مقاربات غير دقيقة في مسألة التباين مع الغرب

    • مقاربات غير دقيقة في مسألة التباين مع الغرب

      الوطن -

      عبد الله بن علي العليان:



      استوقفني منذ فترة موضوع في مطبوعة عربية مهاجرة لأحد الأكاديميين ، حمل عنوان [ صعوبات الحوار بين الإسلام والغرب]. توقعت أن أجد فيها طرحا معقولا وعادلا في هذه القضية الشائكة الملتبسة من نواح شتى , لكن ظنوني خابت عندما وجدت أن ما طرحه الكاتب يتقاطع مع المشكلة نفسها وفي كيفية تحليل خلفيات العداء وخطابات الجفاء بين الإسلام والغرب حيث عقد مقارنة غير عادلة بين كتابات بعض المسلمين المعادية للغرب وبين دعوات الصراع والمناطحة التي يطرحها بعض المفكرين والباحثين الغربيين وهي مقارنة غير دقيقة للعلاقة التاريخية مع الغرب بمشكلاتها وظروفها.

      فقد عقد - كاتبنا- مقارنة غريبة بين آراء العلامة أبو الأعلى المودودي في كتابه[ نحن والحضارة الغربية] وسيد قطب في كتابيه [ المستقبل لهذا الدين ] و [ معالم في الطريق] وبين كتاب صموئيل هنتنغتون [ صدام الحضارات] وخلص في طرحه بقوله: " نحن نقوم هنا بمواجهة نص بنص , خطاب بخطاب , خطاب المودودي بخطاب هنتنغتون وهما خطابان يتبادلان الحقد ويغذيان الجفاء المتبادل"!.

      والمتابع الحصيف يدرك أن المقارنة هنا خاطئة زمانيا وفكريا والظروف التي كتب فيه المودودي هذا الكتاب لا يمكن , بل من المستحيل أن نعقد بينه وبين كتاب [ صدام الحضارات ] لصموئيل هنتنغتون أي مقارنة سواء في المنهج أو المحتوى. فالمودودي كتب مباحث كتابه والهند ما زالت مستعمرة بريطانية [ وقبل انفصال باكستان عنها] وبعض فصول هذا الكتاب هو عبارة عن محاضرات ألقيت في عام 1936 . وهي الفترة التي يحاول الهنود [ المسلمون والهندوس والملل الأخرى] التخلص من الاستعمار الفكري والعسكري , وهو ما يعني أن رفض المشروع الحضاري الغربي رهان شديد الوطأة على نفوس أصحابه ويتطلب ذلك أن تهاجم الفكرة المخالفة وإبراز مثالبها وعيوبها وربما المبالغة أحيانا في سلبيات هذه العيوب , وهذه سمة منهجية معروفة في زمن الأزمات.

      وعندما يقول المودودي أن الحضارة الغربية على أبواب الانتحار _ وأنها حضارة مغالية في طابعها المادي _ فإن المودودي لم يخترع هذه المقولة القاتمة للغرب , ولا هذه الإشارة المادية الخالصة للتقدم الأوروبي في بعض الجوانب , فهذه النظرة سبق أن قالها مفكرون غربيون من أمثال شبنجلر وتوينبي والكسيس كاريل وغيرهم الذين تحدثوا عما أسموه بانهيار الحضارة الغربية وإنها في طريقها الى الافول .. بل أن الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا دعا الحضارة الغربية منذ سنوات قلائل إلى استمداد العون من الحضارة الإسلامية الروحية في محاضرته في " ويلتون بارك " بلندن بسبب الطابع المادي لحضارة الغرب . فالذي قاله - المودودي - في هذه القضية ليست بدعا من القول بل هو ترديد لما قاله بعض مفكري الغرب وساسته.

      ومع ذلك فان المودودي كما يقول - د / محمد عمارة -" لم يكن صاحب موقف " متعصب " من الحضارة الغربية بكل جوانب إبداعها , ولم يكن ذا عقل منغلق دون الاستفادة من إنجازاتها العلمية والعالمية " بل إنه دعا إلى التفاعل مع ميراث الأمم الأخرى بقوله " فأي أمة في الأرض إذا وجدنا في تاريخها أو نظمها الاجتماعية أو أخلاقها درساً نافعاً من الواجب أن نأخذه منها ، ومن الواجب أن نستقصي أسباب رقيها وازدهارها بكل دقة وتمحيص ، ونأخذ منها ما نراه ملائماً لحاجاتنا وظروفها ، لأن هذه الأمور إرث مشترك بين الإنسانية". لكن الفرق الذي لم يدركه ـ كاتبنا الكريم ـ أن آراءه الأخيرة هذه قالها بعد استقلال الهند من الاستعمار الإنجليزي وانفصال باكستان عنها وصياغة الدستور لدولة الباكستان الإسلامية.

      أما صموئيل هنتنغتون فإن أطروحته التي ضمنها في كتابه [ صراع الحضارات وإعادة وضع النظام الدولي] وما أسماه بالحدود الدموية للإسلام وخطر الإسلام على الحضارة الغربية وغيرها من المقولات. فإن هناك بوناً شاسعاً ومفاصلة زمنية هائلة بين فكرة المودودي عن الغرب وأطروحة هنتنغتون عن الإسلام.

      هنتنغتون أطلق صيحة التحذير من مخاطر الإسلام على الحضارة الغربية والولايات المتحدة على قمة العرش العالمي بلا منافسة تذكر بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ، لكن الدول الإسلامية تعاني ما تعانيه من التخلف والشرذمة والتفرق ، ولذلك فإن مقولات مخاطر الإسلام على الغرب غير صحيحة بمقاييس الواقع وظروفه.

      لكن المودودي عندما يحذر من مخاطر الحضارة الغربية على الإسلام فإن المسلمين في ذلك الوقت كانوا يعانون من الاستعمار وقهره واستبداده ، فهل يعاني الغرب الآن من استبداد المسلمين وظلمهم وقهرهم ؟!

      المودودي ينتمي إلى الفضاء الأيديولوجي ـ كما قال هذا الكاتب ـ وهذا يعني أن المودودي محكوم عليه سلفاً وفق المعايير الغربية بالنظرة السطحية الضيقة وغير العادلة منطقاً. أما هنتنغتون فإنه ينتمي إلى الفضاء الليبرالي والانفتاح الديمقراطي والمقاييس البحثية الأكاديمية التي تلاقي التقدير في أوساط الجامعات والمؤسسات العلمية.

      بعض أفكار المودودي وكتاباته مطاردة وغير مرغوب فيها في بعض الأوساط السياسية الإسلامية ، لكن أطروحات هنتنغتون تلاقي قبول السياسيين الغربيين وتقديرهم وبعض هذه الأطروحات نسجت ـ كما قيل ـ بإيعاز من بعض المؤسسات الرسمية.

      والغريب أن الكاتب أشار إلى كتابي سيد قطب [ المستقبل لهذا الدين ] و [ معالم على الطريق ] ووضعهما في السياق نفسه [ نص بنص ] ومع اختلافنا مع الأفكار المطروحة في هذا الكتاب، فإن هذا الكتاب يناقش قضية " الحا كمية " "والجاهلية" في السياق الفكري الإسلامي و لا صلة له لا بالصراع الحضاري ولا بالجفاء التاريخي مع الغرب ، وقد رد الكثيرون من العلماء والباحثين من المسلمين أنفسهم ينقدون بعض ما قاله في هذه القضية .أما كتاب [ المستقبل لهذا الدين ] فإن الفكرة العامة لمضمونه تستقي من العنوان نفسه . و لا أدري لماذا يحق لـ فرانسيس فوكوياما أن يقول بـ [ نهاية التاريخ ] عند الحضارة الغربية الرأسمالي ،وقد قالها قبل فرانسيس فوكوياما ،فريدريك هيجل وكارل ماركس ، و لا يحق لغيره القول نفسه ولا تنطبق عليهم نفس المعايير والمقاييس .. ولا يتهم بتغذية الصراع والصدام ؟

      إن قضية الجفاء مع الغرب تتطلب معايير عادلة بدون استدعاء التاريخ ، وأرشيف الذكريات الأليمة ، وبدون توظيف المقولات المتبادلة في أزمان مختلفة ، إذا ما أردنا لصعوبات الحوار أن تتلاشى بالصيغة المقبولة والإيجابية من كل الأطراف المتحاورة شريطة أن يكون الغرب منصفا للعرب والمسلمين ولا يتهموا بالإرهاب بصورة تعميمية ومستفزة في الوقت الذي تنعت أعمال إسرائيل الإرهابية بأنها دفاع عن النفس، وهى مغتصبة لأرض فلسطين والقامعة لأهلها بالتدمير والهدم ، ولذلك فان الحوار الإيجابي المطلوب بين الإسلام والغرب لن يكون ناجحا إلا بالمعايير الصحيحة والنظرة الندية المتكافئة بين الأطراف المتحاورة.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions