الخيار الآمن للأمة

    • الخيار الآمن للأمة

      الوطن -

      سعود بن علي الحارثي:



      هل صحيح بأن العرب ما زالوا أسرى لماض غربت شمسه ولم تعد تربطهم به إلا روابط النسب المتباعد برجالات رحلوا عن الحياة بما حصدوا من زاد الدنيا , وتاريخ يتفق رواته في بعض ما سطرته صفحاته ويختلفون في صفحات كثيرة على ما تضمنته من قصص ووصف للأحداث وسيرة للشخصيات الفاعلة؟ تاريخ كتبته أقلام منصفة أخلصت ووفت وكانت على قدر من المسئولية لتاريخ أمتها , وآخر لم يكن إلا نتاجا للصراعات والسياسات والتحزبات والمذهبيات كل يوجهه إلى الوجهة التي تخدم مصالحه وتحقق أهدافه وتعلي من شأنه وتعزز موقعه ومكانته , ولا ينسحب ذلك على التاريخ وحده بل يتعداه إلى الإنتاج الثقافي والفكري والديني والتراثي الذي لم يسلم من المواجهات ومن التعصب ومن تحكم العاطفة ومشاعر من وضعوه وألفوه وقدموه للأجيال اللاحقة ومن انزلاقات الهوى فوقع في فخ التناقضات وخرج عن خط الرصانة والواقعية .. هل تستمد علاقتنا المتنامية بالماضي قوتها من صورة الحاضر القاتمة التي تعكر صفو الحياة وتضعنا أمام متناقضات واسعة في التفكير والسلوك وشكل العلاقة مع الآخر وآلية التعامل مع مفردات وعناصر تراث متداخل ومتشابك بين العام والخاص ، العربي والإسلامي , بين التعليمات والنصوص الدينية والممارسات والعادات المجتمعية التقليدية , والذي تتعدد قراءاته وتتباين صوره الكثيفة وكثيرا ما تخرج نتائج تلك القراءات بالمغالطات والمتناقضات وسوء الفهم , وهو ما يضعنا أمام قطيعة في المقابل مع سمات الحاضر وأنماطه وملامحه العامة؟ فتقتصر مشاركتنا مع مجتمعاته وأقطاره في متابعة المستجدات والأحداث المفروضة علينا واستهلاك المنتجات المستوردة والأفكار والثقافات الموجهة والتمتع بالأطايب والخدمات الترفيهية المختلفة , أما المشاركة في اتخاذ القرارات وفي صناعة الأفكار والمساهمة في الصناعة والتحديث والتقدم والإصلاح والعمل على معالجة الأزمات الداخلية والملفات المتعثرة وتفعيل العمل العربي المشترك والتحلي بالمسئولية وتحقيق النجاحات والمكاسب والإنجازات والطموحات الحقيقية فذاك ما لم نسع إليه ولم نعمل من أجله ولم نقم بجهد لتحقيق بعض منه أو أننا سعينا وعملنا وقمنا ولكننا فشلنا وتعثرنا لأسباب ترتبط أولا وأخيرا بنا والصورة الماثلة أمام أبصارنا تعبر عن تلك الأسباب حيث الانقسامات والصراعات والأزمات وانعدام الثقة والتربص بالآخر ونبذه وتسفيه رأيه والتعلق بالماضي والانصراف عن الحاضر .. هي السمات البارزة للواقع العربي , هل يمكن أن ندخل حالة التعلق بالماضي التي يعيشها العرب في إطار الأزمات الكثيرة والاشكالات الخطيرة التي يتسم بها حاضرهم؟ هل مرد هذا الحب وهذا الشغف إلى تلك الصور الكثيفة التي تجسد الماضي بشخوصه وملامحه وأنماطه في مجموعة من القصص والكتابات والنصوص والأعمال الدرامية الكبيرة والتي تقدم صورة مشوقة ومثيرة وناصعة البياض لقيم كبيرة وإنجازات عظيمة وشخصيات مهيبة ورجالات نبغوا في السياسة وفي القيادة وفي السلوك وفي الصناعات وفي مختلف العلوم والمجالات وفتوحات مشرقية ومغربية أسست لحضارة عربية إسلامية عظيمة ؟ في إعلاء متنامي لشأن الماضي ومكانته وتقزيم إن لم يكن تحقيرا للحاضر ومكانته فتأتي المقارنة بالطبع لصالح الماضي المجملة أحيانا والمغيبة في أحيان كثيرة عيوبه ومساوئه ومثالبه , هل هو الحنين إلى طبيعة وحياة البداوة بما تحمله من مناقب وقيم والرغبة في الانفلات من قيود التحضر والمدنية وقوانينها وأنظمتها وصيغها وثقافتها التي لا تتناسب ولا تتوافق مع سلوكنا وطبيعتنا وممارسة أشكال من الهوايات والرغبات والتطلعات التي تضمنها وتدعمها وتظللها بحريتها الواسعة حياة البداوة وتقاليدها العريقة؟ ذاك لأن السلوك والطبيعة والهوى ما زالت معلقة بتلك الحياة في شكلها العام وقيمها الاستهلاكية ولم تعتد بعد حياة التمدن في عمقها وجوهرها نظاما وسلوكا وفكرا وأسلوب حياة , هل هو بكاء على أطلال درست وشعور بالحنين على أيام جميلة رحلت؟ يجري فيها العربي مجرى أجداده من شعراء المعلقات كتقليد متوارث وجزء من مخزون موروث يأبى العرب التخلي عنه وتركه وفاء منهم للماضي وصوره الجميلة.

      ما زال الإنسان العربي متعلقا بتلابيب الماضي في الوقت الذي يستخدم فيه ويستهلك ويتعامل مع تقنيات ومنتجات الحاضر التي تستقبلها أسواقنا من مشارق الأرض ومغاربها في مختلف حياته العامة والخاصة في حين أن تفكيره وسلوكه ونصوصه التي يرددها وأحلامه وآماله وحبه معلق بذلك الماضي الجميل المشرق فهو متأرجح بين هذا وذاك غير قادر على مسايرة التطور والتحديث والتمدن إلا في إطاره وشكله العام كما تمت الإشارة إلى ذلك , وغير قادر على المساهمة والمشاركة في الإنتاج وفي التصنيع وفي طرح الأفكار الناضجة والمفعمة بالحياة محدثا تلك الفجوة المتسعة بمرور الأيام بينه وبين الشعوب والمجتمعات الأخرى في تلك المجالات , وغير قادر أخيرا على استعادة ماض لا يمت إلى الحاضر بشيء فالقاعدة الطبيعية تقول بأن لكل عصر سماته وأنماطه وثقافاته وصيغه وقوانينه من تقبلها وتعامل معها بحنكة وبصيرة ووظفها لخدمته ومن أجل تحقيق أهدافه ومن أجل الارتقاء والتطوير والإصلاح نجح ونافس وقويت شوكته ورسم لنفسه مكانة بين الأمم الأخرى ومن فشل في ذلك تراجع وتقهقر وضعف وانكمش وأصبح عالة على الآخرين ولقمة سائغة يتلاعبون بمستقبله ويعبثون بمقدراته ويستبيحون خصوصياته , إن واجبنا الطبيعي تجاه الماضي يتلخص في قراءة صفحاته ومراجعة نصوصه وتفحص أحداثه ووقائعه وتصحيح ما يحتاج منه إلى تصحيح وإلى تنقيح وإلى توضيح وإخراجه بشكل يليق بنا كأمة سطع نجمها وسادت في مرحلة من المراحل التاريخية المهمة وساندت وساعدت وحمت أمما وشعوبا كثيرة انتشلتها من براثن الجهل والفقر والظلم , وأسقطت حضارات أفل نجمها , أمة لها إنجازاتها وثقافتها وتاريخ عريق وعلوم وموروثات ومناقب وقيم عظيمة , دون أن ننسى كذلك بأنها ارتكبت أخطاء فادحة ومثالب كبيرة ودخلت في عصور مظلمة في صراعات وحروب وانقسامات دامية وفي مستنقعات الجهل والتخلف , ماضي يحمل صورا جميلة وأخرى قبيحة علينا أن نلتفت إليها في إطار التقييم والاستفادة من دروسه وتجاربه حلوها ومرها والتوظيف لما فيه خدمة هذه الأمة , ولما فيه مصالحها والإعلاء من شأنها والرفعة من مكانتها والارتقاء بأدائها وبعملها في حاضرها وفي مستقبلها , علينا أن نحفظ هذا الماضي وأن نتمسك بقيمه وموروثاته وثقافته وأخلاقياته الجميلة , وأن نعمل في المقابل بعزم وجد لإصلاح الحاضر والارتقاء بالأمة وانتشالها من براثن الفقر والجهل والتخلف والمساهمة محليا وإقليميا وعالميا في صنع القرارات وطرح الأفكار وفي البناء والتطوير والتصنيع , إن الخيار الأفضل والآمن يتلخص في المواءمة والموازنة في التمسك بقيم الماضي وتوظيفها وتطويرها والعمل على صناعة مستقبل مشرق لأجيال الحاضر.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions