عندما تطايرت أشلائها وسط صمت العالم جديد بن دارس

    • عندما تطايرت أشلائها وسط صمت العالم جديد بن دارس

      (1)





      وقف خليل شاهين خلف المنصة بـ"قلعة دبلين" وهو يروي انتهاكات حقوق الإنسان في ذلك البلد العربي الذي زرعه "بلفور" في قلب الأمة العربية. أمام شاهين جلس أكثر من مئة شخصية عربية وعالمية تروي العديد منها مآسيهم وأحزانهم، كما جلس بجانب شاهين السيدة مارجريت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنيف والسيدة ماري رئيسة منظمة الخط الأمامي التي ترعى المؤتمر. بلغة عربية فصحى تحدث شاهين عما رآه وشاهده من مجازر في الأراضي الفلسطينية وما أستطاع أن ينقله للعالم الصامت ليروي قصة تلك المرأة الفلسطينية التي تناثر جسدها الطاهر في أشلاء تطايرت جراء العبوة الناسفة التي زرعتها العنجهية الأمريكية بأيادي صهيونية يتفرج عليها العالم كل يوم دوم أن يحرك ساكنا. لقد كان شاهين سفير حقوق الإنسان في ذلك الاجتماع الذي حضرته في دبلين بايرلندا وعقد في الفترة بين 10 إلى 12 فبراير 2010. ورغم أن الفرصة أتيحت للجميع ليسأل كل متحدث إلا أن شاهين لم يتلقى حتى سؤالا واحدا ربما لأن هذا المجتمع الدولي أجبن من أن يسأل إذا كان الأمر يتعلق بالشأن الصهيوني. ورغم أنني شاهدت البعض يدمع مقلته من ذلك المنظر الصوتي المؤثر لشاهين وهو يصف كيف تلاشت تلك المرأة العربية الطاهرة إلا أن الصالة الواسعة خيّم عليها الصمت الرهيب!! بالطبع كان الإسرائيلي أيضا حاضر في المؤتمر في شكل امرأة..




      ولنعود إلى نقطة البداية!!!




      كنت قد تلقيت دعوة لحضور ذلك المؤتمر في منتصف الصيف الماضي وذلك بعدما كان هناك تواصل مع منظمة "الخط الأمامي" التي كانت تقف معي في قضيتي. ورغم أنني لم أكن أعرف اسم تلك المنظمة إلا أن المعرفة أتت من خلال تلقي مكالمة دولية من شخص يتحدث بالعربية عرّفني بنفسه وقال أنه من منظمة الخط الأمامي وأنهم قد سمعوا عن قضيتي ويريدون مناصرتي لأنها قضية تدخل من ضمن "حقوق الإنسان". لم يخطر على بالي أن أدخل في سياق حقوق الإنسان لأنني لم أتعرض يوما لانتهاك حقي، كما لم أسمع يوما عن انتهاك حق مواطن عماني بالمعنى الذي اعرفه عالميا. ولذا فقد كانت المكالمة محصورة في بعض المعلومات دون أن أدخل معهم في معمعة التضامن الدولي بأي شكل من الأشكال، ومع إصرار المنظمة على تبني القضية فقد تطورت لأن يتم كتابة دعوات ومطالبات إلى الحكومة العمانية بالإفراج عني لأن قضيتي تدخل تحت مفهوم "حرية التعبير عن الرأي" وهي حق من حقوق الإنسان والذي تم تبنيه في البيان العالمي لحقوق الإنسان عام 1919.






      (2)





      لقد كان هناك هاجس من قبل منظمة الخط الأمامي أن فضيلة القاضي سوف يطبق عليّ الحكم بحذافير القانون وبالتالي أتعرض للسجن مدة تتجاوز الثلاث سنين وغرامة تتجاوز الألفي ريال. لكنني كنت قد طمئنت المتصل في مكالمة أخرى أنني أثق في حكم القاضي والذي تداخلت معه أثناء المحاكمة فوجدته الشاب المتفتح الذي يؤمن بحرية التعبير عن الرأي ووجدت وقد منحني كل الوقت وكل طول البال لأقول في قضيتي ما أود قوله ولم يكن لديه الميكروفون ليغلقه في وجهي كما يفعل معالي رئيس مجلس الشورى وهو يقطع الباب أمام شيوخنا المنتخبين الأفاضل. كما أنني شعرت وكأن فضيلة القاضي كان في صفي رغم أنه لا ينحاز لأحد لكن كان هناك شعور بأن الانحياز هو لصالحي وأن جريمتي ليست جريمة شنعاء أدت إلى الإساءة إلى هذا البلد المعطاء. على أن وكيل الادعاء العام وللأمانة كان مثال الشاب الخلوق الذي لم يستخدم تلك المصطلحات والعبارات مثل "الادعاء العام يطالب بتطبيق أقصى العقوبة" أو "هذا المجرم الواقف أمامكم خطر على المجتمع" بل اكتفى بسرد التهمة دون زيادة أو نقصان، وكأن ذلك الوكيل يؤدي عملا بكل أمانة لكن في داخله قناعة بأهمية حرية التعبير عن الرأي، فقد كان يردد دائما في مسامعي: هناك فكران، فكر خادم وفكر هادم، ونحن مع الفكر الخادم الذي يرقى بالمجتمع لكننا نحارب الفكر الهادم الذي يحطم المجتمع...




      ولأنني لم أكن متجاوب بالشكل المطلوب مع إلحاح منظمة الخط الأمامي فقد اتخذت مسارا آخر لتصعيد قضيتي أمام المجتمع الدولي. فاتجهت المنظمة إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف وفي إحدى جلسات المجلس ورد اسمي فيها. كما أن قناة "الحرة" هي الأخرى تبنت القضية، فضلا عن وجود بعض الصحف الأجنبية مثل "رويترز" التي استعرضت أكثر من مقال عن قضيتي. وقبيل قيام فضيلة القاضي بالنطق بالحكم فقد كتبت منظمة الخط الأمامي التماسا إلى المقام السامي بضرورة التدخل وعدم مواصلة السير في القضية حتى لا يكون الحكم قاسيا. ومع ذلك فقد سار القضاء كما هو وتم الحكم فيها، ورغم الهاجس الداخلي بأنه ماذا لو تم الحكم بحسب التكييف القانوني لها، فهل يعني ذلك أنني سوف أقضي بعض سنين من عمري وراء القضبان؟ ذلك الهاجس ظل يرافقني في منامي، لكنني آمنت أن لكل إنسان قدر مكتوب وأنه سوف يتم النظر بعين الاعتبار في أكثر من جانب؛ أهمية وأبعاد القضية، الجانب المحلي، وحتى الجانب الدولي باعتبار أنه لا يجب غض البصر عما قد تفعله المنظمات الدولية وهي تنشر القضايا التي يتعرض عليها رعايا الدول في أي جانب من جوانب حقوق الإنسان. وعليه فإن الحكم عليّ كان قد راعى تلك الجوانب، وفي نفس الوقت توجيه رسالة لهجتها ليست متساهلة مفادها أن القانون يعاقب من يخطئ بغض النظر عن نوعية الخطأ.






      (3)





      بعد مرور بضعة شهور على القضية ودخولي في معمعة أخرى وهي تعرضي لحادث منزلي في يدي أبقاني أسبوعا في مستشفى خولة، وشهرين بالجبس، فقد تلقيت بريدا الكترونيا يدعوني فيه للمشاركة في ذلك المؤتمر العالمي الذي يقتصر حضوره على مئة شخصية من دول العالم بأكملها. ورغم وجود مئات الآلاف من الانتهاكات اليومية حتى في الدول الغربية نفسها فإن الأمر قد شدني حول قيام منظمة الخط الأمامي بدعوتي لحضور ذلك المؤتمر، وإن لم يكن الأمر غريبا عليّ حول المؤتمرات الدولية بشكل عام. فقد حضرت أو شاركت مع آخرين مؤتمرات دولية في مجال الطيران المدني في لارنكا بقبرص وفي مونتريال بكندا وفي كيب تاون بجنوب أفريقيا وفي ممباسا بكينيا أمثل حكومة السلطنة في جوانب سلامة الطيران. بيد أن الوضع يختلف هنا قليلا، فأنا لم ألجأ إلى أية منظمة لتبني قضيتي لأختبر فعالية ونزاهة القضاء العماني؛ إذ كيف يمكنني أن أدعي أن القضاء العماني مثلا غير نزيه وأنا لم أتفاعل معه ولم أتداخل في حيثياته؟ وعليه فقد كان موقفي دائما قد تمثل في أنني سوف أنتظر حكم فضيلة القاضي، وإذا كان الحكم مضرا بي وبمستقبلي فهناك الاستئناف، وهناك المحكمة العليا، وإن نفدت السبل فالمجتمع الدولي موجود بعدما استنفد سبل المجتمع المدني العماني.




      وافقت مبدئيا على حضور المؤتمر، بعد ذلك تلقيت استمارة طويلة فيها بعض البيانات الشخصية والتي من بينها أيضا حول تعرضي لأي انتهاكات لحقوقي كإنسان في بلدي. ولكي تكون هناك نزاهة وأمانة في الإجابة فقد ذكرت أنني تعرضت للاستجواب ومن ثم التوقيف مدة (11) يوما، وأن جريمتي كانت "جنحة" تمثلت في تسريب وثيقة حكومية مصنفة بدرجة "سري للغاية"، لكنني لم أتعرض للإيذاء البدني مطلقا. وبعد انتظار عدة أسابيع أتت الموافقة على حضوري لذلك المؤتمر، كما أتت دعوة أخرى لحضوري في ورشة الأمن الرقمي والتي تلي المؤتمر بعد يوم، على أن تتحمل منظمة الخط الأمامي كافة التكاليف اللازمة للمؤتمر من تذاكر سفر وإقامة في الفندق ومصاريف جيب يومية. كما سوف تبذل أقصى جهد لها لضمان حصول المشاركين على تأشيرات إلى ايرلندا رغم التشديد غير المنطقي بعد أحداث سبتمبر من قبل الكثير من الدول عند زيارتها!!!






      (4)




      كان الطريق الجوي إلى دبلين طويلا، وحيث أن ربط السلطنة بدول العالم مازال محدودا فقد بقيت بالطائرة الألمانية في مطار أبوظبي ومن ثم "انحشرت" في مطار فرانكفورت خمس ساعات لاستقل طائرة أخرى تكمل الأربع عشر ساعة التي قضيتها متنقلا حتى وصلت إلى مطار دبلين. عند الجوزات وقفت مع عشرات المصطفين الأجانب في حين شاهدت طابور الاتحاد الأوروبي وهو يمشى بسرعة الدي أس أل عندهم. تمنيت لو رأيت ذلك المشهد في مطار القاهرة الدولي أو في مطار محمد الخامس عندما تجد العربي واقفا ينتظر طويلا في الصف. أما في دول الاتحاد الأوروبي فإن موظف الجوازات يتفقد الجواز أو حتى البطاقة الشخصية ولا يدخل حتى البيانات الشخصية، يعني التنقل بين مواطني دول الاتحاد الأوروبي يتم بأسهل وأسرع طريقة. لما أتى دوري وناولت الجواز الأحمر لموظف الجوازات تفقده باحثا عن اسمي وبقية بياناتي. لاحظ صورتي بذلك المصر الذي سبق أن أقترح أحد الأصدقاء أن أدفع فيه ما لا يقل عن خمسين ريالا حتى تكون لي "هيبة في العمل" وكأن هيبة الموظف في مصره وليس في ما هو تحت المصر!! كلمني الموظف بلكنة ايرلندية حاولت فهمها: أنت من عمان إذن؟ نعم يا سيدي، أنا من عمان. كان رده مفاجئا بخلاف الكثير من الأوروبيين الذين التقيت بهم في وقت سابق: إنها بلد جميل!! شعرت بالفخر لما سمعت ذلك. فالمواطن منا يشعر بالفخر كلما سمعا كلاما جميلا عن بلاده بغض النظر عن المنغصات التي يراها أو يعايشها. فالإنسان لا يشعر بقيمة أهله وبلاده إلا لما يرى بلاوي وإرهاصات بلاد أخرى. فبعد سماع بيانات الكثير من الحاضرين وجدت أنني يجب أن "أنطب" وأقدر وطني العزيز قدر ما سمعت من انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في تلك الدول. فنحن لم نسمع عن تصفيات جسدية تقشعر لها الأبدان في السلطنة كما تحصل في دول أمريكا اللاتينية وأفريقيا وحتى دول الاتحاد السوفيتي السابقة (سوف أتحدث بمزيد من التفصيل فيما بعد). ولم نسمع عن محاكمات صورية أو محاكمات عسكرية بغية تثبيت الأنظمة (وإن كان هناك من اعتبر محاكمة التنظيم السري منذ بضعة سنوات هي صورية وبدون أدلة قوية تؤدي إلى الحكم بالإعدام).



      كان الاستقبال بشكل منظم، فبعد الخروج من الفحص بالأشعة تستقبلك لائحة تحمل اسم منظمة الخط الأمامي. خلف تلك اللائحة وجدت عدة أشخاص اختلفت مشاربهم وألوانهم وقفوا أمام تلك الايرلندية الشقراء تصف لهم بعض الأمور. طلبت منا الشقراء التوجه إلى حافلة تنقلنا إلى أقرب مكان للفندق. تصادف أن جلست في الحافلة مع امرأة سألتها عن اسمها فقال لي أنها من هايتي. عندما تحدثت في المؤتمر في اليوم التالي قال للحاضرين أنه لولا أن قدر الله بها ولطف لكانت قد ابتلعتها الأرض كما ابتلعت الآخرين جراء الزلزال. فقد كانت في إحدى الصيدليات، وبعد خروجها بثواني فقط تنهار الصيدلية وتبتلعها الأرض بما فيها وبمن فيها.. شفقت لحالها وهي تحدثني في الحافلة، وكيف أن القدر قد رأف بها لكنه لم يرأف بمئات الآلاف من أهالي تلك الدولة الفقيرة التي تصارع الحياة كما تصارع الموت. لبرهة من الزمن جلست صامتا أتأمل فلسفة القدر التي دار فيها صراع فكري؛ لماذا تصيب الكوارث الطبيعية من زلازل وبراكين وفيضانات الشعب الفقير ولا تطال الشعوب الغنية؟ لقد فسر بعضنا قول المولى عز وجل: "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا " على أن فساد الكبار يؤدي إلى فساد القرية بأكملها لأن تلك القرية لم تقم بردع الفسدة فيها. وهناك الكثير من التأويلات حول المعنى القرآني العظيم وراء تلك الآية، لكن من وجهة نظري أرى أن الظواهر الطبيعية ليست مرتبطة بالفساد وإلا لوجدنا كل الدول الأوروبية وقد هلكت وكذلك دول آسيوية مثل تايلند وحتى الصين وقد فنت. وبالطبع هنا من أتى في المواقع العمانية ليقول أن "جونو" لم يكن ليصبح السلطنة لو لم يكن فيها الفساد الأخلاقي منتشرا!!!






      (5)




      بعد النزول من الحافلة تبين لنا أنه يتوجب علينا المشي إلى الفندق، كان العدد قد تجاوز العشرة بالإضافة إلى "العفش" الذي يتوجب علينا حمله أو سحبه في الطريق. تصادف أن كانت بجانبي امرأة قصيرة القامة لها بعض الملامح العربية. سألتها بالانجليزية عن بلدها فقالت أنها من إسرائيل؛ لبرهة من الزمن قلت في نفسي: هؤلاء القوم أصادفهم في أي مكان أذهب. فليست المرة الأولى التي التقي فيها بإسرائيلية أو إسرائيلي في دولة معينة، فحتى في تايلاند التقيت بإسرائيلي أتى يسلم عليّ وعلى صديق كان يمشى معي وكنا نتحدث بالعربية. وكعربي لا أتقبل الحوار مع أي شخص يقول لي أنه إسرائيلي لاعتقادي أنه من الصهاينة الذين اغتصبوا أرضا عربية نزلت فيها رسالات السماء. بالطبع سألتني من أين أنا قادم فقلت لها، وبسرعة البرق قالت أن عاصمتها مسقط، بخلاف آلاف الأشخاص الذين التقيت بهم في الغرب أو حتى في الشرق والذين لا يعرفون الموقع الجغرافي لبلادنا الحبيبة. وقبيل الاقتراب من الفندق صادفت امرأة طويلة، تحدثت معها بالانجليزية أسألها من أية دولة فردت عليّ بأنها من الأردن، فحدثتها عندئذ بالعربية. ولذا فقالت لي أنها في الأصل فلسطينية لكنها تعيش في الأردن، كانت تلك الأردنية لاحظتني أكلم الإسرائيلية فقالت لي بعدما ابتعدت الأخيرة قليلا: دير بالك، تراه معظم الإسرائيليين يحكوا عربي أحسن مني ومنك. حيث أنني كنت قد بدأت أتلفظ بألفاظ الشتيمة ضد إسرائيل. ومن منا لا يشتم أو يكره إسرائيل؟ ألم يغني عبدالرحيم شعبله أغنيته الشهيرة: أنا بأكره إسرائيل؟



      لما وصلنا الفندق استقبلني أحد الأخوة العرب والذي قدم لي نفسه على انه "إبراهيم" من بابل، آه أنت أيها العراقي الذي شردك الطاغية صدام كما شردك الطاغية جورج بوش. كان إبراهيم مسئول عن الجالية العربية المشاركة في المؤتمر باعتبار أن بعض العرب قد يواجهون صعوبة في التعامل أو حتى في التحدث بالانجليزية. وقد قدم لي ولزميلتي الأردنية ولعرب التقيت فيهم فيما بعد حقيبة يدوية تصلح لوضع بعض الأشياء، كما قدم لنا معطفا جيدا واقيا عن البرد الشديد الذي جمّد أبداننا وربما عقول بعضنا. بالإضافة إلى أمر لم ألتفت إليه في البداية وهو هاتف نقال صغير الحجم وظرف مكتوب عليه اسم المشارك فيه بعض المبالغ النثرية التي بالكاد تغطي المصاريف اليومية للمشارك بسبب ارتفاع المعيشة في دبلين. ولأنني سبق أن طلبت أن تكون الغرفة لي لوحدي بدلا من المشاركة مع شخص لا اعرفه وقد أعاني من مشاكل في المساء لاعتقادي أن بعض مدافعي حقوق الإنسان يتعرضون لأنواع الإرهاب النفسي والبدني وربما التصفية الجسدية في بلادهم، وإن بقوا أحياء فإنهم يصابون بالهواجس والكوابيس التي تقضي على مضاجعهم فلا يتهنون بنومهم، وعليه فسوف أعاني ما يعانونه طيلة الليالي. ولم تمانع المنظمة من أن اقطن في غرفة منفردة شريطة دفع مبالغ إضافية معقولة نسبيا. بعد الانتهاء من إجراءات التسجيل في الفندق أتى إليّ إبراهيم مناولا إياي الـ"بيزنس كارد" ووقفنا نتحدث لفترة عنه وعني. قال لي أنه كان يتابع قضيتي عن بعد باعتباره موظفا في منظمة الخط الأمامي، وأنه يتمنى لو يزور السلطنة في أقرب وقت. شعرت بمرارة الغربة لديه، وكأنه صديق أعرفه من زمان. يا سبحان الله، فنحن العرب تربطنا روابط التاريخ واللغة والدين والعادات ونحب بعضنا البعض منذ أول لحظة لقاء، ومع ذلك فنحن أكثر الشعوب متفرقين سياسيا!!






      (6)




      إنه اليوم الأول من الاجتماع، ذلك اليوم الذي سبق أن احتشد العشرات في الباصات الكبيرة التي تم توفيرها لنقل المشاركين من الفندق إلى قاعة دبلين التاريخية. الكل لبس تلك الجاكيت الدافئة نوعا ما وعليها شعار منظمة الخط الأمامي بالانجليزية. كما حمل الكثيرون الحقائب التي حصلوا عليها من المنظمة ذاتها. في الاستقبال طلب من كل شخص ولأغراض أمنية تعليق بطاقة التعريف التي تحمل الاسم الثنائي واسم الدولة. بعد تناول كثيرا من القهوة والشاي وبعض الحلويات اتجه الجميع إلى تلك القاعة الكبيرة التي احتضنت أكثر من مئة شخصية عالمية. حتى خيم الصمت كنت قد انزويت لوحدي على أحد الكراسي الذي وجدت فيه سماعة أذن بها "قنوات" يمكن تغييرها للاستماع إلى أية لغة من لغات الأمم المتحدة الستة (باستثناء الصينية) ومن بينها العربية. فاللغة العربية من اللغات العالمية المعترف بها في كافة اجتماعات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، ومع ذلك سرني وجودها في مؤتمر ليس مرتبط بالأمم المتحدة، فمنظمة الخط الأمامي منظمة غير حكومية NGO وبالتالي فإن برتوكولات التعامل والتداول تختلف عن بروتوكولات المنظمات الحكومية الدولية وحتى المحلية.



      بعد العرض المرئي عن قلعة دبلين، تحدث معالي مايكل مارتن، الوزير الايرلندي للشئون الخارجية، الذي أبهر الحاضرين بحديثه عن بلاده التي تؤمن بالحرية المطلقة للإنسان، فتقف بجانبه تؤيده وفق المنظومة الأوربية، ذلك الوزير والذي بدا شابا شغل المنصب لسنين قصيرة بخلاف معالي الوزراء العرب الذين يأتيهم عزرائيل بأوامر إلهية قبل الأوامر الرئاسية فإنه قد طمأن الحاضرين بأن ايرلندا تهيئ كافة السبل لرعاية هؤلاء الذين غدرت بهم الظروف وقهرتهم وكبلت إنسانيتهم بسناسل طوقت أعناقهم بل ونهشت في لحومهم ودقت عظامهم. ذلك الوزير نطق بمنطوق المنظومة الأوربية التي أنصتت للإنسان أينما وجد، أبيضا كان أو أسودا، سيدا أو خادما، سفيرا أو غفيرا، لكنه في النهاية كيان له الحق في أن يعيش حرا غير مستعبد، وذكر معاليه أنه الاتحاد الأوروبي يعمل وفق إرشادات حقوق الإنسان التي أفرزتها المنظومة الأوروبية بشكل دبلوماسي.



      اعتلت المنصة مديرة الخط الأمامي "ماري لولر" وبدأت بقصة تلك المرأة المناضلة عن حقوق الإنسان التي قدمت من إحدى جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابقة. كانت نشطة في مجال حقوق الإنسان، كانت تتلقى التهديد تلو الآخر لكنها أمنت بحق شعبها في حريته، وكانت قد خافت على ابنتها ولكنها لم تخاف على حياتها. نقلت ابنتها إلى مكان آمن لكنها بقيت في فوهة المدفع فتلقت رصاصات وعثر على جسدها على نحو يهين كرامة الإنسان بشكل عام وكرامة المرأة بشكل خاص. تنتقل السيدة ماري وبصوت نسائي تملأه العاطفة الجياشة في مشاعر امرأة تجمع الدلائل والقرائن لتروي للحاضرين قصص القتل والاغتصاب والتعذيب للرجل والمرأة في شتى دول العالم، بعض الحاضرين ربما أجهش البكاء لولا الحياء وسط الناس، ولم أستطيع شخصيا إلا أن أعتبر وأتذكر أنني أعيش في أمن وأمان في بلد قيل فيه أنه انتهك حرية الإنسان، فأين نحن من الانتهاكات عندما نسمع السيدة ماري تروي حكايات تقشعر لها الأبدان وعن إرهاصات يبكي عند سماعها أصحاب أكبر الشنبات في العالم!! يا له من عالم قمعي تسكت عنه الأمم المتحدة وتصمت عنه الدول الكبرى لأنه ليس فيه مصلحة، في حين تحرك العالم نحو العراق لأن فيه المصلحة، أما هندوراس ونيكاراجوا وبوليفيا وكولومبيا وتشيلي والإكوادور والسلفادور وجواتيمالا وبيرو وبورما ومنغوليا وانجولا وبوروندي والكاميرون والكونغو وساحل العاج وأثيوبيا والجابون وغينيا وموزنبيق والنيجر ورواندا وتوجو وزمبابوي وغيرها من الدول المنهكة اقتصاديا وفسادا والمتفككة أمنيا وسياسيا فإن الدول الكبرى تظل صامتة رغم الانتهاكات فيها. فليس في مصلحة أمريكا ولا حتى الاتحاد الأوربي أن يتدخل!!








      (7)


      كان اليوم الثاني قد شهد دموعا، كما شهد صمتا كلما تحدث مدافع أو تحدثت مدافعة عن حقوق الإنسان. وكان اليوم قد ابتدأ رسميا بحديث مارجريت سيكاغايا، تلك المرأة الحديدية، التي تربعت كرسيا بمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. لقد كان صوتها المتزن والذي لا يخلوا من أنوثة وهي تتحدث عن انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان في دول زارتها وقابلت كبار مسئوليها إنما حملت معها بعض الأمل وكثير من الإحباط في عدم قدرة الأمم المتحدة في حماية المنتهكة حقوقهم في شتى أرجاء الكرة الأرضية. فهي مقيدة بروتوكوليا ببيورقراطية في داخل المؤسسة الدولية؛ فهي مثلا لا تستطيع أن تزور أية دولة دون موافقة حكومة تلك الدولة المطلوب زيارتها ومع ترتيبات مسبقة. كما أن موازنة الأمم المتحدة والتي تسيطر بالطبع عليها الولايات المتحدة محدودة جدا، وبالتالي لا تستطيع أن تغطي أكثر من 150 دولة تنتهك فيها حقوق الإنسان.



      لقد كثرت الأسئلة على السيدة مارجريت: متى سوف تأتين لزيارتنا؟ هل لديك صلاحية للتصدي للانتهاكات في بلادنا؟ هل قابلتي رئيس بلادنا؟ هل يمكن أن تزوري السجون في مناطقنا؟ وكثير من الأسئلة التي تأتي إجابتها من فم السيدة بنفي دبلوماسي مؤدب لكن في واقعيته لا يبعث سوى أمل بسيط لا يطفئ ظمأ المتعطش لحريته. فحتى عندما تزور السيدة مارغريت دولة ما فإنها تقابل كبار المسئولين وبطريقة بروتوكولية لا تستطيع الخروج من دائرتها الضيقة، تقدم ملفا كاملا وبالأدلة عن الانتهاكات في تلك الدولة، لكن حكومة الدول المنتهكة لحقوق الإنسان تكون قد جهزت الإجابات بل واتهمت المنتهكة حقوقهم بتهم جاهزة كالإرهاب أو زعزعة الأمن أو الخيانة العظمى أو غيرها من التهم المرفوضة دوليا. وحتى وإن اقتنعت السيدة مارجريت بضعف دفاعات الحكومات إلا أنها لن تستطيع سوى التظاهر بمظاهر الدبلوماسية لتنقل الملف بما فيه وما عليه إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف. وذلك المجلس يعقد جلسات تتحدث عن الانتهاكات الصارخة المتمثلة في القتل والخطف والاغتصاب والسجن بدون تهم وبدون محاكمات، ويحضر تلك الجلسات أعضاء الدول التي تجري فيها الانتهاكات، مع ورود التوصيات وربما التعهدات بالتصدي لتلك الانتهاكات، ومن ثم يذهب كل دبلوماسي إلى منزله أو فندقه، ويبقى الحال كما هو، وعلى المنتهك حقوقه اللجوء إلى أقرب منظمة محلية أو دولية لتصغي إليه إن استطاع الوصول إليها قبل تصفيته جسديا أو ترهيبه – كما يحدث في كثير من الدول.






      يتبـــــــــع








      المصدر : بن دارس


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions