من ضمن الذين غيبهم الموت في العام المنصرم ثلاثة من أهم اصدقائي، الذين لم ألتق بهم يوما ولم يعلموا بوجودي طبعا، لكنني عايشت الكثير من تجاربهم وذكرياتهم من خلال كتاباتهم ومحاضراتهم التي كان لها تأثير كبير على حياتي في العقود الأخيرة، ولا ابالغ حين اقول ان الكتاب هم أقرب الاصدقاء إذ ان هذا واقعا عايشته طوال حياتي، فمنذ سنوات طفولتي الأولى والكتاب هو صديقي الذي لا يفارقني، هو ملجأي عندما تهاجمني الوحدة، وهو مصدر الترفيه عندما تضيق بي الدنيا، ومصدر الدعم والمساندة، مع الكتب رسمت أجمل أحلامي، ومعها سافرت القارات حتى قبل ان أعرف السفر الحقيقي الذي تحول هو الاخر إلى عشق ينافس عشق القراءة عندي، كل ما تعلمته في حياتي والكثير مما حققت كان بفضل هؤلاء الأصدقاء المجهولين الذين كنت أتجرع خبراتهم وتجاربهم طوال سنوات عمري، سواء كانوا أدباء في مراحل حياتي المبكرة أو خبراء تنمية بشرية في السنوات الأخيرة، ولعل أكثر هذه الشخصيات تأثيرا على حياتي كان الراحل ستيفن كوفي بكتابه (العادات السبع لأكثر الناس فعالية) والذي اطلعت عليه قبل أن يكتسح موج تطوير الذات العالم العربي بسنوات طويلة، وكان ذلك عند صدوره الأول في عام 1989، في تلك السن المبكرة لم يعجبني ما كان ستيفن كوفي يكتب، فقد جاء يناقض ما كنت اسعى لتعلمه في تلك الفترة عن النجاح الذي كان يمثل لي المال والشهرة والمنصب الوظيفي، لكن كوفي كان يقول بأن هذه الامور ثانوية للغاية، وأن المال لا يجب أن يكون هدفا بحد ذاته، هجرت الكتاب سنوات طويلة واستمريت في رحلة السعي وراء (النجاح) بمفهومي أنا، لكن كثرة الحديث عن الكتاب في السنوات الأخيرة دفعني إلى اللجوء إلى مكتبتي بحثا عنه، وكنت قد تجاوزت مرحلة الشباب، وانطفأ ذلك الحماس لتغيير الكون، وفتحت الكتاب بعد أن طحنتني الحياة وعلمتني التجارب، وكانت قراءة مختلفة تماما عن قراءتي الأولى له، قرأت الكتاب مرارا كما قرأت العادات السبع ملخصة على يد الكثيرين، لكن ما تعلمته على يد ستيفن كوفي شيئين اثنين فقط، غيرا حياتي إلى الأبد، وقلبا كل الموازين عندي، صحيح أن ما كان ينادي به ستيفن كوفي طوال حياته هو ضرورة الرجوع إلى الأمور المعنوية كالقرب من الله والاسس الأخلاقية المتينة والمبادئ والقيم التي لا تكتمل الحياة إلا بها، إلا أن ما أثّر فيّ أكثر من أي شيء آخر هو تمرين الجنازة الذي طبقته ضمن مجموعة أخرى من التطبيقات الواردة في الكتاب، ولعل الكثيرين منكم مر بهذا التمرين في كثير من كتب تطوير الذات والمحاضرات، لكني شخصيا تعرفت عليه من خلال كتاب ستيفن كوفي، أدركت وأنا أنهي التمرين ان سعادتي ليست في المنصب والثراء المادي حتما، وانني لا أريد أن يذكر المعزون عند وفاتي مسماي الوظيفي وثروتي المادية، لكن أردت أن اسمع الناس تتحدث عن سيرتي العطرة وعن سمو أخلاقي وما تركته من اثر يذكر من بعدي، لهذا قمت بعمل التمرين الآخر الذي غير مسار حياتي بشكل جذري وكان وراء هذا النشاط الكتابي والمحاضرات التي أقوم بها في السنوات الأخيرة، وهو مبدأ الرؤية والرسالة التي شدد عليها كثيرا كوفي في كتابه وجعلها البداية والاساس للحياة الكريمة الناجحة والسعادة الحقيقية، وقد فسر لي هذا التمرين السبب الذي كنت غير قادرة على الاستمرار في أي خطة أبدأُها، وسبب عدم سعادتي بالأحلام التي سعيت لها عندما تحققت، في هذا التمرين ينصح ستيفن كوفي القارئ أن يبدأ بصياغة رؤية لحياته كيف يريدها ان تكون، سواء كانت حياته الأولى أو الاخرة، ويضع لنفسه رسالة مستمدة من هذه الرؤية ثم يخطط كل حياته حول هذه الرؤية والرسالة، وكان مفهوما قلب الموازين عندي فعلا، وساعدني على التعرف على ذاتي بشكل لم أحلم به على الاطلاق، وترتيب أولوياتي تبعا لهذا الاكتشاف، لذا اشعر أنني مدينة لستيفن كوفي بالكثير فعلا، فله ولكتاباته يرجع الفضل في حالة الرضا والسعادة التي أعيشها اليوم! مات كوفي لكنه سيعيش عقودا طويلة بفضل ما ترك من انتاج فكري ساهم في تغيير حياة الملايين من البشر والمؤسسات حول العالم، إذ أن كتابه هذا فقط بيع منه ما يزيد عن 25 مليون نسخة حول العالم، وترجم إلى عدة لغات، ويعتبر الكتاب الاكثر تأثيرا في مجال الادارة والأعمال، ومات كوفي كما رسم لنفسه محاطا بزوجته وأولاده وأحفاده وهو بكامل صحته ولياقته وبعد ان حقق الرؤية التي رسمها لنفسه والتي ألهمت الملايين من البشر
المصدر : مدونة ابداعات قلم