الرد على شهادة اسكندر جديد بتواتر التوراة والإنجيل

    تمر دردشة الساحة الخاصة بالمتصفح والموبايل بفترة صيانة دورية هذا ونعتذر للجميع على الإنقطاع المؤقت بإمكانكم المشاركة في المنتدى لحين عودتها :)

    • الرد على شهادة اسكندر جديد بتواتر التوراة والإنجيل

      ج1


      بسم الله الرحمن الرحيم

      الحمد لله الذي رضي لنا الإسلام ديناً، ونصب لنا الدلالة على صحته برهاناً مبيناً، وأوضح السبيل إلى معرفته واعتقاده حقاً يقيناً، ووعد من قام بأحكامه وحفظ حدوده أجراً جسيماً، وذخر لمن وافاه به ثوابا جزيلا وفوزاً عظيماً، وفرض علينا الانقياد له ولأحكامه، والتمسك بدعائمه وأركانه، والاعتصام بعراه وأسبابه.

      أما بعد،

      ًبعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بشريعة واضحة لا يحوم عليها لبس، محكمة لا تدنو منها شبهة، وتلقاها عنه رجال صفت بصائرهم، وتناهت في فهم سبل الخير عقولهم، فبلغوا كما أمروا، وجاهدوا في سبيلها حتى انتصروا، وما زال الدين الحق رفيع الدعائم، محفوضاً من أن تلعب به يد الأهواء والمكايد، والفصل في هذا الحفظ للكتاب والسنة الصحيحة الطاهرة، فإنهما قد وجدا وسيجدان في كل عصر عقولاً تنظر فيها وهي مبرأة من كل عوج، بعيدة من كل هوى، فسرعان ما تبصر الحقائق محفوفة بحجج تقطع لسان كل جهول، وتفضح سريرة كل ختال فخور.

      وقد دلنا التاريخ إن الدين الحنيف يبتلى في كل عصر بنفوس نزاعة إلى الغواية، فتتنكب عن الحقائق. فلقد ابتلت المسيحية الحنفية الموحدة باليهودية فحولتها من دواء إلى داء على البشرية، فعندما بعث نبي الله عيسى إبن مريم عليه السلام وإلى أن رفعه الله إليه حس اليهود بالخطر المقبل إليهم فبدءوا في سراديبهم التخطيط بأن يهدموا هذا الدين الحنيف الذي جاء به رسول الله عيسى إبن مريم عليه السلام. فلماذا المسيحية الحنفية خطر على اليهود؟ فللإجابة على هذا السؤال يحتم علينا أن نرجع إلى ما بين أيدي النصارى من كتب وخصوصاً العهد الجديد، فمن ضمن تعاليم المسيح عليه السلام للذين آمنوا به من اليهود هي: "…إلى طريق الأمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل أذهبوا بالحري إلى خراف بني إسرائيل الضالة…" (متى 10 : 5-6) فقد قال أحد علماء التفسير عند النصارى ويدعى هنري: "أي لا تذهبوا خارج أرض إسرائيل مهما كانت الإغراءات" فهذا دليل على إن جماعة من اليهود آمنت بالمسيح خطر على اليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح لأنهم جلسوا في هيكل اليهود وكانوا يُعرفون أنفسهم بجماعة من اليهود آمنت بالمسيح لأن لقب "المسيحيين" لم يطلق عليهم بعد، فلذلك وجب على اليهود أن يواجهوا هذا الخطر بكل ما أوتوا من قوة وبطش، فبدءوا بتعذيب وطردهم من الهيكل المقدس ولكن هذا لم يزعزع إيمان الذين آمنوا بالمسيح بل زادهم صلابة وقوة لأن الله مع الصابرين. فمن أبرز المعذبين لأتباع المسيح رجل يدعى: شاؤول، كان شاؤول من طائفة يهودية متشددة تدعى الفريسيين. كان شاؤول من أشد الناس بطشاً على أتباع المسيح إلى أن أدعى هذا الكذاب يوماً بأنه رأى المسيح ذات ليلة وهو على طريقة إلى دمشق وبالتالي أعتنق ظاهرياً دين المسيح ولكن باطنياً فهو ليس إلا كذاب حقير يأس من تعذيب المؤمنين فنهج بتخطيط صهيوني-ماسوني بحت بأن يذيب بعض المعتقدات الفاسدة في الدين الحنيف حتى يزيحهم من القدس ويرميهم إلى "طريق الأمم" فهو الذي أسس النصرانية الصليبية بعدما أطلق على نفسه اسم بولس. فكان هدف بولس الأساسي أن يفصل المسيحية عن اليهودية، لأن الذين آمنوا بالمسيح عليه السلام كانوا يعرفون أنفسهم بجماعة من اليهود آمنت بالمسيح فوجب على بولس فصلهم عن اليهود، يقول الكاتب يواكيم برنز: "...لقد كان بولس سباقاً إلى قبول فكرة انفصال المسيحية عن اليهودية ومهد بإنشاء العقيدة المناسبة..." أما الهدف الأساسي الثاني هو الجلاء عن القدس إلى الأمم يقول لوريمر: "... كان من الملاحظ منذ البدء حياة بولس المسيحية العملية أن الحقل الحقيقي لعمله هو الأمم..." وطبعاً هذا ضد تعاليم المسيح حيث قال: "إلى طريق الأمم لا تمضوا"

      كان لبولس هدفان أساسيان؛ الهدف الأول هو فصل المسيحية عن اليهودية وإنشاء العقيدة "المناسبة" أما الهدف الثاني هو إجلاء من آمن بالمسيح إلى الأمم لتضل القدس لليهود فقط. فلقد وصف بولس (((بالخائن))) عند الكثير من المسيح "...إن المسيحيين المخلصين، يعتبرون بولس خائناً. وتصفه وثائق المسيحية بالعدو، وتتهمه بالتواطؤ التكتيكي..." وقال عنه موريس بوكاي "...إن بولس كان أكثر وجوه المسيحية موضعاً للنقاش، وإذا كان قد أعتبر خائناً لفكر المسيح، فذلك لأنه كون مسيحية على حساب هؤلاء الذين جمعهم المسيح من حوله لنشر تعاليمه، ولم يكن بولس قد عرف المسيح في حياته" حتى تلاميذ المسيح عليه السلام لم يصدقوه "...ولما جاء شاؤول - بولس - إلى أورشاليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ..." (أعمال 9 : 26) فالوحيد من تلاميذ المسيح قبله كان برنابا وثم قدمه إلى التلاميذ ولكن بعد فترة ليست بقصيرة تشكك برنابا في ما يقوله بولس ونتج خلاف بين برنابا وبولس فتركه. حاول بولس أن يخترع أسطورة ألوهية المسيح وإنه ابن الله ونشرها بين تلاميذ المسيح عليه السلام ولكنه لم يستطع لأن كل من يؤمنوا بأن لله ابن لا يوجد في رؤسهم سوى جلود مدبغة لا تنفع إلا لصناعة الأحذية. فتوجه بولس إلى طريق الأمم لأن كان من الأمم وثنيون قبلوا فكرة عبادة الأصنام فإقناعهم بإلوهية المسيح وإنه ابن الله ليس بالأمر الصعب، يقول يواكيم برنز "...بانضمام بولس تحررت المسيحية من الأفق الفلسطيني الضيق ومن القيود التي وضعها المسيح ضد التبشير بين الوثنيين" فيا ترى، من أين جاءت فكرة "ابن الله"؟ هذه الفكرة يهودية بحته وبيان ذلك قوله تعالى {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (التوبة:30) إذا تلك الفكرة كانت موجودة أصلاً في الفكر اليهودي فعلموا اليهود ببطلان تلك العقيدة ففرغوها في رؤوس الوثنيين، ومن هنا جاءت فكرة "ابن الله" ومن الملاحظ إن سيدنا المسيح عليه السلام لم يقل أبداً بأنه "ابن الله" حتى في الأناجيل اليوم المحرفة عند النصارة، فكل ما يمكن أن تجده قوله بأنه "ابن رجل" فأولوا النصارى كلمة "رجل" وقالوا إن المسيح قصد هنا "الله" - تعالى الله عما يقولون.

      إذاً، شهادة اسكندر جديد، بأن الإنجيل متواتراً وهو تحجج واهٍ، لأنه بدل أن يثبت تواتر الإنجيل عن عيسى عليه السلام - هذا إن وجد إنجيلاً ينسب إلى عيسى عليه السلام، قام وثبت تواتر الإنجيل عن بولس الذي وصف بالخائن عند المسيحيين أنفسهم.

      ثم، أن اليهود والنصارى لا يوجد عندهم سند متصل لكتاب من كتب العهد الجديد، فأنه لا بد لكون الكتاب سماوياً واجب التسليم أن يثبت أولاً بدليل تام أن هذا الكتاب كتب بواسطة نبياً ما، ووصل بعد ذلك إلينا بالسند المتصل بلا تغيير ولا تبديل، والاستناد إلى شخص ذي إلهام بمجرد الظن والوهم لا يكفي في إثبات أنه من تصنيف ذلك الشخص، وكذلك مجرّد ادعاء فرقة أو فرق لا يكفي فيه، فمن كتب العهد الجديد سوى الكتب المذكورة كتب جاوزت سبعين منسوبة إلى عيسى ومريم والحواريين وتابعيهم. والمسيحيون الآن يدّعون أن كلاً من هذه الكتب من الأكاذيب المصنوعة، واتفق على هذه الدعوى كنيسة ألكريك وكاثلك والبروتستنت، وكذلك السفر الثالث لعزرا منسوب إلى عزرا وعند كنيسة ألكريك جزء من العهد القديم ومقدس واجب التسليم. وعند كنيسة الكاثلك والبروتستنت من الأكاذيب المصنوعة، وأن كتاب باروخ وكتاب طوبيا وكتاب يهوديت وكتاب وزدم، وكتاب ايكليزيا ستيكس وكتابي المقابيين وجزء من كتاب استير، واجبة التسليم عند الكاثلك وواجبة الرد عند البروتستنت. فإذا كان الأمر كذلك فلا نعتقد بمجرد استناد كتاب من الكتب إلى نبي أو حواري أنه إلهامي أو واجب التسليم، وكذلك لا نعتقد بمجرد ادعائهم بل نحتاج إلى دليل، وإذا طلبنا من علمائهم الفحول السند المتصل فلا يقدروا عليه، ولذلك نطلب من اسكندر جديد أن يأتينا بالسند المتصل للتوراة والأناجيل، فهناك جزماً قاطعاً بأن كتب الإسناد لهم ليس فيها شيئاً غير الظن والتخمين، يقولون بالظن ويتمسكون ببعض القرائن، وإن الظن في هذا الباب لا يغني شيئاً، فقد قال تعالى {مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ} فما دام لم يأتوا بدليل شاف وسند متصل فمجرد المنع يكفينا، وإيراد الدليل في ذمتهم لا في ذمتنا، ولما كان التكلم على سند كل كتاب مفضياً إلى التطويل الممل فلا نتكلم إلا على سند بعض من تلك الكتب، فنقول وباللّه التوفيق:
    • أولاً: إن لا سند لكون هذه التوراة المنسوبة إلى موسى عليه السلام من تصنيفاته ويدل عليه أمور:

      1) أن تواتر هذه التوراة منقطع قبل زمان يوشيا بن آمون، والنسخة التي وجدت بعد ثماني عشرة سنة من جلوسه على سرير السلطنة لا اعتماد عليها يقيناً، ومع كونها غير معتمدة ضاعت هذه النسخة أيضاً غالباً قبل حادثة بختنصر، وفي حادثته اندثرت التوراة وسائر كتب العهد القديم عن صفحة العالم رأساً، ولما كتب عِزرا هذه الكتب على زعمهم ضاعت نسخها وأكثر نقولها في حادثة أنتيوكس.

      2) جمهور أهل الكتاب يقولون: إن السفر الأول والثاني من أخبار الأيام صنفهما عزرا بإعانة حجّي وزكريا الرسول عليه السلام، فهذان الكتابان في الحقيقة من تصنيف هؤلاء الأنبياء الثلاثة، وتناقض كلامهم في الباب السابع والثامن من السفر الأول في بيان أولاد بنيامين، وكذا خالفوا في هذا البيان هذه التوراة المشهورة بوجهين: الأول في الأسماء والثاني في العدد، حيث يفهم من الباب السابع أن أبناء بنيامين ثلاثة، ومن الباب الثامن أنهم خمسة، ومن التوراة أنهم عشرة، واتفق علماء أهل الكتاب أن ما وقع في السفر الأول غلط، وبينوا سبب وقوع الغلط: أن عزرا ما حصل له التمييز بين الأبناء وأبناء الأبناء، وأن أوراق النسب التي نقل عنها كانت ناقصة، وظاهرٌ أن هؤلاء الأنبياء الثلاثة كانوا متبعين للتوراة فلو كانت توراة موسى هي هذه التوراة المشهورة لما خالفوها ولما وقعوا في الغلط، ولما أمكن لعزرا أن يترك التوراة ويعتمد على الأوراق الناقصة، وكذا لو كانت التوراة التي كتبها عزرا مرة أخرى بالإلهام على زعمهم هي هذه التوراة المشهورة لما خالفها، فعلم أن التوراة المشهورة ليست التوراة التي صنفها موسى ولا التي كتبها عزرا، بل الحق أنها مجموع من الروايات والقصص المشتهرة بين اليهود وجَمعها أحبارُهم في هذا المجموع بلا نقد للروايات، وعلم من وقوع الغلط من الأنبياء الثلاثة أن الأنبياء كما أنهم ليسوا بمعصومين عن صدور الكبائر عند أهل الكتاب فكذلك ليسوا بمعصومين عن الخطأ في التحرير والتبليغ، وستعرف هذه الأمور في الشاهد السادس عشر من المقصد الأول من الباب الثاني.

      3) مَنْ قابل الباب الخامس والأربعين والسادس والأربعين من كتاب حزقيال بالباب الثامن والعشرين والتاسع والعشرين من سفر العدد وجد تخالفاً صريحاً في الأحكام، وظاهر أن حزقيال كان متبع التوراة فلو كانت التوراة في زمانه مثل هذه التوراة المشهورة لما خالفها في الأحكام، وكذلك وقع في التوراة في مواضع عديدة أن الأبناء تؤخذ بذنوب الآباء إلى ثلاثة أجيال، ووقع في الآية العشرين من الباب الثامن عشر من كتاب حزقيال: "النفس التي تخطئ فهي تموت والابن لا يحمل إثم الأب، والأب لا يحمل إثم الابن، وعدل العادل يكون عليه ونفاق المنافق يكون عليه" فعلم من هذه الآية أن أحداً لا يؤخذ بذنب غيره وهو الحق كما وقع في التنزيل {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}.

      4) مَنْ طالع الزبور وكتاب نحميا وكتاب أرميا وكتاب حزقيال جزم يقيناً أن طريق التصنيف في سالف الزمان كان مثل الطريق المروَّج الآن في أهل الإسلام، بأن المصنف لو كان يكتب حالات نفسه والمعاملات التي رآها بعينيه كان يكتب بحيث يظهر لنا كتابه أنه كتب حالات نفسه والمعاملات التي رآها، وهذا الأمر لا يظهر من موضوع من مواضيع التوراة بل تشهد عبارته أن كاتبه غير موسى وهذا الغير جمع هذا الكتاب من الروايات والقصص المشتهرة فيما بين اليهود، ميز بين هذه الأقوال بأن ما كان في زعمه قول اللّه أو قول موسى أدرجه تحت قال اللّه أو قال موسى، وعبر عن موسى في جميع المواضع بصيغة الغائب، ولو كانت التوراة من تصنيفاته لكان عبر عن نفسه بصيغة المتكلم ولا أقل من أن يعبر في موضع من المواضع، لأن التعبير بصيغة المتكلم يقتضي زيادة الاعتبار، والذي يشهد له الظاهر مقبول ما لم يقم على خلافه دليل قوي ومن ادعى خلاف الظاهر فعليه البيان.

      5) لا يقدر أحد أن يدعي بالنسبة إلى بعض الفقرات وبعض الأبواب أنها من كلام موسى بل بعض الفقرات تدل دلالة بينة أن مؤلف هذا الكتاب لا يمكن أن يكون قبل داود عليه السلام، بل يكون إما معاصراً له أو بعده. وعلماء المسيحية يقولون بالظن ورجماً بالغيب: إنها من ملحقات نبي من الأنبياء، وهذا القول مردود، لأنه مجرد ادعائهم بلا برهان، لأنه ما كتب نبي من الأنبياء في كتابه أني ألحقت الفقرة الفلانية في الباب الفلاني من الكتاب الفلاني، ولا كتب أن غيري من الأنبياء ألحقها، ولم يثبت ذلك الأمر بدليل آخر قطعي، ومجرد الظن لا يغني، فما لم يقم دليل قوي على الإلحاق تكون هذه الفقرات والباب أدلة كاملة على أن هذا الكتاب ليس من تصنيفات موسى عليه السلام.

      6) نقل صاحب خلاصة سيف المسلمين من أنسائي كلوبيدي يابيني "قال دكتر سكندر كيدس الذي هو من الفضلاء المسيحية المعتمدين في ديباجة البيبل الجديد: ثبت لي بظهور الأدلة الخفية ثلاثة أمور جزماً: الأول أن التوراة الموجودة ليست من تصنيف موسى، والثاني أنها كتبت في كنعان أو أورشليم، يعني ما كتب في عهد موسى، الذي كان بنو إسرائيل في هذا العهد في الصحارى، والثالث لا يثبت تأليفها قبل سلطنة داود ولا بعد زمان حزقيال، بل أنسبُ تأليفها إلى زمان سليمان عليه السلام، يعني قبل ألف سنة من ميلاد المسيح أو إلى زمان قريب منه، في الزمان الذي كان فيه هومر الشاعر، فالحاصل أن تأليفه بعد خمسمائة سنة من وفاة موسى" (خلاصة سيف المسلمين، ج10).

      7) قال تورتن من العلماء المسيحية: "إنه لا يوجد فرق معتد به في محاورة التوراة ومحاورات سائر الكتب من العهد القديم الذي كتب في زمان أطلق فيه بنو إسرائيل من أسر بابل، مع أن بين هذين الزمانين تسعمائة عامٍ، وقد علم بالتجربة أنه يقع الفرق في اللسان بحسب اختلاف الزمان، مثلاً إذا لاحظنا لسان الإنكليز وقسنا حال هذا اللسان بحال ذلك اللسان الذي كان قبل أربعمائة سنة وجدنا تفاوتاً فاحشاً، ولعدم الفرق المعتد به بين محاورة هذه الكتب ظن ليوسلن الذي له مهارة كاملة في اللسان العبراني أن هذه الكتب صنفت في زمان واحد" إذاً، وقوع الاختلاف في اللسان بحسب اختلاف الزمان بديهي فحكم تورتن وظن ليوسلن حريان بالقبول.

      8) في الباب السابع والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: "وتبنى هنالك مذبحاً للرب إلهَكَ من حجارة لم يكن مسها حديد وتكتب على الحجارة كل كلام هذه السنة بياناً حسناً" والآية الثامنة في التراجم الفارسية هكذا نسخة مطبوعة سنة 1839: "وبران سنكها تمامى كلمات إين توارت بحسن وضاحت تحرير نما" نسخة مطبوعة سنة 1845: "وبران سنكها تمامى كلمات إين توريت رابخط روشن بنويس" وفي الباب الثامن من كتاب يوشع أنه بنى مذبحاً كما أمره موسى وكتب عليه التوراة، والآية الثانية والثلاثون من الباب المذكور هكذا نسخة فارسية مطبوعة سنة 1839: "رانجا تورات موسى رابران سنكها نقل نمودكه ان رابيش روى بني إسرائيل به تحريراً ورد" نسخة فارسية مطبوعة 1845 "رانجابر سنكها نسخة توريت موسى راكه در حضور بني إسرائيل نوشته بودنوست" فعلم أن حجم التوراة كان بحيث لو كتب على حجارة المذبح لكان المذبح يسع ذلك، فلو كانت التوراة عبارة عن هذه الكتب الخمسة لما أمكن ذلك فالظاهر كما قلت في الأمر الرابع.

      9) قال القسيس تورتن: "إنه لم يكن رسم الكتابة في عهد موسى عليه السلام" إذاً المقصود من هذا الدليل أنه إذا لم يكن رسم الكتابة في ذلك العهد فلا يكون موسى كاتباً لهذه الكتب الخمسة، فأنقطع التواتر، وهذا الدليل في غاية القوة لو ساعد كتب التاريخ المعتبرة، ويؤيده ما وقع في التاريخ الذي كان باللسان الإنكليزي وطبع سنة 1850 في مطبعة جارلس دالين في بلدة لندن هكذا: "كان الناس في سالف الزمان ينقشون بميل الحديد أو الصفر أو العظم على ألواح الرصاص أو الخشب أو الشمع ثم استعمل أهل مصر بدل تلك الألواح أوراق الشجر بيبرس ثم اخترع الوصلي في بلد بركمس وسُوى القرطاس من القطن والإبريشم في القرن الثامن وسوى في القرن الثالث عشر من الثوب واختراع القلم في القرن السابع" انتهى كلام هذا المؤرخ لو كان صحيحاً عند المسيحيين فلا شك في تأييده لكلام تورتن.

      10) وقع فيها الأغلاط وكلام موسى عليه السلام أرفع من أن يكون كذلك، مثل ما وقع في الآية الخامسة عشرة من الباب السادس والأربعين من سفر التكوين هكذا: "فهؤلاء بنو إليا الذين ولدتهم بين نهر سورية، ودينا ابنتها، فجميع بنيها وبناتها ثلاثة وثلاثون نفساً" فقوله ثلاثة وثلاثون نفساً غلط، والصحيح أربعة وثلاثون نفساً واعترف بكونه غلطاً مفسرهم المشهور رسلي حيث قال: "لو عددتم الأسماء وأخذتم دينا صارت أربعة وثلاثون، ولا بد من أخذها كما يعلم من تعداد أولاد زلفا لأن سارا بنت أشير واحدة من ستة عشر" ومثل ما وقع في الآية الثانية من الباب الثالث والعشرين من سفر الاستثناء هكذا: "ومن كان ولد زانية لا يدخل جماعة الرب حتى يمضي عليه عشرة أحقاب" وهذا غلط، ولا يلزم أن لا يدخل داود عليه السلام ولا آباؤه إلى فارض ابن يهودا في جماعة الرب، لأن فارض ولد الزنا كما هو مصرح في الباب الثامن والثلاثين من سفر التكوين، وداود عليه السلام البطن العاشر منه، كما يظهر من نسب المسيح المذكور في إنجيل متى ولوقا، مع أن داود رئيس الجماعة والولد البكر للّه على وفق الزبور، ومثل ما وقع في الآية الأربعين من الباب الثاني عشر من سفر الخروج، وستعرف في الشاهد الأول من المقصد الثالث من الباب الثاني أنه غلط يقيناً.
    • ثانياً: لم يثبت بالسند الكامل أن الإنجيل المنسوب إلى يوحنا من تصنيفه، بل ههنا أمور تدل على خلافه:

      1) أن طريق التصنيف في سالف الزمان قبل المسيح عليه السلام وبعده كان مثل الطريق المروج الآن في أهل الإسلام، كما عرفت في الأمر الرابع من حال التوراة، وستعرف في الشاهد الثامن عشر من المقصد الثالث من الباب الثاني، ولا يظهر من هذا الإنجيل أن يوحنا يكتب الحالات التي رآها بعينه، والذي يشهد له الظاهر مقبول، ما لم يقم دليل قوي على خلافه.

      2) أن الآية الرابعة والعشرين من الباب الحادي والعشرين من هذا الإنجيل هكذا: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وكتب هذا ويعلم أن شهادته حق"، فقال كاتبه في حق يوحنا هذه الألفاظ: "هذا هو التلميذ الذي يشهد بهذا وشهادته" بضمائر الغائب، وقال في حقه تعلم على صيغة المتكلم، فعلم أن كاتبه غير يوحنا، والظاهر أن هذا الغير، وجد شيئاً من مكتوبات يوجنا، فنقل عنه مع زيادة ونقصان واللّه أعلم.

      3) أنه لما أنكر على هذا الإنجيل في القرن الثاني بأنه ليس من تصنيف يوحنا، وكان في هذا الوقت أَرينيوس الذي هو تلميذ يُوْليكارْب الذي هو تلميذ يوحنا الحواري موجوداً فما قال في مقابلة المنكرين: إني سمعت من يوليكارب أن هذا الإنجيل من تصنيف الحواري، فلو كان هذا الإنجيل من تصنيفه لعلم يوليكارب، وأخبر أرينيوس. ويبعد كل البعد أن يسمع أرينيوس من يوليكارب الأشياء الخفيفة مراراً، وينقل ولا يسمع في هذا الأمر العظيم الشأن مرة أيضاً، وأبعد منه احتمال أنه سمع لكن نسي، لأنه كان يَعْتبر الرواية اللسانية اعتباراً عظيماً، ويحفظها حفظاً جيداً. نقل يُوسِي بَيَس قول أرينيوس في حق الروايات اللسانية هكذا: "سمعت هذه الأقوال بفضل اللّه بالإمعان التام، وكتبتها في صدري لا على الورق. وعادتي من قديم الأيام أني أقرؤها دائماً" (تاريخ يُوسِي بَيَس، الباب 20 - الكتاب 5 - ص219، ط 1847م). ويستبعد أيضاً أنه كان حافظاً لكنه ما نقل في مقابلة الخصم، وعلم من هذا الوجه أن المفكرين أنكروا كون هذا الإنجيل من تصنيف يوحنا في القرن الثاني، وما قدر المعتقدون أن يثبتوه. فهذا الإنكار ليس بمختص بنا، وستعرف في جواب المغالطة الأولى أن سلسوس من علماء المشركين الوثنيين كان يصيح في القرن الثاني: بأن المسيحيين بدَّلوا أناجيلهم ثلاث مرات أو أربع مرات، بل أزيد من هذا تبديلاً كأنَّ مضامينها بدلت، وأن فاستس الذي هو من أعظم علماء فرقة ماني كيز كان يصيح في القرن الرابع: بأن هذا الأمر مُحَقق، أن هذا العهد الجديد ما صنّفه المسيحُ ولا الحواريون، بل صنفه رجل مجهول الاسم، ونسب إلى الحواريون، ورفقاء الحواريين ليعتبره الناسُ، وآذى المريدين لعيسى إيذاءً بليغاً بأن ألف الكتب التي فيها الأغلاط والتناقضات.

      4) "كتب اسْتادْلين في كتابه أن كاتب إنجيل يوحنا طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية بلا ريب" (كاتلك هرلد، ج7 ص205، ط1844م)، كيف لاستادْلين أن ينكر كون هذا الإنجيل من تصنيف يوحنا، وكيف يقول إنه من تصنيف بعض الطلبة من مدرسة الإسكندرية.

      5) أن المحقق برطشنِيدَر قال: "إن هذا الإنجيل كله، وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل صنّفها أحد في ابتداء القرن الثاني".

      6) قال المحقق المشهور كِرَوْتِيَس: "إن هذا الإنجيل كان عشرين باباً فألحق كنيسة افسس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا".

      7) أن فرقة ألوجين التي كانت في القرن الثاني كانت تنكر هذا الإنجيل وجميع تصانيف يوحنا.

      8) إن كثير من الآيات لا توجد في الترجمة السريانية، فلو كان لهذا الإنجيل سند لما قال علماؤهم المحققون وبعض الفرق ما قالوا، فالحق ما قال استادلين والمحقق برطشنيدر.

      9) توجد في زمان تأليف الأناجيل الأربعة روايات واهية ضعيفة بلا سند. يعلم منها أيضاً أنه لا سند عندهم لهذه الكتب. قال هورن: " الحالات التي وصلت إلينا في باب زمان تأليف الأناجيل من قدماء مؤرخي الكنيسة أبتر وغير معينة، لا توصلنا إلى أمر معين، والمشايخ القدماء الأولون صدقوا الروايات الواهية وكتبوها، وقَبِلَ الذين جاؤوا من بعدهم مكتوبهم تعظيماًلهم، وهذه الروايات الصادقة والكاذبة وصلت من كاتب إلى كاتب آخر وتعذر تنقيدها بعد انقضاء المدة" (تفسير هورن، باب 2 - القسم 2 - ج4، ط1811م). ثم قال في المجلد المذكور: "أُلِّف الإنجيل الأول سنة 37 أو سنة 38 أو سنة 41 أو سنة 43، أو سنة 48 أو سنة 61 أو سنة 62 أو سنة 63 أو سنة 64 من الميلاد. وألف الإنجيل الثاني سنة 56 أو ما بعدها إلى سنة 65، والأغلب أنه ألف سنة 60 أو سنة 63، وألف الإنجيل الثالث سنة 53 أو سنة 63 أو سنة 64، وألف الإنجيل الرابع سنة 68 أو سنة 69 أو سنة 70 أو سنة 97 أو سنة 98 من الميلاد". والرسالة العبرانيةُ، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يعقوب ورسالة يهودا، ومشاهدات يوحنا، وبعض الفقرات من الرسالة الأولى ليوحنا - إسنادها إلى الحواريين بلا حجة، وكانت مشكوكة فيها إلى سنة 363م: وبعض الفقرات المذكورة مردودة وغلط إلى الآن عند جمهور المحققين، وإنه لا يوجد في الترجمة السريانية. وردَّ جميع كنائس العرب الرسالة الثانية لبطرس، والرسالتين ليوحنا، ورسالة يهودا، ومشاهدات يوحنا، وكذلك تردها الكنيسة السريانية من الابتداء إلى الآن، ولا تسلمها، كما ستطلع عليها في الأقوال الآتية. قال هورن: "ولا توجد في الترجمة السريانية الرسالة الثانية لبطرس، ورسالة يهودا، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا، ومشاهدات يوحنا، ومن الآية الثانية إلى الآية الحادية عشرة من الباب الثامن من إنجيل يوحنا، والآية السابعة من الباب الخامس من الرسالة الأولى ليوحنا"، فمترجم الترجمة السريانية أسقط هذه الأشياء لعدم صحتها عنده" (تفسير هورن، ج2 ص206-207، ط1822م).

      10) جاء في إنجيل متى: "رأى إنساناً عند مكان الجباية اسمه متى" (متى 9:9) وهذا دليلاً قاطعاً على أن متى ليس الكاتب.

      فبعد إثبات عشرون دليلاً قاطعاً دامغاً، على وهن تواتر التوراة والإنجيل، ندعو الله أن يهدي من ضل عن سبيله. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. ربنا عاملنا بلطفك ورحمتك ما أبقيتنا، وتعطف علينا في عرصات الآخرة يا خير مأمول، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمين وآله الطاهرين وصحبه أجمعين من أتبع هداه إلى يوم الدين.

      كتبه أخوكم/ أبو إبراهيم الرئيسي (11 شوال 1422 هـ)

      المصادر والمراجع:
      1) تفسير متى، متى هنري.
      2) باباوات من الحي اليهودي، يواكيم برنز.
      3) تاريخ الكنيسة، لوريمر.
      4) حقيقة التبشير، أحمد عبدالوهاب.
      5) دراسات في الكتاب المقدس،
      6) إظهار الحق، لرحمة اللّه بن خليل الرحمن الهندي
      7) تاريخ يُوسِي بَيَس
      8) كاتلك هرلد.
      9) تفسير هورن
      10) عقيدة المسيح الدجال، للدكتور سعيد أيوب.