
ناصر بن خلفان البادي-
إن خدمة الناس ونفعهم عملٌ جميلٌ ورائعٌ، يدل على رقيِّ وكمال شخصية الإنسان، ويوفر للإنسان مزيدًا من الفرص لعبادة ربه والتقرب إليه، كما يفتح له أبوابًا من السعادة والهناء واسعة الحدود.. فخدمة الناس والسعي في حاجاتهم يعتبران من أكبر الأدلة على صدق تدين الإنسان لربه، كما أنها تعتبر أقوى رباط يربط الحياة بالاستمرار والبقاء، إلى جانب ما تحققه من خيرات وبركات واسعة على الفرد ومجتمعه، خصوصا حينما تكون الخدمة المقدَّمة من المسلم لإخوانه تتعلق بخدمة الدين وإعانة الناس على عبادة ربهم وإقامة فرائضه؛ وذلك كله حينما يلتزم المؤمن في خدمة الناس بالآداب الشرعية التي تحوِّل خدمته من عمل مرهق شاق إلى عمل أخلاقي راقٍ.
وتعتبر خدمة الناس وإسداء النفع لهم من أجل العبادات وأعظم القربات التي يتقرب بها المؤمن إلى ربه سبحانه. فهي التجسيد العملي الحي لثمرات العبادات التي يمارسها المسلم، وهي التطبيق الحقيقي للأخلاق التي يلتزم بها المؤمن، فإذا كانت ممارسة العبادة تنحو المنحى الشخصي في كثير من شعائرها؛ فإن الإحسان إلى الناس ونفعهم هو الوجه الاجتماعي للعبادات، وهو الفائدة والثمرة المرجوة من الممارسة الصحيحة لشعائر الدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مبينا هذه الحقيقة: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم"، فمهما كان إيمان الشخص وتدينه؛ فإن هذا الإيمان والتدين لا يصل إلى أعلى درجاته، ولا يحقق خيريته، إلا بمخالطة الناس وابتغاء الإحسان إليهم والصبر على ما يصدر منهم. قال ابن عباس رضي الله عنهم: "لأن أمشي في حاجة أخي خير لي من أعتكف في هذا المسجد شهرا".
وبجانب أهمية خدمة الناس من ناحية التطبيق الحي للتدين فإنها أيضا مهمة من ناحية نجاح الحياة وسيرها بالصورة الصحيحة؛ فالحياة البشرية لا يمكن أن تمضي وتقوم إلا بتعاون الناس وخدمتهم بعضهم بعضا، فلا يمكن لأي إنسان أن يقوم بأعباء الحياة لوحده، كما لا يمكنه أن يحقق كل ما يريد من الخدمات بدون الاستعانة بغيره، فالحياة الاجتماعية كالأسرة الواحدة، كل فرد فيها محتاج إلى الآخرين حتما. والإنسان كما هو مطلوب منه أن يخدم الآخرين، فكذلك يطلب من الآخرين مساعدته والوقوف معه. فالعملية متبادلة بين الفرد ومجتمعه، ولا يمكن للحياة أن تهنأ وتسعد وتستمر إلا بنجاح هذه العملية من كلا الطرفين، ومحافظة كل طرف على إبقاء هذه العملية مستمرة قوية صلبة راسخة.
.. إن حرص الإنسان على خدمة الآخرين يوفر له مزيدًا من الخيرات والبركات والسعادة في حياته وفي آخرته؛ فقيام الإنسان على حاجات أصحاب الحاجة يجعله قريبا وحبيبا إلى ربه، يعينه ويسدده. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة"، وقال: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه"، وقال: "من ولاه الله شيئا من أمور المسلمين، فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره يوم القيامة". كما يجعله قريبا وحبيبا إلى الخلق، يسعون لرد المعروف إليه، ويوفرون له الدعم النفسي والروحي في حياته، فقد أثبت عدد من الدراسات أن الإحسان إلى الناس وخدمتهم يوفر للإنسان شعورا بالإنجاز والثقة بالنفس، كما يعطيه راحة وسعادة داخلية غامرة، ويشعره أنه محبوب ومقبول في مجتمعه. وبجانب ذلك تلك المنزلة العالية والوسام الكبير الذي يمنحه الإسلام للذي يخدم الناس، وهو وسام الخيرية والتميز والإجادة في الدين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس". وفوق هذا وذاك الأجر العظيم الذي يسجله الإنسان في صحائفه ليلقى الله تعالى وهو عنه راضٍ.
.. إن أسمى وأعلى درجات خدمة الناس هي إعانتهم على إقامة شعائر دينهم، وتحقيق عبوديتهم لله سبحانه. فإرشاد الناس وتوعيتهم ووعظهم وتعليمهم وتبصيرهم بدينهم وأخلاقهم خدمة جليلة وهي وظيفة الأنبياء الكرام في إخراج الناس من الظلمات إلى النور. وعمارة بيوت الله تعالى والقيام على شؤونها لإقامة أعلى ركن في الإسلام وهي الصلاة يعتبر من أكبر الخدمات للناس. ورعاية شؤون الأوقاف التي يصرف ريعها على إعزاز الدين وخدمة المسلمين من أشرف المنافع المقدمة للأمة. وتولي إقامة فريضة الزكاة وإعانة الناس على إخراجها وتصريفها في وجوهها من صميم التدين والحرص على إقامة الفرائض. وخدمة حجاج بيت الله الحرام وترتيب أمورهم وتسهيل إجراءاتهم من أقدس المنافع وأقربها إلى الله سبحانه. وهكذا فإننا نجد أن خدمة الناس في مجال عبادة ربهم وإقامة دينهم، والاستماع إليهم، واللقاء بهم، وتخصيص أوقات لمعرفة متطلباتهم والسعي إلى تحقيقها، يعتبر عملًا دينيًّا إيمانيًّا مباركًا ساميًا وشريفًا بشرف الميدان الذي يسعى لخدمة الناس فيه وهو إعزاز الدين ورفعة قدره.
ولكي تؤتي عبادة خدمة الناس ثمارها اليانعة التي نتحدث عنها على الفرد أو المؤسسة أو الأمة فقد وضع دين الرحمة لها أسسا وآدابا تحوِّلها من عمل روتيني مرهق وشاق إلى عمل أخلاقي ممتع سام رائع مثمر. ومن أهم تلك الأسس والآداب أن يبتغي الإنسان بخدمته لغيره وجه الله تعالى ومرضاته، فهذا يجعل خدمة الشخص للآخرين مستمرة لأنه يعتبرها عبادة لله. ومن الأسس أن يصحب الذي يخدم الناس خدمته بحسن القول وطيب الوجه والتلطف بالناس، وألا يربط بين خدمته للناس وبين المن عليهم أو طلب العوض منهم، فهذا يجعل الخدمة المقدمة راقية وصاحبها راقيا. ومن الآداب كذلك الصبر والتحمل والحلم، فخدمة الناس يخالطها في أحيان كثيرة كثير من الإزعاج والتطاول من قبلهم. ومن الأسس المهمة التي يجب أن يتحلى بها الإنسان أو الموظف الذي يقدم خدمات للناس هي أن يحسن القول للناس في حالة عدم قدرته على القيام بحاجتهم، فيردهم ردا لطيفا، ويرشدهم إلى من يساعدهم غيره، وألا يغلظ على من قصده في حاجة ليست من اختصاصه أو في حدود صلاحياته، قال الله تعالى: "قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى".
وهكذا؛ فإن تقديم الخير للناس هو من صميم عقيدة المسلم وصلته بربه، خاصة إذا كان في خدمة الدين: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله". وهذا الخير الذي يسديه لغيره يحقق له ولمجتمعه هناء العيش وطيب الحياة إذا التزم فيه بما يرضي الله تعالى، "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون".