ترجمات : الصين تتوغَّل في مصيدة الدولار | جريدة عمانالسبت, 13 جمادى الأول 1435هـ. 15 مارس 2014م
الرئيس التنفيذي
د. إبراهيم بن أحمد الكندي
رئيس التحرير
سيف بن سعود المحروقي
وليام بيسيك -
ترجمة قاسم مكي -
بلومبيرج -
بقراءة كتاب ايسوار براساد الجديد يسهل تَصَوُّرُ الاقتصاد العالمي في مجمله كقفص طيور عملاق يقف عند مدخله كل من جاك ليو(وزير الخزانة الأمريكي) وجانيت يلين (رئيسة بنك الاتحاد الفدرالي الأمريكي) وهما يحثَّان الكائنات الغافلة على دخوله. في كتابه «مصيدة الدولار» لا يرسم براساد، الاقتصادي بجامعة كورنيل، أية صورة شريرة لجاك ليو أو جانيت يلين.
وحجته في ذلك أن الدور المحوري للدولار يتعزز رغم كل المخاوف حول سياسات وديون الولايات المتحدة والجهود العديدة لإيجاد بديل له. ولكن أكثر ما شدّني أن الصين لاتزال غير قادرة على ادراك أنها هي الطرف المغفل في مكيدة احتيال هرمي عملاق( مكيدة بونزي.) ان الاحتياطيات النقدية للصين البالغة 3.8 تريليون دولار هي أكبر مخزون من العملات يتم تكديسه على الاطلاق.
لقد ظل الاقتصاديون ينظرون منذ فترة طويلة إلى ذلك المال كمصدر للقوة. بمعنى أن الصين يمكنها اللجوء إليه إذا انهار نظام مؤسسات صيرفة الظل الصينية.
والمشكلة هي أن قيمة هذه الموجودات (3.8 تريليون دولار) تعتمد على ما تحتفظ به الصين من أوراق الخزانة الأمريكية (1.3 تريليون دولار.) فإذا هبطت قيمة هذه الأوراق سينطلق الجحيم من عقاله وسيتراكض المسؤولون من بيجينج وحتى برازيليا للخروج من قفص الطيور الأمريكي.
ان مفهوم هذه الحظائر المسيجة له دلالة عظيمة في فلسفة الفينغ شوي (نظام تقليدي صيني في ترتيب معمار وأثاث المكان يهدف إلى إيجاد تناغم بين الوجود البشري والبيئة المحيطة-
المترجم). في أواخر الستينات صمم ستانلي هو، ملك المال في مكاو، كازينو ليزبوي(للمقامرة) الذي ظهر في أحد أفلام جيمس بوند كي يكون قفص طيور هائل. والرمزية هنا واضحة. انها تعني أننا اصطدناكم وأموالكم داخل الشراك.
وتبدو الصين مثل مقامر أموال كبيرة سطا على كازينو ولا يمكنه استخدام المال المنهوب لأنه أوراق نقدية مُعلَّمة.
واذا قامت الصين بأية محاولة لإنفاق موجوداتها من أوراق الخزانة الأمريكية فقد ينهار النظام المالي العالمي. يذكر براساد في كتابه أن البنك المركزي الصيني «يواجه احتمال خسائر كبيرة في محفظته من العملات الاحتياطية اذا كان عليه أن* يتخلص من المصيدة بتصرف طائش هو التحول عن الدولار».
ويضيف الكاتب أن «التداعيات السياسية يمكن أن تكون قبيحة اذا علم الجمهور الصيني بحجم خسائره التي ستترتب عن ذلك. فسيُنظر إليها كتحويل للثروة إلى الولايات المتحدة».
تخيلوا نظريات المؤامرة التي ستهيمن على الفضاء الصيني للتواصل الاجتماعي والمجهز أصلا كي يرى الخيانة الأمريكية في كل مكان. وهي نظريات من مثل هل تعلمون أن البيت الأبيض يريد حربا بين بيجينج وطوكيو لإبطاء صعود الصين؟ أو أن بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي يخفّض سعرَ الذهب لمنعه من الحلول محل الدولار كملاذ؟ أو أن فيروس سارس أطلقه الجيش الأمريكي لإخضاع آسيا؟ إن مثل هذه الاختلاقات موجودة في كل فضاء المدونات الصينية.
اذ يبدو أن الناس على الانترنت مستعدون لتصديق أي شيء لا ينتهي بكلمة لول. (لول مفردة تخاطُب على الانترنت للفت الانتباه الى نكتة أو مزحة أو التعبير عن الإحساس بها).
وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني يبسط نفوذا كبيرا على الجماهير الا أنه يظل حساسا على نحو غير عادي تجاه انفجارات الغضب الشعبي.
وتزداد تلك المخاوف وسط نمو فاتر في الاقتصاد العالمي فيما يصارع الزعماء الصينيون للحفاظ على نمو اقتصاد بلدهم عند معدل يزيد عن 7% (من الناتج الصيني الإجمالي).
وكما أورد براساد في كتابه فان الصين «لديها الآن حافز قوي لدعم قيمة الدولار ووضع حد لخسائره في الوقت الحالي ولكن بتكلفة تتمثل في المزيد من التوغل في أحبولة الدولار التي يصعب الخروج منها». ان البنك المركزي الصيني منغرز في دائرة خطرة. فعندما يشدد القيود على الائتمان لوضع حد للاقراض المفرط ترتعب الأسواق وتصعد معدلات الإقراض بين البنوك إلى عنان السماء ويتراجع صانعو السياسات.
وفي الوقت نفسه فإن ظهور (أزمة صغيرة) في الأسواق الصاعدة هذا العام سيعقِّد بشدة جهود الرئيس شي جينبنج لإعادة هيكلة الاقتصاد بعيدا عن الصادرات والاستثمار المفرط.
والمفارقة هي أن ذلك يعني شراء المزيد من الدولارات. ان هذه الدينامية تمضي في اتجاه يعاكس تطلعات بيجينج الى دور عالمي أعظم لعملة اليوان ورغبة الروس وآخرين لتخليص أنفسهم من الدولار.
وفي الحقيقة لم يعد أحد يسمع الكثير حول البنك الاقليمي الذي اقترح شي إنشاءه في أكتوبر الماضي بهدف الاستثمار في البنيات الأساسية حول المنطقة.
وكان الزعيم الصيني قد التزم بتوفر التمويل من مصدر سيكون بالضرورة صندوق نقد دولي محلي متحرر من الأمريكان المزعجين. والمشكلة الوحيدة هي أن المبلغ الذي تزيد قيمته عن 7 تريليون دولار والذي ستقترضه آسيا لمثل هذا المشروع لا يوجد كله في متناولها.
يقول براساد لذلك فالخيار الذي تعرضه الولايات المتحدة على العالم بسيط. وفحواه أن على العالم أن يختار الوقت الذي ستحل فيه الخسارة على موجوداته من ديونها.
«هل سيكون الآن أم لاحقا». وحين تواجَه الأسواق الصاعدة بين خيارين أهونهما شر تجد نفسها مجبورة على الحفاظ على نمو الصادرات من خلال المقايضة الكريهة بتحمل خسارة في موجوداتها من الاحتياطيات النقدية في المستقبل.
ولم تفعل الخيارات التي اختارتها (التدخل في أسواق العملات الأجنبية ومراكمة احتياطيات كآلية للتأمين الذاتي) سوى إلهاب الإسراف المالي للحكومة الأمريكية وتقوية دور الدولار في النظام النقدي الدولي».
وإذا كان للماضي القريب أن يخبرنا بأي شيء عن المستقبل فهو يقول لنا أن العنصر الوحيد في الاقتصاد العالمي الذي سيحقق نموا أكيدا في الأعوام القادمة ربما سيكون قفص الطيور الأمريكي.
مارس 15, 2014
الرئيس التنفيذي
د. إبراهيم بن أحمد الكندي
رئيس التحرير
سيف بن سعود المحروقي
وليام بيسيك -
ترجمة قاسم مكي -
بلومبيرج -
بقراءة كتاب ايسوار براساد الجديد يسهل تَصَوُّرُ الاقتصاد العالمي في مجمله كقفص طيور عملاق يقف عند مدخله كل من جاك ليو(وزير الخزانة الأمريكي) وجانيت يلين (رئيسة بنك الاتحاد الفدرالي الأمريكي) وهما يحثَّان الكائنات الغافلة على دخوله. في كتابه «مصيدة الدولار» لا يرسم براساد، الاقتصادي بجامعة كورنيل، أية صورة شريرة لجاك ليو أو جانيت يلين.
وحجته في ذلك أن الدور المحوري للدولار يتعزز رغم كل المخاوف حول سياسات وديون الولايات المتحدة والجهود العديدة لإيجاد بديل له. ولكن أكثر ما شدّني أن الصين لاتزال غير قادرة على ادراك أنها هي الطرف المغفل في مكيدة احتيال هرمي عملاق( مكيدة بونزي.) ان الاحتياطيات النقدية للصين البالغة 3.8 تريليون دولار هي أكبر مخزون من العملات يتم تكديسه على الاطلاق.
لقد ظل الاقتصاديون ينظرون منذ فترة طويلة إلى ذلك المال كمصدر للقوة. بمعنى أن الصين يمكنها اللجوء إليه إذا انهار نظام مؤسسات صيرفة الظل الصينية.
والمشكلة هي أن قيمة هذه الموجودات (3.8 تريليون دولار) تعتمد على ما تحتفظ به الصين من أوراق الخزانة الأمريكية (1.3 تريليون دولار.) فإذا هبطت قيمة هذه الأوراق سينطلق الجحيم من عقاله وسيتراكض المسؤولون من بيجينج وحتى برازيليا للخروج من قفص الطيور الأمريكي.
ان مفهوم هذه الحظائر المسيجة له دلالة عظيمة في فلسفة الفينغ شوي (نظام تقليدي صيني في ترتيب معمار وأثاث المكان يهدف إلى إيجاد تناغم بين الوجود البشري والبيئة المحيطة-
المترجم). في أواخر الستينات صمم ستانلي هو، ملك المال في مكاو، كازينو ليزبوي(للمقامرة) الذي ظهر في أحد أفلام جيمس بوند كي يكون قفص طيور هائل. والرمزية هنا واضحة. انها تعني أننا اصطدناكم وأموالكم داخل الشراك.
وتبدو الصين مثل مقامر أموال كبيرة سطا على كازينو ولا يمكنه استخدام المال المنهوب لأنه أوراق نقدية مُعلَّمة.
واذا قامت الصين بأية محاولة لإنفاق موجوداتها من أوراق الخزانة الأمريكية فقد ينهار النظام المالي العالمي. يذكر براساد في كتابه أن البنك المركزي الصيني «يواجه احتمال خسائر كبيرة في محفظته من العملات الاحتياطية اذا كان عليه أن* يتخلص من المصيدة بتصرف طائش هو التحول عن الدولار».
ويضيف الكاتب أن «التداعيات السياسية يمكن أن تكون قبيحة اذا علم الجمهور الصيني بحجم خسائره التي ستترتب عن ذلك. فسيُنظر إليها كتحويل للثروة إلى الولايات المتحدة».
تخيلوا نظريات المؤامرة التي ستهيمن على الفضاء الصيني للتواصل الاجتماعي والمجهز أصلا كي يرى الخيانة الأمريكية في كل مكان. وهي نظريات من مثل هل تعلمون أن البيت الأبيض يريد حربا بين بيجينج وطوكيو لإبطاء صعود الصين؟ أو أن بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي يخفّض سعرَ الذهب لمنعه من الحلول محل الدولار كملاذ؟ أو أن فيروس سارس أطلقه الجيش الأمريكي لإخضاع آسيا؟ إن مثل هذه الاختلاقات موجودة في كل فضاء المدونات الصينية.
اذ يبدو أن الناس على الانترنت مستعدون لتصديق أي شيء لا ينتهي بكلمة لول. (لول مفردة تخاطُب على الانترنت للفت الانتباه الى نكتة أو مزحة أو التعبير عن الإحساس بها).
وعلى الرغم من أن الحزب الشيوعي الصيني يبسط نفوذا كبيرا على الجماهير الا أنه يظل حساسا على نحو غير عادي تجاه انفجارات الغضب الشعبي.
وتزداد تلك المخاوف وسط نمو فاتر في الاقتصاد العالمي فيما يصارع الزعماء الصينيون للحفاظ على نمو اقتصاد بلدهم عند معدل يزيد عن 7% (من الناتج الصيني الإجمالي).
وكما أورد براساد في كتابه فان الصين «لديها الآن حافز قوي لدعم قيمة الدولار ووضع حد لخسائره في الوقت الحالي ولكن بتكلفة تتمثل في المزيد من التوغل في أحبولة الدولار التي يصعب الخروج منها». ان البنك المركزي الصيني منغرز في دائرة خطرة. فعندما يشدد القيود على الائتمان لوضع حد للاقراض المفرط ترتعب الأسواق وتصعد معدلات الإقراض بين البنوك إلى عنان السماء ويتراجع صانعو السياسات.
وفي الوقت نفسه فإن ظهور (أزمة صغيرة) في الأسواق الصاعدة هذا العام سيعقِّد بشدة جهود الرئيس شي جينبنج لإعادة هيكلة الاقتصاد بعيدا عن الصادرات والاستثمار المفرط.
والمفارقة هي أن ذلك يعني شراء المزيد من الدولارات. ان هذه الدينامية تمضي في اتجاه يعاكس تطلعات بيجينج الى دور عالمي أعظم لعملة اليوان ورغبة الروس وآخرين لتخليص أنفسهم من الدولار.
وفي الحقيقة لم يعد أحد يسمع الكثير حول البنك الاقليمي الذي اقترح شي إنشاءه في أكتوبر الماضي بهدف الاستثمار في البنيات الأساسية حول المنطقة.
وكان الزعيم الصيني قد التزم بتوفر التمويل من مصدر سيكون بالضرورة صندوق نقد دولي محلي متحرر من الأمريكان المزعجين. والمشكلة الوحيدة هي أن المبلغ الذي تزيد قيمته عن 7 تريليون دولار والذي ستقترضه آسيا لمثل هذا المشروع لا يوجد كله في متناولها.
يقول براساد لذلك فالخيار الذي تعرضه الولايات المتحدة على العالم بسيط. وفحواه أن على العالم أن يختار الوقت الذي ستحل فيه الخسارة على موجوداته من ديونها.
«هل سيكون الآن أم لاحقا». وحين تواجَه الأسواق الصاعدة بين خيارين أهونهما شر تجد نفسها مجبورة على الحفاظ على نمو الصادرات من خلال المقايضة الكريهة بتحمل خسارة في موجوداتها من الاحتياطيات النقدية في المستقبل.
ولم تفعل الخيارات التي اختارتها (التدخل في أسواق العملات الأجنبية ومراكمة احتياطيات كآلية للتأمين الذاتي) سوى إلهاب الإسراف المالي للحكومة الأمريكية وتقوية دور الدولار في النظام النقدي الدولي».
وإذا كان للماضي القريب أن يخبرنا بأي شيء عن المستقبل فهو يقول لنا أن العنصر الوحيد في الاقتصاد العالمي الذي سيحقق نموا أكيدا في الأعوام القادمة ربما سيكون قفص الطيور الأمريكي.
مارس 15, 2014