تحليل إخباري: إشكالية وقوع اسبانيا في فخ ا

    • تحليل إخباري: إشكالية وقوع اسبانيا في فخ ا

      مارك فيشبروت

      لقد أصبح من قبيل الموضة، منذ بدأ الاقتصاد الاسباني في الانهيار، أن يتم عقد المقارنات بين اسبانيا وألمانيا، والأخيرة تحقق معدلات تعاف قوية جدا. والفكرة هي أن الألمان مضوا في عمليات الهيكلة، وسيطروا على سوق عمل منظم وقوي، وبذلك جعلوا اقتصادهم أكثر تنافسية. وبحسب هذه الرواية، كان ذلك مفتاح النجاح الاقتصادي الألماني- لذا يجب على اسبانيا أن تفعل الأمر نفسه، لو أنها تريد لاقتصادها التعافي.

      لكن هذا يتناسب جيدا مع طبيعة الألمان كأشخاص منضبطين يعملون بجد واجتهاد، ومستعدين لفعل كل ما هو ضروري لينافسوا في الاقتصاد العالمي، بينما نظراؤهم في اسبانيا، تلك الدولة الواقعة في الطرف الأوروبي، هناك تصور عنهم أنهم غير منضبطين وليسوا من ذلك النوع الذي يعمل بكد. لكن هذا الكلام لا يتماشى مع الحقائق الاقتصادية بشكل جيد.

      فمشكلات اسبانيا مرتبطة في أغلبها باليورو، مصحوبة في ذلك ببعض قرارات السياسة الاقتصادية القديمة السيئة، التي ما من صلة لها بعدم مرونة سوق العمل، ولا بقوة النقابات العمالية، ولا بالانفاق الحكومي. كما أن تعافي الاقتصاد الاسباني معطل نتيجة لقرارات اتخذتها السلطات الأوروبية: المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي أيضا.

      فعندما انضمت أسبانيا الى نظام العملة الأوروبية الموحدة- اليورو- في العام 1999، كان مستوى الإنتاجية في التصنيع فيها يقارب نسبة 67 بالمئة من نظيره في المانيا. وخلال السنوات العشر التي تلت ذلك، كانت الإنتاجية في اسبانيا تحقق نموا مقاربا لنظيرتها في المانيا، لذا وبحلول العام 2009، كان معدل نمو الإنتاجية في كلا الدولتين يقارب نسبة 63 بالمئة. كما ارتفعت الأجور عن العمل بالساعة في قطاع التصنيع في كلتا الدولتين بنفس المقدار، لذا تمكنت المانيا من الحفاظ على ميزة التكلفة المبنية على الإنتاجية بمقدار كبير، التي تفوقت بها على اسبانيا. وبالطبع، خدمت الظروف المانيا بشكل أفضل عما فعلت مع اسبانيا؛ ففي الفترة من 2002 الى 2007 والتي تميزت بالنمو الاقتصادي الألماني، كان أكثر من 120 بالمئة النمو الألماني مرده الصادرات- وكان أغلب تلك الصادرات يذهب الى دول منطقة اليورو.

      وهذه هي المشكلة الأساسية عندما تقرر دولة تبني عملة موحدة مع دول اخرى تتمتع بمستويات أعلى بكثير من الإنتاجية.

      فهذه الدول لا يمكنها أن تكون منافسة قوية في البضائع التي يتم الاتجار فيها- والتي تشمل ليس الصادرات وحسب، بل تشمل أيضا صناعات داخلية في تنافس مع الواردات. وإن كانت اسبانيا ماتزال محتفظة بعملتها المحلية، كان بمقدورها خفض قيمة عملتها الى المستوى الذي يجعل من قطاعات بضائع الدولة التي يتم الاتجار فيها أكثر تنافسية. ففي وضع به الاقتصاد في ركود أو حالة ضعف- تقلص الاقتصاد الاسباني بنسبة 0.2 بالمئة خلال العام الفائت- يمكن لزيادة الصادرات وخفض الواردات، وهما الأمران الناجمان عن خفض قيمة العملة المحلية بشكل طبيعي، يمكن لهما أن يساعدا في مساعدة الاقتصاد على النمو من جديد.

      لكن الذي حدث هو أن السلطات الأوروبية وصفت وصفتها لمعالجة الأمور، والتي تلخصت فيما يمكن تسميته "خفض قيمة العملة داخليا"- وهو عبارة عن تقليص الاقتصاد وشطب المزيد من الوظائف حتى تصبح الدولة قادرة على المنافسة، وذلك من خلال أسعار أقل و أجور أقل، من دون أن تغير من سعر صرف عملتها. ومعدلات البحث عن عمل في اسبانيا قد بلغت الآن 20 بالمئة، وعلى الرغم من أن الصادرات حققت نموا، لم يكن هذا النمو كافيا ليسحب اقتصاد البلاد خارج "حفرته".

      وتحتاج اسبانيا الآن الى سياسة نقدية ومالية توسعية لتدعم اقتصادها. لكن السياسة النقدية تحت سيطرة المركزي الأوروبي- والذي أعلن قبل أسبوع تقريبا أنه ربما يزيد من معدلات الفائدة المستحقة على القروض، على الرغم من هشاشة التعافي الاقتصادي الأوروبي، وارتفاع معدلات البحث عن عمل في الدول الأوروبية صاحبة الاقتصاديات الأضعف (اسبانيا وأيرلندا والبرتغال.)

      لذا، السياسة المالية التوسعية محظورة بسبب الضغوط من السلطات الأوروبية- والتي هي في الواقع تضغط على اسبانيا لتفعل العكس تماما؛ بمعنى آخر، لتخفض الإنفاق وتزيد الضرائب- كما أن هذه السياسية يمنع تحقيقها حقيقة أنه لعدم امتلاك اسبانيا لسياستها المالية والنقدية الخاصة بها وحدها، هي لا يمكنها أن تطبق برامج "تخفيف كمي"- تيسير نقدي- كما فعلت أمريكا مؤخرا، أو كما تفعل اليابان منذ عقود، من أجل أن تمول الإنفاق الحكومي من دون أن تزيد من صافي الديون المستحقة عليها.

      ولنعود الى تجربة اسبانيا مع اليورو والتي عمرها عقد من الزمان، أو أكثر قليلا. لقد فتح تبني اسبانيا لليورو فترة من فقاعة النمو، في ظل تدفقات رأس المال الأجنبي الكبيرة الى البلاد، وشهدت اسبانيا طفرة في أسواق المال وفقاعة كبيرة في الإسكان. وحقق الاقتصاد الاسباني نموا وصل الى 33 بالمئة في الفترة من 1999 الى 2007، وانخفض صافي دينها الى 26.5 بالمئة كنسبة من إجمالي الناتج المحلي في العام 2007. لكن هذا كان نموا مدفوعا بالفقاعة؛ حيث قفز سوق المال بنسبة 125 بالمئة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في نوفمبر 2007، وانخفض الى 54 بالمئة فقط كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في نوفمبر 2008. ورفعت فقاعة الإسكان من نمو قطاع التشييد والبناء من 7.5 بالمئة 10.8 كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة من 2000 الى 2006، وبدأ الإسكان ينخفض بنسبة 87 بالمئة بمجرد انفجار الفقاعة.

      لقد كان انفجار كل تلك الفقاعات، وليس سياسات الإنفاق الرخوة التي تبنتها الحكمة، هو من حطم الاقتصاد الاسباني، وتسبب في مشكلات الموازنة. وكانت تبعية اسبانيا للسلطات الأوروبية هي التي حرمتها من استخدام أي من سياسات الاقتصاد الكلي الثلاث الأهم- السياسة المالية والسياسة النقدية ومعدل الصرف- لتخرج من أزمتها. وأكثر من هذا، على الرغم من أنه كان ممكنا من الناحية النظرية أن تقلل اسبانيا من فجوة الإنتاجية بينها وبين المانيا، ليس النمو المدفوع بالفقاعات الذي سيطر على البلاد طوال العقد الفائت، والذي نماه تبن اليورو ونمته تدفقات رأس المال الأجنبي، ليس هذا النمو بنوع النمو الذي يحفز الإنتاجية التصنيعية.

      لذا، يمكن القول إن سياسات الاقتصاد الكلي الليبرالي الجديد، والعالقة مع اليورو، هي مصدر كل من الركود والمشكلات المتواصلة. وكان يجدر باسبانيا أن ترفض قبول أية سياسات تطيل من فترة انهيار اقتصادها وتمنعها من خفض معدلات البحث عن عمل فيها. وإن كان هذا يعني إعادة اسبانيا هيكلة ديونها أو حتى التخلي عن اليورو، يجب أن تكون مثل هذه الخيارات مطروحة في أية مفاوضات مع السلطات الأوروبية.

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية