجراً عن ارتكاب المحارم والمآثم للمتقين، أي لمن اتقى اللّه وخاف وعيده وعقابه. قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ} أي ليؤمنوا بجميع ما فيه وليقيموا ما أمروا به فيه وبما فيه البشارة ببعثة محمد والأمر باتباعه وتصديقه، كما قال تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} فسبب نزول هذه الآية إنه قد جاء جماعة من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ألست تُقر أن التوراة حق من عند الله؟ قال: "بلى". فقالوا: فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها؛ فنزلت الآية؛ أي لستم على شيء من الدين حتى تعلموا بما في الكتابين من الإيمان بمحمد عليه السلام، والعمل بما يوجبه ذلك منهما (الجامع لأحكام القرآن، للإمام القرطبي ج6 - سورة المائدة - الآية:68)، وهذا هو الحق، فإن اليهود والنصارى ليسم على شيء حتى يؤمنوا ما في التوراة والإنجيل بما جاء في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد جاء في التوراة "أقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به" (التثنية 18:18) فهذه النبوة تصف محمد صلى الله عليه وسلم وصفاً دقيقاً من حيث النسب ومشابهة موسى عليه السلام وحتى القرآن الكريم، وقد بين ذلك الشيخ أحمد ديدات، في عدة أمور، منها:

      أ) جاء في (التثنية 18:18) "أقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم" هذا يثبت بأن النبي المنتظر سيكون عربياً، حيث إن إسماعيل وإسحاق أبناء إبراهيم عليهم السلام، وهو ما تقوله التوراة. إذاً إسماعيل وإسحاق عليهما السلام أخوان، وهكذا فان الشعوب التي نشأت من سلالتهما، اخوة بالمعنى المجازي، إن أبناء إسحاق هم اليهود، وأبناء إسماعيل عليه السلام هم العرب، وهو ما تقولة التوراة. وهذا يؤكد حقيقة هذه الاخوة بالنسب "وأمام جميع اخوته يسكن" (تكوين 16:12). وعن وفاة إسماعيل عليه السلام تقول التوراة: "وهذه سنو حياة إسماعيل، مائة وسبع وثلاثون سنة، واسلم روحه ومات وانضم إلى قومه. وسكنوا من حويلة إلى شور التي أمام مصر حينما تجيء نحو اشور. أمام جميع اخوته" (تكوين 25:17) فإن أبناء إسماعيل عليه السلام هم اخوة لأبناء إسحاق عليه السلام. فأن محمد صلى الله عليه وسلم من قوم هم اخوة بني إسرائيل، ذلك انه من سلالة إسماعيل - العرب. وقد ثبت عن نسب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إنه من أبناء إسماعيل عليه السلام، فنسب الرسول هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - وأسم عبد المطلب شيبة - بن هاشم - وأسم هاشم: عمرو - بن عبد مناف - وأسم عبد مناف: المغيرة - بن قصى بن كلاب بن ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة - وأسم مدركة: عامر - بن الياس بن مضر ابن نزار بن معد بن عدنان بن أُد بن مقوم بن ناحور بن تيرح بن يعرب بن يشجب بن نابت ابن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، مثل ما تنبأت عنه التوراة "أقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم". بل تذكر النبوة بوضوح إن النبي الآتي الذي هو مثل موسى، والذي سيبعث، ليس من بني إسرائيل، لان التوراة لم تقل: "من بين أنفسهم" بل قالت: "من وسط اخوتهم". من ثم فان الرسول صلى الله عليه وسلم, هو الذي من وسط اخوتهم.

      ب) أما الأمر الثاني، فهو لا يقل أهمية من الأمر الأول، "أقيم لهم نبيا من وسط اخوتهم مثلك" (التثنية 18:18) التركيز على عبارة "من وسط اخوتهم, مثلك" فإن الخطاب موجه لموسى, وشعبه اليهود كشخصية معينة. عندما نقول النبوة من "أخوتهم"، نعني يقيناً العرب، كما ونشدد على القول "مثلك" فعيسى لا يشبه موسى عليهما السلام, بمقتضى عقيدة النصارى اليوم, فان في عقيدتهم عيسى هو الإله المتجسد، ولكن موسى لم يكن إله، بناء على ذلك فأن عيسى لا يشبه موسى. ثم، إن عيسى قد مات من اجل خطايا العالم. لكن موسى لم يمت من اجل خطايا العالم، وأيضاً المسيح ذهب إلى الجحيم لثلاثة ايام، ولكن موسى لم يكلف بالذهاب إلى الجحيم. وهذا أيضاً بمقتضى عقيدة النصارى، فلذلك فان عيسى لا يشبه موسى. إذاً عيسى لم يكن مثل موسى. فالذي مثل موسى عليه السلام هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والمشابه بينهما من عدة أوجه، منها:
      أولاً؛ الأب والأم: لقد كان لموسى والدان "واخذ عمرام بوكابد عمته وزوجة له فولدت له هارون وموسى" (خروج:20:6) وكذلك محمد كان له أم وأب، لكن المسيح كان له أم فقط وليس أب بشري.
      ثانياً؛ الميلاد المعجز: إن موسى ومحمد ولدا ولادة طبيعية، ولكن عيسى ولد بمعجزة مميزة.
      ثالثاً؛ عقد الزواج: لقد تزوج موسى ومحمد وانجبا الأبناء، ولكن عيسى ظل أعزباً كل أيام حياته.
      رابعاً؛ مملكة تهتم بالأمور الأخروية: إن موسى ومحمد كانا نبيين، أي قد أوحيا إليهما برسالة سماوية لإرشاد الناس, مثلما كانا زعيمين، أي كان لهما سلطان وقيادة على من أتبعهم فقد كانا يحكما في الناس بالعدل، وكانا أيضاً مخولين بالإعدام ولقد كان موسى يملك هذا السلطان, فقد أمر بإعدام عباد العجل (خروج 32:26) وكذلك محمد كان له سلطان في الحكم بين الناس. أما المسيح فانه ينتمي الى الصنف الآخر من الأنبياء.
      خامساً؛ لا شريعة جديدة: إن موسى ومحمد أتيا بشرعة جديدة وأحكام جديدة لشعبيهما، كالوصايا العشرة التي أتى بها موسى من عند الله وطقوس جديدة شاملة لهداية الناس، وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم جاء إلى شعب يغط بالجهالة اشتهروا بؤاد البنات، مدمنون للخمر، عبدة أوثان مولعون بالقمار والميسر. أما المسيح كان يحاول دائما أن يثبت لليهود الذين كانوا يتهمونه بالتجديف, بأنه لم يأت بشريعة جديدة, فيقول: "لا تظنوا أني جئت لانقض الناموس أو الأنبياء، ما جئت لانقض بل لأكمل." (متي 5:17) أي إنه لم يأت بشريعة جديدة أو أي أحكام جديدة على الإطلاق، وإنما جاء ليكمل الشريعة القديمة.
      سادساً؛ رحيلهم من الدنيا: إن كلا من موسى و محمد, قد توفوا وفاة طبيعية. لكن وفقا للعقيدة النصرانية, فأن المسيح مات شر ميتة بقتله على الصليب.
      سابعاً؛ المقام السماوي: إن كلا من محمد وموسى يرقد الآن في قبره على الأرض, ولكن طبقاً لتعاليم النصرانية فأن المسيح يجلس الان "عن يمين قوة الرب" (لوقا 22:69)

      ج) تستأنف النبوة قولها "واجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه" إن السيرة النبوية تحدثنا, إن محمد صلى الله عليه وسلم, عندما بلغ من العمر أربعين عاماً حينما كان يتعبد في غار حراء. في هذا الغار نزل إليه جبريل وأمره بلسان عربي قائلا: {اقْرَأْ}, امتلئ النبي خوفاً ورعباً منه، فأجاب ما أنا بقارئ، فرد جبريل عليه السلام : {اقْرَأْ} قال: ما أنا بقارئ. ثم أعاد الأمر عليه قائلا: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} أدرك النبي إن ما يريده منه الملاك هو أن يعيد نفس الكلمات التي وضعها في فمه. ثم توالى نزول القران, في الثلاثة والعشرين سنة من حياة النبوة, نزل جبريل بالقران الكريم على قلب محمد ليكون من الرسل. فهذا تصديق حرفي لما جاء في نبوة التوراة. إن القران الكريم هو في الحقيقة إنجاز لنبوة موسى، انه الرسول الأمي. وضع جبريل الملاك كلام الله في فمه بالفظ والمعنى وأستظهره الرسول كما انزل.

      نرجع ونذكر قوله تعالى {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ}.
    • 3) قال تعالى {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (المائدة:48) لما ذكر تعالى التوراة التي أنزلها على موسى كليمه ومدحها وأثنى عليها وأمر باتبعاها حيث كانت سائغة الإتباع، وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته واتباع ما فيه كما تقدم بيانه، شرع في ذكر القرآن العظيم الذي أنزله على عبده ورسوله الكريم، فقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} أي بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند اللّه {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} أي من الكتب المتقدمة التي جاء فيها نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فبعث محمد صلى الله عليه وسلم كان تصديقاً لما جاء في التوراة والإنجيل من دلالات عليه، كما بعث عيسى عليه السلام كان تصديقاً للتوراة لما جاء فيها من الدلالات عليه، فإن القرآن من عند اللّه على عبده ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقاً عند حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر اللّه واتبعوا شرائع اللّه، وصدقوا رسل اللّه، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} أي إن كان ما وعدنا اللّه على ألسنة رسله المتقدمة من مجيء محمد عليه السلام لمفعولاً أي لكائناً لا محالة ولا بد. وقوله تعالى: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي إن الكتاب الذي أنزل مصدقاً للكتب، وشهيداً عليها أنها حق من عند الله، فمن المعروف إن اليهود قد كذبوا نبوة عيسى عليه السلام لذلك جاء محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لنبوة عيسى عليه السلام. فجعل اللّه هذا الكتاب العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها أشملها وأعظمها وأكملها، حيث جمع فيه محاسن ما قبله، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره، فلهذا جعله شاهداً وأميناً وحاكماً عليها كلها، وتكفل تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}. فأنه لو لم يظهر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لبطلت بنوة سائر الأنبياء، فظهور نبوته تصديق لنبواتهم، وشهادة لها بالصدق، فإرساله من آيات الأنبياء قبله، وقد أشار سبحانه إلى هذا المعنى بعينه، في قوله: {جَاء بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} فإن المرسلين بشروا به، وأخبروا بمجيئه؛ فمجيئه هو نفس صدق خبرهم. فكأن مجيئه تصديقا لهم، إذ هو تأويل ما أخبروا به، ولا تنافي بين هذا، وبين القول الآخر: إن تصديقه المرسلين شهادته بصدقهم، وإيمانه بهم، فإنه صدقهم بقوله: ومجيئه فشهد بصدقهم بنفس مجيئه، وشهد بصدقهم بقوله. ومثل هذا قول المسيح: {مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} فإن التوراة لما بشرت به، وبنبوته، كان نفس ظهوره تصديقاً لها، ثم بشر برسول يأتي من بعده، فكان ظهور الرسول المبشر به تصديقا له، كما كان ظهوره تصديقا للتوراة، فعادة الله في رسله أن السابق يبشر باللاحق، واللاحق يصدق السابق. فلو لم يظهر محمد بن عبد الله، ولم يبعث لبطلت نبوة الأنبياء قبله، والله سبحانه لا يخلف وعده، ولا يكذب خبره، وقد كان بشر إبراهيم عليه السلام وهاجر بشارات بينات، ولم نرها تمت، ولا ظهرت، إلا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد بشرت هاجر من ذلك بما لم تبشر به امرأة من العالمين، غير مريم ابنة عمران بالمسيح، على أن مريم بشرت به مرة واحدة، وبشرت هاجر بإسماعيل مرتين، وبشر به إبراهيم مراراً، ثم ذكر الله سبحانه هاجر بعد وفاتها، كالمخاطب لها على ألسنة الأنبياء، ففي التوراة: "أن الله تعالى قال لإبراهيم: قد أجبت دعائك في إسماعيل، وباركت عليه، وكبرته، وعظمته" هكذا في ترجمة بعض المترجمين. وأما في الترجمة التي ترجمها اثنان وسبعون حبرا من أحبار اليهود فإنه يقول: "وسيلد اثني عشر أمة من الأمم" وفيها:"لما هربت هاجر من سارة ترائى لها ملك الله، وقال: يا هاجر أمة سارة من أين أقبلت وإلى أين تذهبين؟ ! قالت: هربت من سيدتي، فقال لها الملك: ارجعي إلى سيدتك، واخضعي لها، فإني سأكثر ذريتك، وزرعك، حتى لا يحصون كثرة، وها أنت تحبلين، وتلدين ابنا تسميه إسماعيل؛ لأن الله قد سمع بذلك خشوعك، وهو يكون عين الناس، ويكون يده فوق الجميع، ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع، ويكون مسكنه على تخوم جميع إخوته". وفي موضع آخر قصة إسكانها وابنها إسماعيل في برية فاران. وفيها: "فقال لها الملك: يا هاجر ليفرح روعك، فقد سمع الله تعالى صوت الصبي، قومي فاحمليه، وتمسكي به، فإن الله جاعله لأمة عظيمة، وإن الله فتح عليها، فإذا ببئر ماء، فذهبت وملأت المزادة منه، وسقت الصبي منه، وكان الله معها، ومع الصبي حتى تربّى، وكان مسكنه في برية فاران". فهذه أربع بشارات خالصة لأم إسماعيل: نزلت اثنتان منها على إبراهيم، واثنتان على هاجر. وفي التوراة أيضا بشارات أخرى بإسماعيل وولده، وأنهم أمة عظيمة جداً، وأن نجوم السماء تحصى ولا يحصون، وهذه البشارة إنما تمت بظهور محمد بن عبد الله وأمته. فإن بني إسحاق عليه السلام كانوا لم يزالوا مطرودين مشردين، خولا للفراعنة والقبط، حتى أنقذهم الله بنبيه، وكليمه موسى بن عمران عليه السلام، وأورثهم أرض الشام، فكانت كرسي مملكتهم ثم سلبهم ذلك، وقطعهم في الأرض أمماً، مسلوباً عزهم وملكهم: قد أخذتهم سيوف السودان، وعلتهم إعلاج الحمران. حتى إذا ظهر النبي صلى الله عليه وسلم تمت تلك النبوات، وظهرت تلك البشارات بعد دهر طويل، وعلت بنو إسماعيل على من حولهم، فهشموهم هشما، وطحنوهم طحنا، وانتشروا في آفاق الدنيا، ومدت الأمم أيديهم إليهم بالذل والخضوع، وعلوهم علو الثريا، فيما بين الهند، والحبشة، والسوس الأقصى، وبلاد الترك، والصقالبة، والخزر. وملكوا ما بين الخافقين، وحيث ملتقى أمواج البحرين، وظهر ذكر إبراهيم على ألسنة الأمم، فليس صبي من بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، ولا امرأة، ولا حر، ولا عبد، ولا ذكر، ولا أنثى، إلا وهو يعرف إبراهيم، وآل ابراهيم. وأما النصرانية وإن كانت قد ظهرت في أمم كثيرة جليلة، فإنه لم يكن لهم في محل إسماعيل وأمه هاجر سلطان ظاهر، ولا عز قاهر البتة، ولا صارت أيدي هذه الأمة فوق أيدي الجميع، ولا امتدت إليهم أيدي الأمم بالخضوع. وكذلك سائر ما تقدم من البشارات التي تفيد بمجموعها العلم القطعي، بأن المراد بها محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأمته، فإنه لو لم يقع تأويلها بظهوره صلى الله عليه وسلم لبطلت تلك النبوات؛ ولهذا لما علم الكفار من أهل الكتاب أنه لا يمكن الإيمان بالأنبياء المتقدمين، إلا بالإيمان بالنبي الذي بشروا به، قالوا: "نحن في انتظاره، ولم يجئ بعد." ولما علم بعض الغلاة في كفره، وتكذيبه منهم أن هذا النبي في ولد إسماعيل، أنكروا أن يكون لإبراهيم ولد اسمه إسماعيل، وأن هذا لم يخلقه الله. ولا يكثر على اليهود مثل ذلك، كما لم يكثر على النصارى الذين سبوا رب العالمين أعظم مسبة أن يطعنوا في ديننا، وينتقصوا نبينا صلى الله عليه وسلم. ونحن نبين أنهم لا يمكنهم أن يثبتوا للمسيح فضيلة، ولا نبوة، ولا آية، ولا معجزة، إلا بإقرارهم أن محمدا رسول الله؛ وإلا فمع تكذيبه لا يمكن أن يثبت للمسيح شيء من ذلك البتة. أن يمكنهم أن يثبتوا للمسيح فضيلة ولا نبوة إذا كفروا بمحمد، اليهود أساتذة النصارى في قصة الصلب وأخبار المسيح. فنقول: إذا كفرتم معاشر النصارى بالقرآن، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن أين لكم أن تثبتوا لعيسى فضيلة، أو معجزة، ومن نقل إليكم عنه آية، أو معجزة؟ فإنكم إنما تبعتم من بعده بنيف على مائتين وعشرات من السنين، أخبرتم عن منام رؤى فأسرعتم إلى تصديقه، وكان الأولى لمن كفر بالقرآن أن ينكر وجود عيسى في العالم لأنه لا يقبل قول اليهود فيه، ولا سيما وهم أعظم أعدائه الذين رموه وأمه بالعظائم. فأخبار المسيح والصليب إنما شيوخكم فيها اليهود، وهم فيما بينهم مختلفون في أمره أعظم اختلاف، وأنتم مختلفون معهم في أمره، فاليهود تزعم أنهم حين أخذوه حبسوه في السجن أربعين يوماً، و قالوا ما كان لك أن تحبسوه أكثر من ثلاثة أيام ثم تقتلوه، إلا أنه كان يعضده أحد قواد الروم، لأنه كان يداخله في صناعة الطب عندهم. وفي الأناجيل التي بأيديكم "أنه أخذ صبح يوم الجمعة، وصلب في الساعة التاسعة من اليوم بعينه" فمتى تتوافقون مع اليهود في خبره، واليهود مجمعون أنه لم يظهر له معجزة، ولا بدت منه لهم آية، غير أنه طار يوماً، وقد هموا بأخذه فطار على أثره آخر منهم، فعلاه في طيرانه، فسقط إلى الأرض بزعمهم. وفي الإنجيل الذي بأيديكم في غير موضع ما يشهد أنه لا معجزة له، ولا آية، فمن ذلك أن فيه منصوصا "أن اليهود قالوا له يوما: ماذا تفعل حتى تنتهي به إلى أمر الله تعالى؟ فقال: أمر الله إن تؤمنوا بمن بعثه، فقالوا له: وما آيتك التي ترينا، ونؤمن بك، وأنت تعلم أن آبائنا قد أكلوا المن والسلوى بالمفاوز؟ قال: إن كان أطعمكم موسى خبزا، فأنا أطعمكم خبزا سماويا" يريد نعيم الآخرة، فلو عرفوا له معجزة ما قالوا ذلك. وفي الإنجيل الذي بأيديكم أن اليهود قالت له: "ما آيتك التي نصدقك بها؟" قال: "أهدموا البيت أبنيه لكم في ثلاثة أيام" فلو كانت اليهود تعرف له آية لم تقل هذا، ولو كان قد أظهر لهم معجزة لذكرهم بها حينئذ. وفي الإنجيل الذي بأيديكم أيضا "أنهم جاؤا يسألونه آية فقذفهم، وقال: إن القبيلة الفاجرة الخبيثة تطلب آية، فلا تعطى ذلك" وفيه أيضا "أنهم كانوا يقولون له وهو على الخشبة بظنكم إن كنت المسيح فأنزل نفسك فنؤمن بك، يطلبون بذلك آية، فلم يفعل" فإذا كفرتم معاشر النصارى بالقرآن، لم يتحقق لعيسى بن مريم آية، ولا فضيلة؛ فإن النصارى عنه، وأخبار اليهود، لا يلتفت إليها لاختلافكم في شأنه أشد الاختلاف، وعدم تيقنكم لجميع أمره. وكذلك اجتمعت اليهود على أنه لم يدع شيئاً من الإلهية التي نسبتم إليه أنه ادعاها، وكان أقصى مرادهم أن يدعي، فيكون أبلغ في تسلطهم عليه، وقد ذكر السبب في استفاضة ذلك عنه، وهو أن أحبارهم، وعلماءهم، لما مضى وبقي ذكره، خافوا أن تصير عامتهم إليه، إذ كان على سنن تقبله قلوب الذي لا غرض لهم، فشنعوا عليه أمورا كثيرة، ونسبوا إليه دعوى الإلهية تزهيداً للناس في أمره، فكيف يكون الإنجيل معصوماً وهو مختلفاً في متنه أشد إختلاف؟ فأخبار النصارى واليهود متناقضة لذلك قال تعالى: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} أي فاحكم يا محمد بين الناس بما أنزل اللّه إليك في هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك من حكم من كان قبلك من الأنبياء ولم ينسخه في شرعك، {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يحكم بينهم بما في كتابنا، وقوله: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} أي آراءهم التي اصطلحوا عليها وتركوا بسببها ما أنزل اللّه على رسله، ولهذا قال تعالى: {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك اللّه به إلى أهواء هؤلاء من الجهلة الأشقياء.
    • وقوله تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أي سنة وسبيلاً، ففيه الإخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث اللّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد، كما ثبت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنه قال: "نحن معاشر الأنبياء أخوة لعلات ديننا واحد" (رواه البخاري)، يعني بذلك التوحيد الذي بعث اللّه به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله كما قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}. وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} الآية، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراماً، ثم يحل في الشريعة الأخرى، وبالعكس، وخفيفاً فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة، قال قتادة قوله: {شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} أي: سبيلاً وسنة، والسنن مختلفة هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة وفي الفرقان شريعة، يحل اللّه فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل اللّه غيره التوحيد والإخلاص للّه الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} هذا خطاب لجميع الأمم وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة التي لو شاء لجمع الناس كلهم على دين واحد وشريعة واحدة لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرّع لكل رسول شريعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمداً صلى اللّه عليه وسلم الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: {وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَاآتَاكُم} أي أنه تعالى شرع الشرائع مختلفة ليختبر عباده فيما شرع لهم ويثيبهم أو يعاقبهم على طاعته ومعصيته بما فعلوه أو عزموا عليه من ذلك كله {فِي مَاآتَاكُم} يعن من الكتاب، ثم إنه تعالى ندبهم إلى المسارعة إلى الخيرات والمبادرة إليها فقال: {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} وهي طاعة اللّه واتباع شرعه الذي جعله ناسخاً لما قبله والتصديق بكتابة القرآن الذي هو آخر كتاب أنزله، ثم قال تعالى: {إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ} أي معادكم أيها الناس ومصيركم إليه يوم القيامة {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} أي فيخبركم بما اختلفتم فيه من الحق فيجزي الصادقين بصدقهم، ويعذب الكافرين الجاحدين المكذبين بالحق العادلين عنه بلا دليل ولا برهان. وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} تأكيد لما تقدم من الأمر بذلك والنهي عن خلافه. ثم قال: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} أي واحذر أعداءك اليهود أن يدلسوا عليك الحق فيما ينهونه إليك من الأمور، فلا تغتر بهم فإنهم كذبة كفرة خونة، {فَإِن تَوَلَّوْاْ} أي عما تحكم به بينهم من الحق وخالفوا شرع اللّه {أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}، أي فاعلم أن ذلك كائن عن قدرة اللّه وحكمته فيهم أن يصرفهم عن الهدى لما لهم من الذنوب السالفة التي اقتضت إضلالهم ونكالهم، {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} أي إن أكثر الناس لخارجون عن طاعة ربهم مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} وقال تعالى: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} وهذا هو القول الحق، حيث إنه قد أختلفت فرق النصارى في شخصية المسيح نفسه، وبيان ذلك:

      * قد فقالت اليعقوبية وهم أتباع يعقوب البرادعي ولقب بذلك لأن لباسه كان من خرق برادع الدواب، يرقع بعضها ببعض، ويلبسها، إن المسيح طبيعة واحدة من طبيعتين؛ أحداهما: طبيعة الناسوت، والأخرى: طبيعة اللاهوت. وإن هاتين الطبيعتين تركبتا فصار إنساناً واحداً، وجوهر واحداً، وشخصاً واحداً، فهذه الطبيعة الواحدة، والشخص الواحد: هو المسيح، وهو إله كله، وإنسان كله، وهو شخص واحد، وطبيعة واحدة من طبيعتين. وقالوا: إن مريم ولدت الله، وإن الله سبحانه قبض عليه، وصلب، وسمر، ومات، ودفن، ثم عاش بعد ذلك.

      * أما قول الملكية وهم الروم نسبة إلى دين الملك، لا إلى رجل يدعى ملكانيا، هو صاحب مقالتهم كما يقوله بعض من لا علم له بذلك، إن الابن الأزلي الذي هو الكلمة، تجسدت من مريم تجسدا كاملا، كسائر أجساد الناس، وركبت في ذلك الجسد نفسا كاملة بالعقل، والمعرفة، والعلم، كسائر أنفس الناس. وأنه صار إنسانا بالجسد، والنفس الذين هما من جوهر الناس إلها بجوهر اللاهوت كمثل أبيه لم يزل، وهو إنسان بجوهر الناس مثل: إبراهيم، وموسى، وداود، وهو شخص واحد، لم يزد عدده، وثبت له جوهر اللاهوت، كما لم يزل، وصح له جوهر الناسوت الذي لبسه ابن مريم، وهو شخص واحد لم يزد عدده، وطبيعتان، ولكل واحدة من الطبيعتين مشيئة كاملة، فله بلاهوته مشيئة مثل الأب، وله بناسوته مشيئة كمشيئة إبراهيم، وداود. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح وهو اسم يجمع اللاهوت والناسوت، وقالوا أيضاً: إن الذي مات، هو الذي ولدته مريم، وهو الذي وقع عليه الصلب، والتسمير، والصفع، والربط بالحبال، واللاهوت لم يمت، ولم يألم، ولم يدفن. قالوا: وهو إله تام بجوهر لاهوته، وإنسان تام بجوهر ناسوته، وله المشيئتان: مشيئة اللاهوت ومشيئة الناسوت. فأتوا بمثل ما أتى به اليعقوبية من أن مريم ولدت الإله، إلا أنهم بزعمهم نزهوا الإله عن الموت.

      وإذا تدبرت قولهم وجدته في الحقيقة هو قول اليعقوبية، مع تنازعهم، وتناقضهم فيه، فاليعقوبية أطرد لكفرهم لفظا ومعنى.

      * وأما النسطورية فذهبوا إلى القول بأن المسيح شخصان، وطبيعتان، لهما مشيئة واحدة، وأن طبيعة اللاهوت، لما وجدت بالناسوت، صار لهما إرادة واحدة، واللاهوت لا يقبل زيادة، ولا نقصان، ولا يمتزج بشيء، والناسوت يقبل الزيادة والنقصان، فكان المسيح بذلك إلها وإنسانا، فهو الإله بجوهر اللاهوت الذي لا يقبل الزيادة والنقصان، وهو إنسان بجوهر الناسوت الذي يقبل الزيادة والنقصان. وقالوا: إن مريم ولدت المسيح بناسوته، وإن اللاهوت لم يفارقه قط.

      وكل هذه الفرق استنكفت أن يكون المسيح عبد الله، وهو لم يستنكف من ذلك، ورغبت به عن عبودية الله، وهو لم يرغب عنها؛ بل أعلى منازل العبودية، عبودية الله، ومحمد وإبراهيم خير منه، وأعلى منازلهما تكميل مراتب العبودية، فالله رضيه أن يكون له عبدا، فلم ترض المثلثة بذلك.

      * وقالت الأريوسية منهم وهم أتباع أريوس: أن المسيح عبد الله كسائر الأنبياء والرسل، وهو مربوب، مخلوق، مصنوع وكان النجاشي على هذا المذهب. وإذا ظفرت المثلثة بواحد من هؤلاء قتلته شر قتلة، وفعلوا به ما يفعل بمن سب المسيح، وشتمه أعظم سب.

      والكل من تلك الفرق الثلاث - اليعقوبية والملكية والنسطورية، عوامهم لا تفهم مقالة خواصهم على حقيقتها؛ بل يقولون: إن الله تخطى مريم، كما يتخطى الرجل المرأة، وأحبلها، فولدت له ابناً، ولا يعرفون تلك الهذيانات التي وضعها خواصهم. فهم يقولون الذي تدندنون حوله، نحن نعتقده بغير حاجة منا إلى معرفة الأقانيم الثلاثة من الطبيعتين والمشيئتين، وذلك للتهويل والتطويل، وهم يصرحون بأن مريم والدة الإله، والله أبوه، وهو الابن. فهذا الزوج، والزوجة، والولد، قال تعالى {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً}
    • فكيف للتوراة والأنجيل أن يكونا معصومين وهما يتناقضان؟ فقد جاء في نسب المسيح في أول ورقة من أوراق إنجيل متى اللاواني؛ الذي هو أول الأناجيل بالتأليف والرتبة، الآتي: "مصحّف نسبة يسوع المسيح بن داود بن إبراهيم، وإبراهيم وَلَد إسحاق، وإسحق ولد يعقوب، ويعقوب ولد يهوذا وإخوته، ويهوذا وَلَد من ثامان فارض و تارخ، ثم إن فارض ولد حضروم، وحضروم ولد آرام، وآرام ولد عميناداب، وعميناداب ولد بخشون الخارج من مصر، أخو زوجة هارون، وبخشون ولد أشلومون، وأشلومون ولد له من راحاب بوعز، وبوعز ولد له من روث عوبيذ، وعوبيذ ولد له إيشاي، وإيشاي ولد له داود الملك، وولد داود الملك أشلومون، وأشلومون ولد رجيعام، ورجيعام ولد البيوت، والبيوت ولد أشا، وأشا ولد يهوشافاظ، ويهوشافاظ ولد يهورام، ويهورام ولد أحزيا هو ، وأحزياهو ولد يوثام، ويوثام ولد أحاز، وأحاز ولد أحزيا وأحزيا ولد منشا، ومنشا ولد آمون، وآمون ولد يوشياهو، ويوشياهو ولد نحنيا وإخوته وقت الرحلة إلى بابل، وبعد ذلك ولد لنحنيا صلتيايل، وصلتيابل ولد روبابيل، وروبابيل ولد أبيوث، وأبيوث ولد ألياحيم، وألياحيم ولد آزور، وآزور ولد صدوق، وصدوق ولد أحيم، وأحيم ولد اليوث، واليوث ولد العزار، والعزار ولد مثان، ومثان ولد يعقوب، ويعقوب ولد يوسف خطيب مريم التي ولدت يسوع؛ الذي يدعى مسيحا، فصار من إبراهيم إلى داود أربعة عشر أبا، ومن داود إلى وقت الرحلة أربعة عشر أبا، ومن وقت الرحلة إلى المسيح أربعة عشر أبا، فجميع المواليد من إبراهيم إلى المسيح اثنان وأربعون مولودا." ففي هذا الفصل خلاف لما في التوراة وكتب اليهود؛ التي هي عندهم في النقل كالتوراة، وهما كتاب ملاخيم، وكتاب وبراهياميم. ومن التناقضات:

      1) فقد جاء في إنجيل متى اللاواني: "تارخ بن يهوذا" وفي كتب اليهود: "زارح بن يهوذا" وهذا اختلاف في الاسم، وكذب من أحد الخبرين، والأنبياء لا يكذبون.

      2) وجاء في إنجيل متى اللاواني: "أحزياهو بن يهورام" وفي كتب اليهود: "أحزيا بن يورام" فهناك اختلاف في الأسماء، ووحي الله تعالى لا يحتمل هذا، فأحد الناقلين كاذب بلا شك.

      3) وفي إنجيل متى اللاواني: "يوثام بن أحزيا" وفي كتب اليهود: "يوثام بن عزريا بن أمصيا بن أش بن أحزيا" فقد أسقط ثلاثة آباء مما في كتب اليهود، وهذا عظيم جداً، فإن صدقوا كتب اليهود وهم مصدقون بها فقد كذب متى وجهل، وإن صدقوا متى فإن كتب اليهود كاذبة، لا بد من أحد ذلك، فقد حصلوا النصارى على التصديق بالشيء وضده معا.

      4) في إنجيل متى اللاواني: "أحزياهو بن أحاز بن يوثام" وفي كتب اليهود: "حزقيا بن أحاز بن يوثام" وهناك اختلاف في الاسم، والوحي لا يحتمل هذا، فأحد النقلين كاذب بلا شك.

      5) في إنجيل متى اللاواني: "نحليا بن يوشياهو بن أمون" وفي كتب اليهود: "نحنيا بن الياقيم بن موشيا بن أموز" فقد أسقط متى الياقيم، وخالف في إسم يوشيا بن أمون، وهذا الأمر عظيم.

      والأهم من كل ذلك:

      1) قولهم "...واليوث ولد العزار، والعزار ولد مثان، ومثان ولد يعقوب، ويعقوب ولد يوسف خطيب مريم التي ولدت يسوع..." في البداية يذكر كاتب إنجيل متى اللاواني أنه يذكر نسبة المسيح، ثم يأتي بنسبة يوسف النجار، والمسيح عند من كتب ذاك الكتاب المسمى بالإنجيل ليس ولد يوسف أصلا، فقد كذب هذا القذر كذبا لا خفاء به، ولا مدخل للمسيح في هذا النسب أصلا بوجه من الوجوه، إلا أن يجعلوه ولد يوسف النجار، وهم لا يقولون هذا، ولا نحن، ولا جمهور اليهود.

      2) قولهم "...فصار من إبراهيم إلى داود أربعة عشر أبا، ومن داود إلى وقت الرحلة أربعة عشر أبا، ومن وقت الرحلة إلى المسيح أربعة عشر أبا، فجميع المواليد من إبراهيم إلى المسيح اثنان وأربعون مولودا." لم يستحي من كتب ذاك الكتاب المسمى بالإنجيل أن يحقق ما ابتدأ به، فبعد أن أتم نسب يوسف النجار، أكد هذا الملعون كذبه، وأن المسيح ولد يوسف، ولا بد ضرورة من أحدهما، وإلا فكيف يكون من الرحلة إلى المسيح أربعة عشرا أبا، والمسيح ليس هو ابنا لأحدهم، ولا هم آباء له، فكيف يكون من إبراهيم إلى المسيح اثنان وأربعون مولودا، ولا مدخل للمسيح في تلك الولادات.

      3) قولهم "فصار من إبراهيم إلى داود أربعة عشر أبا" هذا كذب، إنما هم على ما ذكر ثلاثة عشر: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ويهوذا، وزارح، وحضروم، وأرام، وعميناداب وبخشون، وأشلومون، وبوعز، وعوبيذ، وإيشاي، فهؤلاء ثلاثة عشر أبا، ثم داود، ولا يجوز البتة أن يعد داود في آباء نفسه، فيجعل أبا لنفسه، فهذه ملحنة.

      فالإنجيل فهي أربعة أناجيل أخذت عن أربعة نفر، اثنان منهم لم يريا المسيح أصلاً، واثنان رأياه واجتمعا به، وهما: متى ويوحنا، وكل منهم يزيد وينقص، ويخالف إنجيله إنجيل أصحابه في أشياء، وفيها ذكر القول ونقيضه كما فيه أنه قال: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي غير مقبولة؛ ولكن غيري يشهد لي" وقال في موضع آخر: "إن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق لأني أعلم من أين جئت وإلى أين أذهب" وفيه أنه لما استشعر بوثوب اليهود عليه قال: "قد جزعت نفسي الآن فماذا أقول؟! يا أبتاه، سلمني من هذا الوقت، وأنه لما رفع على خشبة الصلب صاح صياحا عظيما، وقال: يا إلهي!لم أسلمتني؟!" فكيف يجتمع هذا مع قول النصارى: إنه هو الذي اختار إسلام نفسه إلى اليهود ليصلبوه، ويقتلوه، رحمة منه بعباده حتى فداهم بنفسه من الخطايا، وأخرج بذلك آدم، ونوحاً، وإبراهيم، وموسى، وجميع الأنبياء عليهم السلام من جهنم بالحيلة التي دبرها على إبليس؟ وكيف يجزع إله العالم من ذلك، وكيف يسأل السلامة منه وهو الذي اختاره ورضيه؟ وكيف يشتد صياحه ويقول: "يا إلهي لم أسلمتني" وهو الذي أسلم نفسه؟ وكيف لم يخلصه أبوه مع قدرته على تخليصه، وإنزال صاعقة على الصليب، وأهله أم كان ربا عاجزا مقهورا مع اليهود؟

      وفيه أيضا: "أن اليهود سألته أن يظهر لهم برهانا أنه المسيح فقال: تهدمون هذا البيت - يعني بيت المقدس - وأبنيه لكم في ثلاثة أيام، فقالوا له: بيت مبني في خمس وأربعين سنة تبنيه أنت في ثلاثة أيام" ثم ذكر في الإنجيل أيضا: "أنه لما ظفرت به اليهود، وحمل إلى بلاط عامل قيصر، واستدعيت عليه بينة أن شاهدي زور جاءا إليه، وقالا: سمعناه يقول: أنا قادر على بنيان بيت المقدس في ثلاثة أيام" فيالله العجب كيف يدعي أن تلك المعجزة والقدرة له ويدعي أن الشاهدين عليه بها شاهدا زور؟ وفيه أيضا للوقا: "أن المسيح قال لرجلين من تلامذته: اذهبا إلى الحصن الذي يقابلكما، فإذا دخلتماه فستجدان فلوا مربوطا لم يركبه أحد، فحلاه وأقبلا به إلي" وقال في إنجيل متى في هذه القصة: "أنها كانت حمارة متبعة" وفيه أنه قال: "لا تحسبوا أني قدمت لا صلح بين أهل الأرض، لم آت لصلاحهم، لكن لألقي المحاربة بينهم؛ إنما قدمت لأفرق بين المرء وابنه، والبنت وأمها، حتى يصير أعداء المرء أهل بيته" ثم فيه أيضا: "إنما قدمت لتحيوا، وتزدادوا خيرا، وأصلح بين الناس" وأنه قال: "من لطم خدك اليمين فانصب له الآخر" وفيه أيضا أنه قال: "طوبا لك يا شمعون رأس الجماعة، وأنا أقول إنك ابن الحجر وعلى هذا الحجر تبني بيعتي، فكلما أحللته على الأرض يكون محللا في السماء، وما عقدته على الأرض يكون معقودا في السماء" ثم فيه بعينه بعد أسطر يقول له: "اذهب يا شيطان، ولا تعارض فإنك جاهل" فكيف يكون شيطان جاهل مطاع في السموات.

      وفي الإنجيل نص: "أنه لم تلد النساء مثل يحيى" هذا في إنجيل متى، وفي إنجيل يوحنا "أن اليهود بعثت إلى يحيى من يكشف عن أمره، فسألوه من هو، أهو المسيح؟ قال: لا، قالوا: نراك إلياس؟ قال: لا، قالوا: أنت نبي؟ قال: لا، قالوا: أخبرنا من أنت؟ قال: أنا صوت مناد المفاوز" ولا يجوز لنبي أن ينكر نبوته فإنه يكون مخبرا بالكذب. ومن العجب أن في إنجيل متى نسبة المسيح إلى أنه ابن يوسف، فقال: عيسى بن يوسف بن فلان، ثم عد إلى إبراهيم الخليل تسعة وثلاثين أباً. ثم نسبه لوقا أيضاً في إنجيله إلى يوسف، وعد منه إلى إبراهيم نيفا وخمسين أبا، فبينا هو إله تام إذ صيروه ابن الإله، ثم جعلوه ابن يوسف النجار.

      وكل هذا التناقضات، وأكثر، فكيف يكون الأنجيل والتوراة معصومين؟ كيف؟


      قال سبحانه وتعالى {وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} (يس:9) فالحمد لله على نعمة الإسلام، فليس للشيطان سبيلاً للقرآن المطهر تطهيراً من الكذب والبهتان، والحمد لله أولاً، وآخر، وباطناً، وظاهراً، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.

      كتبه أخوكم/ أبو إبراهيم الرئيسي (9 شوال 1422 هـ)

      المصادر والمراجع:
      1) الفصل في الملل والأهواء والنحل، للإمام ابن حزم الظاهري
      2) هداية الحيارى (تهذيب) لابن القيم
      3) مختصر تفسير ابن كثير اختصار الصابوني
      4) مجمع البيان في تفسير القرآن
      5)التفسير الواضح
      6) تفسير أبن عباس
      7) في الفكر الديني الجاهلي، للدكتور محمد إبراهيم الفيومي.
      8) السيرة النبوية لابن هاشم
      9) What the Bible says about Muhummed by Ahmed Deedat