جميع مافي هذا الموضوع هو لشيخي الفاضل عبدالله السعد حفظة الله من كتابه في حال حماد بن سلمة من دون تصرف لتعم الفائدة
تحقيق القول في حديث حماد بن سلمة
حماد بن سلمة هو ابن دينار البصري، وقد اختلف في ولائه.
يكنى بأبي سلمة، ت 167هـ.
علق له البخاري حديثاً([1])، واحتج به مسلم عن ثابت خاصة.
قال أبو عبدالله الحاكم: (لم يخرج مسلم لحماد بن سلمة في الأصول، إلا من حديثه عن ثابت، وقد خرّج له في الشواهد عن طائفة).
وقال أبو بكر البيهقي: (هو أحد أئمة المسلمين، إلا أنه لما كبر ساء حفظه، فلذا تركه البخاري، وأما مسلم فاجتهد وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ اثني عشر حديثاً أخرجها في الشواهد) ([2]).
وقال ابن رجب: (ومع هذا فقد خرّج مسلم في صحيحه لحماد بن سلمة عن أيوب وقتادة وداود بن أبي هند والجريري ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يخرج حديثه عن عمرو بن دينار، ولكن إنما خرج حديثه عن هؤلاء فيما تابعه عليه غيره من الثقات، ووافقوه عليه، لم يخرج له عن أحد منهم شيئاً تفرد به عنه، والله أعلم) ([3]).
وأخرج له أصحاب السنن والمسانيد، ومن خرج في الصحيح كابن خزيمة وابن حبان، وقد صحح له الترمذي أحاديث كثيرة من غير روايته عن من قُدّم فيهم.
فهو أحد الأئمة الأعلام، وكان إمام أهل البصرة في زمانه، ومحدثها وفقيهها، حتى قال علي بن المديني: (من تكلم في حماد بن سلمة فاتهموه في الدين)([4]).
إلا أن له بعض الأوهام.
ولذا اختلف الحفاظ في الحكم على حديثه، على قولين:
القول الأول: توثيقه مطلقاً.
القول الثاني: التفصيل في حديثه.
وأما القول بتضعيفه مطلقاً، فلم أره عن أحدٍ من الحفاظ المتقدمين([5]).
فأما الذين وثقوه مطلقاً؛ فمنهم:
- ابن مهدي فقد أثنى عليه ثناءً عاطراً ولم يفصل في حديثه.
- وابن معين فقد قال: ثقة.
- والعجلي فقال: ثقة، رجل صالح، حسن الحديث. وقال: إن عنده ألف حديث حسن ليس عند غيره.
- وهذا هو اختيار أبو حاتم ابن حبان فقد ذكره في الثقات([6]) وقال: (وكان من العباد المجابين الدعوة وكان ابن أخت حميد الطويل، حميدٌ خاله، ولم ينصف من جانب حديثه واحتج بأبي بكر بن عياش في كتابه، وبابن أخي الزهري، وبعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، فإن كان تركه إياه لما كان يخطىء؛ فغيره من أقرانه -مثل الثوري وشعبة ودونهما- كانوا يخطئون، فإن زعم أن خطأه قد كثر من تغيّر حفظه؛ فقد كان ذلك في أبي بكر بن عياش موجوداً، وأنى يبلغ أبو بكر حماد بن سلمة ولم يكن من أقران حماد مثله بالبصرة في الفضل، والدين، والعلم، والنسك، والجمع، والكتبة، والصلابة في السنة، والقمع لأهل البدعة، ولم يكن يثلبه في أيامه إلا قدري، أو مبتدع جهمي؛ لما كان يظهر من السنن الصحيحة التي ينكرها المعتزلة، وأنى يبلغ أبو بكر بن عياش حماد بن سلمة في إتقانه أو في جمعه أو في علمه أو في ضبطه) ([7]) .
وأما الذين فصلوا في حديثه؛ فمنهم:
- وعلى رأسهم يحيى بن سعيد القطان، فقال: (حماد بن سلمة عن زياد الأعلم وقيس بن سعد ليس بذاك). ثم قال: (إن كان ما حدث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء، ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ، عن ثابت، وهذا الضرب) ([8]). قال ابن عدي: يعني أنه ثبتٌ فيها ([9]).
- وعلي بن المديني، فقد قال: (هو عندي حجةٌ في رجال، وهو أعلم الناس بثابت البناني وعمار بن أبي عمار) ([10]).
- وهو قول أحمد، فقد وثقه في روايةٍ عنه، وفصّل في حديثه في روايات أُخر، والمطلق يحمل على المقيد، وسيأتي نقل كلامه.
- وكذا يعقوب بن شيبة، وسيأتي نقل كلامه.
فصلٌ
في أقسام حديث حماد بن سلمة
لقد ذهب القائلون بالتفصيل في حال حماد بن سلمة؛ إلى تقسيم حديثه باعتباراتٍ متعددة:
الاعتبار الأول: من جهة شيوخه.
الاعتبار الثاني: من جهة الرواة عنه.
الاعتبار الثالث: من جهة حديثه.
الاعتبار الأول: من جهة شيوخه، وهم على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من ثُبّت في الرواية عنهم، وقُدّم فيهم.
القسم الثاني: من لم يُقدم فيهم، ولَم يتكلم في روايته عنهم خاصة.
القسم الثالث: من تُكلم في روايته عنهم خاصة.
القسم الأول: من ثُبّت في الرواية عنهم، وقُدّم فيهم:
لقد أُثني على حمادٍ في روايته عن خمسةٍ من شيوخه:
1- على رأسهم: ثابت البناني؛ فإن حماداً أثبت الناس فيه بالاتفاق.
قال الإمام مسلم([11]): (اجتماع أهل الحديث من علمائهم؛ على أن أثبت الناس في ثابت البناني: حماد بن سلمة، وكذلك قال يحيى القطان، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أهل المعرفة).
2- حميد الطويل؛ وتقدم في كلام ابن حبان أنه خالٌ لحماد.
قال الإمام أحمد([12]) -في رواية الأثرم-: (لا أعلم أحداً أحسن حديثاً عن حميدٍ من حماد بن سلمة، سمع منه قديماً، يروي أشياء مرة يرفعها، ومرة يوقفها). قال: (وحميد يختلفون عنه اختلافاً شديداً).
قلت: قوله: مرة يرفعها ومرة يوقفها، دليلٌ على ضبط حديثه.
وقال -في رواية أبي الحارث-: (ما أحسن ما روى حمادٌ عن حميد).
وقال -في رواية أبي طالب-: (حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد، وأصح حديثاً).
وقال أيضا -في روايته-: (حماد بن سلمة أثبت الناس في حميد الطويل، سمع منه قديماً، يخالف الناس في حديثه) يعني في حديث حميد.
قلت: قوله (يخالف الناس في حديثه)، يعني: يرويها على الوجه الصحيح، بخلاف غيره.
وقال يحيى بن معين: (حماد بن سلمة أعلم الناس بحديث حميد)([13]).
3- علي بن زيد بن جدعان.
قال أبو حاتم: (حماد بن سلمة في ثابت وعلي بن زيد أحب إليّ من همام، وهو أضبط الناس وأعلمه بحديثهما بين خطأ الناس، وهو أعلم بحديث علي بن زيد من عبد الوارث) ([14]).
قال ابن رجب([15]): (حديثه عن علي بن زيد بن جدعان، هو حافظ له).
وقال عن حماد: (من أثبت الناس في شيوخه الذين لزمهم، كثابت البناني، وعلي بن زيد).
4 ، 5 - محمد بن زياد البصري، وعمار بن أبي عمار.
ورواية حماد عنهما قريبة من السواء، ولعل روايته عن محمد بن زياد تقدم؛ قال أحمد -في رواية علي بن سعيد-: (محمد بن زياد صاحب أبي هريرة ثقة، وأجاد حماد بن سلمة الرواية عنه) ([16]).
وقال شعبة: (كان حماد بن سلمة يفيدني عن محمد بن زياد) ([17]).
وقال ابن أبي حاتم: (حدثنا صالح بن أحمد بن محمد بن حنبل، نا علي يعني ابن المديني، قال: سمعت يحيى يعني ابن سعيد القطان قال: قال شعبة: كان حماد بن سلمة يفيدني عن عمار بن أبي عمار) ([18]).
وقال يعقوب بن شيبة: (حماد بن سلمة ثقة في حديثه اضطراب شديد، إلا عن شيوخٍ فإنه حسن الحديث عنهم، متقن لحديثهم، مقدم على غيره فيهم، منهم ثابت البناني وعمار بن أبي عمار) ([19]).
· لم قُدّم حماد في هؤلاء الشيوخ؟
لأمور:
أولاً: سماعه من بعضهم في حال الصغر، وهم كبار شيوخه، وهذا أدعى لضبط حديثه:
فقد قال حماد: (كنت إذا أتيت ثابت البناني وضع يده على رأسي ودعا لي) ([20]).
قلت: وهذا يدل على صغره حال مجيئه إلى ثابت.
وقال أيضاً عن خاله حميد: (ربما أتيت حميداً فقبّل يدي) ([21]).
قلت: وتقبيله ليد ابن أخته يدل على صغر سنه.
ولعل الباقين كذلك، قال الإمام أحمد -في رواية الأثرم-: (حماد بن سلمة إذا روى عن الصغار أخطأ).
وأشار إلى روايته عن داود بن أبي هند([22]).
قلت: قوله (الصغار)، يعني: شيوخه الصغار.
وتقدم قول يحيى القطان: (إن كان ما حدث به حماد بن سلمة عن قيس بن سعد؛ فليس قيس بن سعد بشيء، ولكن حديث حماد بن سلمة عن الشيوخ، عن ثابت، وهذا الضرب).
قلت: قوله (عن الشيوخ)، يعني: شيوخه الكبار([23]).
ثانياً: قُربه من بعضهم، كحالِ حميدٍ معه، والخؤولة مظنة قوة العلاقة، وكثرة المخالطة، وبالتالي ضبط حديثه والرواية عنه.
ثالثاً: أنهم من بلده، فجميعهم بصريون([24])، وغالباً ما يكون حديث الرجل عن أهل بلده أضبط من حديثه عن غيرهم. والله أعلم.
القسم الثاني: من لم يُقدّم فيهم، ولَم يتكلم في روايته عنهم خاصة:
تقدم لنا أن بعض الحفاظ تكلم في حماد إلا من استثناهم، كثابت وغيره.
فهذا يفيد أن حديث حماد قسمين:
الأول: من قُدّم في الرواية عنهم.
والثاني: بقية شيوخه
ولكن الأولى جعلُ قسمٍ بين القسمين؛ لأن هناك من شيوخه من تُكلم في روايته عنهم خاصة، وهم القسم الآتي.
لايضيع من له أب فكيف يضيع من له رب